Indexed OCR Text

Pages 261-280

كتاب القضاء والأحكام والحدود
الطعام، فقال لجارية حفصة: خذي هذا الطعامَ، فكلوا واقبضوا الجفنة
مكان ظرفكم، قالت: ولم أرَ في وجهه غضباً، ولم يُعاتبِي ◌ِ﴿(١).
فقال قائل: فمن أين جاز لكم تركُ ما في هذه الآثار التي
رويتموها عن رسول الله:﴿ من هذه الوجوه المقبولة فلم تقولوا به أن
وخالفتموها إلى أضدادِها؟
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أنه لو تدبّر
هذه الآثار، لما وَجَدّنًا لها مخالفين، ولا عنها راغبين، وذلك أن المرأتين
اللتين كان مِن إحداهما في صحفة الأخرى ما كان، كانتا زوجتين
لِرسول الله ﴿، كُلُّ واحدة منهما في بيتٍ من بيوته وهما في عَوْلِهِ،
فكانت الصحفتان المذكورتان في هذه الآثار جميعاً للنبيِّ# فحوَّل
الصحفة الصحيحة التي كانت من المرأة المتلفة لصحفة صاحبتها إلى
بيت المتلف عليها صحفتها، وحوَّل الصحفة المكسورة إلى بيت التي
كسرتها، ولم يكن في ذلك شيء مما توَهَّمَ هذا المحتج علينا بما احتج به
مما ذكرنا.
(١) إسناده ضعيف. شريك بن عبد الله سيئ الحفظ، والرجل من بني سُوَاءة لم
يُسم فهو في عِداد المجهولين.
ورواه ابنُ أبي شيبة ٢١٤/١٤، وعنه ابن ماجه (٢٣٣٣) عن شريك، به.
قال الحافظ في ((الفتح)) ١٢٥/٥ بعد أن ساق هذا الحديث عن ابن شيبة وابن
ماجه: وهي قصة أخرى بلا ريب، لأن في هذه القصة أن الجارية هي التي كسرت
الصحفة، وفي الذي تقدم (يريد حديث أنس السالف) أن عائشة هي التي كسرتها.
- ٢٦١ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
ومما يدل على صحة ما نحن عليه من القول الذي أنكره علينا،
وعدَّنا به مخالفين لما في هذه الآثار، ما قد رُوِيَ عن رسولِ اللهِلُ﴿ من
ما أهلُ العلم جميعاً عليه مجمعون، وبه قائلون في العبد إذا كان بَيْنَ
رجلين، فأعتقه أحدهما وهو موسِرٌ، فأتلف بعتاقه نصيب شريكه منه
أنَّ عليه لِشريكه فيه ضمانَ قيمة نصيبه، لا نصف عبد مثله، وسنذكر
هذا وما رُوِيَ فيه عن رسول الله:﴿ فيما بعد من كتابنا هذا إن شاء
الله تعالى، وفي اتفاقهم على ذلك مع إيجابهم في إتلاف الأشياء ذواتٍ
الأمثال من الأشياء المكيلات، ومن الأشياء الموزونات أمثالَها لا قيمتها،
ما قد دلَّ أن الواجب في إتلاف الأشياء التي لا أمثالَ لها بكَيل ولا
بوزن قِيَمُهَا لا أمثالُها.
قال: فقد جعلتهم في قتل الخطأ: مئة من الإبل على أهل الإبل،
وجعلتهم في الجنين الملقى من بطن أمه ميتاً: غرة عبدٍ أو أمة، وفي ذلك
ما قد دلَّ على وجوبِ الحيوان في الأشياء المتلفات.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أن الذي
احتجَّ به علينا ليس مما كنا نحن وهو منه في شيء، لأن النفسَ المجعولَ
فيها مئة من الإبل ليست الإبل أمثالاً لها، ولأن الجنين الملقى من بطن
أُمِّه ميتاً ليست الغُرَّةُ التي جعلها النبيُّ :﴿ فيه مثلاً له، ولكن ذلك عبادة
تَعَّدَنا الله عز وجل بها، فلزمناها، ولم تُخالفها إلى ضدها.
فقال: فقد رويتم عن البِيِّ # إجازته لاستقراض الحيوان.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أن الذي
روي عن النبيِّ # في ذلك كما روي عنه فيه، وكان ذلك عندنا - والله
- ٢٦٢-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
أعلم - قبل تحريم الرِّبا، وقبل تحريم ردِّ الأشياء إلى مقاديرها، لا زيادة
في ذلك على مقاديرها، ولا نقصان فيه عنها. والدليل على ذلك أن ما
رُوِيَ عن رسول الله {8 في استقراض الحيوان إنما رُوِيَ عنه في
استقراض بعير استقرضه، وكأنَّ الذين ذهبوا إلى ذلك، وتمسكوا بهذا
الحديث، وعملوا به ولم يجعلوه منسوخاً، قد أجازوه في استقراض
ذكور الحيوان. وفي ذلك ما قد دلَّ على رفع الخصوص من ذلك،
وعلى استعمال ذلك الحكم فيما استعمله رسول الله څڑ فيه، وفي سائر
الحيوان، وكان القياسُ حتماً واستعماله واجباً في الأشياء التي لا توقيفَ
فيها، وكان الذين أجازوا ما ذكرنا قد منعوا مِن استقراض الإماءِ، فلم
يُجيزوا ذلك، والأمة المستقرضة تخرج من ملك مقرضها إن جاز
القرضُ فيها إلى ملك الذي استقرضها، كما تخرج بالبيع من ملك بائعها
إلى ملك مبتاعها. فكان في ذلك ما قد دلَّ أن الحرمةً لما وقعت في
استقراض الأمة، وقعت في استقراض سائرٍ الحيوان، وأنه لا يمنع من
استقراض الأمة لو كان القرضُ في الحيوان طلقاً أن يكونَ في ذلك ما
يُبيح مستقرض الأمة وطأها، وردّها إلى مقرضها، كما لم تقع الحرمة في
بيع الأمة التي ينطلق لمبتاعها وطُؤْها، وإقالةُ بائعها منها.
فقال هذا القائلُ: فقد أجزتُم أنتم وجوبَ الحيوان في معنىً ما،
وجعلتموها فيه ديناً، من ذلك ما قد قلتُموه في التزويج على أمةٍ وسط
أنه جائز، فكان يلزمكم أن تُجيزوا البيعَ بأمة وسط بدارٍ.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أنَّا أجزنا من
ذلك ما أجزنا، ومنعنا مما منعنا اتباعاً لما وجدنا المسلمين عليه، وذلك
- ٢٦٣ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
أنّهم حكموا في الجنين من الحُرة بِغُرَّةٍ، وحكموا في الجنين من الأمة
بخلاف ذلك، من ذلك ما قال قائلون: إن عليه نصفَ عشر قيمة أمه
إذا ألقته ميتاً، وممن قال ذلك مالك والشافعي.
وقال قائلون: فيه ما نَقَصَ أمّه كما يكون مثل ذلك في جنين
البهيمة إذا ضرب بطنها، فألقته ميتاً، وقد رُوِيَ هذا القول عن أبي
يوسف.
وقال آخرون: إن الجنين إذا كان أنثى، ففيه عُشر قيمته لو ألقته
حياً فمات، وإن كان ذكراً، ففيه نصف عشر قيمته لو ألقته حياً، ثم
مات، وممن كان يقول ذلك أبو حنيفة ومحمد بن الحسن، وهو المشهور
عن أبي يوسف، فلما جعلوا في جنين الحرة الذي ليس بمال غرةٌ، وفي
جنين الأمة الذي هو مال قيمة، عقلنا بذلك أنَّ ما هو مال لا يجوزُ
استعمالُ الحيوان فيه، وأن ما ليس بمالٍ جائزٌ فيه استعمال الحيوان، وفي
ذلك ما قد دلَّ على جواز التزويج على الحيوان ومنع الابتياعِ بالحيوان
الذي يكون في الذمم. والله عز وجل نسأله التوفيق.
-٢٦٤ -

كتاب القضاء والأحکام والحدود
٤٥٤- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ في أحكام
الغصوبِ في الجاهلية التي اختصموا إليه فيها في الإسلام
٣٣٤١- حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق ومحمدُ بن خزيمة جميعاً، قالا:
حَدَّثْنَا أبو الوليد الطَّيَالِيسِي، قال: حَدَّثَنَا أبو عَوانة، عن عبدِ الملك بنِ
عُمير، عن علقمةَ بنِ وائلٍ، عن وائل بنِ حُجر، قال: كنتُ عند رسول
الله﴿ فأتاه رجلان يختصِمانِ في أرضٍ، فقال أحدهما: إنَّ هذا يا
رسولَ الله انتزى على أرضي في الجاهلية، وهو امرؤ القيس بن عبس
الكِنِدي، وخَصْمُهُ ربيعةُ بن عيدان، فقال له: (بَيِّنْتُكَ بَيِّنَتُكَ)) قال: ليس
لي بَيِّنَةٌ، قال: يمينه، قال: إذن يذهبُ بها، قال: ليس لك إلا ذلك، فلما
قام لِيحلف، قال رسولُ الله:﴿: ((مَن اقْتَطَعَ أرضاً ظَالِماً، لَقِيَ الله
وهو عَلَيْهِ غَضْبَائ))(١).
٣٣٤٢ - حَدَّثْنَا روحُ بنُ الفرج، قال: حَدَّثْنَا يوسفُ بنُ عدي
الكوفيُّ، قال: حَدَّثْنَا أبو الأحوص، عن سِماكِ بنِ حربٍ، عن علقمة بنِ
وائلٍ، عن أبيه، قال: جاء رجلٌ من حضرموت ورَجلٌ من كِنْدة، إلى
رسول الله﴿، فقال الحضرميُّ: يا رسول الله، إنَّ هذا غلبني على أرضٍ
كانت لي، فقال الكنديُّ: هي أرضي في يدي أزرعُها ليس له فيها حَقٌّ،
فقال رسولُ الله الحضرمي: ((ألك بَيِّنَةٌ؟)) قال: لا، فقال النبيُّ ◌َل:
(١) حديث صحيح، رواه مسلم (١٣٩) وقد تقدم في كتاب المعاملات -
المزارعة وحدود الأرض.
-٢٦٥-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
((فَأَحْلِفْهُ)، فقال: إنَّه ليس له يمينٌ، فقال النبيُّ ◌َ﴿هُ: (لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إلاّ
ذلك))، فانطلق ليحلفه، فقال رسولُ الله ﴿: ((أما إنّه إن حَلَفَ على
مالِكَ ظَالِمَاً لِيَأْكُلَهُ، لَقِيَ الله عَزَّ وجَلَّ وهو عنه مُغْرِضٌ).
٣٣٤٣- حَدَّثَنَا فهدُ بنُ سليمان، قال: حَدَّثْنَا جندلُ بنُ والق،
قال: حَدَّثَنَا أبو الأحوص، فكر بإسنادِهِ مثلَه، غيرَ أنه قال: فقال
الحضرميُّ: يا رسولَ الله، إنَّ هذا غلبني على أرضٍ كانت لأبي.
ففي هذا الحديث خصومةُ الرجلين المذكورين فيه إلى رسول
اللّه ◌َ فِي غَصْبٍ ادَّعاه أحدهما على الآخر أنه كان منه إِيَّاه في
الجاهلية، ودعا رسولُ الله :﴿ِ الْمُدَّعِي ببينةٍ إن كانت له على ما ادَّعاه
عنده من ذلك، وإعلامه إِيَّاه أن له يمينَ الُدَّعَى عليهِ إِن طلبها.
وفي ذلك ما قد دلَّ على أنه لو أقام عنده بينةً على ما ادَّعاه
عنده، لَحَكَمَ له به على من ادَّعاه عليه عنده، وفي ذلك ما قد دلَّ على
أن الغاصِبَ لِذلك لم يكن ملكه على الذي كان غصبه إيّاه في الجاهلية
بغصبه إيَّه كان منه، فمثلُ ذلك الحربي يَغْصِبُ الحربي أرضاً في دارٍ
الحرب، ثم يُسلمان، فيختصمان فيها إلى إمام المسلمين، أنه ينظُر بينهما
في ذلك، وحكم بينهما فيه كما يحكم في مثلِه لو كان بين مسلمين في
دارِ الإسلام.
وقد كان محمدُ بنُ الحسن يذهب إلى هذا القول أيضاً، إلا أنه
كان يقول: إن كان ملكهم خُوصِمَ إليه في ذلك في دارٍ ملكه، فجعله
لغاصبه بغصبه إِيَّاهُ، ثم خُوصِمَ في ذلك إلى إمام المسلمين في دار
الإسلام، أمضى ذلك، ولم يردّه على المغصوب منه، وإن كان لم
-٢٦٦ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
يُخاصِمْ في ذلك إلى ملكهم، ولا كان منه فيه إمضاؤه لغاصبه، نظر
فيما بَيْنَ الغاصب له والمغصوبِ منه، وحكم في ذلك كما يحكم في
غصب أهلِ الإسلامِ بعضهم بعضاً في دار الإسلام.
و کان بعضُ من یذهب إلى قوله هذا يحتجُ له فيه ما قد رویناه
عن رسولِ الله ﴿ فيما تقد منا في كتابنا هذا من قوله: («كُلُّ ميراثٍ
قُسِمَ في الجاهلية، فهو على قسمة الجاهلية، و كُلُّ میراثٍ أدركه
الإسلامُ، فهو على قِسمة الإسلامِ)).
قال: فكما كان الميراثُ إذا قُسِمَ في الجاهلية على غير حُكْمٍ
الإسلام أمضي ذلك، ولم يُرَدَّ إلى حكم الإسلام، وإذا لم يُقسم في
الجاهلية حتى أدركه الإسلامُ، قُسِمَ على حكم الإسلام، كان مثل ذلك
الغصب الذي ذكرنا إذا أجري فيه في الجاهلية معنىّ، أمضي ذلك المعنى
فيه، ولم يرد إلى حكم الإسلام، وإذا لم يُمض فيه ذلك المعنى حتى
أدركه الإسلامُ، رُدَّ إلى حكم الإسلام فيه، والله عز وجل نسألُه
التوفيق.
-٢٦٧ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤٥٥- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله # من أمره
بقطعِ المَخْزُوِمِيَّةِ التي كانت تَسْتَغِیرُ الحُلِيِّ فتجَحدُهُ
٣٣٤٤- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بنُ رِجال، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن صالح،
قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرزَّاق، قال: حَدَّثْنَا مَعْمَرٌ، عن الزهري، عن عُرْوَة،
عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كانت امرأةٌ مخزوميَّة تستعيرُ المتاعَ
وتَحْحَدُهُ، فأمرَ النِيُّ ◌َ﴿ بقطع يدِها، فأتى أهلُها أسامةَ بنَ زيد
فكُلِّمُوه، فكلّم اسامةُ رسولَ اللهِ:﴿، فقال رسولُ اللهَمَ﴿: (يا أسامةُ لا
أراكَ تكلِّمنى في حدٍّ من حدودِ اللهِ عزَّ وجلَّ، قال: ثم قام النبيُّ
خطيباً فقال: (إِنَّمَا أهلكَ مَنْ كانَ قبلَكُم أَنَّهُ إذا سَرَقَ فيهم
الشَّرِيفُ، تَركوهُ، وإذا سَرَقَ فيهم الضَّعِيفُ، قَطْعُوه، والذِي نفسِي
بيده لو كانت فاطمة ابنة محمدٍ سرقت، لقطعتُ يدَها)) فقطعَ يدَ
المخزوميَّة(١).
٣٣٤٥- حَدَّثَنَا عُبَيْد، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ
الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمَر، عن أُوب، عن نافع، عن ابنُ عُمر رضي
الله عنهما، قال: كانت مخزومِيَّةٌ تستعيرُ المتاعَ وتَحْحَدُه، فأمر النبيُّ ◌َ *:
أنْ تُقْطَعَ يِدُها(٢).
(١) إسناده صحيح، وهو في ((مصنف عبد الزراق)) (١٨٨٣٠).
(٢) صحيح، ورواه من طريق عبد الرزاق، به: أحمد ١٥١/٢، وأبو داود
(٤٣٩٥)، والنسائي ٧٠/٨.
-٢٦٨-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
قال لنا عُبيد: قال لنا أحمد: هذا مختلف فيه، وإنما هو عن نافع
عن صفية، وعن القاسم، عن عائشة رضي الله عنها
٣٣٤٦- وحَدَّثْنَا مُصْعبُ بنُ إبراهيم بن حمزة الزُّبَيْري، قال:
حَدَّثْنَا أبي، قال: حَدَّثَنَا الدَّرَاوَرْدِي، قال: حَدَّثَنَا محمد بن عبد الله بن
مسلم، عن عَمه ابن شهاب، عن عُرْوَة، عن عائشة رضي الله عنها في
شأن المرأة التي اسْتَعارَت الحُلِيَّ، فقطع رسولُ الله :﴿ يدَها التي شفع
فيها أسامةُ بن زيد إليه.
٣٣٤٧- وحَدَّثَنَا مُصعب، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: حَدَّثْنَا
الدَّرَاوَرْدِي، قال: حَدَّثَنَا محمد بن عبد الله بن مسلم، عن عَمِّه، عن
القاسم بن محمد، عن عائشة رضي الله عنها قالت: فنكحت تلك المرأة
رجلاً من بني هاشم، وكانت عنده حَسَنَة التلبس تأتِيني، فأرفع لها
حاجتها إلى رسول الله ﴿.
فقال قائل: فقد رويتُم هذا الحديثَ من هذه الوجوه الصحاح
عندكم، فكيف جاز لكم تركُها، وتركُ استعمالِ ما فيها، ومخالفتها؟
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أنَّ هذه
الأحاديث في صحة بحيثها واستقامة أسانيدها كما ذَكَرَ، ولكنّها قد
قصر فيها عن ذكر السبب الذي به قطعَ رسولُ الله :﴿ يدَ المرأة
المذكورَةِ فيها من ما قد وجدناه مذكوراً في غيرها وهو لِسرقتها، فكان
قطعُ رسول الله ﴿ إِيَّاها لذلك لا لما سِوَاه، وذكرت بما سواه إذ كان
خلقاً من أخْلاقِها عُرفت به، وكان قعُ يدها فيما سواه.
٣٣٤٨- كما قد حَدَّثْنَا يونس، قال: أخبرنا ابنُ وَهْب، قال:
- ٢٦٩ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
أخبرني يونسُ، عن ابن شِهَاب أن عُرْوَة بن الزيبر أخبره، عن عائشة
زوج النبي ﴿ أنَّ امرأةٌ سرقت على عهدٍ رسول الله * في غزوة الفتح،
فأُّتِيَ بها رسولَ اللهَ﴿، فكلِّمه فيها أسامةُ بن زيد، فلما كلمه فيها،
تَلَوَّن وجهُ رسول الله :﴿ فقال: (أَتَشْفَعُ في حَدِّ من حُدودِ الله)؟! فقال
أسامةُ: استغفِرُ لِي يا رسولَ الله، فلما كان العَشِيُّ، قام رسولُ اللّهُ﴿،
فأثّنَى على الله بما هو أهله، ثمَّ ذكر بَقِيَّةَ الحديث على مثلٍ ما في
حدیث ◌ُبید الذي ذكرناه في هذا الباب.
٣٣٤٩- وحَدَّثْنَا يونس، قال: حَدَّثَنَا شُعَيْب بنُ الليث بن سعد،
عن أبيه، عن ابنِ شِهَاب، عن عُرْوة، عن عائشة رضي الله عنها أنَّ
قريشاً هَمَّهُم شأنُ المَخْرُومِيَّة التي سَرَقَت، فقالوا: مَنْ يُكَلِّمُ فيها رسولَ
اللّهِ ﴿؟. فقالوا: ومَنْ يَحْتَرِئُ عليه إلاّ أسامة بن زيدٍ، ثم ذكر مثل
معناه.
فعقلنا بذلك أنَّ قطعَ رسولِ الله/ كان تلك المرأة إنَّما كان
لِسرقتها لا لِمَا سِوَى ذلك مما ذكرنا في هذه الأحاديث، والله سبحانه
وتعالى نسألُه التوفيقَ، وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
- ٢٧٠ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤٥٦- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِي عن رسول الله # من قوله
لصفوان بن أُمَّة لما تصدّق بردائه علی سارقه منه بعد أمرٍ
النبي ﴾ بِقَطْعِهِ: «فهلاَ قبلَ أنْ تَأْتِيَنِي به))
٣٣٥٠- حَدَّثْنَا إسحاقُ بنُ إبراهيم بن يونس، قال: حَدَّثَنَا أبو
كُرَيْب، قال: حَدَّثْنَا هاشمُ بنُ عبد الواحد، عن يزيد بنِ عبد العزيز،
عن أُشْعَث، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: جاء
صفوانُ بنُ أُمَّة إلى النبي ﴿ برجلٍ سَرَقَ رداءه من تحت رأسه وهو
نائم، فلم يُنْكِرْ ذلك الرجل، فأمر به رسولُ الله ◌َ﴿ أَنْ يُقْطَعَ. فقال
صفوانُ: في هذا يُقطع؟ قال: ((فهلاً قلتَ هذا قبلَ أنْ تَأْتِيَنِي))(١).
(١) رواه الدارمي ١٧٢/٢، والنسائي ٦٩/٨، والطبراني (٧٣٢٧) و(١١٧٠٣)
من طرق عن أشعث، به.
ورواه الطبراني (٧٣٢٦) و(١٠٩٧٨) من طريق طاووس عن ابن عباس. وفي
إسناده يعقوب بن حميد، قال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٧٦/٦. وثقه ابن حبان وغيره،
وضعفه النسائي وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح.
قال الخطابي في («معالم السنن)) ٣٠٧/٣: في هذا دليل على أن الحرز معتبر في
الأشياء حسبما تعارفه الناسُ في حرز مثلها، وذلك أن النائمَ في المسجد الذي ينتأبُه
الناسُ، ولا يُحجب عن دخوله أحد، لا يقدِرُ من الاحتراز والتحفظ في ثوبه على أكثر
من أن يبسطه، فينام عليه، أو يتوصده، فيضع رأسه عليه، أو يشد طرفاً منه في طرف
يديه إلى نحو ذلك من الأمور، فإذا اغتاله مغتال، فذهب به كان سارقاً له من حرز
يجب عليه ما يجب على سارق الأموال من الخزائن المستوثق منها بالأغلاق والأقفال،
وفي معناه: من وضع نفقته في كمه، فطرَّه إنسان، فإنه سارق تُقطع يده، كما لو
- ٢٧١-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
قال: فإن أنكر منكرٌ احتجاجَنًا بهذا الحديث لمكان أشعثَ بنِ
سوَّار.
قيل له: إن أشْعث ليس بمتروك الحديث، وما تخلّف عنه أحد من
أئمة الحديث في زمنه حتى حدَّث عنه، منهم: شُعْبة، والثّوْرِي، وقد
حدث عنه مَنْ هو أجلُّ مِن هذه الطبقة وهو أبو إسحاق السَّبِيعِي.
ولقد ذكر البخاري(١) عن أبي بكر بن أبي الأسود، عن عبد الرحمن بنِ
مَهْدي، قال: قال سفيانُ: أشعثُ أثبتُ عندي من مُحَالِد، وهذه رتبة
جليلة.
٣٣٥١- وحَدَّثْنَا يونس، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وَهْبٍ، قال: حدثني
مالك بنُ أنس، عن ابنِ شِهَابٍ، عن صَفْوان بن عبد الله بن صَفْوان،
أن صَفْوان بن أُمَيَّة قيل له: من لم يُهاجر هلك، فقدِمٍ صفوان بن أُمَيَّة
المدينة فنام في المسجد، وتوسَّدَ رداءه، فجاء سارق فأخذ رادءه من
تحت رأسه، فأخذ صفوان السارق، فجاء به إلى النبي 8#، فأمر به النبي
أخذها من صندوق أو خزانة، وكذلك هذا فيمن وضع ثوبه بين يديه، واستنقع في
ماء، فأخذه آخذ على وجه الرقة، ويدخل في ذلك من أخرج متاعاً من جوالق أو حلَّ
بعيراً من قطارٍ، أو أخذ متاعاً من فسطاط مضروب أو من خيمة ضربها صاحبها،
فنام فيها أو على بابها، فهذا كله حرز، وإنما ينظر في هذا الباب إلى سيرة الناس
وعاداتهم في إحراز أنواع الأموال على اختلاف أماكنها، فكل ما كان مأخوذاً من
حرز مثله، وكان مبلغه ما يجب فيه القطع، وجب قطعُ يد سارقه.
(١) في («تاريخه الكبير)) ٤٣٠/١.
- ٢٧٢ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
﴿ أن تُقْطَعَ يده، فقال صفوان: إنّي لم أُرِد هذا، هو عليه صدقة، فقال
رسولُ اللهِ﴿: ((فهلاً قبلَ أنْ تَأْتِيَنِي به)(١).
قال: هكذا روى ابن وَهْب وأكثرُ الناسِ هذا الحديث عن مالك.
وقد رواه شَبَابَةُ بن سَوَّار عنه بخلاف هذا الإِسناد
٣٣٥٢- كما حَدَّثْنَا محمد بن أحمد بن جعفر، قال: حَدَّثْنَا أُبو
بكر بن أبي شَيْبَة، قال: حَدَّثْنَا شَبَابَةُ بنُ سوار، قال: حَدَّثَنَا مالك بن
أنس، عن ابن شهاب، عن عبد الله بنِ صفوان، عن أبيه صفوانَ بن أُمَيَّة
قيل له: إنه من لم يُهاجر هلك، فدعا براحلتِه فركِبَها حتى أتى المدينة،
فسأله النبي :﴿، فقال: قِيل لي: إنّه من لم يُهاجر هَلَك. فقال النبي ◌ِ﴾ .:
((ذَهَبَتِ الهِجْرَةُ، اذهبْ إلى بَطْحَاء مكّة)، فنام صفوان في المسجد، ثم
ذكر هذا الحديث كما ذكره ابنُ وهب عن مالك(٢).
ووافق شبابةً على هذا الإِسناد في هذا الحديثِ أبو عَلْقَمة
الفَرْوِيُّ. وإذا كان إسنادُ هذا الحديث كما ذكرنا، احتمل أنْ يكونَ
(١) رجاله ثقات، لكنه مرسل، ورواه مالك (الموطأ) ٨٣٤/٢، وعنه الشافعي
(٥٦٢)، والبيهقي ٢٦٥/٨، والطبراني (٧٣٢٥).
قال ابن عبد البر فيما نقله عنه الزرقاني في ((شرح الموطأ)) (١٥٨/٤): رواه جمهور
أصحاب مالك مرسلاً، ورواه أحمد ٤٦٥/٦ من طريق محمد بن أبي حفصة، حَدَّثْنَا
الزهري به.
(٢) رجاله ثقات، ورواه ابن ماجه (٢٥٩٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة، به.
ورواه الطبراني (٧٣٣٨)(و (٧٣٤١) من طريق محمد بن أبي حفصة، عن
الزهري، به.
-٢٧٣-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
الزهري قد سَمِعَهُ من عبدِ الله بن صفوان، عن أبيه، وسمعه مِنْ صفوان
بن عبد الله، فحدَّت به مَّرةً هكذا ومرَّةً هكذا، كما يفعل في أحاديثه
عن غيرهما ممن يحدِّث عنه.
فإن قال قائل: أفَيَّتَهِيَّأُ في سِنِّهِ لقاءُ عبدِ الله بن صفوان؟
قيل له: نعم ذلك غير مُسْتَنْكَرٍ، لأنَّ عبد الله بن صفوان قُتِلَ مع
عبدِ الله بن الزُّبير في اليوم الذي قُتِلَ فيه من سنة ثلاث وسبعين،
والزهري يومئذٍ سنَّهُ أربع عشرة سنة، لأن مولده كان في السنة التي قُتِلَ
فيها الحسينُ بن علي رضي الله عنهما، وهي سنة إحدى وستين.
فقال قائل: فقد يجوز أن يكونَ عبدُ الله بنُ صفوان هو ابنَ عبد
الله بن صفوان .
قيل له: ما نعلم لصفوان بن عبد الله بن صفوان ابنا أُخِذ عنه
شيء من العلم، وإنما عبد الله بن صفوان بن أمية.
٣٣٥٣- وحَدَّثَنَا محمد بنُ حُزَيْمة، قال: حَدَّثْنَا حجاج بن
مِنْهال، قال: حَدَّثَنَا حَمّادُ بن سلمة، عن قتادة وقَيْسٍ، وحبيبٍ الْمُعَلّم،
وحُمَيْدٍ وعُمارة، عن عطاء، عن صفوان بن أمية. وحَمَّاد، عن عَمْرو بن
دينار، عن طاووس، أن صفوان بن أمية كان نائماً في المسجد وتحتَ
رأسه خَمِيصة، فجاء لصٌّ فانتزعها من تحت رأسه، فأخذه فرفعه إلى
رسولِ اللَّهُ﴿، فأمر بقطعِهِ، فقال: يا رسول الله لا تَقْطَعْهُ. فقال رسول
اللّه: ((أفلا قبلَ أنْ تَأْتِيَنَا به كنت تركته))(١).
(١) عمارة بن ميمون مجهول. ورواه النسائي ٦٨/٨ من طريق يزيد بن زريع،
-٢٧٤-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
فنظرنا في هذا الحديث، هل هو سماعٌ لفظاً من صفوان أم لا؟
٣٣٥٤- فوجدنا أحمد بن شُعيب قد حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثْنَا عبد الله
بنُ أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ جعفر: عن
سعيد - وهو ابن أبي عَرُوبة - عن قَتَادة، عن عطاء بن أبي رَبّاح، عن
طارق بن المرقّع، عن صفوان بن أمية، ثم ذكر هذا الحديث(١).
فوقفنا بذلك على أنَّ عطاء لم يأخذه عن صفوان، وأنَّه إنما أخذه
عن طارق هذا، عن صفوان وإن كنا لا نعرف طارقاً هذا
٣٣٥٥- حَدَّثْنَا يونس، قال: حَدَّثْنَا سفيان، عن عَمرو، عن
طاووس، قال: قيل لصفوانَ بنِ أُمَيَّة: إنه لا دِينَ لمن لم يُهَاجر، قال:
فقال: واللهِ لا أصل إلى شيء حتّى أُهَاجر إلى المدينة، فأتَى المدينةَ فنزل
على العبَّاس، فبينا هو نائم في المسجد تحتَ رأسه حَمِيصةٌ له، ثم ذكر
هذا الحدیث.
عن سعيد، عن قتادة، عن عطاء، عن صفوان.
ورواه أيضاً ٧٠/٨ من طريق أسد بن موسى عن حماد بن سلمة، عن عمرو بن
دينار، عن طاووس، عن صفوان بن أمية.
ورواه الدار قطني ٢٠٥/٣-٢٠٦، والحاكم ٣٨٠/٣ من طرق، عن أبي عاصم
الضحاك بن مخلد، عن زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن طاورس، عن ابن
عباس أن صفوان بن أمية ...
(١) طارق بن المرقع، لم يحدث عنه سوى عطاء بن أبي رباح، بهذا، وهو في
((سنن النسائي)) ٦٨/٨، و(المسند)) ٤٦٥/٦.
- ٢٧٥ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
فنظرنا هل أخذه طاووس عن صفوان سماعاً؟
٣٣٥٦ - فوجدنا أحمد بن شعيب قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا محمد
بن داود المِصِّيصِي، قال: حَدَّثَنَا معلِّى بن أسد، قال: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عن
عبدِ اللهِ بن طاووس، عن أبيه، عن صفوان بن أُمَيَّة، قال: قلت: يا
رسولَ الله هذا سرق خميصةٌ لي، لرجل معه، ثم ذكر هذا الحديثَ.
ثم نظرنا في سِنِّ طاووس ما يجوز أن يكونَ أخذ هذا الحديثَ عن
صفوانَ سماعاً منه، فوجدنا وفاة صفوان كانت بمكّة عند خروجٍ الناس
إلى الجمل، ووجدنا وفاة طووس كانت بمكة سنة ستُّ ومئة، وسِنُّهُ
يومئذٍ بضع وسبعون سنةً. فعقلنا بذلك أنه لا يحتمل أنه أخذه عن
صفوان سماعاً.
٣٣٥٧- وحَدَّثْنَا أبو أُمَّة، قال حَدَّثَنَا عَمرو بن طلحة القناد،
قال: حَدَّثَنَا أسباطُ بن نصر الحَمْداني، عن سِمَاك، عن حُمَيْد ابن أختِ
صفوان بن أُمَيَّة، [عن صفوان بن أمية]، قال: كنت نائماً في المسجد
على خميصةٍ لي ثمن ثلاثين درهماً، فجاء رجلٌ، فاختلسها مِنّي، فأُخذ
الرجلُ، فأتي به النبي ◌َ﴿ه فأمر به أن تُقْطَع يده، فأتيتُه، فقلت: أتقطعُهُ
من أجل ثلاثين درهماً! أنا أبيعُه وأُنستُهُ ثَمَنَهَا، فقال: ((فهلاً قبلَ أنْ
تأتيني به).
وكان حُمَيَدٌ هذا مِمَّن لا يُعرف، ولم نجد في هذا البابِ غيرَ ما
ذكرناه فيه مما في أسانيده ما قد ذكرناه فيها، غير أنَّا وجدنا أهل العلم
قد احتجُّوا بهذا الحديث، فوقفنا بذلك على صحته عندهم، كما وقفنا
على صِحَّةٍ قولِ رسول الله ﴿ عندهم: ((لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) وكما وقفنا
-٢٧٦-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
على صِحَّةٍ قولهم عندهم: ((إذا اختلفَ المتبايعَان في الثمنِ والسلعةُ
قائمةٌ تحالفا، وترادًّا البيعَ) وإن كان ذلك كُلِّه لا يقوم مِن جهة
الإِسنادِ، فَغَنُوْا بصحته عندَهم عن طلب الإسنادٍ له. فمثلُ ذلك حديثُ
صفوانَ الذي ذكرنا لَّا احتجُّوا به جميعاً، غَنُوا بذلك عن الإسناد له.
ثم تأملنا قولَ النبيِّ :﴿ فيه لِصفوانَ: ((أَفَلاَ قَبلَ أنْ تَأْتِيَنِي بِهِ)) إذ
كان أهلُ العلم يختلفون في هذه المسألةِ، فطائفةٌ منهم تقولُ: يُقْطَعُ لا
ويُلتفتُ إلى ما كان من ربِّ السرقة مِن الصدقة بها على السَّارق،
منهم: مالك، والشافعي، وكثيرٌ من أهل الحجاز سواهما، وهو أحَدُ
أقوالِ أبي يوسف في ذلك.
ويختلفون في ذلك لو كان قبل أن يُؤْتَى به الإِمام، فيقولُ
الحجازيون الذين ذكرنا: يُقْطَعُ، ويُوافِقُهم على ذلك ابنُ أبي ليلى.
ويقولُ أبو يوسف: لا يُقطع.
وطائفة منهم تقول: لا يُقطع في شيء من ذلك مع وقوع ملكه
على السرقة قبل أن يُضَادَ به إلى الإِمَامِ، وبعد أن يُصارَ به إليه، ومنهم:
أبو حنيفة ومحمدُ بنُ الحسن، وكان قولُ النبيِ ﴿ لصفوان: «أَفَلا قَبْلَ
أنْ تَأْتِيَنِي بِهِ) مما قد دلَّ على أن الصدقةَ عليه بالمسروق قبل أن يُصَارَ به
إلى الإِمام حُكْمُهُ خلافَ حكم الصدقة بها عليه بعد أن يُصارَ به إلى
الإِمام، ولولا أنَّ ذلك كذلك، لما كان لِقولِ النسبي# لصفوان: «أَفَلا
قَبْلَ أنْ تَأْتِيَنِي بِهِ) معنىً.
وقد وجدنا أهلَ العلمِ لا يختلِفُونَ في السارق إذا أقرَّ بالسرقة عندَ
-٢٧٧-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
الإمام، وذكر له مقدارها، وسرقته إيَّها من حِرزها وإخراجه إيّاها من
ذلك الحِرز من رجلٍ غائب عنه لا رَحِمَ بينَهُ وبَيْنَهُ: أنه يُقْطَعُ في ذلك
وإن لم يُخَاصِمْهُ فيه ربُّ السرقة، ويختلفون إذا ادُّعِيَت عليه سرقةُ ثوب
في يده يَدَّعيه لنفسه، ويُنكر أن يكونَ سرقَه.
فيقول قائلون: لا خصومةً في ذلك بينه وبينَ من يَدَّعي ذلك عليه
حتى يكونَ الذي يدَّعي ذلك عليه ربُّ الثوب، أو مَنْ يقومُ فيه مقامَه،
ومِمَّن يقول ذلك أبو حنيفة وأصحابُه والشافعي.
وطائفةٌ منهم تقولُ: مَنْ خَاصَمهُ في ذلك من الناس كان خصماً
له فيه، منهم ابنُ أبي ليلى ومالك، وكان القولُ عندنا في ذلك هو
القول الأول، لأنه لا يجوز أن يُقَضى بالسرقة لِغائب، ولأنَّهُ إذا لم يُقْضَ
بها له، كانت في الحكم لمن هي في يده، فبطل أن يُقطع فيها لذلك،
وإذا خاصمه فيها مالكُها، أو مَنْ يقومُ مقامه فيها، وأقام عليه البِّنة
بملكه لهان وسرقته إياها منه، قُضَيَ له بها، وقضي بالقطع على سارقها
منه، وأغنى الإمام عنه بعد ذلك لأنَّ الحجة قد قامت عنده بوجوب
القطع على سارقها، كقيامها عليه عنده بإقراره بسرقته إيّاها، فلم يحتج
بعد ذلك إلى خصومته إليه فيها، وكانت هبتُه إياها لسارقها وصدقته
بها عليه، وملكه لها من حيث ما ملكها لا يرفعُ القطعَ عليه فيها، كما
قاله أبو يوسف في ذلك. والله عز وجل نسأله التوفيق.
-٢٧٨ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤٥٧- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عَنْهُ عليه السَّلامُ فی حدیث
أبي هريرة أن سعد بن عبادة قال له: يا رسول الله أرأيتَ إن
وجدتُ مع امرأتي رجلاً، أُمْهِلُهُ حتى آتي بأربعة شهداء، قال:
(«نعم»
٣٣٥٨- حَدَّثْنَا يونُس، حَدَّثَنَا ابنُ وهب، حدثني مالكٌ، عن
سهيلٍ، عن أبيه، عن أبي هريرة أن سعدَ بن عُبادة قال لِرسول الله عليه
السَّلامُ: أرأيتَ إن وجدتُ مع امرأتي رجلاً، أأمهلُهُ حتى آتي بأربعةٍ
شهداء؟ قال: ((نعم).
٣٣٥٩- وحَدَّثْنَا المزنيّ، حَدَّثَنَا الشافعيُّ، عن مالك، عن سُهيل،
عن أبيه، عن أبي هريرة مثلَه.
فتأملنا هذا الحديث لنستخرِجَ ما فيه من الفقه، ووجدنا الواجبَ
على المسلمين تغييرَ المنكراتِ وزجرَ أهلها عنها، وكان في تركِ سعدٍ
الرجلَ الذي وجده مع امرأته على ما وجدهما عليه تركٌ لهما على
التمادي فيما هما فيه من المعصية، وقد أطلق رسولُ اللهِ وَ له ذلك.
فكان ذلك عندنا - والله أعلمُ- لِتقومَ الحجةُ عليهما بما هما فيه
حَتَّى تقامَ عليهما عقوبتُه، وفي ذلك ما قد دلَّ على أن مِثْلَ هذا حتى
تقامَ عقوبته مطلق، وفيه الحجة لمن يقولُ في أربعةٍ شهدوا على رجلٍ
وامرأةٍ بالزِّنى، فقالوا: تعمدنا النّظَرَ أنهم في ذلك محمودون، وأن
شهادتَهم عليه مقبولةٌ إذ كانوا إنما فعلوا ذلك لِيقام حَدُّ اللهِ فيه على من
يَسْتَحِقُّه، وهكذا كان أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد يقولونه في هذا:
-٢٧٩-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
كما حَدَّثَنَا محمدُ بنُ العباس بن الربيع، حَدَّثَنَا عليٌّ بنُ معبد،
حَدَّثْنَا محمد، أخبرنا يعقوبُ، عن أبي حنيفة بذلك كما ذكرناه، ولم
يحكِ في شيءٍ منه خلافاً.
وقد أنكر ذلك عليهم مُنْكِرٌ، وأبطل شهادة الشهود فيه لِتعمدهم
ما تعمَّدُوا النظرَ إليه مما شهدوا به، والقولُ في ذلك عندنا هو القولُ
الأوَّلُ، والله أعلمُ.
وفي هذا الحديثِ أيضاً إطلاقُ رسولِ اللهِعَ﴿ لِسَعْدٍ تركه زجرَ
ذلك الرجل وامرأته عن ما هُما عليه مِن تلك المعصية حَتّى يأتيَ بأربعةٍ
شهداء سواه يشهدون عليهما بذلك.
ففي ذلك دليل على أنه لا تجوزُ شهادتهُ في ذلك، إذ كان زوج
المرأة الذي يشهد عليها به، كما يقولُ مالك والشافعي وسائر المدنيين
في ذلك.
وكما روي عن ابن عباس:
٣٣٦٠- مما قد حَدَّثْنَا صالحُ بنُ عبد الرحمن، حَدَّثْنَا سعيدُ بنُ
منصور، حَدَّثْنَا عبدُ الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عُبيد الله -وهو
ابن عبد الله - عن ابن عباس في أربعةٍ شهدوا على امرأة بالزنى أحدهم
زوج، قال: یلاعن الزوج، ويُحلد الثلاثة. قال أبو الزناد: وذلك رأي
أهل بلدنا.
٣٣٦١- وكما حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ إسحاق بنِ سهل، حَدَّثَنَا أبو
نعيم، حَدَّثْنَا عبدُ السلام بنُ حرب، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن جابر بنِ
زيد، عن ابنِ عباس، قال: يُلاعِنُ الزوج، ويُحْلَدُ الثلاثة؛
- ٢٨٠ -