Indexed OCR Text
Pages 401-420
كتاب الجهاد والمغازي
فتأملنا هذه الآثارَ طلبَ الوقوف على المراد بما فيها من رفعٍ
رسولِ اللهِ ﴿ عن الوفودِ أنْ لا تُقْتَلَ، وإنْ كان منها مثلُ الذي كان
منِ ابنِ النَّوَّاحةِ وصاحبه مما يوجبُ قتلَهما لو لم يكونا رسولَيْنِ،
فوجدنا الله عز وجل قد قالَ في كتابه لرسوله مَ/: ﴿وَإِنْ أحَدُّ مِنَ
المشركينَ استَجَارَكَ فَأْجِرْهُحَتَّى يَسْمَعَ كلامَ اللهِ﴾ [التوبة: ٦] أي:
فيتبعَه، أي: يجبُ عليه المقامُ حيثُ يُقيمُ المسلمون سواه، أو لا يتبعَه
فُيُبلغَه مأمَنَه، وكان في تركِه اتّباعَه بقاؤُه على كُفرِه الذي يوجبُ
سَفْكَ دمه لو لم يأتِه طالباً لاستماع كلام الله، فحَرَّمَ بذلك سفكَ دمِه
حتى يخرُجَ عن ذلك الطلبِ، ويصيرَ إلى مأُمنه، فيَحلَّ بعد ذلك سفكُ
دمه، فكان مثلَ ذلك الرسلُ الذين يُلغونَ مَنْ أرسلَهم، عن رسولِ الله
جوابه لهم فيما أرسلُوهم فيه إليه منه، وسماعُهم كلامَ الله عَزَّ وجل
ليكونَ مَنْ يَصيرونَ إليه بذلك يَقْبُلُه فيدخُلُ في الإيمانِ، أو لا يقبله
فيبقى على حربيتِه وعلى حِلِّ سَفْكِ دمه.
فهذا عندنا هو المعنى الذي به رَفَعَ رسولُ اللهِ﴿ عن الرسلِ
القتلَ وإنْ كان منهم ما يوجبُ قتلَهم لو لم يكونوا رُسلاً. والله نسألهُ
التوفيق.
الفضل، كلاهما عن ابن إسحاق، به.
-٤٠١-
كتاب الجهاد والمغازي
٤٨٥- بابُ بیانِ مُشْکل ما رُوِي عن رسول الله ﴾ من نھیہ
عن قتل أصحاب الصَّوامعِ
٣٤٩٥- حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حَدَّثَنَا بشرُ بنُ عمر
الزَّهرانيُّ، حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ إسماعيلَ، عن داودَ بنِ الحُصين، عن
عِكرمة، عن ابنِ عَبَّاس: أن رسولَ اللهِ ﴿ كان إذا بَعَثَ جيوشه، قال:
((اخْرُجُوا باسمِ اللهِ، قاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، لا تَغْدرُوا ولا تُمثّلُوا، ولا
تَغُلُّوا، ولا تَقْتُلُوا الولْدَانَ ولا أصحابَ الصَّوامِعِ)(١).
قال أبو جعفر: ولا نعلمه رُوِيَ عن السيِّ :﴿ٌ في النهي عن قتل
أصحاب الصَّوامعِ غيرُ هذا الحديث، وكان مدارُه على إبراهيمَ بنِ
إسماعيل بن أبي حبيبة الأشهلي.
وقد رُوِيَ عن أبي بكر ما يُوافق هذا المعنى
٣٤٩٦- كما حَدَّثْنَا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهبٍ، أخبرن يونسُ،
عن ابنِ شهابٍ، حدثني سعيدُ بنُ المسيّب: أنَّ ابا بكر الصِّدِّيق - رضي
الله عنه- لما بعث الجنودَ نحوَ الشَّامِ: يزيدَ بنَ أبي سفيان، وعمرو بن
(١) إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة: ضعيف جدًا.
وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٢٢٠/٣ بقصة النهي عن قتل الولدان، و٢٢٥/٣
بقصة النهي عن قتل أصحاب الصوامع، بالإسناده نفسه.
ورواه أحمد (٢٧٢٨)، والبزار (١٦٧٧ - كشف الأستار)، وابو يعلى (٢٥٤٩)
و(٢٦٥٠)، والطبراني (١١٥٦٢)، والبيهقي ٩٠/٩ من طرق، عن إبراهيم بن
إسماعيل ابن أبي حبيبة، به.
- ٤٠٢ -
کتاب الجهاد والمغازي
العاص، وشُرَحْبِيلَ بنَ حسنة كان فيما وصَّاهم به أن لا يقتلوا الولدان
ولا الشُّيُوخَ ولا النّساء، وقال: سَتَجدونَ قوماً حبسوا أنفسهم على
الصَّوامِعِ فدَعُوهُم وما حَبَسُوا أنفسهم، وستجدون آخرين أتخذ
الشيطانُ في أوساطِ رؤوسِهِم مفاحِصَ، فإذا وَجَدْتُم أُولئك فاضْرِبوا
أعناقهم إن شاء اللهُ(١).
ووجدنا عن رسول الله﴿ ما يَدُلُّ على هذا المعنى
٣٤٩٧- كما حَدَّثَنَا محمدُ بنُ خزيمة، حَدَّثْنَا يوسفُ بنُ عدي،
حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ المبارك، عن سفيان، عن عبدِ الله بن ذكوان، عن
(١) رجاله ثقات إلا أنه مرسل. ورواه البيهقي في ((سنته)) ٨٥/٩ من طريق عبد
الله بن المبارك، عن يونس بن يزيد، به.
ورواه مالك في («الموطأ) ٤٤٧/٢-٤٤٨، وعبد الرزاق (٩٢٧٥) و(٩٣٧٦) من
طريق يحيى بن سعيد، عن أبي بكر الصديق ... وهذا مرسل أيضاً، يحيى بن سعيد لم
يدرك زمن أبي بكر.
ورواه أبو بكر المروزي في («مسند أبي بكر)) (٢١) من طريق كوثر بن حكيم،
عن نافع، عن ابن عمر: أن أبا بكر الصديق بعث يزيد بن أبي سفيان إلى الشام ...
وهذا سند ضعيف، كوثر بن حكيم، قال أحمد: أحاديثه بواطيل لي بشيء.
وقوله: (اتخذ الشيطان في أوساط رؤوسهم مفاحص)، المفاحص: جمع مَفْحَص،
وهو المكان الذي تبيض فيه القَطاةُ وتفرِّخ، فكأنهم حلقوا وسطها وتركوها مثل
أفاحيص القطاء، قال ابن الأثير: أي أن الشيطان قد استوطن رؤوسهم، فجعلها له
مفاحص كما تستوطن القطا مفاحصها، وهو من الاستعارات اللطيفة، لأن من
كلاهم إذا وصفوا إنساناً بشدة الغي والانهماك في الشر، قالوا: قد فرَّخ الشيطان في
رأسه وعَشَّش في قلبه، فذهب بهذا القول ذلك المذهب.
-٤٠٣-
كتاب الجهاد والمغازي
مُرَقِّعٍ بِنِ صَيْفِي.
عن حنظلَة الكاتبِ، قال: كنتُ مع رسولِ اللهِ ﴿، فممرنا بامرأةٍ
لها خَلْقٌ، وقد اجتمعوا عليها، فلما جَاء، أفرجُوا، فقال رسولُ اللهِلَ ﴾:
((ما كانَتْ هذه تُقَاتِل)، ثم اتبع رسولُ الله ◌َ ﴿وَ خالداً أن لا يَقْتُلَّ امرأة
ولا عَسِيفاً(١).
قال أبو جعفر: فكان هذا الحديث مردوداً إلى حنظلة الكاتبِ،
ولا نعلم أحداً تابعَ الثوريَّ على روايته كذلك.
فممن خالفه في ذلك المغيرةُ بنُ عبد الرحمن الحزامي
٣٤٩٨- كما حَدَّثْنَا الربيعُ بنُ سليمان الأزديُّ، قال: حَدَّثَنَا
سعيدُ بنُ منصور، قال: حَدَّثْنَا المغيرةُ بنُ عبد الرحمن، عن أبي الزَّناد،
حدثني مُرَقِّع بن صيفي، أخبرني جدي رباحُ بنُ الربيع أخو حنظلة
الكاتب: أنَّه خرج معَ رسولِ اللهِ:﴿ في غزوةٍ، وعلى مُقَدَّمَتِهِ خالدُ بنُ
الوليد، فمرَّ رباحٌ وأصحابُ رسولِ الله ﴿ مجتمعون على امْرَأَةٍ مقتولَةٍ
مما أصابَتِ المُقدَّمَة، فوقَفُوا عليها ينظرون إليها، ويتعجّبُون من خَلْقها
حتى لَحِقَهُم رسولُ اللهِوَ﴿ على ناقةٍ له، فأفرَجُوا عن المرأةِ، فوقف
رسولُ اللهِ ﴿، ثم قال: ((هَا، ما كانَتْ هذه تُقاتِلُ)، ثم نظر في وجوهِ
(١) إسناده حسن، ورواه عبد الرزاق (٩٣٨٢)، وابن أبي شيبة ٣٨٢/١٢،
وأحمد ١٧٨/٤، وابن ماجه (٢٨٤٢)، وأبو عبيد في ((الأموال)) ص٣٨، والنسائي في
((الكبرى)) (٨٦٢٧)، والطبراني (٣٤٨٩) من طرق، عن سفيان -وهو الثوري-، به.
والعسيف: الأجير المستهان به.
-٤٠٤-
كتاب الجهاد والمغازي
القومِ، فقال لأحدهم: «الْحَقْ خالدَ بنَ الوليد، فقُلْ له: لا تَقْتُلَنَّ ذُرِّيَّةً
ولا حَسِيفاً)(١).
ومنهم عبدُ الرحمن بنُ أبي الزِّناد، عن أبيه
٣٤٩٩- كما حَدَّثْنَا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهبٍ، أخبرني عبدُ
الرحمن بنُ أبي الزِّنادِ، عن أبيه، قال: حَدَثْن الْمُرَقِعُ بنُ صَيْفي: أن جَدَّه
رَبَاحَ بنَ الربيع أخا حنظلة الكاتِب أخبره: أنَّه خَرَجَ مع رسول اللهِصلّ
في غزوةٍ غَزاها، ثم ذكر مثلَه.
وقال يونس: رباحُ بنُ الربيع، ولم يَقُلْ: الربيع بنُ رباح.
فكان في هذا الحديث قولُ رسولِ الله ﴿ في المرأةِ: (ما كانت
هذه تُقاتِل)). وقد يكونُ غيرُ القتال للمسلمين من القتال، وهو التدبيرُ
في الحربِ، والتحريضُ للقتال، فمن كان كذلك، حَلَّ قتلُه من رجلٍ
وامرأةٍ. وفيما ذكرنا ما قد دَلَّ على هذا المعنى.
(١) إسناده حسن، وهو في ((سنن سعيد بن منصور)) (٢٦٣٣).
ورواه ابن ماجه بإثر الحديث (٢٨٤٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (٨٦٢٦) من
طريق قتيبة بن سعيد، عن المغيرة بن عبد الرحمن، به.
ورواه أبو داود (٢٦٦٩)، والنسائي (٨٦٢٥) من طريق عمر بن المرقع بن
صیفی، عن أبيه، به.
-٤٠٥-
کتاب الجهاد والمغازي
٤٨٦- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴿ من تركه
عقوبةَ حاطب بن أبي بلتَعَةَ على ما كان منه في كتابه إلى
أهل مكة من كفاٍ قریش یُخبرُهم ببعض أمر رسول الله ﴾
٣٥٠٠- حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِنان وإبراهيمُ بنُ مرزوق، قالا: حَدَّثَنَا
عُمَرُ بنُ يونس، حَدَّثْنَا عِكرمةُ بنُ عمار، حَدَّثْنَا أبو زُميلٍ، حدثني عبدُ
الله بن عباس، حدثني عُمَرُ بنُ الخطاب رضي الله عنه، قال: كَتَّبَ
حاطبُ بنُ أبي بلتعة إلى أهلِ مكة، فأطلع الله نبّهَمَ﴿، فبعث علياً
والزبيرَ في أثْرِ الكتابِ، فأدركا امرأةً، فأخرجاه مِن قَرن من قُرونها،
فأتيا به النبيَّ ◌َ﴿ٌ، فَقُرئ عليه، فأرسَلَ إلى حاطبٍ، فقال: (يا حاطِبُ
أنت كتبتَ هذا الكتابَ؟)) قال: نعم يا رسولَ الله، قال: ((فما حَمَلَكَ
على ذلك؟)) قال: يا رسولَ الله أما واللهِ إنّي لناصِحٌ للهِ ولِرسوله،
ولكني كنتُ غربياً في أهلِ مكة، وكان أهلي بين ظهرانيهم، فخشيتُ
عليهم، فكتبتُ كتاباً لا يَضُرُّ الله ورسُولَه شيئاً، وعسى أن يَكُونَ فيه
منفعةٌ لأهلي. قال عمر: فاخترطْتُ سيفي، ثم قلتُ: يا رسول الله
أمكِنِي مِن حاطب، فإنّه قد كفر، لأضربَ عُنُقَهُ، فقال النبيُّ ◌َ﴾: (يا
ابنَ الَخَطَّاب، وما يُدرِيكَ؟ لَعَلَّ اللهَ أطلَعَ على هذه العِصَابةِ مِن أَهْلِ
بدر، فقال: اعملوا ما شِئْتُمْ، فقد غَفَرْتُ لَكُمْ)(١).
٣٥٠١- وحَدَّثْنَا عيسى بنُ إبراهيم الغافقي، حَدَّثَنَا سفيانُ بنُ
(١) رواه البزار (٢٦٩٥) عن محمد بن المثنى، والحاكم ٧٧/٤ من طريق محمد بن
سنان القزاز، كلاهما عن عمر بن يونس، به.
-٤٠٦ -
كتاب الجهاد والمغازي
عُيينة، عن عمرو بن دينار، قال: أخبرني الحسنُ بنُ محمد بن علي أنَّهُ
سَمِعَ عُبيدَ الله بنَ أبي رافع يقول: سمعتُ علياً يقولُ: يعتني رسولُ
اللّه ◌َ﴿ أنا والزبيرَ والمقدادَ، فقال: «انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فإنَّ
بها ظَعِينةً معها كتابٌ، فَخُذُوه منها)، فانطلقنا تَتَعادى بِنا خَيْلُنا، حتّى
أتينا الروضةَ، فإذا نحنُ بالظَّعينةِ، فقلنا: أخرجي الكِتابَ، فقالت: ما
معي كتابٌ، فَقُلْنا: لَتُخْرِجِنَّ الكتابَ أو لَنَقْلِبَنَّ الثّيابَ، فأخرجتها من
عِقاصِها، فأَتَيْنا به رسولَ اللهِوَ﴿، فإذا فيه: مِنْ حاطِبِ بنِ أبي بَلتعة إلى
ناسٍ مكة، يُخبرُهُم ببعضِ أمرِ رسولِ اللهِلَ﴿، فقال: (يا حَاطِبُ، ما
هذا؟) فقال: يا رسولَ الله لا تَعْجَلْ عليَّ، فإنّي كنتُ أُمرءاً مُلْصَقاً -
يقول: كنت حليفاً-، ولم أكُنْ مِن أَنْفُسِها، وكان مَن معك من
المهاجرين لَهُمْ قرباتٌ يحمون أهْلِيهم، فأحببتُ إذ فاتني ذلك أن أُتَسَبَّبَ
إليهم، وأَتَّخِذَ عندهم يداً يَحْمُونَ بها قرابتي، ولم أفعله ارتداداً عن ديني
ولا رضاً بالكُفْر بعد الإِسلام، فقال النبيُّ ◌َ﴿: ((أما إنّه قد صَدَقَكُم)،
فقال عُمَرُ: دعني يا رسولَ الله أضْرِبْ عُنُقَ هذا المنافق، فقال: ((أما إنّه
قد شَهِدَ بدراً، وما يُدْرِيكَ، لَعَلَّ اللهَ جَلَّ جلالُه قد اطْلَعَ على مَنْ
شَهِدَ بدراً، فقال: اعْمَلُوا مَا شِئُتْمِ، فَقَدِ غَفَرْتُ لَكُمْ)(١).
٣٥٠٢ - وحَدَّثَنَا أحمد بنُ داود، أنبأنا سَهْلُ بنُ بكّارِ، حَدَّثْنَا أُبو
(١) إسناده صحيح، ورواه الحميدي (٤٩)، وأحمد (٦٠٠)، والبخاري
(٣٠٠٧) و(٤٢٧٤) و(٤٨٩٠)، ومسلم (٢٤٩٤)، وأبو داود (٢٦٥٠)، والترمذي
(٣٣٠٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (١١٥٨٥)، وأبو يعلى (٣٩٤) و(٣٩٥)
(٣٩٨)، وابن حبان (٦٤٩٩)، والبيهقي ١٤٦/٩، من طرق عن سفيان، به.
-٤٠٧-
کتاب الجهاد والمغازي
عَوانة، عن الحُصين، عن سَعْدِ بن عُبيدة، عن أبي عبد الرحمن، قال:
سَمِعْتُ علّاً رضي الله عنه يقول: بعثني رسولُ الله{﴿ والزبير بن العوام
وأبا مَرْتَد - وكلّنا فارسٌ -، قال: ((انطَلِقُوا حَتَّى تَبْلُغوا رَوْضَةَ كَذَا
وكذا، فإِنَّ ثَمَّ امرأةً معها صَحِيفَةٌ مِنْ حَاطب بن أبي بَلْتَعَةً إلى
الْمُشرِكين، فَأَتُوني بِهَا)) فانطلقنا على أفراسِنا، فأدْرِكْنَاهَا حيثُ قال
رسول الله :﴿ تسيرُ على بعير لها، وكتب معها إلى أهل مكة في مسير
رسول الله ﴿ إليهم قلنا: أينَ الكِتابُ الذي مَعَكِ.؟ قالت: ما معي
كتابٌ، فَأَنَخْنَا بها بَعِيرَها، وابتغينا في رَحْلِها، فلم نَجدْ شيئاً، فقال
صاحِباي: ما نَرى معها شيئاً، قال: قلتُ: لَقَدْ عَلِمْنا مَا كَذَبَ رسولُ
الله ﴿، فقال: بالذي أحْلِفُ بِه لَتُخْرِجِنَّ الكِتابَ أو لأُحَرِّدِّنْكِ،
فأهوت إلى حُجْزَتِها وهي محتجزةٌ بكساء، فأخرجتِ الكتابَ، فأتينا به
رسولَ اللهِ﴿، فقال عُمَرُ: يا رسولَ اللهِ، إِنَّه قد خانَ الله ورسُولَه
والمؤمنين، دعني أُضْرِبْ عُنُقَهُ، فقال: ((ما حَملك على ما صنعت؟)
فقال: ما بي أن لا أكُونَ مؤمناً بالله ورسوله، غيرَ أنّي أردتُ أن تَكُونَ
لي يَدٌ عندَ القومِ يدفعُ اللهُ بها عن أهلي ومالي، ولَيْسَ مِن أصحابك
أحدٌ إلا لَهُ مِن قومه مَنْ يدفعُ اللهُ به عن أهلِه ومالهِ، فقال رسول الله
*: ((صَدَقَ، لا تَقُولُوا له إلاّ خيراً)، فقال عمر رضي الله عنه: یا
رسولَ الله، إنَّه قد خانَ الله ورسوله والمؤمنينَ، دعني أَضْرِبْ عُنْقَهُ،
فقال: ((وما يُدْرِيكَ؟ لَعَلَّ اللهَ تعالى نَظَرَ إلى أَهْلِ بدرِ نَظَرَةٌ، فقال:
اعْمَلُوا ما شِنْتُمْ فقد وَجَبَتْ لَكُمُ الْجَنَّةُ))، فاغرورَقَتْ عيناه، وقال: اللهُ
ورسولهُ أعلمُ (١).
(١) رواه أحمد (٨٢٧) و(١٠٩٠) عن عفان، عن أبي عوانة، به.
-٤٠٨ -
كتاب الجهاد والمغازي
٣٥٠٣- وحَدَّثْنَا فهد، قال حَدَّثْنَا يوسف بنُ بُهلول، ثنا عبدُ الله
بن إدريس، حدثني الحصينُ بن عبدِ الرحمن، عن سعدِ بنِ عُبيدةً، عن
أبي عبد الرحمن السُّلَمِي، عن عليّ، ثم ذكر هذا الحديثَ(١).
٣٥٠٤- وحَدَّثَنَا الربيعُ المرادِيُّ، حَدَّثَنَا شعيبُ بنُ الليثِ.
وحَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبد الله بنِ عبدِ الحكم، أخبرني أبي وشعيبُ بنُ
الليث، ثم اجتمعا، فقالا: حَدَّثْنَا الليثُ، عن أبي الزُّبير، عن جابرِ أنه
أخبره: أنَّ حَاطِبَ بنَ أبي بَلْتَعَةَ كَتَبَ إلى أهلِ مكة كتاباً يَذْكُرُ أنَّ
رسولَ اللهِ ﴿ أرادَ غَزْوَهُمْ، فدلَّ رسولُ اللهِ ﴿ على المرأةِ التي معها
الكتابُ، فأرسلَ إليها رَسُولُ اللهِلَ﴿، فأخذ كتابها مِن رأسِها، فقال:
(يا حَاطِبُ أَفَعَلْتَ؟) قال: نعم، أما إني لم أفْعَلْهُ غِشّاً لِرسول الله مَ ﴿ل
ولا نفاقاً، قد علمتُ أنَّ اللهَ تعالى مظهرٌ رسولَه، ومُتَمِّم له أمرَه، غير
أني كنتُ غريباً بَيْنَ ظَهْرَانيهم، وكانت والدتي معهم، فأردتُ أن أَتَّخِذَ
عندهم يداً، فقال عمر رضي الله عنه: ألا أضْربُ رأسَ هذا؟ فقال ◌ِ﴿:
(أتقتلُ رجلٌ مِن أهلِ بدرِ؟ وما يُدرِيك؟ لَعَلَّ قد اطلع على أهلِ بَدْرٍ،
ورواه البخاري (٣٠٨١)، وفي ((الأدب المفرد)) (٤٣٨)، ومسلم (٢٤٩٤)، وأبو
داود (٢٦٥١)، وعبد الله بن أحمد في زوائده على («المسند)) (١٠٨٣)، وأبو يعلى
(٣٩٦)، وابن حبان (٧١١٩) من طرق عن حصين بن عبد الرحمن، به.
(١) رواه عبد بن حميد (٨٣)، والبخاري (٦٢٥٩)، كلاهما عن يوسف بن
بهلول، به. ورواه البخاري (٣٩٨٣)، ومسلم (٢٤٩٤)، والبيهقي ((الدلائل))
١٥٢/٣-١٥٣ من طريق إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الله بن إدريس، به.
-٤٠٩-
کتاب الجهاد والمغازي
فقال: اعملُوا ما شنتُم)(١).
فقال قائل: كَيْفَ تَقْبَلُونَ هذا عن رسول الله :﴿ في تركه العُقوبةَ
على حاطبٍ عليه وعلى المؤمنين فيما كانَ منه؟ فإن قلتُم: لأنه قد كَانَ
مِنْ أَهْلِ بدرٍ، وقد سَبَقَ لهم مِن اللهِ ما سَبَقَ، قيلَ لكم: قد سبق لهم مِن
الله ما سبق، ولَيْسَ ذلك بدافع عنهم العقوبات على ذنوبهم التي
يُذْنِبُونَها أن تُقَامَ عليهم، وذكر في ذلك
٣٥٠٥- ما قد حَدَّثَنَا فهدٌ، حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ كثير بنِ عُفَيْرٍ،
حدثني يحيى بنُ فُلَيْحِ بنِ سُليمان، عن ثورٍ - يعني ابنَ زيد-، عن
عكرمة، عن ابن عباس: أَنَّ الشُّرَّاب كانوا يُضْرَبُونَ في عهدِ رسول الله
﴿ بالأيدي والنّعالِ والعِصِيِّ حتى توفي النبيُّ:﴿ فكانوا في خلافة أبي
بكرٍ أكثرَ منهم في عهدِ النِّ ◌َ﴿، فقال أبو بكر: لو فَرَضْنَا لَهُمْ حَدًّا،
فتوخَّى نحواً مما كانوا يُضْرَبُون في عهدِ رسولِ اللهِح ﴿، فكان أبو بكر
رضي الله عنه يَجْلِدُهُم أربعين حتَّى توفي، ثم كانَ عُمَرُ مِن بعده
يَجْلِدُهُم كذلك، حتى أتى رجلٌ مِن المهاجرين الأوَّلِين وقد شَرِبَ،
فأمر به أن يُجْلَدَ، فقال: لم تَجْلِدُني؟ بيني وبينَك كتابُ الله عزَّ وجَلَّ،
فقال عُمَرُ: وأين في كتابِ الله تجد أن لا أحْلِدَك؟ فقال: إنَّ الله تعالى
يقولُ في كتابه: ﴿ليسَ عَلَى الَّذِينَ آَمُوا وَعَمِلُوا الصَِّحَاتِ جَاعٌ فِيمَا طَسُوا إذا مَا أَُّوا
وآمنوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّاتَقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّاتُقَوْا وأحْسَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣]،
(١) رواه أحمد ٣٥٠/٣، وأبو يعلى (٢٦٦٥)، وابن حبان (٤٧٩٧) من طرق
عن الليث، به.
-٤١٠-
كتاب الجهاد والمغازي
شَهِدْتُ مع رسول الله ﴿ بدراً وأحداً والخَنْدَقَ والْمَشَاهِدَ، فقال عُمَرُ:
ألا تَرُدُّونَ عليه ما قالَ؟ فقال ابنُ عباس: إنَّ هؤلاء الآياتِ أُنْزِلَتْ عُذراً
للماضين وحجةٌ على الباقين، فَعُذِرَ الماضُون بأنَّهم لَقُوا الله قبل أن
يُحَرِّمَ عليهم الخمرَ، وحجةً على الباقين، لأن الله تعالى يقول: ﴿يا أيها
الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّا الَخَمْرُ والَيْسِهِ وَالأَنْصَابُ والأنْلَمْ﴾ الآية [المائدة: ٩٠]، ثم قرأ
الآية كُلُّها، فإن كان من الذين آمنوا وعَمِلُوا الصَّالحات، ثم اتَّقَوْا
وآمنُوا، ثم اتَّقَوْا وأحْسنُوا، فإن الله نهى أن يُشرب الخمرُ، فقال عُمَرُ
رضي الله عنه: صَدقتَ، ثم قال عمر: فماذا تَرَوْنَ؟ قال علي رضي الله
عنه: نَرَى أنه إذا شَرِبَ سَكِرَ، وإذا سَكِرَ هَذَى، وإذا هَذَى افْتَرى،
وعلى المفتري ثمانون جلدةً، فأمر عُمَرُ، فجلد ثمانينَ(١).
(١) يحيى بن فليح بن سليمان: قال ابن حزم: مجهول، وقال مرة: ليس بالقوي
(لسان الميزان ٢٧٣/٦). ورواه النسائي في (الكبرى)) (٥٢٨٨)، والحاكم في
(المستدرك)) ٣٧٥/٤، والبيهقي ٣٢٠/٨-٣٢١ من طرق عن سعيد بن كثير بن
عفير، به. ورواه النسائي في ((الكبرى)) (٥٢٨٩) عن محمد بن عبد الله بن عبد
الرحيم، قال: حَدَّثْنَا سعيد بن أبي مريم، عن يحيى بن فليح، بنحوه: وفيه أن الذي
شرب هو قدامة بن مظعون. ورواه مالك ٨٤٢/٢، وعنه الشافعي ٣٠٤/٢ عن ثور
بن زيد الديلي أن عمر ... وهذا منقطع، لأن ثوراً لم يلق عمر بلا خلاف.
ورواه عبد الرزاق (١٣٥٤٣) عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة لم يذكر ابن
عباس، قال الحافظ في ((التلخيص)) ٧٥/٤: وفي صحته نظر، لما ثبت في الصحيحين
عن أنس: أن النبي * جلد في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين، فلما
كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانون، فأمر به عمر، ولا
يقال: يحتمل أن يكون عبد الرحمن وعلي أشار بذلك جميعاً، لما ثبت في ((صحيح
- ٤١١ -
كتاب الجهاد والمغازي
قال: فَقُدامَةُ قد كان لَّهُ مِن بدر في شهوده إيَّاها، كما كان
لِحاطبٍ في مثلِ ذلك، ولم يَرَ عُمَرُ ولا عليٌّ ولا مَنْ كان بحرتهما دفعَ
العُقوبة عنه لذلك على جرمِه الذي كان منه.
فكان جوابنا له في ذلك: أن مِنْ سُنَّةِ رسولِ اللهِمَ﴿ أَمْرَهُ بإقالة
ذوي الهيئاتِ عَثَرَاتِهِمْ إلا في حدٌّ من حُدود الله تعالى، وكان حاطبٌ
لِشهوده بدراً، ولما كان عليه من الأمور المحمودة مِن ذوي الهيئة، ولم
يكن الذي أتى مما يُوجبُ حدًّاً، إنما يُوجبُ عقوبةٌ ليست بحَدٌ، فرفعها
عنه رَسُولُ اللهِ﴿ لِما كان معه مِن الهيئة، وكان الذي كان مِن قُدامة
فيه حَدٌّ لله فلم يرفعه عُمَرُ ولا علي، ولا مَنْ سواهما لهيئته، لأن الهيئة
إنما ترفُع العقوباتِ التي ليست حدودً، ولا ترفع العقوباتِ التيّ هي
حدودٌ، ولذلك روينا فيما تَقَدَّمَ مِنا في كتابنا هذا عن رسولِ اللهِوَل أنه
قال: ((أَقِيلُوا ذَوِي الْغَيْئَاتِ عَفَرَاتِهِمْ إلا في حَدِّ مِنْ حُدُودِ اللهِ)، فبان
بحمد الله ونعمته أن هذه الروايات عن رسول الله 8 ثم عن أصحابه
يوافق بعضُها بعضاً ولا يُخالف بعضها بعضاً، ويشدُّ بعضها بعضاً، لا
يُخالفه ولا يدفعه، والله عز وجل نسأله التوفيق.
مسلمٍ)) (١٧٠٧) عن علي في جلد الوليد بن عقبة أنه جلده أربعين، وقال: جلد
رسول الله أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي، فلو
كان هو المشير بالثمانين ما أضافها إلى عمر، ولم يعمل بها، لكن يمكن أن يقال: إنه
قال لعمر باجتهاد، ثم تغير اجتهاده.
-٤١٢-
کتاب الجهاد والمغازي
٤٨٧- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴿ في بعثِه مَنْ
كان بعثه في قتال مَنْ بعثه لِقتاله بلا أمْرَةٍ كان أمره في ذلك
٣٥٠٦- حَدَّثْنَا الربيعُ المراديُّ، قال: حَدَّثْنَا أَسَدٌ، قال: حَدَّثَنَا
يحيى بنُ زكريا بن أبي زائدةً، قال: حدثني المجالدُ بنُ سعيدٍ، عن زياد
بنِ عِلاقة، عن سعد بنِ أبي وقّاص رضي اللهُ عنه، قال: لما قَدِمَ البِيُّ ◌َ﴿
المدينةَ جاءته جُهَيْنَةُ، فقالوا: إنَّك قد نَزَلْتَ بَيْنَ أظهُرِنا، فأوثق لنا حتّى
نأُمَّنَكَ، وَتَأْمَنَنا، فأوْثَقَ لَهُمْ لو لم يُسْلِمُوا، فبعثنا رسولُ اللهَ﴿٥ في
رجب، وأمرنا أن نُغِيرَ على حيّ من كِنانة إلى جنب جُهينة، فأغَرْنا
عليهم، فكانوا كثيراً، لفجأنا إلى جُهَيْنَةَ، فمنعونا، وقالوا: لم تقاتلون في
الشهرِ الحرامِ؟ فقلنا: إنما نُقاتِلُ من أُخرجنا من البلدِ الحرام في الشهر
الحرامِ، فقال بَعْضُنا لبعض: ما تَرَوْنَ؟ قالوا: نأْتِي النِيَّ:﴿، فَنُخْبِرُه،
وقال قومٌ: لا، بل نُقِيمُ هاهنا، وقلت أنا في أُناسِ معي: لا بَلْ نأتي عِيْرَ
قُرَيْشِ هذه، فنقتطِعُها، فانطلقنا إلى العِيْرِ، وكان الفيء إذ ذاك مَنْ أَخَذَ
شيئاً، فهو له، وانطلق أصحابنا إلى النبيِّ: ﴿، فأخبروه، فقام غضبانَ،
مُحْمَرَّ الوَجْهِ، فقال: ((ذهبتم جميعاً، وجئتُم مُتفرِّقِينَ؟! إنما أهْلَكَ مَنْ
كَانَ قَبْلَكُمِ الفُرِقَةُ، لَأَبْعَثَنَّ عليكم رَجُلاً لَيْسَ بخيرِكُم، أصبرُكُم على
الجُوعِ والعَطَش)). فبعث علينا عَبْدَ اللهِ بنَ جحشِ الأسدي، فكان أوَّلَ
ے
أمير في الإسلامِ (١).
(١) إسناده ضعيف لأجل، مجالد بن سعيد.
-٤١٣-
کتاب الجهاد والمغازي
فكان في هذا الحديثِ ما قد دَلَّ أن ذلك الجيش لم يكن عليه
أمِيرٌ، فقال قائل: كَيفَ تقبلون هذا، وقد رويتُم عن رسولِ الله ◌ِ﴿؟
فذكر ما قد ذكرناه فيما تقدَّم منا في كِتابنا هذا عن النبيِّ ◌َ﴿ مِن قولِه:
(إذا كُنْتُمْ ثَلاثَةً فِي سَفَرٍ، فَأَمِّرُوا عليكُمْ أحَدَكُمْ)).
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيقِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وعونِه: أن حديثَ
سعدٍ كان متقدماً، وكان مِن المبعوثين فيما بُعِتُوا له ما كان منهم من
الاختلافِ، فكان مِن اللهِ عز وجل في ذلك لِكراهته الاختلافَ مما قد
أجرى أمورَ نبِّه ◌َ# في المستأنَفِ على خلافِه من التأمير على جيوشِه
لِتَرجِعَ الأمورَ إلى قولٍ واحدٍ يجبُ على مَنْ معه طاعته، وتركُ الخروجِ
عن قوله: وشَدَّ ذلك ما أنزله عز وجَلَّ في كتابه من قوله: ﴿وَلا تَانَعوا،
فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]. والله نسأله التوفيق.
ورواه الدورقي (١٣١) من طريق خلف بن الوليد الأزدي، والبيهقي في ((دلائل
النبوة) ١٤/٣ من طريق سهل بن عثمان العسكري، كلاهما عن يحيى بن زكريا، به.
ورواه ابن أبي شيبة ١٢٣/١٤ و٣٥١-٣٥٢ مختصراً، والبيهقي في ((دلائل النبوة)
١٥/٣ من طريق أبي أسامة حماد بن أسامة، وأحمد وابنه عبد الله ١٧٨/١ (١٥٣٩)
من طريق يحيى بن سعيد، والبزار (١٧٥٧ - كشف الأستار) من طريق أحمد بن
بشير، ثلاثتهم عن المجالد بن سعيد، به. والحديث عند ابن أبي شيبة في موضعه الأول،
والبزار مختصر بقصة: أن أول أمير عقد له في الإسلام عبد الله بن جحش.
-٤١٤-
كتاب الجهاد والمغازي
٤٨٨- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِي فيما كان عن رسول الله ﴾
13
في أشهرِ الحَرُمِ مِنْ غَزْوٍ لأعدائه، أو تركٍ لذلك حتى تنقِضي
٣٥٠٧- حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سنان، قال: حَدَّثْنَا أبو الوليد الطيالسيُّ،
قال: حَدَّثْنَا ليثُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثْنَا أبو الزُّبير، عن جابر بنِ عبدِ
الله، قال: لم يَكُنْ رَسُولُ اللهِ:﴿ يغزو في الشَّهْرِ الحرامِ - يحسبه أبو
الوليد، قال: إلا أن يُغْزَى - فإذا حَضَرَ، قام حَتَّى يَنْسَلِخَ(١).
٣٥٠٨- حَدَّثْنَا ابنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا الْمُقَدَّمِيُّ، قال: حَدَّثَنَا
الْعْتَمِرُ بن سُليمان، عن أبيه، قال: حدثني الحَضْرَمِيُّ، عن أبي السَّوَّارِ،
عن جُنْدب بنِ عبدِ الله: أن النِيَّ ◌َ﴿ بَعَثَ رهطاً، وبَعَثَ عليهم أبا
عُبيدة، أو عبيدة بن الحارث رضي الله عنهما، فلما مضى لِيَنْطَلِقَ، بكى
صَّابَةٌ إلى رسولِ اللهِلَ﴿، فجلسَ، وبعث عبدَ الله بن جحشٍ، وَكَتَبَ
له كِتَابًاً، وأمره أن لا يَقْرَأ الكِتَابَ حتَّى يَبْلُغَ مَكان كَذَا وكَذَا، وقال:
(لا تُكْرِهَنَّ أحداً مِنْ أَصْحابِكَ على الَسِيرِ))، فلما بلغ المكانَ، قَرأ
الكتابَ، فاسترجَعَ وقال: سمعاً وطاعةٌ للهِ عَزَّ وجَلَّ ولِرسولِهِ﴾،
فَخَبَّرُهُمُ الْخَبَرَ وقرأ عليهم الكِتابَ، فرجَعَ منهم رجلان، ومضى
بَقِيَّتُهُمْ، فَلَقُوا ابنَ الحضرميِّ، فقتلُوه، ولم يدْرُوا أنَّ ذلك اليومَ من
رجب أو من جمادى، فقال المشركون للمسلمين: قَتَلْتُم في الشَّهْرِ
(١) رواه الإمام أحمد ٣٣٤/٣ عن حجين بن المثنى، و٣٤٥/٣ عن إسحاق بن
عيسى، كلاهما عن ليث بن سعد، به.
- ٤١٥-
کتاب الجهاد والمغازي
الحَرَامِ، فَأَنْزَلَ الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَسْلَّكَ عن الشَّهِ الَحَرَامِ قِتَالِ فِيهِ، قُلْ قِتَالْ فِيهِ
كَرَّ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقال المشركون: إن لم يَكُنْ وِزْرٌ لم يكُنْ لهم
أَجْرٌ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَّذِينِ هَاجِرُوا وجَاهدُوا يْ سَبِيلِاللهِ﴾ إلى آخر
الآية، [البقرة: ٢١٨](١).
٣٥٠٩- وحَدَّثَنَا فهدُ بنُ سليمانَ، قال: حَدَّثْنَا محمدُ بنُ عبد الله
الرّقاشي، قال: حَدَّثْنَا مُعْتَمِرُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ أبي، قال: حَدَّثْنَا
الحضرميُّ، عن أبي السَّوَّارِ يُحدِّثْه أبو السَّوَّار، عن جُندب بن عبد الله
البَحَليِّ، ثم ذكر مثلَه سواء(٢).
فقال قائلٌ: ففي هذا الحديثِ تحريمُ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرَامِ لمن لَمْ
يُقَاتِلْ، وأنتم ترون عن غيرٍ واحدٍ من المتقدمين خلاف ذلك،
(١) الحضرمي؛ قال المزي: هو الحضرمي بن لاحق. قال الحافظ في ((التقريب)): لا
بأس به. ورواه ابن أبي حاتم - ونقله عنه ابن كثير - ٣٦٨/١، والطبراني في ((الكبير))
(١٦٧٠) من طريقين عن محمد بن أبي بكر المقدمي، به.
ورواه أبو يعلى (١٥٣٤) عن عبد الأعلى بن حماد، عن معتمر بن سليمان، به.
ورواه النسائي في ((الكبرى)) (٨٨٠٣)، والطبري (٤٠٨٤) عن محمد بن عبد
الأعلى الصنعاني، عن معتمر بن سليمان التيمي، عن أبيه أنه حدثه رجل، عن أبي
السوار، عن جندب بن عبد الله، عن رسول الله ﴾.
وأورده السيوطي في («الدر المنثور)) ٦٠٠/١ وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وصحح
إستاده.
(٢) هو مكرر ما قبله، ورواه البيهقي ١١/٩-١٢ من طريق عبد الملك بن محمد
بن عبد الله الراقشي، عن أبيه، به.
-٤١٦-
كتاب الجهاد والمغازي
وتُتابعونهم عليه.
وذكر ما قد حَدَّثْنَا يونسُ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني
مَخْرَمَةُ بنُ بُكير، عن أبيه، عن ابنِ الُسيب، واستفتيتُه: هَلْ يَصْلُحُ
للمسلمين أن يُقاتِلُوا الكُفَّارَ في الشهرِ الحَرَامِ؟ فقال ابنُ المسيب: نعم.
قال بُكير: وقال ذلك سليمانُ بنُ يسار.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيقِ الله عَزَّ وجَلَّ وعونِه: أنَّ ذلك
الحكمَ منسوخٌ بما نَزَلَ في سُورةٍ براءة.
٣٥١٠- كما قد حَدَّثْنَا عليٌّ بنُ عبد الرحمن، قال: حَدَّثَنَا عبدُ
الله بنُ صالح، قال: حدَّثْني معاويةُ بنُ صالح، عن علي بن أبي طلحة،
عن ابنِ عباسٍ في قوله: ﴿َجَرَاءَةٌمِنَ اللهِ وَسُولِإلى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
فَسِبِحُوا في الأرضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُر﴾ [التوبة: ١-٢]، قال: حَدَّ اللهُ عزَّ وجَلَّ
للذين عَاهَدُوا رسولَه ◌َ﴿ أربعةَ أشْهُرِ يسيحونَ فيها حيثُ شَاؤُوا، وَحَدَّ
لمن لَيْسَ له عَهْدٌ انسلاخَ الأشهرِ الْحُرُم مِن يومِ النّحر إلى انسلاخٍ
المُحرم خمسينَ ليلةُ: ﴿فَإِنْ تأبُوا، وأقاموا الصَّلاَ، وآتوا الزكاة، فخلوا سبيلَهم﴾
[التوبة: ٥]، فإذا انسلخَ الأشهرُ الحُرُمُ، أمره أن يَضَعَ السَّيْفَ فيمن
عَاهَدَ إن لم يدخلوا في الإسلامِ، ونقض ما سَمَّى لهم مِن العَهْدِ
والميثاق، وأذهبَ الميقات، وأذهبَ الشرطَ الأول، ثم قال: ﴿إِلاَ الَّذِينَ
عَاهَدْتُمُ عند المسجدِ الحَرَامِ﴾ [التوبة: ٧]، يعني أهل مكة، ﴿فما استقَامُوا
لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّه ◌ُحِبُّ الَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧]، وقوله: ﴿وَإِن يَظْهَرُوا
عَلَيْكُمْلا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاَّوَلَا ذِمَّةٌ﴾ [التوبة: ٨] قوله: إلاَّ: القَرابة،
-٤١٧-
کتاب الجهاد والمغازي
والعهد، الذّمة. فلما نزلت براءةُ، انتقضت العهودُ، وقاتلَ المشركينَ
حيثُ وجدهم، وقَعَدَ لهم كُلَّ مَرْصَدٍ حتّى دخلوا في الإسلام، فلم يُؤو
به أحدٌ من العرب بعدَ براءة(١).
فدلَّ هذا الحديثُ على أنَّ العهودَ كُلُّهَا انقطعت بما تَلَوْنَا في
سورةٍ براءة، وحَلَّ القِتالُ في الزمانِ كُلِّه، وحملنا على قبول رواية عليّ
بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وإن كان لم يلقه، لأنها في الحقيقة عنه،
عن مجاهد وعكرمة، عن ابن عباس. ولقد حدَّتني عليُّ بنُ الحسين
القاضي، قال: سمعتُ الحسينَ بنَ عبد الرحمن بن فهدٍ، يَقُولُ: سمعتُ
أحمدَ بنَ حنبل يقولُ: بمصر كتاب معاوية بن صالحٍ في التأويل، لو دخل
رجلٌ إلى مِصْرَ، فكتَبَهُ، ثم انصرفَ به ما رأيتُ رجليه ذهبت باطلاً.
والله عز وجل نسأله التوفيق.
(١) عبد الله بن صالح في حفظه شيء ومعاوية بن صالح، قال في (التقريب)):
صدوق له أوهام، وعلي بن أبي طلحة روايته عن ابن عباس مرسلة، وصححها بعض
أهل العلم كما تقدم في غير موضع. ورواه الطبري (١٦٣٥٧) و(١٦٤٩٤)
و(١٦٥٠٢) من طريق عبد الله بن صالح، به.
-٤١٨-
كتاب الجهاد والمغازي
٤٨٩- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ في القتيل
الذي أدر کە سَلَمُ بنُ الاڭوع حتی قتله دون من کان
بحضرته من النّاسِ لا في معمعةٍ حربٍ، ومن قوله {﴿: «له سَلَبُهُ
أجمع)، يعني لِسَلَمَة
٣٥١١- حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حَدَّثْنَا عُمَرُ بنُ يونس،
قال: حَدَّثْنَا عِكْرمةُ بنُ عمار، قال: حدثني إياسُ بنُ سَلَمَة، قال: حدثني
أبي سَلَمَةُ بنُ الأكوع، قال: غزونا مَعَ رسولِ اللهِ﴿ُ هوزانَ، فبينما
نحن ببطحاء مع رسولِ الله ﴿ إذا جاء رجل على حِمَلٍ أحْمَرَ، فأناخه،
ثم انتزع طَلَقاً من حَقَبِهِ، فقَّدَ به الجملَ، ثم تقدَّمَ، فتغدَّى مع القوم،
وجعل يَنْظُرُ إليهم، وفينا ضَعَفَةٌ ورِقَةٌ من الظَّهْرِ، وبعضنا مشاة، فخرج
مشتداً، فأتى جملَه، فأطلق قيدَه، ثم أناخه فَقَعَدَ عليه، فأثاره، واشتدَّ به
الجملُ، واتْبَعَهُ رجلٌ على ناقةٍ ورقاء فرأسُ الناقة عند وَرِكِ الجمل.
قال سلمةُ: فجذبتُ السَّيْفَ حتى كنتُ عند وَرِكِ الجمل، ثم
تقدمتُ حتى أخذت بخُطام الجملِ، فأنخته، فلما وضع ركبتيه بالأرض
اخترطتُ سيفي، فضربت رأس الرجل، فَنَدَرَ، فجئت بالجملِ أقودُه
عليه رحلُه وسلاحه، واستقبلني رسولُ الله :﴿، فقال: ((مَن قتل
الرَّجُلَ؟) قال: ابنُ الأكوع، قال: (له سَلَبُهُ أَجْمَعُ)(١).
(١) حديث صحيح، وهذا الإسناد فيه عكرمة بن عمار: صدوق يغلط.
وهو عند الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٢٢٧/٣، بإسناده ومتنه.
-٤١٩-
کتاب الجهاد والمغازي
٣٥١٢- وحَدَّثَنَا فهدُ بنُ سليمان، قال: حَدَّثْنَا أبو نُعيم، قال:
حَدَّثَنَا أبو العُميس، عن ابن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، قال: أتى
رسولَ الله :﴿ عينٌ من المشركين، وهو في سفر، فجلس فتحدث عند
أصحابه، ثم انسلَّ، فقال رسول الله {﴿: ((اطلُبوه فاقتلوه)، فسَبَقَتْهُمْ
إليهِ، فَقَتَلْتُهُ، وأخذت سلَبَه، فنفلنيٍ إِيَّاه(١).
قال أبو جعفر: ففي الحديثِ الأوَّلِ من هذين الحديثين قولُ
رسول الله ﴿: ((مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟)) قالوا: ابنُ الأكوعِ، فقال: ((له سَلَّبُهُ
أجْمَعُ) فهذا يدل على أنَّ من قتل رجلاً من العدو، ودخل إلى دارٍ
الإسلامِ بغير أمان، أو أسَرَهُ وهو كذلك: أن يكونَ له سَلَبُه دُونَ الذين
كانوا معه مِن الناس ممن لم يقتله، كما يقولُ أبو يوسف ومحمد بن
الحسن في الحربي إذا دخل دارَ الإسلام بغيرِ أمان، فأخذه رجلٌ من
ورواه أحمد ٤٦/٤ و٤٩ - ٥٠ و٥١، ومسلم (١٧٥٤)، وأبو داود (٢٦٥٤)،
وابن حبان (٤٨٤٢)، والطبراني (٦٢٤١) و(٦٢٤٢)، والبيهقي ٣٠٧/٦ من طرق
عن عكرمة بن عمار، به. وانظر ما بعده.
الطّلق: العِقال من جلد. والحَقَب: حبل يُشد على حِقو البعير. والورقاء: التي في
لونها سواد كالغُبرة. فندر: سقط. والسلب: هو ما على القتيل ومعه من ثياب
وسلاح ومركب وجنيب يُقاد بين يديه، وهو فعل بمعنى مفعول، أي: مسلوب.
(١) حديث صحيح، وهو عند الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٢٢٧/٣.
ورواه الإمام أحمد ٥٠/٤-٥١، والبخاري (٣٠٥١)، وأبو داود (٢٦٥٣)،
والنسائي في ((الكبرى) كما في ((التحفة)) ٣٧/٤، وابن حبان (٤٨٢٩)، والطبراني
(٦٢٧٢)، والبيهقي ٣٠٧/٦، و١٤٧/٩ من طريقين عن أبي العميس، به.
- ٤٢٠-