Indexed OCR Text

Pages 381-400

کتاب الجهاد والمغازي
٣٤٦٨- حَدَّثَنَا يزيدُ، قال: حَدَّثَنَا أبو داود الطَّيالسي، قال:
حَدَّثَنَا أبو حمزة وسعيد بن عبد الرحمن، عن محمد بن سِيرِين، عن أبي
العَجْفاء السُّلمي، قال: خَطَب عمر رضي الله عنه، ثم ذكر مثله.
فكان في هذا الحديث إخبارُ رسول الله :﴿ الناس: أن من قُتِلَ أو
مات في سبيل الله، فهو الشهيدُ الذي يستحقُّ ما يستَحِقُّه الشهيدُ، لا
مَنْ سواه ممن يُقْتَلُ في المغازي ممن مُرادهُ غير سبيلِ الله.
فقال قائلٌ: فقد رَوَيْتُم عن رسول اللهِمَ ﴿: أن الغريقَ شهيدٌ، وأن
الحريقَ شهيدٌ، في أشياء من هذا الجِنْسِ، فَقَصَدَ بالشهادةِ إليهم للذي
حَلَّ بهم من ذلك، لا لما سواه.
٣٤٦٩- وذكر ما قد حَدَّثْنَا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، أن
مالكاً أخبره، عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عَتِيك، عن عَتِيك بن
الحارث بن عَتِيك - وهو جدُّ عبد الله بن عبد الله أبو أُمّه- أخبره: أن
جابر بن عَتِيك، أخبره: أن رسول الله ﴿ جاء يَعُودُ عبدَ الله بن ثابتٍ،
فوجده قد غُلِبَ، فقالت ابنتُه: واللهِ إن كنتُ لأَرْجُو أن تكونَ شهيداً،
فإنّكَ قد كنتَ قضيتَ جهازك. فقال رسول الله :﴿: ((إنَّ الله عز وجل
قد أَوْقَعَ أَجْرَه على قَدْرِ نِيَّتِه، وما تَعُدُّونَ الشَّهادةَ؟)) قالوا: القتلُ في
سبيل الله. فقال رسول الله :﴿: «الشَّهادَةُ سَبْعٌ سِوى القَتْلِ فِي سَبِيلٍ
الله عز وجل: المَطْعُونُ شَهِيدٌ، والغَرِقُ شَهِيدٌ، وصاحب ذاتِ الجَنْبِ
٤٨/١ (٣٤٠) سمعه من أبي العجفاء. وانظر الفتح ٩٠/٦.
- ٣٨١-

كتاب الجهاد والمغازي
شَهِيدٌ، والَبْطُونُ شَهِيدٌ، والحَرِيقُ شهيدٌ، والذي يَمُوتُ تَحتَ الرَّدْمِ
شَهيدٌ، والمرأةُ تموتُ بُجُمْعٍ شَهِيدٌ)(١).
فكان في هذا الحديث ما قد دَلَّ على أن أهل الشَّهادة هم
المذكورون فيه بالمعاني التي ذُكِرُوا بها فيه.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله جل وعز وعَوْنِه: أن هؤلاء
المذكورين في هذا الحديث، هم الذين معهم من نِيَّاتِهم ما يَستَحِقُونَ به
الشهادةَ دونَ مَنْ سِواهم مِن أشكالهم ممن لا نِيَّةَ معه محمودةٌ يستحقُّ
(١) عتيك بن الحارث: مقبول. وهو في (الموطأ)) ص ١٦١ في الجنائز.
ومن طريق الإمام مالك رواه أحمد ٤٤٦/٥، وأبو داود (٣١١١)، والنسائي
١٣/٤-١٤، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٢١٤١)، وابن حبان (٣١٨٩)
و(٣١٩٠)، والطبراني (١٧٧٩)، والحاكم ٣٥١/١-٣٥٢، والبغوي (١٥٣٢).
ورواه ابن أبي شيبة ٣٣٢/٥-٣٣٣، والنسائي ٥١/٦-٥٢، وابن ماجه
(٢٨٠٣)، وابن أبي عاصم في (الآحاد والمثاني)) (١٩٧٢)، والطبراني (١٧٨٠) من
طريق أبي العميس عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك، عن أبيه، عن جده: أن
النبي # عادة في مرضه، فقال قائل من أهله ... فذكره. وفي رواية جعفر بن عون: عن
عبد الله بن عبد الله، عن أبيه: أن رسول الله * عاد حَبْراً -ويقال له: جابر -. قال ابن
عبد البر في «التمهيد)) ٢٠٦/١٩-٢٠٧: هكذا يقول أبو العُميس في إسناد هذا
الحديث، والصواب ما قاله فيه مالك، ولم يُقِمْه أبو العُميس.
المطعون: الذي أصابه الطاعون.
والمرأة تموت بُجُمْع: هي أن تموت وفي بطنها جنين، وقيل: هي التي تموت بِكْرًا.
وذات الجنب، قال ابن الأثير في (النهاية)) ٣٠٣/١-٣٠٤: هي الدُّبَيْلة والدُّمّل
الكبيرة التي تظهر في باطن الجَنْب وتتفجر إلى داخل، وقُلْما يسلَم صاحبُها.
- ٣٨٢-

کتاب الجهاد والمغازي
بها الشهادة، ومما يَدُلُّ على ذلك ما في هذا الخطابِ من خِطاب رسول
اللَّه ◌َّ لابنة عبد الله بن ثابت لمّا قالت له ما قالت له مما ذُكِرَ في هذا
الحديث: ((إن الله عز وجل قد أوْقَعُ أجْرَه على قَدْرِ نِيَّتِه)، فدّلَّ ذلك:
أن أجْرَه الذي يستحقُّه، إنما هو على قَدرِ نِيتِه، ولما كان ذلك كذلك
في عبد الله بن ثابت، كان فيمن سواه ممن ذُكِرَ في هذا الحديث معه
كذلك، وقد ذُكر ذلك عن رسول الله عَ﴿ فيهم في غير هذا الحديث.
٣٤٧٠- كما حَدَّثْنَا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْب، قال: حدثني
عبد الرحمن بن شُرَيْح، عن عبد الله بن ثَعْلَة الحَضْرمي: أنه سمع ابنَ
حُجَيْرَة يُخبرُ، عن عُقْبة بن عامر: أن رسول الله مَ﴿، قال: ((خَمْسٌ من
قُبِضَ في شيءٍ منهنَّ، فهو شَهِيدٌ: المقتولُ في سبيلِ اللهِ شَهِيدٌ، والغريقُ
في سبيلِ الله شهيدٌ، والمَبْطونُ في سبيلِ اللهِ شهيدٌ، والمَطْعُونُ في سبيلٍ
الله شَهِيدٌ، والنّفَساءُ في سَبيلِ اللهِ شَهِيدٌ)(١).
فدَلَّ ما في هذا الحديث: أن المذكورين في الحديث الذي قد
ذَكَرْناه قبله بالشهادة من أهل هذه الأشياء، هم الذين في سَبيل الله،
وسُبُل الله عز وجل طاعاتُه، فمَنْ كان في شيءٍ منها، فأصابه شيءٌ مما
مے
في هذه الآثار، كان من أهلِ الشهادةِ الذين وَعَدَهُم الله عز وجل عليها
(١) عبد الله بن ثعلبة الحضرمي: مقبول. لكن يشهد له الحديث السابق، ورواه
النسائي ٣٧/٦ عن يونس بن عبد الأعلى، به.
ورواه عبد الله بن المبارك في (الجهاد)) (١٩٨)، ومن طريقه الطرائي ١٧ /(٩٠٠)،
والمزي في ((تهذيب الكمال)) ٣٥٥/١٤ - ٣٥٦ عن عبد الرحمن بن شريح، به.
-٣٨٣ -

كتاب الجهاد والمغازي
ما وَعَدَهم، ومَنْ كان بخلاف ذلك، لم يكن منهم، وقد وَكْدَ ذلك
وكَشَفَ معناه، ما قد رُوِيَ عن رسول الله عَ ﴿ من غيرِ هذه الأحاديث.
٣٤٧١- كما حَدَّثْنَا إبراهيمُ بن مَرْزُوقٍ، قال: حَدَّثَنَا وَهْب بن
جَرِير، عن شعبة، عن عَمْرو بن مُرَّة، عن أبي وائل، عن الأشعَري،
قال: قال رجلٌ لرسول الله :﴿: الرجلُ يُقاتِلُ لِلغَنِيمَةِ أو لِلمَغْنَمِ،
والرجلُ يُقاتِلُ للذَّكْرِ، والرجلُ يُقاتِلُ ليُرَى مكانهُ، فمَنْ في سبيلِ الله عز
وجل؟ قال: ((مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ الله عز وجل هي أعْلَى، فَهُو في
سَبِيلِ الله عَزَّ وَجَلَّ)(١).
فأخْبَر رسول الله:﴿: أن المقاتل لا يستحقُّ الشهادةَ بقتاله حتى
يكونَ معه من نِيَّتِه أن تكون كلمةُ الله أعلى، كما ذكر في هذا
الحديث، وقد شَدَّ ذلك أيضاً حديثُه الآخر، وهو قوله: (إِنَّما الأعمالُ
بالّيَّةِ، وإنّما لإِمرِئ ما نَوى)).
٣٤٧٢ - كما حَدَّثَنَا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: حَدَّثَنَا
مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث النِّيْمي،
(١) إسناده صحيح، ورواه الطيالسي (٤٨٧)، وأحمد ٤٠٢/٤، والبخاري
(٢٨١٠) و(٣١٢٦)، ومسلم (١٩٠٤) (١٤٩)، وأبو داود (٢٥١٧)، والنسائي
٢٣/٦، والبيهقي ١٦٧/٩ من طرق، عن شعبة، به.
ورواه الطيالسي (٤٨٨)، وأحمد ٣٩٢/٤ و٣٩٧ و٤٠٥ و ٤١٧، والبخاري
(١٢٣) و(٧٤٥٨)، ومسلم (١٩٠٤) (١٥٠) و(١٥١)، وابن ماجه (٢٧٨٣)،
والترمذي (١٦٤٦)، وابن حبان (٤٦٣٦)، والبيهقي ١٦٨/٩، والبغوي (٢٦٢٦)
من طرق، عن أبي وائل، به.
- ٣٨٤-

کتاب الجهاد والمغازي
عن عَلْقَمةِ بنِ وَقَّاص الَيْفِي، أنه سَمِعَ عمرَ بن الخطاب على المِنْبَرِ،
يقول: قال رسول الله﴿: ((إنّما الأعمالُ بالّيَّةِ، وإنما لإِمْرِئٍ ما نَوَى،
فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُه إلى الله وإلى رسوله فهجرته إلى الله وإلى رسوله
ومن كانت هجرته إلى دُنْا يُصِيبُها، أو امرأةٍ يَتَزَوَّجُها، فهجْرَتُهُ إلى
ما هَاجَرَ إلیه)(١).
(١) إسناده صحيح، والحديث في الصحيحين.
والحديث رواه جمع غفير عن يحيى بن سعيد الأنصاري يصل عددهم قرب
السبعين كما ذكر ابن حجر في ((تلخيص الحبير)) ٥٥/١، وقال في «الفتح)) ١١/١ أنه
لم يقدر على تكملة المائة.
تفرد به يحيى بن سعيد الأنصاري، عن علقمة، عن عمر. ولا يصح من غير هذا
الطريق، وقد افتتح به المحدثون المصنفون کتبهم کالبخاري في ((صحيحه))، والبغوي في
((شرح السنة)).
قال ابن رجب في ((جامع العلوم والحكم) في شرحه لهذا الحديث وهو الأول
عنده:
اتفق العلماء على صحته وتلقيه بالقبول، وبه صدر البخاري كتابه الصحيح وأقامه
مقام الخطبة له إشارة منه إلى أنَّ كل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل، لا ثمرة له في
الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا قال عبد الرحمن بن مهدي لو صنّفت الأبواب لجعلت
حديث عمر في الأعمال بالنية في كل باب. وعنه أنه قال: مَنْ أراد أن يصنف كتابا
فليبدأ بحديث الأعمال بالنيات.
وهذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور الدين عليها، فروي عن الشافعي أنه قال:
هذا الحديث ثلث العلم، ويدخل في سبعين باباً من الفقه.
وعن الإمام أحمد قال: أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث: حديث عمر ((الأعمال
-٣٨٥-

كتاب الجهاد والمغازي
٣٤٧٣ - وكما حَدَّثَنَا يزيدُ بن سِنان، قال: حَدَّثْنَا القَعْنَيُّ، قال:
حَدَّثَنَا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن عَلَقَمة بن
وَقَّاص، عن عمر، عن رسول الله لم﴿، مثله.
٣٤٧٤ - وكما حَدَّثَنَا محمد بن عبد الله بن عبد الحَكَم، قال:
أخبرنا أشهب بن عبد العزيز، عن مالك، ثم ذكر بإسناده مثله.
٣٤٧٥ - وكما حَدَّثْنَا يزيدُ، قال: حَدَّثَنَا محمد بن كثير العَبْدِي،
قال: حَدَّثَنَا سفيانُ الثَّوْري، قال: حَدَّثْنَا يحيى بن سعيد، عن محمد بن
إبراهيم، عن علقمة بن وَقّاص، قال: سمعت عمر رضي الله عنه يقول:
بالنيات)) وحديث عائشة (مَنْ أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد))، وحديث
النعمان بن بشير: ((الحلال بين والحرام بين)). أ.هـ.
وانظر باقي كلام ابن رجب رحمه الله، وكذلك الفتح ١١/١، وشرح النووي
على مسلم ٥٣/١٣، وشرح ابن دقيق العيد الأربعين النووية أول حديث.
والحديث رواه البخاري (١) و(٥٤) و(٢٥٢٩) و(٣٨٩٨) و (٥٠٧٠)
و(٦٦٨٩) و(٦٩٥٣)، ومسلم (١٩٠٧)، وأبو داود (٢٢٠١)، والترمذي
(١٦٤٧)، والنسائي ٥٨/١ و١٥٨/٦، وابن ماجه (٤٢٢٧)، والإمام أحمد ٢٥/١
(١٦٨) و٤٣/١ (٣٠٠)، والحميدي (٢٨)، والطيالسي (٣٧)، ومالك في ((الموطأ)
(٩٨٣) رواية محمد بن الحسن، وابن حبان (٣٨٨) و(٣٨٩)، وابن الجارود (٦٤)،
والطحاوي ٩٦/٣، وابن خزيمة (١٤٢) و(١٤٣) و(٤٥٥)، والدارقطني ٥٠/١، وفي
(العلل)) ١٩٤/٢، والبيهقي ٤١/١ و ٢٩٨، ١٤/٢، ١١٢/٤ و٢٣٥، ٣٩/٥،
٣٣١/٦، ٣٤١/٧، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٤٢/٨، والخطيب في ((تاريخه)) ١٥٣/٦،
والبغوي (١) و(٢٠٦) من طرق عن يحيى الأنصاري، به، نحوه.
- ٣٨٦-

كتاب الجهاد والمغازي
سمعت النبيَّ ◌َ# يقول، ثم ذكر مثله.
٣٤٧٦- وكما حَدَّثْنَا إبراهيم بن مرزوق، قال: حَدَّثَنَا سليمان
بن حرب، قال: حَدَّثْنَا حماد بن زَيْد، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن
إبراهيم، عن عَلْقَمة بن وَقَّاص، قال: سمعتُ عمر رضي الله عنه يقول:
سمعت النبيَّ آ# يقول، ثم ذكر مثله.
٣٤٧٧ - وكما حَدَّثْنَا الُطَّلب بن شعيب، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله
بن صالح، قال: حدثني الليثُ، قال: حدثني يحيى بن سعيد، عن محمد
بن إبراهيم، عن عَلْقمة بن وَقّاص، عن عمر، قال: سمعت رسول الله
** يقول، ثم ذكر مثله.
٣٤٧٨- وكما حَدَّثْنَا ابنُ أبي مَرْيَم، قال: حَدَّثْنَا الفِرْيابي، قال:
حَدَّثْنَا ابنُ عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة
بن وَقَّاص، قال: سمعت عمر يَخْطُبُ الناسَ، وهو يقول: قال رسول
الله ﴾، ثم ذكر مثله.
٣٤٧٩- وكما حَدَّثْنَا الرَّبِيعُ بن سليمان المُرادِي، قل: حَدَّثَنَا
أسد بن موسى، قال: حَدَّثْنَا عبد الله بن المبارك، عن يحيى بن سعيد،
عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن وقّاص، عن عمر بن الخطاب
رضي الله عنه، قال: قال رسول اللهصل﴿، ثم ذكر مثله.
فأخبر رسولُ الله﴿: أنَّ الأعمال إنما تكونُ بالنية، وأنه إنما
يكونُ لامرئ ما نوى، ثم أخبر في الهِجْرة بما أخبر به فيها، وهي الهجرةُ
إليه، فأخبر أنه لا يُستَحَقُّ بها ما يُطْلَبُ بها إلا بالنية لذلك، لأنها
نفسُها، فمثل ذلك ما سواها مِن هذه الأشياءِ المذكورة فيه هذه الآثارِ،
-٣٨٧-

كتاب الجهاد والمغازي
لا تُستَحَقُّ بالأشياء المذكورة فيها حتى تكون معها النيةُ التي أخبر
رسول الله ﴿ أنها تُستحقُّ بها.
وقد رُوِيَ عن رسول الله ﴿ مما يَدْخُلُ في هذا المعنى أيضاً
٣٤٨٠- ما قد حَدَّثْنَا يونسُ، قال: حَدَّثْنَا ابنُ وهبٍ، قال:
حدثني عبدُ الرحمن بن شُرَيح، أن سَهْلَ بن أبي أمامة بن سَهْل بن
حُنَيف، حدَّله عن أبيه، عن حَدِّه: أن سول الله﴿، قال: ((مَنْ سَأَلَ الله
الشَّهادةَ بِصِدْقٍ، بَلَّغَه الله منازلَ الشُّهداءِ، وإنْ ماتَ على فِراشِهِ)(١).
فأخبر رسولُ الله: أنَّ مَنْ كانت معه النيةُ في تَمَنِيه الشهادةَ، كان
بذلك من أهلها، وإن لم يُصِبْه القتلُ بها، ولا ما سواه من الأشياءِ
المذكورة في هذه الآثار، وفي ذلك دليلٌ على ما ذكرنا مما حَمَلْنا عليه
الآثارَ التي ذكرناها في هذا البابِ، والله عز وجل نسألُه التوفيقَ.
(١) رواه مسلم (١٩٠٩)، وأبو داود (١٥٢٠)، وابن ماجه (٢٧٩٧)، والنسائي
٣٦/٦-٣٧، وابن حبان (٣١٩٢)، والبيهقي ١٦٩/٩- ١٧٠ من طرق، عن عبد الله
بن وهب، به. ورواه الدارمي ٢٠٥/٢، والترمذي (١٦٥٣) من طريق القاسم بن
كثير، والطبراني (٥٥٥٠) من طريق عبد الله بن صالح، كلاهما عن عبد الرحمن بن
شریح، به.
-٣٨٨ -

كتاب الجهاد والمغازي
٤٨٢- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِي عن رسول الله /# في
الرجلين اللَّذين كانا هاجرا إليه فاستُشهِدَ أحدُهُما، وعاشَ
الآخرُ بعدَهُ سنةً، ثم تُوُفِّي، فَفَضَلَ صاحبَه المستشهدِ قبله
٣٤٨١- حَدَّثْنَا محمد بنُ عَمرو بن تمام، قال: حَدَّثَنَا سليمانُ بنُ
أُيُوب بن [سليمان بن] عيسى بن موسى بن طلحة بن عُبَيْد الله، قال:
حدثني أبي، عن حَدِّي، عن موسى بن طلحة، عن أبيه.
وحَدَّثْنَا حسينُ بن نصر، قال: سمعتُ يزيد بن هارون، قال:
أخبرنا محمد بن عَمرو، عن أبي سلمة، عن لطحة بن عُبَيْد الله رضي
الله عنه أنَّ رجلين من بَلِيّ -وهو حيٌّ من قُضاعة- قُتِلَ أحَدُهُما في
سبيلِ الله عز وجل، وأُخْر الآخرُ بعدَه سنةً، ثمَّ مات. قال طلحة:
فرأيتُ في المنامِ الجنّةَ فُتِحَت، فرأيتُ الآخرَ من الرجلين دخلَ الجنّة قبل
الأوّل، فتعجبتُ، فلما أصبحتُ، ذكرتُ ذلك، فبلَغتْ رسول اللهلَ﴿ه
فقال الله﴿: ((أَلَيْس قد صامَ رمضانَ بعدَه وصلَّى بعدَه سنةَ ألفَ
ركعةٍ وكذا وكذا ركعةً لصلاةٍ سنتِهِ)) (١).
٣٤٨٢- حَدَّثْنَا إبراهيم بن مرزوق، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ عامٍ،
ے
قال: حَدَّثْنَا محمدُ بن عَمْرو، عن أبي سَلَمَة، قال: أسلَمَ رجلان من بَلِيّ
(١) إسناده ضعيف، سليمان بن أيوب صاحب مناكير، وأبو سلمة قيل أنه لم
يسمع من أبي طلحة، وانظر التعليق على (٣٤٨٣).
ورواه أبو يعلى (٦٤٨) من طريق محمد بن عمرو، به.
-٣٨٩-

کتاب الجهاد والمغازي
على عهدٍ رسول الله :﴿، ثم ذكر مثلَه(١).
٣٤٨٣- حَدَّثْنَا الربيعُ بنُ سليمان، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن
وَهْب، قال: أنبأنا ابن لَيْعَة ويحيى بن أُوب وحَيْوَة بن شُرَيْح، عن يزيد
بن عبدِ الله بنِ الهَاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد
الرحمن، عن طلحة بن عبيد الله أنَّ رجلين من بَلِيٌّ قَدِمَا على رسول
اللّهُّ، فكان إسلامهما جميعاً، وكان أحدُهما أشَدَّ اجتهاداً من الآخر،
فغزا المجتهدُ منهما، فاستشهد، ومكثَ الآخرُ بعدَه سنةً ثُمَّ تُوفّي، فقال
طلحة: بينا أنا عندَ بابِ الجنّة إذا أُنَا بهما، فخرجَ خارجٌ من الجنّة فأذِنَ
الذي توفي الآخر منهما، ثمَّ خرج، فأذِنَ للذي استُشْهِدَ، ثمَّ رجعَ إلَّ
فقال: ارجِعْ فإنه لم يُؤْذِن لكَ. فأصبحَ طلحةُ يحدِّثُ به الناسَ، فَعَجُبُوا
لذلك، فبلَغَ رسول الله:﴿، وحدَّثوه الحديثَ. فقال: ((مَنْ أيِّ ذلك
تعجبُون))؟ فقالوا: يا رسول الله هذا كان أشدَّ الرجلين اجتهاداً، ثمَّ
استشهد في سبيلِ الله عز وجل، ودخل هذا الآخرُ الجِنَّةَ قبلَهُ؟! قال:
((أليسَ قد مكثَ بعدَهُ سنةٌ»؟ قالوا: بَلَى. قال: ((وأدْرَكَ شهرَ رمضانَ
فصامَهُ))؟ قالوا: بلى. قال: ((وصلَّى كذا وكذا سجدة في السََّةِ؟ قالوا:
بلى. قال رسول الله﴿: ((فَلَمَا بينهما أبعدُ مِمَّا بينَ السَّماءِ
والأرض))(٢).
(١) إسناده ضعيف لانقطاع، أبو سلمة لم يدرك القصة أصلاً. ورواه أحمد
١٦١/١-١٦٢ من طريق ابن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة.
(٢) رجاله ثقات غير ابن لهيعة وقد تويع، فلم يبق للحديث إلا علة عدم سماع
- ٣٩٠-

کتاب الجهاد والمغازي
٣٤٨٤ - حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِنَان ومحمد بن خُزَيْمة وفهد بن
سليمان، قالوا: حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال: حدثني اللَّيْث، قال:
حدثني ابن اهاد، ثم ذکر یإسناده مثله.
٣٤٨٥ - حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثَنَا وَهْبُ بنُ
جرير، قال: حَدَّثْنَا شُعْبة، عن عَمْرو بن مُرَّة، عن عمرو بن ميمون،
عن عبد الله بن ربيعة، عن عُبيد بن خالد أن النبي ﴿ آخى بين رجلين،
أبي سلمة من طلحة، وقد نفى سماعه ابن المديني وابن معين فيما نقله المزني في
((التحفة)) ٢٢١/٤، ورأى الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند (١٤٠٣) أن هذا
القول لا يمكن الجزم به، وفصّل فيه.
والحديث رُوِيَ بقصة مشابهة من طريق عبد الله بن شداد كما سيأتي.
والحديث رواه الإمام أحمد ١٦٣/١ (١٤٠٣)، وابن ماجه (٣٩٢٥)، وابن حبان
(٢٩٢٨)، والبيهقي ٣٧١/٣ من طرق عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، به.
ورواه أحمد ٦٣/١ (١٤٠١)، وعبد بن حميد (١٠٤)، والنسائي في ((عمل اليوم
والليلة)) (٨٣٨) من طريق وكيع، عن طلحة بن يحيى بن طلحة، عن إبراهيم بن محمد
بن طلحة، عن عبد الله بن شداد أنَّ نفرًا من بني عذرة ثلاثة أتوا النبي * فأسلموا،
فقال النبي *: ((من يكفيهم)) قال طلحة: ((أنا) ... الحديث.
کذا رواه عبد الله بن شداد فأرسله.
لكن رواه موصولاً أبو يعلى (٦٣٤) والبزار في ((البحر الزخار» (٩٥٤) من طريق
عبد الله بن داود، عن طلحة بن يحيى، عن إبراهيم عن عبد الله بن شداد، عن طلحة
أن ثلاثة نفر، فذ کر نحوه.
وهذا إسناده قوي. وانظر علل الدارقطني ٢١٧/٤ (٥٢٠).
- ٣٩١-

كتاب الجهاد والمغازي
فَقُتِلَ أحدُهما في سبيل الله، ثم مات الآخر، فصلّوا عليه، فقال رسولُ
اللهَ وَّ: ((ما قلتُم)؟ قالوا: دَعَوْنا الله عز وجل أن يَغْفِرَ له ويرحَمَهُ،
ويُلْحِقَهُ بصاحبه. فقال رسول اللهِ﴿: فأين صلاتُه بعدَ صلاتِهِ،
وعملُه بعد عمله، وصيامُه بعد صيامه، لَمَا بَيْنَهُما أبعدُ ما بَيْنَ
السماء والأرْضِ))(١).
٣٤٨٦- حَدَّثْنَا أحمد بن شُعَيب، قال: حَدَّثَنَا سُوَيْد بن نَصْرِ،
م
قال: حَدَّثْنَا عبدُ الله - يعني ابن المبارك- قال: أخبرنا شعبةُ بن الحجاج،
عن عَمْرو بن مُرَّة، قال: سمعت عَمْرو بن ميمون يحدث عن عبدِ الله بن
ربيعة السُّلَمِي - وكان من أصحاب النبي18- عن عُبَيْدِ بنِ خالد
السلمي، ثم ذكر مثلَه(٢).
قال أبو جعفر: وعبد الله بن ربيعة هذا المذكور في هذا الإسناد
هو جدُّ منصور بن المُعْتَمِرِ، وفي هذا الحديثِ أنَّ له صحبةً وقد حُولِفَ
ابنُ المبارك في ذلك كما ذكره البخاري، وذكر أنَّه لم يُتابع عليه.
٣٤٨٧- حَدَّثَنَا فَهْد، قال: حَدَّثْنَا عليُّ بنُ مَعْبَد، قال: حَدَّثْنَا
عُبَيْد الله بن عمرو، عن زيد، عن عَمْرو بن مُرَّة، عن عَمْرو بن ميمون
الأوْدِي، عن عبد الله بن ربيعة السلمي، عن عُبَيْد بن خالد البَهْزِي -
رجل من أصحاب النبي 8#- قال: آخى رسول الله 48 بين رجلين من
(١) إسناده قوي، ورواه الطيالسي (١١٩١) عن شعبة، به.
ورواه أبو داود (٢٥٢٤)، وأحمد ٥٠٠/٣ و٢١٩/٤ من طرق عن شعبة.
(٢) رواه النسائي ٧٤/٤.
- ٣٩٢-

کتاب الجهاد والمغازي
أصحابه، فَقُتِلَ أحدُهما، وعاش الآخرُ بعده ما شاء الله عز وجل، ثمَّ
ماتَ، فجعل أصحابُ رسول الله ﴿ يَدْعُون له، وكان منتهى دعائهم
له أن يَلْحَق بأخيه الذي قُتِلَ قَبْلَه، فقال رسولُ اللهِ ﴾ .: «أَيُّهما تقولون
أفضلُ)؟ قالوا: الذي قُتِلَ قبلُ يا رسولَ الله في سبيل الله عزَّ وجَلَّ. قال:
(أما تجعَلُون لصلاةِ هذا ولصيامِهِ بعدَهُ ولصدقَتِهِ ولعملِهِ فضلاً؟ لَمَا
بَيْنَهُما أَبْعَدث مِن ما بَيْنَ السماء والأرضِ، فضَل الذي مات بعد
الذي مات قبلُ)).
قال أبو جعفر: فسأل سائلٌ عن المعنى الذي به استحقَّ الميتُ من
هذين الرجلين المتقدمُ على صاحبه المستشهدِ قبله، ولصاحبه ما قد
رُوِيَ عن رسول الله:﴿ فيمن هو فوقه في المنزلة.
٣٤٨٨ - حَدَّثْنَا يونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: حَدَّثَنَا عبد الله بنُ
وَهْبٍ، قال: حدثني عبد الرحمن بن شُرَيْح، عن عبد الكريم بن
الحارث، عن أبي عُبَيْدة بن عُقْبة، عن شُرَحْبِيل بن السِّمْط، عن سلمانَ
الخير، عن رسول الله ﴿ أنه قال: ((مَنْ رَابَطَ يوماً في سبيلِ اللهِ كانَ لَهُ
أجرُ صيامٍ شهرٍ وقيامِهِ، ومنْ ماتَ مُرابِطً، جرى له مثلُ من الأجرِ،
وأُجْرِي عليه الرزق وأمِنَ الفتّان))(١).
٣٤٨٩ - وما قد حَدَّثْنَا يونس، قال: أنبأنا ابنُ وَهْب، قال:
أخبرني الليثُ، عن أُيُوب بن موسى القُرَشِي، عن مَكْحُول، عن
(١) رواه مسلم (١٩١٣)، والنسائي ٣٩/٦، والحاكم ٨١/٢ من طريق عبد الله
بن وهب، به.
-٣٩٣-

کتاب الجهاد والمغازي
شُرَحْبيل، عن سَلْمان، عن رسول الله مُ﴿1 مثْلَه(١).
٣٤٩٠- وما قد حَدَّثَنَا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال:
حَدَّثْنَا عبدُ الله بن وَهْب، قال: وأخبرني أبو هَانِئِ الخَوْلاَنِي، عن عَمْرو
بن مالك، عن فَضَالة بنِ عُبِيْد الأنصاري أنَّ رسولَ اللهِ﴿. قال: «كُلُّ
ميتٍ يُخْتَمُ على عملِهِ إلاَّ الْمُرَابِطَ في سبيلِ اللهِ، فإنّه ينمُو له عملُه إلى
يوم القيامة، يُؤَمَّنُ من فَتَانِي القَبْر))(٢).
قال: ففي هذه الآثار ما فيها من فضل من مات مُرَابطاً ومَن نَمَا
عملُه له إلى يوم القيامة، ومن قُتِلُ مرابطاً كان فوق من مات مرابطاً في
المنزلة، وليس ذلك لمن مات غيرَ مُرابطٍ، لأن رسول الله /* قد أخبر أنه
ينقطعُ عملُه بموتِهِ في حديث أبي هريرة - يعني الذي ذكرنا فيما تقدم
مَنّا في كتابنا هذا، عن رسول الله ﴿ أنَّ مَنْ ماتَ انقطعَ عملُه بموتِهِ إلاّ
مِنْ ثلاثةٍ: من علمٍ بَنَّه، ومن صدقةٍ جاريةٍ، ومن ولدٍ صالحٍ يدعُو له.
فكان جوابُنا في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أنَّ ما احتجَّ به
(١) رواه مسلم (١٩١٣)، من طريق أبي الوليد الطيالسي، والنسائي ٣٩/٦ من
طريق عبد الله بن يوسف، والحاكم ٨٠/٢ من طريق ابن وهب، ثلاثتهم عن الليث
بن سعد، به.
(٢) إسناده صحيح، ورواه سعيد بن منصور (٢٤١٤)، وأبو داود (٢٥٠٠)،
والطبراني ١٨/(٨٠٣)، والحاكم ٧٩/٢ عن عبدِ الله بن وهب، به.
ورواه ابن المبارك في ((الجهاد)) (١٧٥)، والترمذي (١٦٢١)، وأحمد ٢٠/٦،
والطبراني (١٨/(٨٠٢)، وابن حبان (٤٦٢٤) عن حيوة بن شريح، عن أبي هانئ
الخولاني، به. وفتّانا القبر: منكر ونكير.
- ٣٩٤-

كتاب الجهاد والمغازي
علينا غيرُ مخالفٍ لما احتجَّ به علينا فيه مما قد رويناه في هذا الباب،
وذلك أن ما يُعطاه الميتُ في رِباطه ينقطعُ ذلك عنه كما ينقطعُ عملُ
غيرهٍ من الموتى عنه، وإن كان عملُه ينمو له إلى يوم القيامة، فإنّه ذلك
العمل بعَيْنِه لا عمل سواه يلحق به، وكان الرجلان المهاجران
المذكروان في الآثار التي رويناها هاجَرًا إلى رسول الله:﴿ معاً، فتساوَيَا
في ذلك، وأقامًا عنده بازِلَيْن لأنفسهما فیما یَصرِفُهما فیه من جهادٍ
ومن غيره من الأشياء التي يُتقرب بها إلى الله عز وجل، ويَصرفُ
المقبول منهما في الجهاد حتى قُتِل فيه، ولم يكن يصرفه ذلك - والله
أعلم- إلاَّ بتصريف رسول الله ﴿ إِيَّاه فيه، وعسى أن يكون صاحبُه قد
كان معه في ذلك، فساوَاه فيه، وزاد الآخرُ عليه الشهادة التي قد بذل
نفسَه لمثلِها، فكان ذلك في معنى الشهيد وإنْ كان الشهيدُ بفضلِه فيما
حلَّ به من القَتْلِ، فإنَّه قد بَذَلَ نفسَه لذلك، ثم عاش بعده حولاً في
هجرته إلى رسول الله ﴿ ولذلك من الفضل إنفاقُ ماله، فتفرَّد بذلك
على صاحبه، وكان في ذلك مُصلِّياً صلوات مدته تلك، وصائمَ شهر
رمضان الذي مرَّ عليه فيها، ولذلك من الفضل مالَهُ، فلم يكن في ذلك
مما يجب أن يُنكر تجاوزه لصاحبه في المنزلة وفي الثواب عليها، وفي
استحقاق سبقه إياه إلى الجنّة، ولقد قال رسول الله 8# في من هو دون
مثله
٣٤٩١- ما قد حَدَّثْنَا يونس، قال: أنبأنا ابنُ وَهْب، قال:
أخبرني عبد الرحمن بن شُرَيح، عن سَهْل بن أبي أُمَامَةَ بن سهل، عن
أبيه، عن سهل بن حنيف أن رسول الله﴿ قال: «مَنْ سَأَلَ اللهَ عز
-٣٩٥-

كتاب الجهاد والمغازي
وجل الشهادَةَ صادقاً من قلبهِ، بَلَّغَهُ الله عز وجل منازلَ الشهداء
وإن ماتَ على فِرَاشِهِ))(١).
قال أبو جعفر: وأحوالُ الرجل التي ذكرنا في هجرته إلى رسول
الله ◌َ﴿، وتلبثه معه للتصرُّف فيما يصرفه فيه، وإعماله الأعمال
الصالحة، وبذله نفسه لأسبابِ الشهادة فوقَ ذلك، والله نسأله التوفيق.
٤٨٣- بابُ بیانِ مُشْکل ما روي عن رسول الله ﴾ مما قد
تقدم ذكرنا له في كتابنا هذا مِن انقطاع عملِ الرجل
بموته إلاَّ من الثّلاثِة الذين ذكرناهم في الباب
الذي قبل هذا الباب
قال أبو جعفر: قال قائل: قد رويتَ في الباب الذي قبل هذا
الباب حديث سلمان في الرِّبَاط، وأَنَّه ينمو للميت فيه عملُه إلى يومٍ
القيامة، فكيف ينمو له ما قد انقطع بموته؟ ورويتَ عنه أيضاً فيما تقدم
منك في كتابك هذا فيمن سَنَّ سُنَّةٌ حسنٌ، فَعَمِلَ بها مَن بعده أَنَّ له
أجرَها وأجرَ مَنْ عِمِلَ بها بعده من غير أن يُنْتَقَصَ من أجورهم شيء،
وهذه أعمال قد لحقت الميت زائدةً على الثلاثة الأشياء المذكورات في
(١) إسناده صحيح، رواه مسلم (١٩٠٩)، وأبو داود (١٥٢٠)، والنسائي
٣٦/٦-٣٧، وابن ماجه (٢٧٩٧)، والبيهقي ١٦٩/٩ من طريق ابن وهب، به،
وصححه ابن حبان (٣١٩٢).
ورواه الترمذي (١٦٥٣)، والدارمي ٢٠٥/٢ من طريق القاسم بن كثير،
والطبراني (٥٥٥٠) عن عبد الله بن صالح، كلاهما عن عبد الرحمن بن شريح، به.
- ٣٩٦-

كتاب الجهاد والمغازي
انقطاع عمله بموته إلاَّ منها.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أنَّ هذه آثار
مؤتلفةٌ كُلُّها لا خلافَ ولا تضادَّ فيها، لأنَّ حديث سلمان على عملٍ
متقدم لموت المرابط ينمو له بعدَ موته لمعنى يتوفّرُ له ثوابُه إلى يوم
القيامة، وهو عمل قد تقدم موتَه، وأما الحديثُ الآخر، فالمستثنى فيه
وهو أعمالٌ تحدث بعدَه مِن صدقةٍ بها عنه بعد وفاته هو سَبَبُها في
حیاته، وعلمٍ يُعمَلُ به بعد وفاته هو سببه في حیاتِه، وولدٍ صالحٍ يدعو
له بعد وفاته هو سببُه في حياته. وكلُّ هذه الأشياء يلحقه بها ثوابٌ
طارئ خلاف أعماله التي مات عليها، فهو في ذلك بخلاف الميت في
رباطه الذي يعطى ثواب ما قد تقدم موته من أعماله الصالحة لا ثواب
أعمال تحدث بعدَ وفاته. وأمَّا الحديثُ الذي ذكره فيمن سَنَّ سُنّةٌ
حسنةً فعمِلَ بها بعد وفاته فهى من العلم الذي كان بشه في حياته
وعمل به بعد وفاته المذكورة في الحديث المستثنى فيه تلك الثلاثة
الأشياء.
فبان بحمد الله ونعمته أن لا تضادّ في شيء من آثار رسول الله لا
وأنها كلَّها مؤتلفةٌ غيرُ مختلفةٍ. والله نسأله التوفيق.
-٣٩٧-

کتاب الجهاد والمغازي
٤٨٤- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ## في رسلٍ
الكُفَّار انّهم لا یُقتلون وإن کان منهم ما لو لم یکونوا رُسلاً
وجب به له قتله
٣٤٩٢- حَدَّثَنَا سليمانُ بن شُعيب، قال: حَدَّثْنَا عليُّ بن مَعْبَدٍ،
وحَدَّثَنَا فهدُ بن سليمان، قال: حَدَّثَنَا أبو غَسَّانَ، قالا: حَدَّثَنَا أبو بكر
بنُ عياش، قال: حَدَّثَنَا عاصمُ بن بهدلةَ، قال: حَدَّثني أبو وائلٍ، قال:
حَدَّثْني ابنُ مُعَيْزِ السَّعْدي، قال: خرجتُ أُسَقْدُ فرساً لي بالسحر،
فَمَرَرْتُ على مسجدٍ من مساجدٍ بني حنيفةَ، فسمتعتُهم يشهدون أنَّ
مُسيلِمةَ رسولُ اللهِ، فَرَجَعْتُ إلى عبدِ الله بن مسعود، فذكرتُ لهم
أمرَهم، فبعث الشُّرَطَ، فأخذوهم، فجيء بهم إليه، فتابوا ورَجَعُوا عمَّا
قالُوه، وقالوا: لا نَعودُ، فخَلَّى سبيلَهم، وقَدَّمَ رَجُلاً منهم يقال له: عبدُ
بن النواحة، فضَرَبَ عُنُقَه، فقال الناسُ: أخذت أقواماً في أمرٍ واحد،
فخلَّيْتَ سبيلَ بعضهم وقتلْتَ بعضَهم! فقال: كنتُ عندَ رسولِ اللهمحلات
جالساً، فجاءه ابنُ النواحة ورجلٌ معه يقالُ له: ابنُ وثال حَجْر وافِدَیْنِ
من عند مُسَيْلِمَةَ، فقالَ لهم رسولُ اللهِلَ﴿: «أتشهدان أنّي رسولُ الله
(*)؟ فقالا: أتشهَدُ أنتَ أنَّ مُسيلِمةَ رسولُ الله؟ فقال: ((آمنت بالله عز
وجل وبرسولِه، لو كنتُ قاتلاً وفداً، لقتلتكما)، فلذلك قتلتُ هذا(١).
(١) أبو بكر بن عياش لما كبر ساء حفظه، وقد خالف سفيان والمسعودي
وغيرهما كما في «علل الدارقطني)) ٨٨/٥، فرواه عن عاصم، عن أبي وائل، عن ابن
-٣٩٨-

کتاب الجهاد والمغازي
٣٤٩٣- وحَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حَدَّثْنَا محمدُ بنُ كَثِيرِ،
قال: أنبأنا سُفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن حارثةَ بنِ مُضَرِّبٍ أَنَّه أَتَّى عبدَ
الله فقال: ما بيني وبينَ أحدٍ من العرب إحنة، وإني مررتُ بمسجدِ بني
حَنِيفةَ، فإذا هم يُؤمنون بِمسَيْلِمةً، فأرسلَ إليهم عبدُ الله، فجيء بهم،
فاسْتَتَابَهُم غيرَ ابنِ النَّوَّاحة، فقال له: سمعتُ رسولَ اللهِلَ﴿ يقول: ((لولا
أنَّك رسولٌ لضربتُ عنقَك»، وأنت اليومَ لستَ برسول، فأمرَ قَرَظَةً
بِنَ كَعْبٍ، فَضَرَبَ عُنُقَه في السُّوقِ، ثم قال: مَنْ أرادَ أن ينظُرَ إلى ابنِ
النوَّاحةِ قتيلاً بالسوقِ [فلينظُرْ)(١).
معيز السعدي، عن ابن مسعود، زاد عليهم في إسناده رجلاً هو ابن معيز، لا يعرف
إلا في هذا الحديث.
ورواه أحمد ٤٠٤/١، والدارمي ٢٣٥/٢، والخطيب في ((الأسماء المبهمة)) ص١٨٦
من طريقين عن أبي بكر بن عياش، به. وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٣١٥/٥: رواه
أحمد: وابن معيز لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
ورواه أحمد ٣٩٠/١-٣٩١ و٣٩٦، والبيهقي ٢١١/٩ و٢١٢ من طريقين عن
عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود. وانظر ما بعده.
(١) إسناه صحيح، ورواه أبو داود (٢٧٦٢)، وابن حبان (٤٨٧٩)، والطبراني
(٨٩٥٧)، والبيهقي ٢١١/٩ من طريق محمد بن كثير العبدي، به.
ورواه أحمد ٣٨٤/١، والنسائي في ((الكبرى) كما في ((التحفة) ١٨/٧، والطبراني
(٨٩٥٨)، والخطيب في ((الأسماء المبهمة) ص ١٨٥ من طريق أبي معاوية، عن
الأعمش، عن أبي إسحاق، به.
ورواه الطبراني (٨٩٥٩) من طريق قيس بن الربيع، عن أبي إسحاق، به.
-٣٩٩-

كتاب الجهاد والمغازي
٣٤٩٤- حَدَّثَنَا فهدٌ، قال: حَدَّثْنَا أبو كريبٍ، قال: حَدَّثَنَا يونسُ
- يعني ابن بكير- عن محمدِ بنِ إسحاق، قال: حدَّثْني سعدُ بنُ طارقٍ،
عن سلمة بن نُعيم، عن أبيه، قال: كنتُ عندَ النبيِّ ﴿﴿ حينَ جاءه رسلُ
مُسَيْلِمَةَ بكتابه ورسولُ اللهِ:﴿. يقول لهما: ((وأنتما تقولان مثلَ ما
يقولُ))؟ فقالا: نعم قال رسولُ الله ﴿: ((أمَا واللهِ لَوْلاَ أنَّ الرسلَ لا
تُقْتَلُ، لِضَرَبْتُ أعناقَكُما)(١).
والإحنة: الضغن.
قال الخطابي في «معالم السنن» ٣١٨/٢-٣١٩: ويُشبه أن يكون مذهب ابن
مسعود في قتله من غير استتابة أنه رأى قولَ التي #: «لولا أنك رسولٌ، لضربتُ
عنقك» حكماً منه بقتله لولا علةُ الرسالة، فلما ظَفِرَ به وقد ارتفعت العِلْةُ، أمضاه
فيه، ولم يستأنف له حكم سائر المرتدين. وفيه حدة لمذهب مالك في قتل المستسرُ
بالكفر، وترك استتابته ومعلوم أن هؤلاء لا يمكنهم إظهارُ الكفر بالكوفة في مسجدهم
وهي دارُ الإِسلام، وإنما كانوا يستبطون الكفر، ويُسرُّون الإيمان بمسيلمة، فاطلع على
ذلك منهم حارثة، فرفعهم إلى عبد الله وهو والٍ عليها، فاستتاب قوماً منهم، وحَقَنَ
بلتوبة دماءهم، ولعلهم قد كانت دَاخَلَتْهُمْ شُبْهَةٌ في أمر مسيلمة، ثم تبيَّنُوا الحقَّ،
فراجعوا الدينَ، فكانت توبتهم مقبولةُ عند عبد الله، ورأى أن أمر ابنِ النواحة بخلاف
ذلك، لأنه كان داعية إلى مذهب مسيلمة، فلم يعرض عليه التوبة، ورأى الصلاحَ في
قتله.
(١) إسناده حسن، وهو في ((السيرة النبوية) لابن هشام ٣٢٩/٤.
ورواه الحاكم ٥٢/٣-٥٣ ومن طريقه البيهقي في (السنن) ٢١١/٩، وفي ((دلائل
النبوة)) ٣٣٢/٥ من طريق يونس بن بكير، وأحمد ٤٨٧/٣-٤٨٨، وأبو داود
(٢٧٦١)، والطبري في («تاريخه)) ١٤٦/٣، وابن الأثير ٣٤٨/٥ من طريقه سلمة بن
- ٤٠٠ -