Indexed OCR Text

Pages 161-180

کتاب القضاء والأحکام والحدود
٤٣٣- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ◌َ من قولِه:
(المسلمون تكافأُ دماؤهم ویسعی بذمتهم أدْناهُم وهم يدُ علی
مَنْ سِواهم لا يُقْتَلُ مؤمنٌ بكافرٍ ولا ذُو عهدٍ في عهدِه»
٣٢٥٦- حَدَّثَنَا أبو القاسم هشامُ بنُ محمدِ بنِ قُرَّةَ بنِ محمد بن
حُميدٍ بنِ أبي خَليفةً، قال: حَدَّثَنَا أبو جعفرٍ أحمدُ بنُ محمدٍ بن سلامَةً
الأزْدِيُّ، قال: حَدَّثْنَا إِبراهيمُ بنُ أبي داودَ، قال: حَدَّثْنَا مُسَدَّدُ بنُ
مُسَرْهَدٍ، قال: حَدَّثَنَا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سعيد بن أبي عَرُوبَةَ، قال:
حَدَّثَنَا قتادَةُ، عن الحسنِ، عن قيسِ بنِ عُبَادٍ، قال: انطلقتُ أنا والأُشْتُرُ
إلى علي عليه السَّلامُ فقلنا: هلُ عَهِدَ إليكَ رسولُ اللهِلَ ◌ّ عَهْداً لم
يَعْهَدْهُ إلى النَّاسِ عامَّةً؟ قال: لاَ، إلا ما كانَ في كتابي هذا، فأخْرَجَ
كتاباُ من قِرَابِ سَيْفِهِ، فإذا فيه: ((المؤمنونَ تَكَافَأُ دِماُؤهم، ويَسْعَى
بذمَّتِهم أدْناهُم، وهُمْ يَدٌ على مَنْ سِواهُم، لا يقْتَلُ مؤمِنٌ بكافرٍ، ولا
ذُو عهدٍ في عَهْدِهِ، ومَنْ أحدَثَ حَدَثَهُ، فعلى نَفْسِهِ، ومن أحدَثَ
حَدَثّاً، أو آوِى مُحْدِثً، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله والملائكةِ والنَّاسِ أجمعينَ)(١).
(١) وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٩٢/٣١ بإستاده ومتنه.
ورواه أبو داود (٤٥٣٠) عن أحمد بن حنبل ومسدد بن مسرهد، به.
ورواه أحمد ١٢٢/١، وأبو عبيد في ((غريب الحديث)) ١٠٢/٢، والنسائي
١٩/٨ - ٢٠، وفي ((الكبرى)) كما في ((التحفة) ٤٣٩/٧، وأبو يعلى (٦٢٨)، والبغوي
(٢٥٣١) من طريق يحيى بن سعيد القطان، به.
ورواه أبو يعلى (٣٣٨)، والبيهقي ٢٩/٨ من طريق يزيد بن زريع، عن سعيد بن
- ١٦١ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
قال أبو جعفر: فتأمَّلنا قولَ رسولِ اللهِمَ﴿: «المؤمنونَ تَكَافَؤُ
دماؤُهُمْ) فوجدنا أهلَ العلمِ جميعاً لا يختلفونَ في تأويلٍ ذلك أنّه على
التساوي في القِصَاصِ والدِّيَاتِ، وأنَّ ذلك ينفي أن يكونَ لشريفٍ على
وضيعٍ فضلٌ في ذلك، وأنَّ ذلكَ كانَ ردّاً على أهلِ الجاهليةِ في تركِهِم
قتلَ الشريفَ بقتلِهِ الْوَضِيعَ، وفي ذلك ما قد عقلْنَا به أنَّ النِّسَاءَ في جَرْي
ذلك كالرجلٍ، وأنَّ الرجلٌ يُقْتَلُ بالمرأةِ كما تُقتلُ المرأةُ بالرجلِ.
ثم تأمَّلنا قولَهُ ﴿: ((يسعى بذمِّتِهم أذْنَاهُم)» فوجدْنا الذمةَ المرادَةَ
في هذا الموضعِ نفي الأمان، وأنّه إذا أعطى الرجلُ من المسلمينَ العدوَّ
أماناً، جازَ ذلك على جميعِ المسلمينَ، ليس لهم أن يُخْفِرِوه، ومثلُ هذا
ما قد رُوِيَ عن رسولِ اللهِ ﴿ في أمانِ زينبَ ابنِهِ أبا العاصِ بِنَ الربيع
الذي كانَ زوجَها
٣٢٥٧- كما قد حَدَّثْنَا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا عبدُ
الله بنُ وهبٍ، قال: حدَّثْنِي عبدُ الله بنُ لَهِعة، عن موسى بنِ حُبَيرٍ، عن
عِرَاكِ بنِ مالكِ الغِفَاريِّ، عن أبي بكرِ بنِ عبد الرحمن، عن أمِّ سلمةً
رضي الله عنها، أنَّ أبا العاص بنَ الربيعِ قَدِمَ به على رسولِ الله ◌ِ﴿
أُسيراً، فبعثَ إلى زوجَتِهِ: أنْ خُذِي لي جواراً من أبيكِ، فلما دخلَ
رسولُ اللهِ ﴿ في صلاةِ الصُّبح، أخرجَتْ زينبُ وَجْهَهَا، وقالت: أنا
أبي عروبة، به. ورواه ابن حبان (٣٧١٦) و(٣٧١٧) من طريقين عن الأعمش، عن
إبراهيم التّيْمي، عن أبيه، عن علي.
- ١٦٢-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
زينبُ ابنةُ رسولُ اللهِ لَ﴿، وإني قد أمَّنْتُ أبا العاصِ، فلما فَرَغَ رسولُ
الله﴾﴿ مِن صلاتِهِ، قال: ((هذا أمرٌ ما عَلِمْتُ به حتى الآنَ، وإِنَّهُ يُجيرُ
على المُسلِمِينَ أَدْنَاهُمْ)(١).
٣٢٥٨ - وكما حَدَّثْنَا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ يونسَ البغداديُّ،
قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ شبيبٍ الرَّبَعِيُّ أبو سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا أيوبُ بنُ
سليمانَ بن بلال، قال: حدثني أبو بكرِ بنُ أبي أويسٍ، قال: حَدثني
سليمانُ بنُ بلالٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، وصالحٍ - يعني ابنَ كيسانَ - عن
ابن شهابٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، أن زينبَ هاجرتْ إلى رسول الله مح﴿.
وزوجُها كافرٌ، ثم لَحِقَ زوجُها بالشَّامِ، فَأَسَرّ المسلمون أبا العاص،
فقالتْ زينبُ: إني قد أجَرْتُ أبا العاصِ، فقالَ النِيُّ ﴿: ((قَد أَجَرْنَاهُ))،
وقال: ((يُجِيرٌّ على المسلمينَ أذْنَاهُمْ).
قال أبو جعفر: فدلَّ ما ذكرنا على أن الجَوَارَ مِن بعضِ المسلمين
كالجوار من كُلّهم، فاحتملَ أن يكونَ قولُه ◌ِ ﴾: ((وإنّهُ يُجيرُ على
(١) رواه الحاكم ٤٥/٤، وعنه البيهقي ٩٥/٩ من طريق محمد بن عبد الله بن
عبد الحکم، عن عبد الله بن وهب، به.
ورواه الطبراني ١٠٤٧١/٢٢) و٥٩٠/٢٣) من طريق ابن لهيعة، به.
وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٣٣٠/٥ وقال: رواه الطبراني في ((الأوسط)) و(الكبير))
باختصار، وفيه ابنُ لهيعة، وحديثه حسن، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات، ثم أعاد
ذكره فيه ٢١٣/٩ ونسبه إلى الطبراني في ((الكبير)) وقال: فيه ابن لهيعة، وفيه ضعف،
وبقية رجاله ثقات.
- ١٦٣ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
المسلمين أدناهُم)) يكونُ ذلكَ إرادةٌ منه أن أدْنَاهُم المرأةُ، واحْتَمَلَ أن
يكونَ أدناهُم هو العبد، ويكونُ لما كانَ أدناهُم، وكان أمانُهُ جائزاً
عليهم أن تكونَ المرأةُ الحُرَّةُ المسلمةُ بذلكَ أوْلَى منه، وأن يكونَ ما
كانَ من خطابِ النِّ ◌َ# المسلمينَ بما خاطَبَهم بِهِ من هذا إعلاماً لهم
أنَّ ذلكَ الجوارَ لَّا كان قد يكونُ من العبدِ المسلمِ، كان بأنْ يكونَ من
المرأةِ الْحُرَّةِ المسلمةِ أُحْرَى.
ثم تأمَّلْنا قولَه ◌َ﴿َ: ((لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بكافرٍ، ولا ذُو عَهْدٍ في
عَهْدِهِ)) فوجدنا ـأهلَ العلمِ في تأويلِ ذلك على مذهبين مختلفين:
فطائفةٌ منهم تقولُ ذلك على التقديم والتأخيرِ في المعنى: لا يُقْتَلُ
مؤمنٌ ولا ذُو عهدٍ في عهدِهِ بكافرٍ، فيكون الكافرُ المرادُ بذلكَ هو
الكافرَ غيرَ ذي العَهْدِ وهم الذينَ يقولون: إنَّ المؤمِنَ يُقْتَلُ بالذِّمِّيِّ إذا
قَتَلَهُ عمْدًاً، وممن يقولُ ذلك من أهلِ العلمِ: أبو حنيفةً وأبو يوسفَ
ومحمدُ بنُ الحسنِ.
وطائفةٌ منهم تَقُولُ: الكافر الذي لا يُقْتَلُ، المذكورُ في هذا
الحديثِ، هو الكافرُ المعاهَدُ، لا يُقْتَلُ في عهدِهِ على كلامٍ مستقبلٍ بَعْدَ:
(( لا يُقْتَلُ مؤمنٌ بكافرٍ)) وبعدَ انقطاعٍ معناهُ. وثمّن ذهبَ إلى ذلك منهم
وتأوَّلَ هذا الحديثِ على هذا المعنى الشافعيُّ، فلم يَقْتَلِ المؤمنَ بالكافرِ
المعاهدِ.
وقد كان مالك بن أنس يذهب إلى هذا المعنى ألا يقتل مؤمن
بكافر معاهد
فأمَّا تأويلُ الحديث الذي رويناهُ عن رسول اللهِمِ﴿وَ: ((بأن لا يُقْتَّلَ
- ١٦٤-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
مؤمنٌ بكافرٍ ولا ذو عهدٍ بعهدِه)) فإنّا لا نروي عنه في ذلك شيئاً.
ولَمَّا أشكَلَ هذا المعنى الذي وصَفْنَا، وَوَقَع فيه الاختلافُ الذي
ذكرْنَا، تأمَّلنَا ذلك، فوجدنا قولَه مَ﴾: ((ولا ذُو عَهْدٍ في عهدِهِ)) لا يُخُلُوا
من أحد وجهين: أن يكونَ معطوفاً على ما قبلَهُ كما ذَهَبَ إليه أبو
حنيفةً وأصحابُهُ فيه، أو على كلامٍ مستأنَفٍ بمعنى: ولا يُقْتَّلُ ذَو عهدٍ
في عهدِهِ كما قالَ الشافعيُّ. فوجدناهُم لا يختلِفُونَ أنَّ ذا العهدِ جائزاً
قَتْلُهُ بمن يَقْتُلْهِ قَوَدًا به، فكان في ذلك ما قد دلَّ أنه لم يَكُنْ قولُهِ لَّ:
((ولا ذو عهدٍ في عهدِهِ) على نفي القتلِ عنهُ، لأنَّ ذلكَ لو كانَ
كذلكَ، لما وجبَ أنْ يُقْتَلَ على حالٍ من الأحوالِ ما كانَ في عهدِهِ،
ولَمَّا وجبَ أن يقتلَ في عهدِهِ بحالٍ من الأحوالِ، عقلَنا بذلكَ أنَّ المرادَ
ے
بأن لا يُقتلَ في عهدِهِ، إنما هو بأنْ لا يُقتلَ بمعنى خاص، ولا خاصَّ في
هذا غيرُ الكافر الحربيِّ، لأنه انعطفَ عليه، فصارَ المرادُ: بأنْ لا يقتلَ أيْ
بما لا يُقْتَلُ به المؤمنُ المذكورُ قتلُه في هذا الحديثِ، وعادّ معنى قولِهِ:
((لا يُقْتَلُ مؤمنٌ بكافرٍ، ولا ذو عهد في عهد إلى أن لا يقتل مؤمن ولا
ذو عهد في عهده بكافر، وذو العهد كافرٌ)، فدلَّ ذلك أن الكفار
المراد في هذا الحديث هو الكافر غير ذي العهد وأن قولَهُم # الذي
ذكرناهُ عنه على التقديم والتأخير بمعناهُ لو قالَ: لا يُقْتَلُ مؤمِنٌ ولا ذو
عهدٍ في عهدِهِ بكافرٍ، كمثلٍ قولِ الله جل وعز في كتابهِ: ﴿واللاِي يَسْنَ
من المحيض من نسائكم إن امر تبتُمْ فِعِدَّتُهُنَّ ثلاثةُ أشهر واللائي لم يحصن)
[الطلاق: ٤] بمعنى: واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتكم
-١٦٥-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
واللائي لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر، وهذا قولٌ، فالنظرُ بوجبُهُ،
والقياسُ يَشُدُّهُ، لأَنَّا رَأيْنَا ذَا العهدِ حَرُمَ دَمَهُ بعهدِهِ، كما حَرُمَ مالُهُ
بعهدِهِ، وقد كانَ قبلَ ذلك حلالَ الدمِ حلالَ المالِ، ثم صارَ بالعهدِ
حرامَ الدمِ حرامَ المالِ، وكانَ مَنْ سَرَقَ من مالِه ما يجبُ القطعُ في مثلِهِ
قُطِعَ في ذلك، وإنْ كانَ مسلماً، كما يُقْطَعُ في مثلِ ذلك إذا سَرَقَهُ من
مالٍ مسلمٍ، فكانت حُرمةُ المالِ بالعهدِ كحرمَتِها بالإِسلام فيما ذكرنًا
سواء، أو كانت العقوبةُ على منتهكِها كالعقوبةِ على منتهكِ مثلها مما
قد حَرُمَ بالإِسلامِ. ولما كانَ ذلكَ كذلكَ في الأموالِ، وجبَ أن يكونَ
في الدماءِ كذلكَ، وأن يكونَ الدُ الذي قد حَرُمَ بالعهدِ كالدمِ الذي
قد حَرْمَ بالإِسلامِ، وأن تكونَ العقوبةُ بانتهاكِهِ لحرمَتِهِ بالعهدِ كالْعُقُوبَةِ
في انتهاكِهِ مثلَهُ لُحُرْمَتِهِ بالإِسلامِ. بل قد رأينَا حُرْمَةَ الدَّماءِ في هذا فَوْقَ
حُرْمَةِ الأموالِ، لأَنَّا قد رأينا العبدَ يَسْرِقُ مالَ مولاهُ، فلا يُقْطَعُ، وإن
كانَ قد سَرَقَهُ مِنْ حِرْزِ، ورأيناُه يَقْتُلُ مولاَهُ عمداً، فَيُقتلُ، فكانَ الدمُ
فيما ذكرنَا في الحُرْمَةِ أَغْلَظَ مِنَ المالِ فيا ذكرِنَا فِي الحُرْمَةِ، وَلَّا كانَ
ذلكَ كذلكَ، وكانت العقوبة فيهما جميعاً في غيرِ الأوكدِ سواءٌ، كانت
العقوبةُ في الأوكدِ منهما فيما حَرُمَ بالإِسلامِ وفيما حَرُمَ بالذمَّةِ أَحْرَى
أن يكونَا سواءٌ، أو أنْ تكونَ العقوبةُ في انتهاكِ الدِّماءِ المحرمةِ بالملّةِ
وبالذّمة سواءً، كالعقوبةِ في الأموالِ المحرَّمَةِ بالِلّةِ والذّمَّة التي قد جُعِلَتْ
سواءً.
فقال قائلٌ: فهل رُوِيَ هذا القولُ في قتلِ المؤمنِ بالكافرِ ذِي
العهدِ، عن أحدٍ من أصحابِ رسولِ الله ◌ِ﴿؟
-١٦٦ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
قيلَ له: نَعَمْ، قد رُوِيَ عن عمَرَ بنِ الخطابِ.
٣٢٩٥- كما قد حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، قال: حَدَّثْنَا وهبُ
بنُ جريرٍ، قال: حَدَّثْنَا شعبةُ، عن عبدِ الملكِ بنِ مَيْسَرَة، عن النّزَّالِ بنِ
سبرةً، قال: قَتَلَ رجلٌ من المسلمينَ رجلاً من العِبَادِ، فذهبَ أخوهُ إلى
عمرَ بنِ الخطابِ رضي الله عنه، فكتب عُمَرُ أن يُقْتَلَ، فجعلوا يقولونَ:
أَقْتُلْ حُنَيْنُ، فيقول: حتى يجيء الغيظُ، قال: فكتب أن يُودَى، ولا
يُقتل.
قال أبو جعفر: فهذا عمرُ في هذا الحديثِ قد أمَرَ أن يُقتَلَ المسلمُ
بالكفار المعاهدِ.
فقال قائلٌ: فكيفَ كَتَبَ عمرُ رضي الله عنه بعدَ ذلك أن يُودى،
ولا يُقْتَلَ.
قيلَ لَهُ: ذلكَ عندَنا - والله أعلمُ- كانَ مِنْ عمرَ رضي الله عنه لِمَا
كانَ مِنْ أخِي المَقْتُولِ، لَمّا أُبِيحَ لَهُ قتلُ قاتلِ أخيهِ بأخيهِ، فكانَ يقولُ
عندَ ذلكَ: حتّى يجيء الغيظ، فدخلتُ بذلكَ شبهةٌ منه، احتملتْ أنْ
يكونَ ما كانَ منهُ بمعنى العفو عن قاتل أخيهِ قبلَ أنْ يجيءَ الغيظُ،
فيكونُ ذلكَ العفوُ في تلكَ الحالِ بطلاناً لحقّهِ فيها، وفيما بعدَها،
واحتملَ أن يكونَ على خلافِ ذلكَ مِمَّا لا عفَو فيه فيها، ولا فيما
بعدَها، فكتبَ عمر رضي الله عنه عند تلكَ الشبهةِ بدَرْءِ القود وإيجاب
الدية مكانَهُ، فكذلك ينبغي أن يفعلَ عند دخولِ الشُّبَهِ بدرءِ القَوَدِ،
ويوجبَ الدياتِ مكانَها، والله نسألُه التوفيقَ.
-١٦٧-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤٣٤- بابُ بيانٍ ما أشكل علينا مما رويناه عن النبيِّ عليه
السَّلامُ من قوله: ((وعلى المقتتلين أن يَنْحَجِزُوا الأدنى،
فالأدنی، وإن كانت امرأةٌ))
٣٢٦٠- حَدَّثْنَا محمدُ بن عبد الحكم قال: حَدَّثَنَا بِشرُ بنُ بكر،
عن الأوزاعيِّ، حدثني حِصن، عن أبي سَلَمَة قال: حدثتني عائشة أنَّ
رسولَ الله عليه السَّلامُ قال: ((عَلَى الْمُفَْتِلِينَ أنْ يَنْحَجِزُوا الأوَّلَ
فالأوَّل، وإِنْ كَانَتِ امْرَاقٌ))(١).
٣٢٦١- حَدَّثْنَا أبو زرعة النَّصُرِي الدِّمشقي، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ
المبارك - وهو الصُّوري- حَدَّثَنَا الوليدُ بنُ مسلم، عن الأوزاعي، حدثني
حِصْنٌّ، عن أبي سَلَمَة.
عن عائشةَ قالت: قال رسولُ اللهِ﴿ٌ: ((وعَلَى المُقْتَِّلِينَ أن
يَنْحَجِزُوا الأوَّلَ فَالأوَّل، وإِنْ كَانَتِ امْرَأَقٌ)(٢).
سمعتُ أبا زرعة يقول: وحدثني سليمانُ - يعني ابنَ عبدِ الرحمن-
بهذا الحديث أيضاً عن الوليدِ بنٍ مسلم، وزاد فيه قال: قال الأوزاعي:
لَيْسَ لِنساء عَفْوٌ.
٣٢٦٢- وحَدَّثْنَا محمدُ بنُ سِنان الشَّيزري، حَدَّثْنَا عبدُ الوهّاب
(١) حصن بن عبد الرحمان التراغمي الدمشقي: مقبول.
(٢) هو مكرر ما قبله، ورواه أبو داود (٤٥٣٨)، والنسائي ٣٨/٨-٣٩ من
طرق عن الوليد، به، ولم يصرح الوليد بالسماع عندهما.
-١٦٨ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
بنُ نجدة الْحَوْطِي، حَدَّثْنَا الوليد بنُ مسلم. ثم ذكر بإسنادِهِ مثلَه، ولم
يذكر ما حكاه لنا أبو زرعة عن سليمانَ في حديثه عن الأوزاعيِّ في
عفو النساء.
قال أبو جعفر: وقد كنا سألنا غَيْرَ واحدٍ من شيوخنا عن تأويلٍ
هذا الحديث، فأما محمدُ بنُ عبد الله بن عبد الحكم، فكان جوابُه لنا في
ذلك أن قال: قال الفريابيُّ - يعني محمد بن يوسف -: سألتُ الأوزاعيِّ
عن تأويل هذا الحديثِ فقال: لا أدري ما هو؟ قال محمد بنُ عبد الله:
فإذا كان الذي روى هذا الحديثَ لا يدري ما تَأْوِيلُهُ، كنا نحن بأن لا
ندريَ ما تأويلُه أولى.
وأما إسماعيلُ بنُ يحيى المُزني، فقال: تأويلُه عندي والله أعلَمُ أنه
في المقتِلينَ من أهلِ القِبلة على التأويلٍ، فإنَّ البصائرَ ربما أدركت
بَعْضَهم، فيحتاج مَنْ أدركته منهم إلى الانصرافِ من مقامِهِ الَّذْمُوم إلى
المقامِ المحمودِ، فإذا لم يَجدْ طريقاً يَمُرُّ إليه فيه بقي في مكانِه الأول،
وعساه يُقْتَلُ فيه، فَأُمِرُوا بما في هذا الحديث لهذا المعنى.
وأما أحمدُ بنُ أبي عمران، فكان جوابُه في ذلك أن حكى عن
أبي عُبيد أنه كان يَزْعُمُ أن هذا الحديث يُحَدِّثُ به الناسُ على خلاف
ما هو عليه في الحقيقة، ويَذكُرُ أنه بلغه عن الوليدِ بنِ مسلم أنه كان
يُحَدِّثُ به عن الأوزاعي، عن حِصْنٍ، عن أبي سَلَمَةَ، عن عائشة أن
النبيَّ عليه السَّلامُ قال، لأهل القتيل: أنْ يَنْحَجِزُوا الأَدْنَى فالأُدْنَى، وإنْ
كَانَتِ امْرَأَةٌ.
قال أبو عُبيد: وهذا الانحجازُ هو العفوُ عن الندم، وفي هذا
-١٦٩-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
الحديث ما قد دل على جواز عفوٍ النساء عن الدم العمدِ كما يجوز
عفوُ الرجال عنه. كُلُّ هذا مِن كلام أبي عُبيد(١).
قال أبو جعفر: فتأمَّلْنا نحن ذلك، فوجدنا ما ذكره أبو عبيدٍ من
هذه وهماً منه، إذ كان أصحابُ الوليد من أهل الشام الذين رَوَوْا هذا
الحديثَ عنه هُمُ الحجةَ في حديثه قد رَوَوْهُ عنه بخلاف ما بلغ أبا عبيد
عنه أنه كان يُحدثه، فما رَوَوْا من ذلك أولى مما بلغه لا سيما ومعهم
سماعُهم إياه مِن الوليد وإنما معه هو بلاغُه إِيَّاه عن الوليدِ، وقد تابعهم
(١) ونصه في ((غريب الحديث)) ١٦٠/٢-١٦١: وقال أبو عبيد: في حديث النبي
عليه السَّلامُ لأهل القتيل أن ينحجزوا الأدنى بالأدنى، وإن كانت امرأة. وذلك أن
يقتل القتيل وله ورثة رجال ونساء، يقول: فأيُّهم عما عن دمه من الأقرب فالأقرب
مِن رجلٍ أو امرأة، فعفُوه جائز؛ لأنَّ قوله: (أن ينحجزوا)) يعني: يكفوا عن القَوَدِ،
وكذلك كُلَّ من ترك شيئاً، وكفَّ عنه، فقد الحجز عنه ...
وقال الخطابي في («معالم السنن)) ٢١/٤: قوله: ((ينحجزوا)) معناه: يكفوا عن
القتل، وتفسيره: أن يُقتل رجل، وله ورثقن رجال ونساء، فأيهم عفا وإن كانت
امرأة سقط القود، وصار دية، وقوله: (الأول فالأول) يريد الأقرب فالأقرب.
قلت (القائل الخطابي): يشبه أن يكون معنى المقتتلين ها هنا أن يطلب أولياء
القتيل القود، فيمتنع القتلة، فينشأ بينهم الحرب والقتال من أجل ذلك، فجعلهم
مقتتلين بنصب التائين، يقال: اقتتل، فهو مقتتل، غير أنَّ هذا إنما يستعمل أكثره فيمن
قتله الحب.
وقد اختلف الناس في عفو النساء، فقال أكثرُ أهل العلم: عفو النساء عن الدم
جائز كعفو الرجال، وقال الأوزاعيُّ وابن شبرمة، ليس للنساء عفو، وعن الحسن
وإبراهيم النخعي: ليس للزوجٍ ولا للمرأة عفو في الدم.
- ١٧٠ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
على ذلك عن الأوزاعي بشرُ بن بكر، فرواه عن الأوزاعي، كما رَوَوْهُ
عن الوليد عن الأوزاعي.
ولما انتفى ذلك، لم يكن تأويلُه أحسنَ مما ذكرناه فيه عن المزني،
غير أنَّ بعضَ الناسِ من أهل العلم قد ذكر أنه يَدْخُلُ في ذلك أيضاً
المُقْتَتِلُونَ من المسلمين في قتالهم أهلَ الحرب إذ كان قد يجوزُ أن يَطْرَأَ
عليهم مِن أهل الحرب من معه العَدَدُ الذي يُبيح لهم الانصرافَ عن قتاله
إلى فئة المسلمين الذين يقوون بها على عَدُوِّهم، فيُقاتِلونهم معهم،
وليس هذا التأويلُ ببعيد مما قال.
قال أبو جعفر: وقد ذكرنا في هذا الباب من قول الأوزاعيِّ عقيباً
لهذا الحديث: ((ليس للنّساء عفو))، فَدَلَّ ذلك أن الأوزاعي قد كان عند
هذا القول أن ذلك الحديثَ على نحو ما حكاه أبو عبيدٍ بلاغاً عن
الوليد في العفو عن الدم، ثم خالفه الأوزاعيُّ بأن قال: ليس للنساء
عفو.
- ١٧١-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤٣٥- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيّ عن رسول الله ﴾ من قولِهِ:
((مَنْ أشارَ بحديدةٍ إلى أحدٍ من المسلمين يريدُ بها قتلَهُ فقد
وَجَبَ دَمُهُ))
٣٢٦٣- حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ الكوبيِّ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ
بنُ أبي مريمَ، قال: حدثني سليمانُ بنُ بلال، قال: حدثني علقمةُ -يعني
ابنَ أمِّ علقمةَ- عن أمِّهِ، عن عائشةَ، قالت: سمعتُ النِيَّ ﴿ يقولُ: ((مَنْ
أشارَ بحديدةٍ إلى أحدٍ من المسلمين يريدُ قتَلَهُ فقد وَجَبَ دَمُهُ))(١).
٣٢٦٤- حَدَّثْنَا يحيى بنُ عثمانَ بنِ صالحٍ، قال: حَدَّثْنَا سعيدُ بنُ
كثيرِ بنِ عُفَيرِ، قال: حَدَّثَنَا سليمانُ بنُ بلالِ، عن علقمةَ بنِ أمِّ علقمةَ،
عن أمِّه، عن عائشةَ، قالت: سمعتُ النِيَّ ◌َ﴿ يقولُ : ... ثم ذَكَرَ مثلَه.
٣٢٦٥ - حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ أبي داودَ، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ
عبدِ الله الهرويُّ، قال: حَدَّثَنَا الفضلُ بنُ موسى السِّينانيُّ، عن معمرٍ،
عن ابن طاووس، عن أبيه، عن عبدِ الله بن الزُّبير، قالَ: قالَ رسولُ الله
*: (مَنْ شَهَرَ سيفَهُ، ثم وَضَعَهُ، فَدَمُهُ هَدَرٌ)) قال الفضلُ: يعنِي ضَرَبَ
(٢)
بِهِ (٢)
(١) رواه الحاكم ١٥٨/٢-١٥٩ من طريق أبي الأحوص محمد بن الهيثم
القاضي، عن سعيد بن أبي مريم، به في قصة مطولة.
ورواه أحمد ٢٦٦/٦ عن عبيد بن قرة، عن سليمان بن بلال، به.
(٢) رواه الحاكم ١٥٩/٢ من طريق وهيب بن خالد، عن معمر بن راشد، به.
ورواه عبد الرزاق (١٨٦٨٣)، ومن طريقه النسائي ١١٧/٧ عن معمر، عن ابنِ
-١٧٢-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٣٢٦٦- حَدَّثَنَا أبو الحسين محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ مخلدٍ
الأصبهانيُّ، قال: حَدَّثْنَا إسحاقُ بنُ راهَوَيهِ، قال: أخبرنا الفضلُ بنُ
موسى، قال: حَدَّثْنَا معمرٌ، ثم ذكر بإسنادِهِ مثلَه(١).
فتأملنا قولَ رسولِ الله ﴿ في حديث عائشة رضي الله عنها: ((مَنْ
أشارَ بحديدةٍ إلى أحدٍ من المسلمين يريدُ بها قتلَهُ فقد وَجَبَ دَمُهُ)، ما
ذلك الوجوبُ؟ فرأينا الرجلَ يقولُ: قد وجبَ دَيْنِي على فلانٍ، يعني
دَيْنَه الذي كانَ آجلاً، فحلَّ لهُ عليه بمعنَى قولِهِ: قد حلَّ دَيْنِي على
فلان، فعقَلْنا بذلكَ أن قولَهُ في هذا الحديثِ: ((فَقَدْ وَجَبَ دَهُهُ) أي:
فقد حلَّ دمُه.
فقالَ قائلٌ: فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: فقد حلَّ لَهُ دمُه؟
قيل لهُ: لأنَّ قتلَه قد حلَّ للذي أُشيرَ إليه بالحديدةِ، ولمن سواه من
الناسِ مما يحاولُ دفعَه عنه ويمنعُ وقوعَ سلاحِه بهِ، ألا تَرَى أنَّ الذي
أُشيرَ إِليهِ بالحديدةِ لو كانَ زَمِناً أو عاجِزاً بما سِوى الزَّمانَةِ عن قتلٍ
الذي أشارَ إليه بالحديدةِ ليقتلَهُ بها، أنَّ على غيرِهِ مَمن به على ذلكَ
طاووس، عن أبيه، عن ابن الزبير. ولم يرفعه.
ورواه كذلك عبد الرزاق (١٨٦٨٤)، وابن أبي شيبة ١٢٠/١٠، والنسائي
١١٧/٧ من طريق ابن جريج، عن ابن طاووس، به. زاد عبد الرزاق، وابن أبى شيبة
«کان طاووس یری ذلك)).
(١) إسناده صحيح، ورواه النسائي ١١٧/٧، وأبو نعيم في («الحلية)) ٢١/٤ من
طريق إسحاق بن راهويه، به.
- ١٧٣ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
القوةُ أنْ يقتلَهُ حتَّى لا يتمَّ ما كانَ منه من إشارتِهِ بالحديدةِ إلى صاحبهِ
ليقتلَهُ بها، فلذلك لم يقصدْ بوجوبِ الدم إلى الذي أُشيرَ إليهِ بالحديدةِ
خاصَّةً، والله أعلمُ.
وكان الأصلُ في هذا البابِ أنَّ الذي أشارَ بالحديدةِ إلى صاحبهٍ
قد اشارَ إليه بشيءٍ، إذا ثُمَّ منه فيه، وجبَ دمُهُ الذي أشارَ إليه
بالحديدةِ، فلمَّا كان دمُّه يجبُ لهُ بذلك، وجبَ لهُ أخذُ دمِ الذي أشارَ
إليهِ بالحديدةِ قبلَ إمضائِهِ إِيَّاها فيهِ، وهذا المعنى هو الذي كان أبو
حنيفة رحمه الله وأصحابُه يذهبونَ إليه في هذا البابِ، ويُعِلُّونَه بهذه
العلّةِ التي ذكر.
كما حَدَّثَنَا محمدُ بنُ العباسِ بنِ الربيعِ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ
معبدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ الحسنِ، قال: أخبرنا يعقوبُ، عن أبي
حنيفةً في رجلٍ شَهَرَ السلاحَ على المسلمينَ، قال: حَقَّ على المسلمين
أن يقتُلُوه، ولا شيءَ عليهم، قال: ولَوْ كانَ الذي شَهَرَ السلاحَ مجنوناً،
فَشَهَرَهُ على رجلٍ فقتلَه ذلك الرجلُ، كان عليه ضمانُ دِيَتِه. ولم يحك
في ذلك خلافاً بينهم.
وذهبُوا إلى أنَّ المجنونَ الذي ذكرنا لو تمَّ ما أشارَ بهِ في الذي أشارَ
بهِ إليهِ، لم يَحِلّ لهُ بِهِ دمُهُ، فلما كان دمُه لا يَحِلُّ له بإمضائِهِ ما اشارَ
بهِ إليه فيه، كان بإشارَتِهِ إليه أحْرَى أنْ لا يحِلَّ له بذلك دمُه.
وأما ما في حديثِ ابنِ الزبيرِ من قولِه ◌ِ :﴿: «مَنْ شَهَرَ سَيْفُهُ، ثم
وَضَعَهُ، فَدَمُهُ هدَرٌ) وما تأوَّلَهُ الفضلُ بنُ موسى في قولِهِ: (ثم وضَعَهُ))
أنَّه على وضعِهِ إيّاه في الذي شَهَرَهُ عليه، فذلك تأويلٌ صحيحٌ، لأنّه إذا
- ١٧٤ -

کتاب القضاء والأحکام والحدود
كان للذي أُشيرَ به إليه قبلَ أن يُوضعَ ما أُشيرَ به إليه فیه حِلاً، كانَ بعدَ
وضعِهِ إِيَّاهُ فيه أحْرَى أنْ يَحِلَّ له ذلكَ منهُ، والله أعلمُ.
وقد رُوِيَ عن أبي حنيفةً رحمه الله في ذلك ما قد توهَّمَهُ بعضُ
الناسِ مخالفةً لذلك: وهو ما قد حَدَّثْنَا محمدُ بنُ العباسِ، قال: حَدَّثْنَا
عليّ بنُ معبدٍ، قال: حَدَّثْنَا محمدٌ، قال: أخبرنا يعقوبُ، عن أبي حنيفةً
في رجلٍ شِهَرَ سيفَهُ على رجلٍ، فَقَطَعَ به يدَهُ، ثم قتلَهُ المشهورُ علیه
السيف، قال: عليه القَوَدُ. ولم يَحْكِ في ذلكَ خِلافًاً بينهم.
وليسَ هذا عندنا من مذهبِهِ هذا - والله أعلمُ- خلافاً لهذا
الحديثِ، ولكنّه على أن الشَّاهِرَ عليه السيفَ لما قطعَ يدَهُ، كفَّ عَنْ
إشهارِهِ إِيَّاهُ عليه، فحَرُمَ بذلك قتلُه على الذي شَهَرَ عليه، فأما إذا كان
بعد قطعِهِ يدَهُ على ما كانَ عليه، ◌َّا شِهَرَ به سيفَه عليهِ، فهو بذلك في
حكمِهِ قبلَ قطعِهِ يدَهُ وفي أسوءِ حالٍ منه، ومفعولٌ فيه أنَّ حِلَّ دَمِهِ له
حينئذٍ فوقَ حِلِّ دمِهِ لهُ قبلَ قطع يدِهِ، والله نسألُهُ التوفيقَ.
-١٧٥-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤٣٦ - بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عَنْهُ علیه السَّلامُ من قوله في
حديث النِّسْعَة لأخي المقتولِ المذكورِ فيه: أما إنّك إن قتلتَه
-يعني قاتلَ أخيه- كنت مثله
٣٢٦٧- حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ إبراهيم بنِ يونس البغدادي، حَدَّثْنَا
أبو عُمير بنُ النحاس، حَدَّثْنَا ضَمْرَةُ بنُ ربيعة، عن ابن شوذب، عن
ثابت، عن أنس قال: جاء رجلٌ بقاتلٍ وَلِّه إلى رسولِ الله عليه السَّلامُ،
فقال له: ((اعفُ)، فأبى، قال: (خُذْ أرشاً)، فأبى، قال: ((أتقتُلُه؟ فإنَّك
مثلُهُ))، قال: فخلَّى سبيلَه، فرُنِي يَحُرُّ نِسْعَتَه ذاهباً إلى أهْلِهِ(١).
٣٢٦٨- حَدَّثْنَا محمدُ بنُ إبراهيم بنِ يحيى بنِ جناد، حَدَّثْنَا أبو
عمر الحوضيُّ، حَدَّثْنَا جامعُ بن مطر، عن علقمة بنِ وائل بنِ حجر،
عن أبيه قال: كُنَّا قعوداً عندَ النبيَّ عليه السَّلامُ، فجاء رَجُلٌ في عنقه
نِسعة، فقال: يا رسُولَ الله، إنَّ هذا وأخي كانا في حُبِّ يحفَرانِها، فرفع
الِنْقَارَ، فضربَ به رأسَ صاحبه، فَقَتَلَهُ، فقال له النبيُّ عليه السَّلامُ:
((اعفُ عنه»، فأبى، ثم قال: يا رسولَ الله، هذا وأخي كانا في حُبٌ
يحفرانها، فرفع المِنْقَارَ، فضرب به رأسَ صاحبه، فقتله، فقال له النبيُّ
عليه السَّلامُ: ((اعفُ عنه)) فأبى، ثم قام الثالثة، فقال: يا رسولَ الله، إن
هذا وأخي كانا في جب يحفرانها، فرفع المنقارَ، فضرب به رأسَ
صاحبه، فقتله، فقال النبي عليه السَّلامُ: ((اعفُ عنه))، فأبى، قال:
(١) رواه ابن ماجه (٢٦٩١)، والنسائي ١٧/٨ من طريق ضمرة، به.
-١٧٦-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
((اذهب به، إن قتلتَه، كنتَ مثلَه)) فخرج به حتى جاوز، فناديناه: ألا
تسمعُ ما يقولُ رسول الله ﴿ّ، فرجع: فقال يا رسولَ الله إن قتلتُه كنتُ
مثلَه؟ قال: ((نعم)، فعفا عنه، فَخَرَجَ يَحُرُّ نِسْعَتَهُ حتى حَفِيَ علينا(١).
فتأملنا ما في هذين الحديثين، فوجدنا فيهما ما قد حمل أن قتلَ
صاحبَ النِّسْعَةِ صاحبَه المدَّعى عليه قتلُه إِيَّاه قد كان ثبتُ عند النبي
عليه السَّلامُ بينةٍ قبلَها عليه، لأَنَّه لو لم يكن كذلك، لزجر خصمَه عن
النسعة التي أسره بها حتى جاء به كذلك إلى رسول الله عليه السَّلامُ،
ولما قال لصاحبه: ((اعفُ عنه))، ولما قال له: ((خذ أرشاً) لما أبى أن يَعْفُوَ
عنه، وفي ذلك ما حقق ما قلنا، والله أعلم.
وفي قول النبيِّ عليه السَّلامُ في حديث أنسٍ للخصم: ((اعفُ عنه)،
فلما أبي، قال له: ((خذ أرشا) ما قد دلَّ أن العفوَ من ولي المقتول لا
يُوجِبُ له على قاتله أرشاً، كما يقولُه أبو حنيفة، والثوريُّ، وزفرُ، وأبو
يوسف، ومحمدٌ فيه، وعلى خلاف ما يقولُه الأزاعيُّ، والشافعيُّ فيه من
وجوب الدية له على القاتل.
ثم تأملنا معنى قوله: (إنَّك إن قتلتَه كنتَ مثلَه)).
٣٢٦٩- فوجدنا أحمدَ بنَ شعيبٍ قد حَدَّثْنَا قال: حَدَّثْنَا أبو
كريبٍ، وأحمدُ بنُ حرب، قالا: حَدَّثَنَا أبو معاوية، عن الأعمش، عن
(١) رواه النسائي ١٥/٨ عن عمرو بن منصور، والطبراني ٢٢/(٥) عن معاذ بن
المثنى وأبي خليفة، ثلاثتهم عن أبي عمر الحوضي، به.
النسعة: سير مضفور يجعل زماماً البعير. والمنقار: آلة تستعمل لحفر الأرض.
-١٧٧-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
أبي صالح، عن أبي هريرةَ قال: قَتَلَ رجلٌ رجلاً على عهد النبيِّ لَ﴾،
فدفعه النبيُّ:﴿ إلى وليِّ المقتول، فقال القائلُ: لا واللهِ يا رسولَ الله، ما
اردتَ قتَلَه، فقال النبيُّ علي السَّلامُ: ((أما إنّه إن كان صدقاً، ثُمَّ قَتَلْتَه،
دخلتَ النار))، قال: فَخَلَّى سبيلَه، وكان مكتوفاً بِنِسْعَةٍ، فخرج يَحُرُّ
نِسْعَتَهُ، فَسُمِّيَ ذَا الْنّسْعَةِ(١).
فكان في هذا الحديث قولُ المُدَّعى عليه القتلُ: ((لا واللهِ يا رسولَ
الله، ما أردتُ قتَلَه)).
فكان معنى ذلك عندنا - والله أعلم - أن البينةَ التي كانت شهدت
عليه بقتله أخا خصمه، شهدت بظاهِرٍ فعلِه الذي كان عندَها أنه عَمْدٌ
له لا شَكَّ عندها فيه، وكان المُدَّعَى عليه أعلمَ بنفسه، وبما كان منه في
ذلك، فادَّعى باطناً كان منه في ذلك لا يجبُ عليه معه فيما كان منه
فيه قَوَدٌ، فقال النبيُّ عليه السَّلامُ للولي عندَ ذلك: ((أما إنّه إن كان
صادقاً ثم قتلته، دخلت النار)).
فعقلنا بذلك معنى قوله في الحديثين الأولين: ((أما إنّك إن قتلتَه
كُنْتَ مِثْلَه)) أي: إنه في الظاهرِ عندنا من أهلِ النارِ لثبوت الحجة عليه
بقتله من قتل، وإن قتلتّه وهو في ما قال: إنه صادق، كنتَ أنت أيضاً
مِن أهل النار، والله أعلم.
(١) إسناده صحيح، وهو في ((سنن النسائي)) ١٣/٨. ورواه الترمذي (١٤٠٧)
عن أبي كريب، به. وقال: حسن صحيح. ورواه ابن أبي شيبة ٤٤٢/٩، وأبو داود
(٤٤٩٨)، وابن ماجه (٢٦٩٠) من طرق عن أبي معاوية، به.
-١٧٨-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
ووجدنا حديثَ وائل بن حُجر من غير الجهة التي رويناه منها قد
جاء بمعنى يُخَالِفُ معنى حديثه الذي حَدَّثَنَا به في صدر هذا الباب.
٣٢٧٠- كما حَدَّثْنَا أحمدُ بن شعيب، أخبرنا محمدُ بن إسماعيل
بن إبراهيم -يعني ابنُ علية- حَدَّثْنَا إسحاق - يعني ابنَ يوسف - عن
عوفٍ الأعرابي، عن علقمة بنِ وائل الحضرمي، عن أبيه قال: جيءَ
بالقاتل الذي قَتَل إلى رسولِ اللهِ وَ﴿، جاء به وليُّ المقتول، فقال له
رسولُ اللَّه /: «أتعفوا؟)) قال: لا، قال: (أتأخذ الديةَ؟)) قال: لا، قال:
((أتقتل؟)) قال: نَعَمْ، قال: (فاذه))، فَلَمَّا ذهبٍ، دعاه، فقال: ((أتعفو؟))
قال: لا، قال: ((أتأخُذُ الدية؟)) قال: لا، قال: ((أتقتل؟)) قال: نَعَمْ، قال:
(أذهب))، فلما ذهب، قال: ((أما إنّك إن عفوتَ عنه، فإنه يَبُوءُ بإثمك
وإثمٍ صاحبك))، فعفا عنه، فأرسله، قال: فرأيتُه يجر نِسْعَتَهُ(١).
٣٢٧١- وكما قد حَدَّثَنَا أحمدُ، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَا
يحيى بنُ سعيدٍ، عن عوف بنِ أبي جميلة، حدثني حمزةُ أبو عمرَ
العائِذيُّ، حَدَّثْنَا علقمةُ بنُ وائل، عن وائلٍ، قال: شهدتُ رسولَ الله
عليه السَّلامُ حين جيءَ بالقائلِ يقودُه وليُّ المقتولِ فِي نِسْعَةٍ، فقال رسولُ
الله علي السَّلامُ لِولي المقتول: (أتعفو؟) ... ثم ذكر مثلَ الحديثِ الأوَّل
(١) إسناده صحيح، وهو عند النسائي ١٣/٨. ورواه مسلم (١٦٨٠)، وأبو
داود (٤٥٠١)، والنسائي ١٥/٨ و١٧، والطبراني ٢٢/(٢٣)، والبيهقي ٥٤/٨ من
طريق سماك بن حرب، عن علقمة، به. ورواه بنحوه مختصراً مسلم (١٦٨٠) (٣٣)،
والنسائي ١٧/٨، والبيهقي ٥٥/٨ من طريق إسماعيل بن سالم، عن علقمة، به.
-١٧٩-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
سواء(١).
فزاد يحيى بنُ سعيد على إسحاقَ بنِ يوسف في إسنادٍ هذا
الحديث الذي روياه جميعاً عن عوف حمزةَ العائذي، قال لنا أحمدُ بنُ
شعيب: وحمزة هذا رجل مشهور قد روى عنه شعبةُ.
٣٢٧٢ - حَدَّثَنَا أحمدُ، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بشار، حَدَّثْنَا يحيى، حَدَّثْنَا
جامعُ بنُ مطر الحَبطي، عن علقمة بنِ وائلٍ، عن أبيه، عن النبيِّ عليه
السَّلامُ بمثله.
قال يحيى: وهو أحسنُ منه(٢).
فكان ما في حديث وائل هذا مكان ما قد رويناه عن وائلٍ، وعن
أنس: (إنك إنْ قَلْتَهُ كُنتَ مثلَّه)): ((إِما إنَّك إن عفوتَ عنه، فإنه يَبُوءُ
بإثمك وإثمٍ صاحبه)) فمعنى ذلك - والله أعلم، إن كان هو الصحيح في
حديثٍ وائل - أنك إن عفوتَ عنه، باء بإثم صاحبك الذي لم تقم عليه
عقوبته، وباءَ بإثمكِ فيما أدخل على قلبك في قتله صاحبك مما لم تقم
عليه عقوبتُه.
(١) إسناده صحيح، وهو في ((سنن النسائي)) ١٤/٨ و٢٤٤. ورواه أبو داود
(٤٤٩٩)، ومن طريقه البغوي (٢٥٢٧) عن عُبيد الله بن عمر بن ميسرة، عن يحيى
بن سعيد، به. ورواه ابن أبي شيبة ٤٤١/٩-٤٤٢ عن أبي أسامة، والطبراني
٢٢/(٦)، والبيهقي ٥٥/٨ من طريق هوذة بن خليفة، كلاهما عن عوف، به.
(٢) الحديث في ((سنن النسائي)) ١٥/٨. ورواه أبو داود (٤٥٠٠)، والبيهقي
٥٥/٨ من طريقين عن يحيى بن سعيد، به. ورواه الطبراني ٢٢/(٥) من طريق سعيد
بن سليمان النشيطي، عن جامع بن مطر، به.
- ١٨٠ -