Indexed OCR Text
Pages 601-620
كتاب السيرة
هذه القطعةَ ما أعطيتكها، ولن تَعْدُوَ أمرَ الله فيك، ولئن أدبرتَ،
ليعقِرَنَّك الله، وإنّي لا أراك إلا الذي رأيتُ فيك ما رأيتُ، وهذا
ثابتٌ يُجيبك))، ثم انصرف. قال ابن عباس: فسألتُ عن قول النبي ◌ِ﴾﴾.
((أراكَ الذي رأيتُ فيه ما رأيتُ))، قال أبو هريرة: إن النِيَّ﴿، قال:
(بينما أنا نائمٌ رأيتُ في يديَّ سِوارَيْنِ مِنْ ذهبٍ، فهمَّني شأنُهما،
فَأُوحِيَ إليَّ في ذلك: أن أنْفُخْهُما، فنفختُهما، فطارا، فأولتُهما كذَّبَيْن
يَخْرُ جَانِ مِنْ بعدي»، فكان أحدهما العنسيَّ صاحِبَ صنعاء، والآخر
مسليمةً صاحبَ اليمامة(١).
فقال قائل: وكيف لم يَقْتُلْ رسول الله :﴿ مسيلمةَ بإبائِهِ الدُّخولَ
في الإسلام؟
فكان جوابُنا له في ذلك: أنه قد يحتَمِلُ أن يكونَ جاءه فيمن جاء
معه مِنْ قومه على جوارِ لِيُخاطِبه بما يُجيبه إليه أو يمتنع عليه منه، فلم
يفتُلْهُ لِذلك، واتبع ما أمره الله به في مثلِه بقوله: ﴿وَإِنْ أحَدَّ مِنَ الْمُشْرِكينَ
اسْتَجَامَكَ فَأْجِرْهُ حتَّى يَسَْعَ كَلاَمَ اللهِ، ثُمَّا ◌ِفْهُمْسَهُ﴾ [التوبة: ٦].
(١) إسناده صحيح، ورواه البخاري (٣٦٢٠) و(٣٦٢١) و(٤٣٧٣)
و(٤٣٧٤) و(٧٤٦١)، ومسلم (٢٢٧٣) و(٢٢٧٤)، والترمذي (٢٢٩٢)،
والنسائي في ((الكبرى)) (٧٦٤٩)، والطبراني (١٠٧٥٠)، والبيهقي في ((الدلائل))
٣٣٤/٥ من طرق، عن أبي اليمان الحكم بن نافع، به. وبعض الروايات مختصرة.
ورواه ابن حبان (٦٦٥٤) من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن ورجل آخر، عن
نافع بن جبير، به.
- ٦٠١-
كتاب السيرة .
٥٢٨- بابُ بیانِ ما رُوِي مما یَدُلُّ علی إمکان ما قال مَنْ قال
من أهل الأخبار: إن ممن بايع رسول الله # يوم بايع الناس
بمكة، ابنٌ صغيرٌ لعبد الله بن أبي بكر، أو لعبد الرحمن بن
أبي بكر الصديق
٣٧١٢ - حَدَّثَنَا الربيع بن سليمان المراديُّ، قال: حَدَّثْنَا أسد بن
موسى، قال: حَدَّثْنَا المبارك بن فضالة، عن أبي عمران الجَوْني، عن
يزيد بن بابنوس، قال: أتيتْ عائشةَ، فسألتها عن أشياء، فسمعتها
تقول: كان رسول الله :﴿ّ في مرضه الذي قَبَضَ الله فيه روحَه، مَرَّ به
ابنٌّ لعبد الله، أو لعبد الرحمن بن أبي بكر ومعه أراكةٌ خضراءُ، فَلَحَظَ
إليه، فدعوته فأخذتُها منه، فناولتها إياه، فوضعها على فيهِ، وكان رأسُه
بين سَحْري ونَحْري، فبينا نحن كلك إذ رفع رأسه، فظننت أنه بعض ما
يريد من أهله، وكانت ريح باردة، فقبض الله عَزَّ وجَلَّ رُوحَه وما
أُشعُرُ(١).
فَعَلِمْنا بهذا الحديث أنه قد كان لعبد الله أو لعبد الرحمن حينئذٍ
ابنٌّ، ومحال أن يكون كان حينئذٍ في حال من يسعى إلا وسِنّه متقدمة
لفتح مكة، وقد كان الناس بمكة جاؤوا بأبنائهم الذين لم يَبْلُغُوا إلى
رسول الله # حتى بايعوه مع آبائهم، كما قد بايعه قبل ذلك ممن لم
(١) إسناده ضعيف، وانظر البخاري (٣١٠٠) و(٤٤٣٨) فقيه حديث عائشة في
وصفها للحظة وفاة النبي ما يخالف سياق هذا الحديث.
-٦٠٢-
كتاب السيرة
يكن بَلَغَ: عليٌّ، والزبيرُ رضي الله عنهما.
وكان ابنُ عبد الله أبو عبد الرحمن بن أبي بكر في ذلك المعنى
كذلك، والله أعلم، وقد كان الناس يومئذٍ يأتون رسول الله ﴾.
بأبنائهم فيمسحُ على رؤوسم ويَدُغُو لهم.
٣٧١٣- كما حَدَّثْنَا محمد بن علي بن داود، قال: حَدَّثْنَا أحمد
بن حَنْبل، قال: حَدَّثَنَا فَيَّضَ بن محمد الرَّقِّي، عن جعفر بن بُرْقَان، عن
ثابت بن الحجاج الكِناني، عن عبد الله الَمْداني، عن الوليد بن عُقْبة،
قال: لما فَتَحَ رسولُ الله ◌ِمَ﴿ مكة، كان الناس يأتون بصبيانهم فیسمحُ
على رؤوسهم ويَدْعُو لهم، قال: فأُتي بي نِيَّ الله ◌َ﴿َّ وأنا مُتَطَيِّبٌ
بَخَلُوقِ، فلم يدعُ لي، ولم يَمْسَحْ برأسي، قال: ولم يمنعه من ذلك إلا
أنَّ أُمي خَلَقَتْني، أو كلام يُشِبِهُه(١).
(١) إسناده ضعيف لجهالة عبد الله الهمداني -ويكنى أبا موسى-، وقال في
البخاري في ((التاريخ الكبير)) ٢٢٤/٥: لا يصح حديثه. وجهله أيضاً ابن عبد البر
والذهبي وابن حجر.
والحديث رواه أحمد ٣٢/٤، ومن طريق أحمد رواه العقيلي في ((الضعفاء))
٣١٩/٢، والحاكم ١٠٠/٣، وعنه البيهقي ٥٥/٩.
ورواه أبو داود (٤١٨١) عن أيوب بن محمد الرقي، والعقيلي ٣١٩/٢ من طريق
المغيرة بن معمر الحراني، كلاهما عن عمر بن أيوب، عن جعفر بن برقان، به. وفي
حديث المغيرة الحراني: عبد الله الهمداني، عن أبي موسى، عن الوليد!
قال ابن عبد البر في "الاستعياب" ٥٩٤/٣: أبو موسى هذا مجهول، والحديث
منكر مضطرب لا يصح، ولا يمكن أن يكون من بعث مصدقا في زمن النبى صلى الله
-٦٠٣-
كتاب السيرة
فكان ابنُ عبد الله أو عبد الرحمن من أولئك الصبيان، وقد يحتمل
أن يكون كان قد عَقَّلَ البيعة حينئذٍ كيف هي؟ فبايعه، فيكون ذلك
كما قد قيل فيه، ويكون أبو بكر رضي الله عنه قد تَفَرَّدَ بالبيعة من
نفسه يومئذ، وبالبيعة من أبيه، وبالبيعة من ابنه، وبالبيعة من ابنِ ابنهِ
رسول اللّهَ﴿ على ما بايعوه عليه يومئذٍ، ولا نعلمُ ذلك اجتمع لأحدٍ
من الناس سواه رضوان الله عليه، والله نسأله التوفيق.
عليه وسلم صبيا يوم الفتح، ويدل أيضا على فساد ما رواه أبو موسى المجهول أن
الزبير وغيره من أهل العلم بالسير والخبر؛ ذكروا أن الوليد وعمارة ابني عقبة خرجا
ليردا أختهما أم كلثوم عن الهجرة وكانت هجرتها في الهدنة بين النبي صلى الله عليه
وسلم وبين أهل مكة، ومن كان غلاما مخلقا يوم الفتح ليس يجيء منه هذا، وذلك
واضح والحمد لله رب العالمين، ولاخلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت
أن قول الله عز وجل: (إن جاءكم فاسق بنبأٍ) نزلت في الوليد بن عقبة ....
- ٦٠٤-
كتاب السيرة
٥٢٩- باب بیانِ مُشْکِل ما روي عن رسول الله څ ممّا کان منه
يومَ فتحِ مكةَ من أمانةِ الناسِ جميعاً إلاّ الأربعةَ الرجال الذین
سمَّهم وإِلّ القَيْنَتَينِ اللتين كانا سمَّاهُما معهم
٣٧١٤ - حَدَّثْنَا أبو أميةَ، قال: حَدَّثَنَا أحمد بن المفضَّلِ الحَفَرِيُّ،
قال: حَدَّثْنَا أسباطُ بن نصرٍ، قال: زَعَمَ السُّدِّيُّ، عن مُصعب بنِ سعد،
عن أبيه، قال: لما كان يومُ فتح مكة أَمَّنَ رسول الله ◌َّ الناسَ إلاَّ أربعة
نَفَرٍ وامرأتين، وقال: (اقْتُلُوهُم وإن وجدتُموهُم مُتَعَلّقِينَ بِأَسْتَارِ
الكعْبَةِ: عِكرمةَ ابنَ أبي جهلٍ، وعبد الله بنَ خطَّل، ومِقْيَسَ بنَ
صبابة، وعبد الله بنَ سعدٍ بن أبي سَرْحٍ)) فأَمَّا عبدُ الله بن خطَل: فأتي
وهو متعلِّقٌ بأستار الكعبة، فاستبَقَ إليه سعيدُ بن حُريث، وعمارُبنُ
ياسر رضي الله عنهما، فسبَقَ سعيدٌ عماراً، وكان أشدَّ الرجلين فقتله،
وأما مِقْيَسُ بنُ صَيّابة، فأدركَه الناسُ في السوق، فقلتُوه، وأما عكرمةُ
بن أبي جهل: فركب البحر، فأصابهم ريحٌ عاصف، فقال أصحاب
السفينة لأهل السفينةِ: أخِلِصُوا، فإنَّ آلمتكُم لا تُغني عنكم شيئاً هاهنا،
وقال عكرمةُ: والله لَئِن لم يُنجني في البحر إلاَّ الإخلاصُ لا يُنجيني في
البَرِّ غيرُه، اللهمَّ إنَّ لك عليَّ عهداً إنْ أنْجيتني ثَمّا أنا فيه، أَنّي آتي محمداً
﴿ فأضعُ يدي في يده، فلأجدنَّهُ عَفُوّاً كريماً، فنجا، فأسلمَ. وأما عبدُ
الله بنُ أبي سرح، فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان رضي الله عنه،
فلما دَعا رسولُ اللهِمَ﴿ُ الناسَ للبيعة، جاء به، حتى أوقفَهُ على النبيِّ ◌َُّ
فقال: يا رسولَ الله بايعْ عبدَ الله، فرفَعَ رأسَه، فنظر إليه ثلاثاً، كلُّ
-٦٠٥-
كتاب السيرة
ذلك يأبى، فبايَعَهُ بَعْدَ ثلاث، ثم أقبلَ على أصحابه، فقال: ((أما كَانَ
فِيَكُمْ رِجُلٌ يَقُومَ إلى هذا حينَ رآنِي كَفَفْتُ يَدِي عن بيعتِهِ، فَيَقْتُلَهُ))
فقالوا: ما دَرَيْنا يا رسول الله ما في نفسك، فهلاَّ أَوْمَأْت إلينا بعينِكَ،
فقال: (إِنَّه لا ينبغي لبيّ أن تكونَ له خائِنَةُ عَيْن)). (١)
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديث أن النبيَّ ◌َ ﴿ كان أمر في هؤلاء
ء
الأربعةِ الرجالِ المسمَّيْنَ بما أمر به فيهم أمراً مطلقاً، ثم خرج عن ذلك:
عكرمةُ بن أبي جهل، وعبدُ الله بنُ سعد بإسلامهما، فَحَقَن ذلك
دماءهما، وقُتِلَ الآخران على ما قُتِلا عليه من الكفر الذي تَبَتَا عليه،
فَدَلَّ ذلك أن أمْرَ النبيِ: # كان فيهم بما أمر به فيهم مستثنى من
خروجهم عن السبب الذي أمر من أجلِه بما أمر به فيهم إلى ضِدِّه وهو
الإِسلامُ. فكان ذلك استثناءً بالشريعةِ، وإنْ لم يُسْنَ باللسان، فدلَّ
ذلك أنَّ كذلك تكون أمورُ الأئمة بالعقوبات مستثنى منها ما يَرْفَعُ
العقوبات بالشريعة، وإنْ لم يستثنوا ذلك بألسِنَتهم، وبالله عَزَّ وجَلَّ
التوفيق.
(١) رواه ابن أبي شيبة ٤٩١/١٤- ٤٩٢، وأبو داود (٢٦٨٣) و(٤٣٥٩)،
والنسائي ١٠٥/٧-١٠٦، والطحاوي٣٣٠/٣، وابن أبي شيبة ٤٩١/١٤-٤٩٢،
وأبو يعلى (٧٥٧)، والبزار (١٨٢١)، والدارقطني ٥٩/٣، والحاكم ٤٥/٣، والبيهقي
في («السنن الكبرى)) ٤٠/٧، وفي ((دلائل النبوة)) ٥٩/٥، وابن الأثير في ((أسد الغابة)
٧٠/٤-٧١ من طرق عن أحمد بن المفضل، به.
-٦٠٦-
كتاب السيرة
٥٣٠- بابُ بیانِ مُشْکِل ما رُوي عن رسول الله ﴾ من قوله:
(لا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ بَعْدَ اليومِ صَبراً)
٣٧١٥- حَدَّثْنَا عبدُ الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، قال:
حَدَّثَنَا أسدُ بنُ موسى، قال: حَدَّثْنَا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، قال:
حدثني أبي، عن الشَّعبي، قال: قال عبدُ الله بن مُطيع: سمعتُ مُطيعاً
يقول: سمعتُ رسول الله ﴿ يوم فَتْحِ مكة يقول: (لا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ
صَبْراً بعدَ هذا الْيَوْمِ إلى يَومِ القيامِةِ)).
٣٧١٦ - حَدَّثَنَا أحمد، قال: حَدَّثْنَا إسحاقُ بنُ إبراهيم بن يونس
البغداديُّ، قال: حَدَّثَنَا محمد بن منصور الطُّوسيُّ، قال: حَدَّثْنَا يعقوبُ
- يعني ابنّ إبراهيم بن سعد- قال: حَدَّثْنَا أبي، عن ابن إسحاق، قال:
حدثني شُعْبَةُ، عن عبد الله بن أبي السَّفَر، عن الشّعبي، عن عبدِ الله بنِ
مُطيع بنِ الأسود، عن أبيه - وكان اسمه العاصي، فسمَّاه رسولُ الله ◌ِ﴿
مُطيعاً - قال: سمعتُ رسول الله لَّ حين أمر بقتل هؤلاء الرَّهْطِ بمكة
يقول: (لا تُغْزَى مَكّةُ بَعْدَ هذا العامِ أبداً ولا يُقْتَلُ رَجُلٌ من قريش
صَيْراً بعدَ العَامٍ)(١).
قال أبو جعفر: فكان هذا القولُ من رسول الله :﴿ ما لم يَذْكُر
(١) إسناده حسن، ورواه أحمد ٤١٢/٣ و٢١٣/٤، ومن طريقه ابن الأثير في
((أسد الغابة)) ١٩١/٥-١٩٢ عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، به. ورواه الطبراني في
(الكبير) ٢٠/(٦٩١) من طريق أحمد بن محمد بن أيوب صاحب المغازي، حَدَّثَنَا
إبراهيم بن سعد، به. قال الهيثمي في (المجمع)) ٢٨٤/٣: رواه أحمد ورجاله ثقات.
-٦٠٧-
كتاب السيرة
لنا فيه مَنْ روى لنا هذا الحديثَ لفظَ رسول الله:﴿ به مُعْرَباً، وذلك
مما يقع فيه الإشكالُ، لأنه إن كان لا يُقتل بالحرم، كان ذلك على
الأمر، وفي ذلك خلافٌ لأحكام الله عَزَّ وجَلَّ المذكورةِ في غير هذا
الحديثِ، لأن أحكامَ الله عَزَّ وجَلَّ أن القرشيَّ يُقتلُ قَوَدً إذا قْتَل عمداً،
وأنه يُرجم إذا زنى مُحْصَناً وحاشَ الله عَزَّ وجَلَّ أن يكونَ لفظُ رسولِ
الله ﴿ بذلك الحرف يخرجُ من هذه الأحكام، ولكنّه عندنا - والله
أعلم - ((لا يُقتلُ)) مرفوعاً، فيكون ذلك على الخبر كمثلٍ ما قد ذكرناه
فيما تقدم منّا في كتابنا هذا عن رسول الله :﴿ من قولِه: ((لا يُلْدَعُ
مُؤْمِنٌ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتين)) وأتينا في ذلك بما يوجبُ أَنَّه على الخبر لا على
الأمر، فغَنِينا بذلك عن إعادَتِهِ هاهنا.
فقائل قائلٌ: فقد رأينا من لا يُحصَى عَدَدُه من قريش قد قُتلوا في
الإسلام صبراً، ونحن نعلمُ أنَّ رسولَ الله ﴿ لا خُلْفَ لقوله. (١)
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أنَّ مراده مح﴿ بقوله:
((لا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ بعدَ العام صَبْراً) إنَّما هو أنَّه لا يُقتل بعد ذلك العام
قُرشيٌّ صبراً على ما أباحَ من قتل الأربعةِ القرشيين المذكورين في
حديث سعدٍ عليه عامَئذٍ، لأنه كان قتلاً على محاربة قتل مَنْ قُتل منهم
W
فيها على الكفر، وذلك بحمدِ الله لم يكنْ من عامئذٍ في قريش بعدَ ذلك
(١) قال النووي في ((شرح مسلم) ١٣٤/١٢: قال العلماء معناه: الإعلام بأن
قريشاً يسلمون كلهم، ولا يرتد أحد منهم، كما ارْتدّ غيرهم بعده ﴿ ممن حُورِب
وقُتل صبراً، وليس المراد أنهم لا يُقتلون ظلماً صبراً فقد جرى على قريش بعد ذلك ما
هو معلوم، والله أعلم.
-٦٠٨-
كتاب السيرة
العام عاد كافراً محارباً لله ورسوله في دار كُفر إلى يومنا هذا، ولا
يكون ذلك إلى يوم القيامة، لأنَّ الله عَزَّ وجَلَّ لا يُخْلِفُ وعدَهُ رسلَه.
ومما دَلَّ على ما قلنا من ذلك ما قد رُوِيَ عن رسول الله صل{# في غير
هذا الحديث في مكّة.
٣٧١٧ - كما قد حَدَّثَنَا رَوْحُ بن الفرج، قال: حَدَّثَنَا حامدُ بنُ
يحيى، قال: حَدَّثْنَا سفيانُ بنُ عيينة، عن زكريًّا بنِ أبي زائدة، عن
الشعبي، عن الحارث بن البَرْضَاءِ، قال: سمعت رسول الله:﴿ يقولُ يوم
فتح مكة: ((لا تُغْزَى مكَّةُ بعدَ هذا اليوم أبدً). قال سفيانُ: تفسيرُهُ
أَنَّهم لا يَكفُرون أبداً، ولا يُغْرَون على الكُفرِ (١).
قال أبو جعفر: وكذلك معنى ((لا يُقْتَلُ قُرشيٌّ بعد العام صَبْراً)
إنَّما يُراد به هذا المعنى أنَّهم لا يَعُودونَ كَفَّاراً يُغْزَوْنَ حتى يُقْتَلوا على
الكُفْرِ، كما لا تعودُ مكَّةُ دارَ كفرٍ تُغزى عليه. وبالله عَزَّ وجَلَّ
التوفيق.
(١) رواه الحميدي (٥٧٢)، ومن طريقه الطبراني في (الكبير)) (٣٣٣٨)، والحاكم
٦٢٧/٣ عن سفيان بن عیینة، به.
ورواه أحمد ٤١٢/٣ و٣٤٣/٤، والترمذي (١٦١١)، وابن سعد ١٤٥/٢، وابن
أبي شيبة ٤٩٠/١٤، والطبراني (٣٣٣٣) - (٣٣٣٧)، والبيهقي في ((السنن الكبرى))
٢١٤/٩، وفي ((دلائل النبوة)) ٧٥/٥، وابن الأثير في ((أسد الغابة)) ٤١٣/١، والمزي في
(تهذيب الكمال)) ٢٧٧/٥ من طرق عن زكريا بن أبي زائدة، به.
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وهو حديث زكريا بن أبي زائدة، عن
الشعبي، فلا نعرفه إلاَّ من حديثه.
- ٦٠٩-
كتاب السيرة
٥٣١- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيّ عن رسول الله # في الھجْرِة
وهل قَطَعَها فَتْحُ مَكَّةَ أَمْ لم يَقْطَعْهَا؟
٣٧١٨- حَدَّثْنَا بَكَّار بنُ قُتيبةَ، قال: حَدَّثَنَا مُؤْمَّل بنُ إسماعيل،
قال: حَدَّثْنَا سُفيان، عن مَنْصُورِ، عن مُجَاهِدٍ، عن طَاووسٍ، عن ابن
عَّاسٍ رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ اللهِل ◌َ﴿ّ قال يومَ الفَتْحِ: ((لا هِجْرَةَ
بعدَ الفَتْحِ، ولكن جهادٌ وَيَّةٌ، وإذا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفَرُو)(١).
٣٧١٩ - حَدَّثْنَا ابنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا القَوَارِيريُّ، قال:
حَدَّثْنَا يَحيى، عن سُفيان، ثم ذكرَ بإسنادِهِ مثلَهُ(٢).
٣٧٢٠- وحَدَّثْنَا فَهْدٌ، قال: حَدَّثَنَا النَّفَيَلِيُّ، قال: حَدَّثْنَا زُهير بن
مُعاويةَ، قال: حدَّثْني عاصمٌ الأحول، عن أبي عثمان قال: حدثني
مُجَاشِع، قال: أتيتُ رسولَ اللهِلَ﴿ بَعْدَ الفَتْحِ بأخي [أبي] معبدٍ
لِيُبايعُهُ، فقلتُ: يا رسولَ الله! جئْتُ بأخي [أبي] معبدٍ لِتُبايعهُ على
الهجرةِ، فقال: ((ذَهَبَ أهلُ الهِجْرةِ بما فيها) فقلتُ: فعلى أي شيءٍ
(١) حديث صحيح، مؤمَّل بن إسماعيل - وإن كان سيء الحفظ - قد توبع.
ورواه عبد الرزاق (٩٧١٣)، وأحمد ٣٥٥/١، والطبراني (١٠٩٤٤) من طريق
سفيان الثوري، به. ورواه أحمد ٢٢٦/١ و٣١٥-٣٦٦، والدرامي ٢٣٩/٢،
والبخاري (١٨٣٤) و(٣٠٧٧)، ومسلم (١٣٥٣)، وأبو داود (٢٤٨٠)، والترمذي
(١٥٩٠)، والنسائي ١٤٦/٧، والقضاعي (٨٤٤)، والبيهقي ١٩٥/٥ و١٦/٩،
والبغوي (٢٠٠٣) من طرق عن منصور، به.
(٢) إسناده صحيح، ورواه أحمد ٣٥٥/١، والبخاري (٢٧٨٣) و(٢٨٢٥)،
وابن حبان (٤٨٦٥)، وابن الجارود (١٠٣٠) من طريق يحيى بن سعيد، به.
- ٦١٠-
كتاب السيرة
تُبايعه؟ قال: ((على الإيمان أو على الإسلام، والجهَادِ)) قال: فلقيتُ
[ أبا] معبدٍ بعدُ - وكان أكبرَهُما فسألتُه- فقال: صدقَ مُجاشعٌ(١).
٣٧٢١ - وحَدَّثْنَا فَهْدٌ، قال حَدَّثْنَا أبو نُعَيمِ، قال: حَدَّثَنَا شَيْبان
-وهو النّحوي-، عن يحيى بن أبي كثير، عن يحيى بن أبي إسحاق،
عن مُجاشع بنِ مسعودٍ البَهْزِيِّ أَنَّ أتى النبيَّ :﴿ بابنِ أُخيه لِيُبايعهُ على
الهِجْرةِ فقال رسولُ اللهِ﴾: ((لاَ، بل يُبايع على الإسلامِ، فإنّه لا
هِجْرَةَ بعدَ الفَتْحِ، ويكُون من التّابعين بإحسان).
٣٧٢٢ - وحَدَّثَنَا ابنُ أبي داود، قال: حَدَّثَنَا الوَهْسِيُّ، قال: حَدَّثَنَا
شَيْبان، ثم ذكرَ بإسنادِهِ مثلَهُ.
٣٧٢٣ - وحَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، قال: حَدَّثَنَا حَبَّانُ بن
هلال قال: حَدَّثَنَا أبو عَوانة، عن يزيد بنِ أبي زِيادٍ، عن مُجاهدٍ، عن
8
صفوان بن عبد الرحمن أو عبد الرحمن بن صَفْوان، قال: لما كانَ فتحُ
مكَّةَ جاء بأبيهِ، فقال: يا رسولَ الله! اجْعِلْ لأبي نَصِيباً مِن الهِجْرةِ،
فقال: ((لاَ هِجْرةَ اليوم))، فدخلَ على العَبَّاسِ، فخرجَ العَبَّاسُ فِي قَميصٍ
ليس عليه رداءٌ، فقال: يا رسولَ اللهِ صلى الله عليك وسلم، قد عَرفت
(١) إسناده صحيح، ورواه الطبراني ٢٠/(٧٦٦) من طريق النُّقيلي، به.
ورواه أحمد ٤٦٩/٣، والبخاري (٤٣٠٥) و(٤٣٠٦)، والطبراني ٧٦٦١/٢٠)
من طريقين عن زهير بن معاوية، به. رواه أحمد ٤٦٨/٣، والبخاري (٢٩٦٢)
و(٢٩٦٣) و(٤٣٠٧) و(٤٣٠٨)، ومسلم (١٨٦٣)، والطبراني ٢٠/(٦٦٧)،
والبيهقي ١٦/٩ من طرق عن عاصم الأحول، به.
- ٦١١-
كتاب السيرة
فُلاناً والذي كان بيني وبينَه، وأنه جاء بأبيهِ، فما يمنعهُ؟ قال: (لاَ
هِجْرةَ، فقال العبَّاسُ: أقسمتُ يا رسولَ اللهِ، قال: فمدَّ رسولَ الله
◌َ﴿ يَدَهُ، ومَسَحَ عليه، وأدْخَلَ يَدَهُ، وقال: «أبررتُ عمِّي، ولا
هِجْرَة»(١).
٣٧٢٤- حَدَّثْنَا أبو أُميَّة، قال: حَدَّثْنَا عُبيد الله بن موسى، قال:
حَدَّثْنَا عُبِيدُ الله بنُ أبي زِيادٍ، عن أُمِّ يحيى ابنة يَعلى، عن أبيها قال:
جِئْتُ بأبي يومَ فتح مكَّة، فقلتُ: يا رسولَ الله: هذا أبي يُبايعُكَ على
الهِجرةِ. قال: ((لاَ هِجْرَةَ بعدَ الفَتْحِ، ولَكِن جِهَادٌ وِنِيَّةٌ).
٣٧٢٥ - حَدَّثَنَا ابنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الله بن صالحٍ،
قال: حدثني اللَّيثُ، قال: حدثني عُقيل، عن ابن شهابٍ قال: أخبرني
عمرو بن عبد الرحمن بن أُميَّة بن يَعلى بن مُنْيَة، أن أباه أخبره، أن يعلى
قال: جئتُ رسولَ اللهلَ﴿ في أبي أُميَّة يومَ الفَتْحِ، فقلتُ: يا رسولَ
اللّهِ: بَايِعْ أبي على الهِجْرةِ، قال رسولُ اللهِ﴾: (بَل أُبايعهُ على
الجهادِ، فَقَد انقَطعتِ الهِجرقُ)(٢).
(١) يزيد بن أبي زياد: هو الهاشمي مولاهم الكوفي، ضعيف.
ورواه أحمد ٤٣٠/٣، وابن ماجه (٢١١٦) من طريق يزيد بن أبي زياد، به.
(٢) رواه النسائي ١٤٥/٧، والطبراني ٢٢/(٦٦٥) من طريقين عن الليث بن
سعد، به. ورواه الحاكم ٤٣٣/٣-٤٢٤، والطبراني ٢٢/(٦٦٥)، والفسوي في
(المعرفة)) ٤٠٠/١، ومن طريقه البيهقي ١٦/٩، من طرق عن عقيل بن خالد، به.
ورواه أحمد ٢٢٣/٤-٢٢٤، والطبراني ٢٢/(٦٦٤)، والبيهقي ١٦/٩ من طرق عن
الزهري، به. ورواه أحمد ٢٢٣/٤، والنسائي ١٤١/٧، وابن حبان (٤٨٤٦) من
- ٦١٢ -
كتاب السيرة -
٣٧٢٦- وحَدَّثْنَا إبراهيمُ بن مرزوقٍ، قال: حَدَّثَنَا حَبّان بنُ
هلال قال: حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عن أبي عُثمان،
عن مُحاشع بن مسعودٍ، أنه قال للنبيِّ﴾: هذا مُجالدُ بنُ مسعودٍ،
فبايعهُ على الهِجرةِ، قال: ((لاَ هِجْرةَ بَعْدَ فَتْح مكَّةَ، ولكن أُبايعُهُ على
الإسلام)(١).
٣٧٢٧- وحَدَّثْنَا أبو أُمَيَّة، قال: حَدَّثْنَا عُبيد الله بنُ موسى،
قال: حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ إسماعيل، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن
عَمرو بنِ شُعيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه عبد الله بن عمرو، قال: لما فَتَحَ
النِيُّ ◌َّ مَكَّةَ خَطَبَ النَّاسَ فقال في خُطِبِهِ: ((لاَ هِجْرةَ بَعْدَ الفَتْحِ)).
قال أبو جعفرٍ: ففي هذه الآثارِ إخبارُ رسولِ الله ◌َّ أنَّ الهجرةَ
قد انقطعتْ بفتحِ مكّة. وقَدْ رُوِيّ ذلك عنٍ ابنٍ عُمر، وعن عائشةً
رضي اللهُ عنهما من قولِهمَا، وذكرهما السبب الذي به انقطعتِ
الهجرةُ بفتح مكّةً، والسبب الذي كان يكُونُ به الهجرةُ قبل فتح مكة.
طريق ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، عن عمرو بن عبد الرحمن
ابن خي يعلى بن منية، حدثه أن أباه أخبره ...
وقال الحافظ في ((الإصابة)) ٨٠/١١ بعد أن ذكر الحديث من هذا الطريق
والطريق، السالف: ورواه ابن عيينة عن داود بن شابور، عن مجاهد، عن يعلى ... ،
وهذه أسانيد يقوي بعضها بعضاً.
(١) إسناده صحيح، ورواه أحمد ٤٦٩/٣ و٧١/٥، والبخاري (٣٠٧٨)
و(٣٠٧٩)، والطبراني في «الكبير)) ٢٠/(٧٦٥) من طرق عن يزيد بن زريع، به.
-٦١٣-
كتاب السيرة
٣٧٢٨ - وكما قد حَدَّثْنَا فهدٌ، قال: حَدَّثَنَا يَحيى بن عبد الله
بن الضَّحَّاكِ الْبَابْلَتِي، قال: حَدَّثَنَا الأوزاعيُّ، قال: حدثني عَبْدَة، عن
مُجاهدٍ، عن ابن عمر قال: انقطعتْ الهِجرةُ بعدَ الفتحِ(١).
٣٧٢٩ - وكما حَدَّثْنَا أبو أُميَّة، قال: حَدَّثَنَا مُعاوية بن عَمْرو
الأزدي، قال: حَدَّثْنَا أبو إسحاق الفزاريُّ، عن عبد الملك، عن عطاء
قال: دخلتُ أنا وعُبيد بن عُمَيْر على عائشةَ فقال لها: يا أُمَّ المؤمنينَ هل
مِن هِجْرةٍ اليومَ؟ قالت: لا ولكن جهادٌ ونِيَّةٌ، إنما كانت الهجرةُ قبل
فتحِ مكَّةَ، والنبيُّ ◌َ﴿ بالمدينةِ، يَفِرُّ الرَّجُلُ بدينه إلى رسولِ الله ◌ِ﴾.
قال أبو جعفر: فأخبرتُ عائشة بالمعنى الذي به كانت تَكُونُ
الهِجرةُ، وأَنَّه قد انقطعَ بفتحِ مكة، ودلَّ على هذا المعنى أيضاً ما قد
رَوَيْناه فيما تقدَّم منا في كتابنا هذا عن رسولِ الله ◌َّ من قَوله لصفوانٌ
بن أُميَّة لما قَدِمَ عليه إلى المدينةِ حين قيل له قبل ذلك: إنّه لا دِينَ لمن لم
يُهاجِرْ، ومن إطلاقِهَ له الرجوع إلى مكةَ، لأنه لو كان الحكمُ حينئذٍ
على ما كان عليه قبلَ فتح مكة على هذا المعنى لما أطلق له الرُّجُوع إلى
الدَّار التي هاجر منها كما لم يُطلق ذلك للمهاجرينَ إليه إلى المدينةِ قبلَ
فتح مكّة حتى جعلَ لهم إذا قدموها لحجِّهم إقامة ثلاثة أيامٍ بَعْدَ
الصَّدَر، لا زِيادةَ عليها.
(١) رواه البخاري (٣٨٩٩) و(٤٣١١) من طريق يحيى بن حمزة، عن الأوزاعي،
به. ورواه البخاري (٤٣٠٩) و(٤٣١٠) من طريقين عن شعبة، عن أبي بشر، عن
مجاهد، به.
-٦١٤-
كتاب السيرة
٣٧٣٠- كما قد حَدَّثَنَا يُونس، قال: حَدَّثَنَا أنسُ بنُ عياضٍ، عن
عبد الرحمن بن حميدٍ، قال: سمعتُ عمرَ بنَ عبد العزيز يسأل السَّائبَ
بن يزيد: ما سمعتَ في سُكنى مكّة للمُهَاجِرِ؟ فقال: قال العلاءُ بنُ
الحَضْرَمِيِّ، عن رسُولِ الله ﴿: ((ثلاثٌ بَعْدَ الصَّدَرِ للمُهاجرِ)).
٣٧٣١ - وكما حَدَّثَنَا إبراهيمُ بن مرزوقٍ قال: حَدَّثْنَا حَبَّانُ بن
هلال قال: حَدَّثَنَا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عبد الرحمن بن حميدٍ، ثم ذكر
بإسناده مثله.
قال أبو جعفر: وحتى كان المهاجرُون يُشفقُونَ من إدراكِ الموتِ
إِيَّاهم بها، ويعظّمونَ ذلك، ويَخْشَوْنَهُ على أنفسهم.
٣٧٣٢- كما قد حَدَّثَنَا يونس، قال: حَدَّثْنَا سُفيان، عن
الزُّهري، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه رضي الله عنه
قال: مَرِضتُ عامَ الفتحِ مرضاً أشفيتُ منه على الموتِ، فأتاني رسولُ
اللّه ◌َ﴿ يُعُودُني فقلتُ: يا رسول الله أُخلّفُ عن هِجرتي؟ قال: (إنك
لَنْ تُخَلِّف بعدِي فتعملَ عملاً تبتغي به وجهَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ إلا ازْدَدْتَ
به رِفْعَةً ودرجةً، ولَعَلَّكَ أن تُخَلِّفَ بعدي حتى يَنْتَفعَ بك أقوامٌ،
ويُضَرَّ بك آخرون. اللهم امْضٍ لأصحابي هِجْرَتَهُمْ، ولا تَرُدَّهم على
أعقابهم، لكن البائسُ سَعْدُ بنُ خولة)). يرثي له رسولُ اللهِ مَّ أن
مات بمكة.
٣٧٣٣ - وكما حَدَّثْنَا يونس قال: أنبأنا ابنُ وهب أن مالكاً
أخبره (ح)، وكما حَدَّثَنَا المزنيُّ قال: حَدَّثَنَا الشافعي، عن مالك، عن
ابن شهاب، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن سعد بن أبي وقاص
- ٦١٥ -
كتاب السيرة
قال: جاءني رسولُ اللهِ﴿ يَعُودُنِي عامَ حَجَّةِ الوداعِ من وجع اشتدَّ
بي .. ثم ذكرَ الحديث(١).
أفلا ترى إلى مَنْعِ رسولِ اللهِل﴿ بعد فتح مكة المهاجرين إليه قبل
ذلك إلى المدينة من الرجوع إلى مكة، إذ كانوا قد هاجروا منها،
وتركوها للهِ عز وجل إلى مدينة رسول الله :﴿ رغبةً فيها، ومن المقام
بها إلا ما لا يجدون منه بداً بعد حَجِّهم إليها من المقام بها، ليتأهّبُوا
لخروجهم منها، ورجوعهم إلى دار هجرتهم، ومن إطلاق رسول
اللّهَ ذلك لمن سواهم ممن كان إسلامُه بعدَ فتح مكة، فلا دليلَ أدلُّ
على انقطاع الهجرة بفتح مكة بعدما رويناه عن رسول الله {8# في ذلك
في هذا الباب من هذا.
وقد رُوِيَ عن ثلاثةٍ من الأنصار في هذا الباب -وهم: أبو سعيد
الخدري، وزيدُ بنُ ثابت، ورافعُ بن خديج - عن رسولِ الله ◌َّ بتوكيدِ
هذا المعنى يقولون: كان مِن رسول الله:﴿ فيه بعد إنزالِ الله عَزَّ
وجَلَّ: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ وبَعْدَ قراءته إِيَّها على الناسِ.
٣٧٣٤- كما قد حَدَّثَنَا بكارُ بن قتيبة، قال: حَدَّثَنَا أبو داود
الطيالسي، قال: حَدَّثَنَا شعبةُ، قال: حدثني عمرو بنُ مُرَّةَ، قال: سمعتُ
ابا البَخْتَرِيِّ يُحدثُ، عن أبي سعيد الخُدْرِيِّ، قال: لَّا نزلت: ﴿إِذَا جَاءَ
نَصْرُ اللهِ والفتْحُ﴾، قرأها رسولُ اللهل﴿ حتّى ختمها، ثم قال: ((أنا
(١) إسناده صحيح، وهو في ((سنن الشافعي)) (٥٣٧)، وفي («الموطأ)) ٧٦٣/٢،
ومن طريق مالك رواه ابن حبان (٥٩٩٤)، والبغوي (١٤٥٩).
-٦١٦-
كتاب السيرة
وأصحابي حَيِّزٌ، والنَّاسُ حيِّز، لا هجرةَ بعد الفتح)).
قال أبو سعيد: فحدثتُ بذلك مروانَ بنَ الحكم وكان على
المدينة، فقال: كذبتَ وعنده زيدُ بن ثابت، ورافعُ بنُ خَدِيجٍ، وهما
معه على السرير، قلتُ: أما إن هذين لو شاءا حدَّثاك، ولكن هذا -
يعني زيدَ بنَ ثابت- يخاف أن تعزِلَه عن الصِّدَقَةِ، وهذا يخاف أن تَعْزِلَهُ
عن عَرَافَةٍ قومه - يعني رافعَ بنَ خديج- وهما معه، قال: فَشَدَّ ذلك
عليَّ بدِرَّته، فلما رأيا ذلك، قالا: صَدَقَ.
فقال قائل: أفيخالف هذا ما رُوِيَ عن رسول الله ◌ِ﴾؟
٣٧٣٥ - فذكر ما قد حَدَّثْنَا الربيعُ المرادِيُّ، قال: حَدَّثَنَا شعيبُ
بنُ الليث قال: حَدَّثْنَا الليث عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، أن
جُنَادَةَ بنَ أبي أُميَّةٍ، حَدَّته، أن رجلاً حدَّته، أن رجالاً من أصحاب
رسولِ الله﴿ قال بَعْضُهُمْ: إن الهِجْرةَ قد انقطعت، واختلفوا في ذلك،
فانطلقتُ إلى رسول الله ﴿، فقلتُ: يا رسولَ الله إن ناساً يقولون: إن
الهجرة قد انقطعت، فقال رسول الله﴿: ((لا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ ما كانَ
الجهاد)).
٣٧٣٦ - وما قد حَدَّثْنَا ابنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا عمرو بنُ أبي
سَلَمَة، عن ابن زَبْرٍ، عن بُسرِ بنِ عُبيد الله، عن أبي إدريس الخولاني،
عن حسان بن الضَّمْري، عن عبدِ الله ابنِ السَّعدِي، قال: وَفَدْتُ إلى
رسولِ الله﴿ في نفرٍ من بني سَعْدٍ، فَأَتَّوْا رسولَ اللهِلَ﴿ْ، فَقَضَوْا
حَوَائِجَهُمْ، وخلّفوني في رِحالهم، فأتيتُ رسولَ اللهِ﴾، فقلتُ: يا
رسولَ الله، أخبرني عن حاجتي، فقال: ((وما حَاجَتُك))؟ فقلت:
-٦١٧-
كتاب السيرة
انقطعتِ الهِجْرَةُ؟ فقال رسولُ الله ◌َ﴿هُ: (أنتِ خَيْرُهُم حاجةٌ))، أو قال:
((حاجتك خَيْرُ حَاجَاتِهِم، لا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ ما قُوتِلَ الْكُفَّارُ)).
٣٧٣٧ - وما قد حَدَّثْنَا محمد بن عبد الرحيم الهروي، قال:
حَدَّثَنَا دُحَيْمٌ، قال: حَدَّثْنَا الوليدُ بن مسلم، قال: حَدَّثَنَا ابنُ زبر أنه سمع
بُسْرَ بن عُيد الله يحدث عن أبي إدريس الخولاني، عن عبدِ الله بنٍ
وَقْدَانَ القرشيِّ - وكان مُسْتَرَضَعاً في بني سعدٍ بن بكر - قال: وَفَدْتُ في
نَفُرِ من بني سعد إلى رسول اللهلم®، ثم ذكر مثله.
٣٧٣٨ - وما قد حَدَّثَنَا محمدُ بن عبدِ الرحيم، قال: حَدَّثْنَا دُخَيْمٌ
قال: حَدَّثْنَا الوليدُ، قال: حَدَّثْنَا يحيى بنُ حمزة، عن عطاء الخراساني،
عن عبدِ الله بنِ محيريز، عن عبد الله ابنِ السعدي، عن رسول الله وَ ﴾.
مثله.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيقِ الله عَزَّ وجَلَّ وعونِه أن هذا غيرُ
مخالفٍ لشيءٍ مما قد تقدّمت روايتنا إيّاه في هذا الباب، لأنه قد يحتمل
أن يكونَ أراد بذلك الكفارَ من أهل مكة الذين كانوا يُقَاتِلُون على فتح
مكة حتى فُتحت عليهم بما فتح الله عَزَّ وجَلَّ به عليهم.
قال: أفيخالف هذا:
٣٧٣٩ - فذكر ما قد حَدَّثَنَا الهرويُّ، قال: حَدَّثَنَا دُحَيْمٌ، قال:
حَدَّثْنَا الوليدُ، قال: حَدَّثَنَا حريزٌ بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي
عوف الجرشي، عن أبي هِنْدٍ البَحَلِي، أنه سَمِعَ معاوية يقول: سمعتُ
رسولَ الله ﴿ يقول: ((لا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ حتَّى تَنْقَطِعَ التّوبةُ، ولا
تنقطع التوبةُ حتى تطلع الشمس من مغربها)»، قال ذلك ثلاث
-٦١٨-
كتاب السيرة
مرات(١).
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أن هذه
الهجرة المذكورة في هذا الحديث ليست الهجرة المذكورة فى الأحاديث
الأُول، إنما هي هجرة السوء، لا الهجرة الأخرى المذكورة في الآثار
الأُول، ألا تراه يقول: ((حتى تنقطع التوبة)، أي: إنها الهجرة التي يهجُرُ
بها ما كان قبلَها ما قطعته التوبة(٢).
وقد دَلَّ على ذلك ما قد رُوِيَ عن رسول الله ل:﴿ ما فيه تفرقةٌ
(١) أبو هند البجلي: مقبول. ورواه النسائي في ((الكبرى) كما في ((التحفة))
٤٥٤/٨ عن عيسى بن مساور، عن الوليد بن مسلم، به.
ورواه أحمد ٩٩/٤، والدارمي ٢٣٩/٢، والطبري ١٩/(٩٠٧)، وأبو داود
(٢٤٧٩)، ومن طريقه البيهقي ١٧/٩ من طرق عن حريز بن عثمان، به.
(٢) قال الإمام البغوي في ((شرح السنة) ٣٧١/١٠ -٣٧٤ بعد أن أورد حديث
ابن عباس: ((لا هجرة بعد الفتح))، وحديث معاوية: («لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع
التوبة ... ): ووجه الجمع بين الحديثين أن الهجرة كانت مندوبة في أوَّلِ الإسلام غير
مفروضة، وذلك قولُ الله سبحانه: ﴿ومَنْ يُهَاجِرْ ي سَبيلِ اللهِ يَجِدْ في الأرض
مُراغَمَاً كثراً وسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠] فلما هاجر النبي ( إلى المدينة أُمِرُوا بالهجرة
والانتقال إلى حضرته ليكونوا معه، ويتظاهروا إنْ حَزّبهم أمر، وليتعلِّمُوا منه أمر
دينهم، وقطع الله الولايةَ بين من هاجر من المسلمين، وبَيْنَ من لم يُهاجر، كما قال
جَلَّ ذكره: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا ولم يُهاجِرُوا مالِكُمْ مِنْ لاَيَتِهِمْ مِنْ شيْءٍ حتى يُهاجِرُوا)
[الأنفال: ٧٢]. فلما فتحت مكة، عاد أمرُ الهجرة منها إلى الندب والاستحباب، لهذا
معنى قوله: ((لا هجرة بعد الفتح)). قال الخطابي: فهما هجرتان، فالمنقطعة هي
الفرض، والباقية هي الندب.
-٦١٩-
كتاب السيرة
بين هاتين الهجرتين:
٣٧٤٠- كما حَدَّثْنَا ابنُ عَمرو الدمشقي، قال: حَدَّثَنَا سليمانُ
بن عبد الرحمن، قال: حَدَّثْنَا إسماعيلُ بنُ عَيَّاش، قال: حَدَّثَنَا ضمضمُ بن
زُرْعَةَ، عن شُريح بنِ عبيد، عن مالك بن يُخامر، عن عبد الرحمن بن
عوف، عن رسول الله ﴿ قال: ((إنَّ الهِجْرَةَ خَصْلَتَان، إحداهما: أن
يَهْجُرَ السَّيئاتِ وأن يُهاجِرَ إلى الله عَزَّ وجَلَّ وإلى رسولِه ◌ِ﴾، ولا
تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ ما تُقُبِّلَتِ التِّوْبَةُ، ولا تَزَالُ مقبولةٌ حَتّى تَطْلُعَ الشمسُ
مِن مَغْرِبها، فإذا طَلَعَتْ، طُبعَ على كُلِّ قَلْبٍ بما فيه، وكُفِيَ النَّاسُ
العَمَل)).
وقد رُوِيَ في هذا الباب أيضاً:
٣٧٤١ - ما قد حَدَّثَنَا الربيعُ المراديُّ، قال: حَدَّثَنَا أسدٌ، قال:
حَدَّثْنَا يحيى بن زكريا بنِ أبي زائدةً، قال: حدثني عبدُ الرحمن بنُ
سليمان -قال أبو جعفر: وهو ابنُ عبدِ اللهِ بن حنظلة غسيلٍ الملائكةَ-
قال: حدثني حمزةُ بنُ أبي أُسَيْدٍ، عن الحارث بن زياد قال: أتيتُ النبيَّ
﴿ يومَ الخندق وهو يُبَايِعُ الناس على الهِجْرة، فقلتُ: يا رسولَ الله: ألا
تبايع هذا؟ قال: ((ومن هذا)؟ قلت: ابن عمي حوطُ بن يزيد. قال:
(لا، إنكم يا مَعْشَر الأنصارِ لا تُهَاجِرُونَ إلى أحَدٍ، ولكن النَّاس
◌ُهَاجِرُون إلیکم)).
٣٧٤٢- وما قد حَدَّثْنَا فهد، قال: حَدَّثْنَا أبو نعيم، قال: حَدَّثْنَا
عبد الرحمن ابن الغسيل، عن حمزة بن أبي أُسيد، عن الحارث بن زياد،
ثم ذكر مثلَّه إلا أنه قال: ابن عمي، ولم يُسمه، وزاد: ((والّذي نَفْسُ
- ٦٢٠-