Indexed OCR Text
Pages 301-320
كتاب المعاملات - البيوع
-
عن اسمه في هذا الحديث، هو عبد الله بن وَهْبٍ(١)، فكان بعضُ الناس
ممن يذهبُ إلى أن للمتبايعين الخيارَ فيما يتبايعانه بعد تعاقدهما البيعَ
حتى يتفرقا بعد البيع، يحتجُّ لِمَا يقولُ في ذلك بما في هذا الحديث، لأن
في بعض ما رُوِيَ في ذلك: أو يقولُ أحدُهما لصاحبه: اختَرْ اختَرْ.
وقد ذَكَرْنا ذلك وما قد رُوِيَ فيه، وما قاله أهلُ العلم فيه فيما
تقدَّم منا في كتابنا هذا، وكان فيما ذكرنا من ذلك تحقيقنا أن ذلك
التخيير مما يُعْقَدُ البيعُ عليه، وينقطعُ بتمام العقد، واحتجَجْنا لذلك
بحديث الليث الذي رواه في ذلك عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي 8*
من قوله: ((أو يُخيِّر أحدُهُما الآخر، فإذا خَّرَ أحدُهما الآخرَ وتبايعا
عن ذلك، فقد وَجَبَ البيعُ)).
فحقَّقْنا أن ذلك التخييرَ مما يعقد البيع عليه ليس على تخيير يكون
من أحدِ المتبايعَيْنِ صاحبَه بعد البيع، فكان مما في هذا الحديث الذي
رويناه في هذا الباب، فلما وَجَبَ - يعني المبيع - قال له النبي 48 * - يعني
الأعرابي -: ((اختَرْ). فكان في ذلك ما قد دَلَّ على وجوب البيع بينهما
قبل ذلك التخيير.
فقال قائل: فما كان معنى تخيير النبي # المذكور في هذا الحديث
للأعرابيّ الذي خيِّره فيه؟
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أن ذلك
(١) عند البيهقي ٢٧٠/٥: يحيى بن أيوب.
- ٣٠١-
کتاب المعاملات - البیوع
کان منه # للذي قد رواه أبو هريرة عنه.
٢٦٤١ - مما قد حَدَّثْنَا محمد بن حَرْب المدني أبو عبد الله، قال:
حَدَّثْنَا إسحاق بن محمد الفَرْوِي، قال: حَدَّثْنَا مالك بن أنس، عن
سُمَيّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال النبيِ﴾﴿: ((مَنْ أَقالَ
نادِماً بَيْعَتَهِ، أَقَالَهُ الله عز وجل عَثْرَتَه يومَ القِيامَةِ)(١).
(١) رواه ابن حبان (٥٠٢٩) والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (٤٥٣) و(٤٥٤)
من طريق محمد بن حرب المدني، به.
ورواه القضاعي أيضاً (٤٥٣) من طريق محمد بن صالح، عن إسحاق الفروي،
بهذا الإسناد.
ورواه كذلك البيهقي ٢٧/٦ من طريقين عن إسحاق بن محمد الفروي، به.
ورواه الحاكم في ((علوم الحديث) ص١٨، وعنه البيهقي ٢٧/٦ من طريق الحسن
بن عبد الأعلى الصنعاني، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن محمد بن واسع، عن أبي
صالح، عن أبي هريرة. وأعلّه الحاكم بالانقطاع في موضعين، بين معمر ومحمد بن
اسع، وبين محمد بن واسع وأبي صالح.
ورواه أبو نعيم في (الحليلة) ٣٤٥/٦، والبيهقي ٢٧/٦ من طريق عبد الله بن أحمد
بن إبراهيم الدورقي، عن إسحاق بن محمد الفروي، عن مالك بن أنس، عن سهيل
بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﴾: ((من أقال مسلماً
عثر ته ... )).
ورواه أحمد ٢٥٢/٢، وأبو داود (٣٤٦٠)، وابن حبان (٥٠٣٠)، والحاكم
٤٥/٢، والبيهقي ٢٧/٦، والخطيب في ((تاريخه)) ١٩٦/٨ من طريق حفص بن غياث،
وابن ماجه (٢١٩٩) من طريق مالك بن سعيد، كلاهما عن الأعمش، عن أبي
صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (: ((من أقال مسلماً عثرته ... ).
-٣٠٢ -
كتاب المعاملات - البيوع
فخَيَّرَ النِيَُّ﴿ ذلك الأعرابيَّ فيما كان ابتاعه منه، ليكونَ له
ثوابُ مُقِيلٍ نادمٍ فيما باع المذكور ذلك الثواب في هذا الحديث إن
كان نادماً فيما باعه إياه، وقد روي أن ذلك الابتياع الذي كان من
النبيِ ﴿ لبائعه ذلك المبيعَ، كان في بيعِ تبايعاه قبل أن يُبْعَثَ النبيُّصلَّه
وقبل أن يُنَبَّأ.
٢٦٤٢- كما حَدَّثْنَا يحيى بن عثمان، قال: حَدَّثَنَا نُعَيْم بن
حَمَّاد، قال: حَدَّثَنَا ابنُ المبارك، قال: أخبرنا مَعْمَر، عن ابن طاووس،
عن أبيه، قال: ابتاعَ البِيُّ :﴿ قبلَ النبوةِ من أعرابي بعيرً، أو غير ذلك،
فقال له النبيُّ :﴿ٌ بعدَ البيع: (اخْتَرْ)، فنظر الأعرابيُّ، وقال له: لعمرك
الله، من أنت؟ فلما كان الإِسلامُ، حَعَلَ النِيُّ :﴿و الخيارَ بعد البيع(١).
ففي ذلك ما قد دَلَّ أن ما كان من رسول الله مَ﴿ٌ قبلَ أن تكونَ
الأحكامُ والشرائع، فقال هذا القائل: فإن في هذا الحديث: (فلما كان
الإِسلامُ، جَعَلَ النبيُّ :﴿ الخيارَ بعد البيع)).
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونِه: أن ذلك
الخيارَ قد يحتمل أن يكون على الاختيار لا على الوجوبِ، ويكون
وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
(١) رواه البيهقي ٢٧١/٥ من طريق عبد الرزاق، عن معمر، بهذا الإسناد.
ورواه الشافعي في ((المسند) ١٥٥/٢، ومن طريقه البيهقي ٢٧٠/٥-٢٧١ عن
سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن طاووس، به.
-٣٠٣-
كتاب المعاملات - البيوع
الملتمسُ في ذلك هو الملتمس فيما قد ذكرناه في تأويل الحديث الذي
قد ذكرناه في أول هذا الباب، والله نسأله التوفيق.
وقد رُوِيَ عن ابن عباس، عن رسول الله ﴿ في هذا المعنى أيضاً
٢٦٤٣ - ما قد حَدَّثَنَا أحمدُ بن داود بن موسى، قال: حَدَّثْنَا
إبراهيم بن محمد بن عَرْعَرَة، قال: حَدَّثْنَا أبو داود، عن سليمان بن
معاذٍ، قال: حدثني سماكُ بن حربٍ، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن
رسول اللهِ﴿ بايَعَ رجلاً، فلما تبايعا، قال له: ((اخْتَوْ)، قال: قد
اخترتُ، قال رسول الله :﴿: ((هكذا البَيْعُ).
فقال الذين يذهبون إلى وُجوبِ الخِيار للمتبايعين بعد البيع، أو
يخير أحدهما صاحبه: قد دَلَّ هذا الحديثُ على مذهبنا هذا، ووكَّده
قولُ النبيِ ◌ّ#: ((هكذا البيع)، ولم يكن في هذا الحديث عندنا زيادةٌ على
ما ذكرناه من معنى الحديث الأول، وكان معنى قوله {#: ((هكذا
البيعُ) محتملاً أن يكون هكذا البيع الذي بيع الناسُ أن يُجْرُوا بِياعاتِهم
عليه من تخيير بعضهم بعضاً فيها، حتى يُصِيبوا بذلك المعنى الذي في
حديث أبي هريرة الذي ذكرناه في هذا الباب في إقالة النادم بيعته،
وبالله التوفيق.
- ٣٠٤-
كتاب المعاملات - البيوع
٣٥٣- بابُ بيانِ مُشْكِل ما اختلف فيه أهلُ العلمِ من البیع
الَّذِي يَقَعُ بَيْنَ النَّاسِ بالأثمانِ التي لا یَتغَابَنُونَ فیھا، هَلْ
يَكُونُ ذلك بيعاً منعقداً أو لا يكون كذلك
٢٦٤٤ - حَدَّثْنَا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهبٍ: أن مالكاً حدثه عن
زيدٍ بنِ أسلمَ، عن أبيه: أنه قالَ: سمعتُ عمرَ بنَ الخطاب - رضي الله
عنه- يقولُ: حملتُ على فرسٍ في سبيلِ الله، فأضاعَهُ الذي كانَ عندَه،
فأردتُ أن أبتاعَه منه، وطَلبت ابتياعَهُ بِرُخْصٍ، فسألت عن ذلك رسول
الله ﴿، فقال: ((لا تَشْتَرِهِ، وإن أعْطَاكَهُ بدِرْهَمٍ واحدٍ، فإنَّ العائِدَ في
صَدَقَتِهِ، كَالكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْنِهِ)(١).
٢٦٤٥ - وحَدَّثَنَا المزنيُّ، حَدَّثْنَا الشافعيُّ، حَدَّثْنَا مالكٌ، عن زيدٍ
بنٍ أسلمَ، عن أبيه، قال: سمعتُ عمر ... ثم ذكر مثلَه.
٢٦٤٦ - وحَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِنان، حَدَّثَنَا سعيد بن أبي مريم،
أخبرنا محمدُ بنُ جعفر بن أبي كثيرِ الأنصاريُّ، أخبرني زيدُ بنُ أسلم،
أخبرني أبي، عن عمرَ بنِ الخطاب - رضي الله عنه-، قال: حَمَلْتُ على
فَرَسٍ فِي زَمَنِ رَسولِ اللهِ﴾ ... ثم ذكر مثلَه.
قال أبو جعفر: فكان في هذا الحديثِ ما قد دَلَّ أنَّ رسولَ اللهِ﴿ُ
إنّما كانَ مَنَعَ عمرَ مِن شِراءٍ تلك الفَرَسِ وإن أُعطِيَها بدرهم واحدٍ
الذي كان يُحاوِلُ بيعَها عليه، فدلَّ ذلك أنه لو لم يكن حمله عليها لم
(١) وتقدم تخريه في كتاب لازكاة في باب (٢٢٨) و(٢٢٩).
- ٣٠٥ -
كتاب المعاملات - البيوع
يَحِلَّ له ابتياعُه بالدرهم الذي نهاه أن يبتاعَها وإن أُعطِيَها به، وهذا
قولُ فقهاءِ الأمصارِ من أهل الحجازِ، ومن أهلِ العراقِ وممن سواهم،
وإنما خرج عنهم في ذلك بعضُ المتأخرين، وذَهَبَ إلى أن من أوقع البَيْعَ
كذلك لم يكن بيعاً، وكان معقولاً أن مَنْ كان لَهُ تمليكُ شيءٍ، فلا بُدَّ
له من تمليك الشيء بقليلِ البدلِ، وبالله التوفيق.
٣٥٤- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ◌ِ﴾
في عُهدة الرقيق
٢٦٤٧- حَدَّثَنَا أبو أُميَّة، قال: حَدَّثَنَا الُعَلَّى بنُ منصور الرَّازي،
حَدَّثْنَا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، أخبرنا سعيدُ بنُ أبي عروبة، عن قتادة، عن
الحسن، عن عُقبة بنِ عامر، قال: جَعَلَ رسولُ اللهِمِ﴿رَ عُهْدَهَ الرَّقِيقِ
ثلاثةَ أَيَّامٍ(١).
(١) إسناده ضعيف، البصري لم يلق عقبة بن عامر. وقد ضعف أحمد هذا
الحديث، وقال: لم يسمع الحسن من عقبة، ولا يثبت في العهدة حديث. وقال أبو
حاتم كما في («العلل)) لابنه ٣٩٥/١: ليس هذا الحديث بصحيح، وهو عندي مرسل.
يعني أنه منقطع، وقال البيهقي مثل ذلك.
ورواه ابن أبي شيبة ٢٢٧/١٤، وأحمد ١٥٢/٤، والحاكم ٢١/٢، والبيهقي
٣٢٣/٥ من طریق سعيد بن أبي عروبة، به.
ورواه أحمد ١٥٢/٤ عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن قتادة، به.
وخالف في متنه هشامٌ الدستوائي، فرواه بلفظ: ((عهدة الرقيق أربعة يام)). رواه
-٣٠٦ -
كتاب المعاملات - البيوع
٢٦٤٧ - وحَدَّثَنَا أبو أُميَّة، حَدَّثَنَا المُعَلَّى، حَدَّثْنَا هُشَيْمٌ، عن
يُونُسَ، عن الحسن، عن عُقْبَةَ بنِ عامر، قال: قالَ رسول الله :﴿: ((لا
عُهْدَةَ بَعْدَ أربع))(١).
٢٦٤٨ - وحَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمد بنِ خُشيش البصري، حَدَّثْنَا
مُسْلِمُ بنُ إبراهيم، حَدَّثَنَا أبادُ بنُ يزيد، عن قتادة، عن الحسن، عن
عُقْبَةَ بنِ عامرٍ: أن رسول الله ﴿، قال: ((عُهْدَةُ الرَّقِيقِ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ)(٢).
٢٦٤٩ - وحَدَّثَنَا نصرُ بنُ مرزوق، حَدَّثَنَا الخصيبُ بنُ ناصحٍ،
حَدَّثَنَا هَمَّمٌ، عن قتادة، عن الحسنِ، عن عُقْبَةَ بنِ عامرِ: أنَّ رسولَ
اللَّه ◌َ﴿، قال: ((لا عُهْدَةَ بعد أربعٍ))(٣).
٢٦٥٠- وحَدَّثْنَا أبو أُمية، حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، عن سَعِيدٍ، عن
قتادة، عن الحسن، عن سَمُرَةً، قال: قال رسولُ اللهِمَ﴿: ((عُهْدَةُ الرَّقيقِ
أحمد ١٥٠/٤، والحاكم ٢١/٢، والبيهفي ٣٢٣/٥ من طريقه، عن قتادة، به. وسقط
من إستاد الحاكم الحسنُ البصري.
ورواه بهذه المخالفة الطيالسي (٩٠٨) ومن طريقه البيهقي ٣٢٣/٥ عن هشام
الدستوائي، عن قتادة، عن الحسن، عن عقبة بن عامر أو سمرة بن جندب.
(١) إسناده ضعيف كسابقه، ورواه أحمد ١٤٣/٤، وابن ماجه (٢٢٤٥)،
والحاكم ٢١/٢، والبيهقي ٣٢٣/٥ من طرق، عن هشيم، به.
(٢) إسناده ضعيف، ورواه الدارمي ٢٥١/٢ عن يزيد بن هارون، وأبو داود
(٣٥٠٧) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث، كلاهما عن همام بن يحيى، به.
(٣) إسناده ضعيف، ورواه الدارمي ٢٥١/٢، وأبو داود (٣٥٠٦) وهما عن
مسلم بن إبراهيم، به.
-٣٠٧ -
كتاب المعاملات - البيوع
ثلاثٌ)(١).
فكان هذا الحديثُ قد جاء بهذا الاضطرابِ، فمَرَّةٌ يقالُ فيه: عن
الحسنِ، عن عُقبة، ومَرَّةٍ عن الحسن، عن سَمُرَةً، عن النبيِّ ◌ِ# *..
فأما من قال فيه: عن عُقبة، فذلك مما يَبْعُدُ في القلوبِ أيضاً، لأن
أهلَ العلم بالحديثِ جميعاً لا يُثْتُونَ للحسن لِقَاءٌ لِعقبة.
وأما من قال عنه: عن الحسن، عن سَمُرَةً، فذلك موهومٌ فيه لقاءُ
الحسن سَمُرَةً، وأخذه عنه، بل قد صَحَّ ذلك وثبت
كما قد حَدَّثْنَا بكارُ بنُ قتيبة، حَدَّثْنَا قُرَيْشُ بنُ أنسٍ، عن حبيب
بنِ الشهيد، قال: قال لي محمدُ بنُ سيرين: سل الحسن ممن سمع حديثه
في العقيقة، فسألته، فقال: سمعتُه من سمرة (٢).
ولما تأمّلْنا هذا الحديثَ، فوجدناه قد جاء بذكر العُهدة، وكانت
العُهدةُ في كلام العرب مأخوذة من العهد، وهي الأشياء المتقدَّم فيها
المطلوب ممن تقدَّمَ إليه فيها الوفاءُ بها، فمن ذلك قولُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ:
﴿ولقد عَهِدْنا إلى آدم﴾ [طه: ١١٥]، ومنها قولهُ: ﴿أَلَمْ أعْهَدْ إليكميا بني
(١) رواه ابن ماجه (٢٢٤٤) عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن عيدة بن
سليمان، عن سعيد، به، وقال فيه: عن الحسن إن شاء الله.
ورواه الطيالسي (٩٠٨) ومن طرقه البيهقي ٣٢٣/٥ عن هشام الدستوائي، عن
قتادة، عن الحسن، عن سمرة أو عقبة بن عامر، عن النبي #، قال: ((عهدة الرقيق
أربعة أيام)).
(٢) إسناده صحيح.
-٣٠٨ -
کتاب المعاملات - البیوع
آدَمَ﴾ [يس: ٦٠]، ومنها قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وكانَ عَهْدُ اللهِ مستُولاً﴾
[الأحزاب: ١٥]، في أمثال كذلك قد جاء بها القرآنُ، فكان الأوْلى بنا
مما قد رويناه عن رسول الله :﴿ في هذا البابِ أن نجعلَه على العَقْدِ
المشروطِ في البياعاتٍ مِن الخيارات المشروطات فيها، أفتكون مُدَّته
ثلاثةَ أيامٍ أم فوقَها كما يقولُه أبو حنيفة، وزفر، والشافعي.
فأما ما يقولُه أهلُ المدينة في عُهدة الرقيق التي يكونُ فيها موتُ
المبيع، أو ما ظهر به في بدنه في ثلاثة أيام، أو في ستة أيام على ما
يقولونه في ذلك، فلم نَجِدْ له معنى يقوى في قلوبنا.
وقد كان عطاء وطاووس يُنْكِران ذلك ولا يَرَيانِه شيئاً. كما
حَدَّثْنَا أبو أُمية، حَدَّثَنَا المُعَلَّى، حَدَّثَنَا ابنُ المباركِ، عن ابنِ جُريجٍ،
أخبرني ابنُ طاووس، عن أبيه: أنَّه كان لا يَرَى العُهْدَةَ شيئاً لا ثلاثة
ولا أکثر.
وكما حَدَّثْنَا أبو أُمية، حَدَّثَنَا المعلّى، حَدَّثَنَا ابنُ المبارك، حَدَّثْنَا
ابنُ جُريج، قال: قالَ عطاء: لم يكن فيما مضى عهدةٌ في الأرض.
قلت: فما ثلاثةُ أيام؟ قال: لا شيءَ.
وكما حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بنُ رِجال، حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ محمد الشافعي،
حَدَّثَنَا الحارثُ بنُ عُمير، عن أيوبَ، عن ابنٍ سيرين، عن شُريح، قال:
عُهْدَةُ المسلم أن لا دَاءَ، ولا غائِلَة، ولا شَيْنَ(١).
(١) رواه عبد الرزاق (١٤٧١٧) عن معمر، عن أيوب، به.
ورواه ابن أبي شيبة ٢٩٩/٧ عن أبي أسامة حماد بن أسامة، عن ابن عون، عن
-٣٠٩-
کتاب المعاملات - البیوع
ففي هذا من قولٍ شُريح أيضاً نفي العُهدة التي ذكرنا، وموافقة
عطاء، وطاووس على ما ذكرناه عنهما.
ولما لم نَجِدْ في العُهدة المذكورِ في هذا الحديثِ غير ما ذكرناه
فيها، التمسنا حُكْمَهَا مِن طريق النظر، فوجدنا الرَّجُلَ إذا باعَ العبدَ أو
الجاريةَ مِن غيره، وسلَّما إليه، فأراد أن يَمْنَعَ المانع من ثمنها أنَّه ليس له
ذلك، لأنه لو كان بقي عليه شيءٌ مما يُوجبه البيعُ مِن خيارٍ أو غيره،
كان له منعُه مِن ذلك حتى يَثْبُتَ البَيْعُ بينهما، فكان في إجماعهم أنه
لَيْسَ له مَنْعُهُ مِن ذلك ما قد دَلَّ على أنَّه لم يَبْقَ له عليه حقٌّ بحقِّ البيعِ
الذي كانا قد تعاقداه مِن عُهدةٍ، ولا مما سوى ذلك، والله الموفق(١).
٣٥٥ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله {#
في نهيه عن بيع الحَصَاةِ
٢٦٥١ - حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حَدَّثْنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثْنَا يحيى
بنُ سعيدٍ، عن عُبيدِ الله بنِ عُمَرَ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي
هُريرة، قال: نَهى رسولُ الله ◌ِ﴿ عن بيعِ الحَصَاةِ، وعن بَيْعِ الغَرَرِ (٢).
ابن سیرین، به.
(١) ستأتي أبواب الرق إن شاء الله بعد حوالي عشرين باباً.
(٢) إسناده صحيح، ورواه البيهقي ٢٦٦/٥ من طريق يحيى بن محمد عن مسدد،
به.
- ٣١٠-
کتاب المعاملات - البيوع
٢٦٥٢ - وحَدَّثْنَا عليٌّ بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة، حَدَّثَنَا
سعيدُ بنُ عمرو الأشعثيُّ، حَدَّثَنَا عبتر بنُ القاسِمِ، عن الأعمش، عن
أبي صالح، عن أبي هُريرة، قال: نهى رسولُ الله ﴿ عن بيعَتَيْنِ وعن
لُبستين. فأما اللُّبستان، فأن يَشْتَمِلَ الرجلُ بثوبه من شِقُّ واحدٍ، وأن
يحتبيَ بثوبٍ فرجُه إلى السَّماءِ كأنه يعني مُفْضِياً بفرجه إلى السَّماءِ، وأما
البيعتان، فألْقِ إليَّ وأُلقي إليكَ، وأَلْقِ الحَجَرَ).
٢٦٥٣- وحَدَّثَنَا أبو أيوب عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله بن عِمران
الطبرانيُّ المعروف بابنِ خلف، حَدَّثَنَا سليمانُ بنُ داود الهاشميُّ، حَدَّثَنَا
عَبْثَرُ بنُ القاسِمِ، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرة، عن
رسول الله ﴿*، مثلَه.
٢٦٥٤ - وحَدَّثْنَا بكارُ بنُ قُتيبة، حَدَّثْنَا وهبُ بنُ جريرٍ، حَدَّثَنَا
ورواه أحمد ٤٣٦/٢، ومسلم (١٥١٣)، والنسائي ٢٦٢/٧، وابن حبان
(٤٩٥١) و(٤٩٧٧)، والدارقطني ١٥/٣-١٦، والبيهقي ٢٦٧/٥، والبغوي
(٢١٠٣) من طرق، عن يحيى بن سعيد، به.
ورواه ابن أبي شيبة ١٣٢/٦، وأحمد ٤٩٥/٢ و٤٩٦، والدارمي ١٦٧/٢،
ومسلم (١٥١٣)، وأبو داود (٣٣٧٦)، والترمذي (١٢٣٠)، وابن ماجه (٢١٩٤)،
وابن الجارود (٥٩٠)، والبيهقي ٢٦٦/٥ و٣٣٨ من طرق، عن عبيد الله بن عمر،
به.
ورواه مالك ٦٦٦/٢، وأحمد ٣٧٦/٢، والخطيب ١٨٧/٥ من طرق عن أبي
هريرة، به.
م
- ٣١١ -
کتاب المعاملات - البيوع
هشامٌ - وهو ابنُ حسان-، عن محمد - وهو ابنُ سيرينّ-، عن أبي
هُريرة، قال: نهي عن لُبستين، وعن بَيْعَتَينِ، ثم ذكر بقيةَ الحديثِ (١).
فسأل سائلٌ عن بيعِ الحصاةِ المنهيِّ عنه ما هو؟
فكان جوابُنا له في ذلك أنه بَيْعٌ كان من بيوعِ أهلِ الجاهلية التي
يتعاقدونها بينهم، فكان أحَدُهُم إذا أراد أخذَ ثوبٍ صاحبه، وملكه
عليه بما يُعَوِّضُهُ إِيَّه به، ألقى عليه حصاةٌ أو حجراً، فاستحقُّه بذلك
عليه، ولم يستطع رَبُّ الثوابِ منعَه من ذلك، فنهى رسولُ اللهِ﴾ عن
ذلك ورَدَّ الْبَيْعَ إلى خيارِ المتبايعين اللذَيْنِ يتعاقَدَانِ به البيع بينهما عندَ
إنزال الله تعالى عليه: ﴿يَا أُهَا الذِّينَ آمَنُوالا تَأْكُلُوا أَمْوَاَلَكُمْ يَكُم
بالبَاطِ إِلَّأنْ تَكُونَ تجارَةٌ عَنْ تَراض منكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. فَرَدَ الله
تعالى الأشياءَ إلى رِضا أصحابها بإخراجها عن مُلكهم إلى مَنْ
يُخرجُونها إليه، أو إلى احتباسِها لأنفسهم، وأخبرَ أن مَنْ جرى على
خلافٍ ذلك، كان آكِلاً للمالِ بالباطِلِ، وبالله التوفيق.
(١) إسناده صحيح، ورواه أحمد ٤٩١/٢ و٥٢١، والبخاري (٢١٤٥) من طريق
محمد بن سيرين، به.
- ٣١٢-
کتاب المعاملات - البيوع
٣٥٦- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيّ عن رسول الله ﴾ في إثباتٍ
الحَجْرِ على السَّفِيهِ في ماله، وفي نفي الحَجْرِ عنه
٢٦٥٥- حَدَّثْنَا يونسُ، قال: أخبرنا عبدُ الله بنُ وهب: أن مالكاً
أخبره عن عبد الله بن دينارٍ، عن ابنِ عمر.
وحَدَّثَنَا المزنيُّ، قال: حَدَّثَنَا الشافعيُّ، عن مالك، عن عبدِ الله بنِ
دينارٍ، عن ابن عُمَرَ: أن رجلاً ذكر لِرسول الله ﴾: أنَّه يُخْدَعُ في
البُيُوعِ، فقال له رسولُ اللهِلَ﴿: ((إذا بَايَعْتَ، فَقُلْ: لا خِلاَبَةَ)). فكان
الرجلُ إذا باع يقول: لا خِلابَةً(١).
٢٦٥٦ - وحَدَّثَنَا نصرُ بنُ مرزوقٍ، قال: حَدَّثَنَا عليٌّ بنُ معبدٍ،
قال: حَدَّثْنَا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، عن عبدِ الله بنِ دينارٍ: أنه سَمِعَ ابنَ
عُمَرَ يقولُ، ثم ذكر مثلَه.
٢٦٥٧ - وحَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبد الحكم، قال: حدثني
حَجَّاجُ بنُ رِشدين، عن حَيْوَةً، عن ابنِ عجلان، عن نافعٍ، عن ابن
عُمَرَ: أن رجلاً كان ثقيلَ اللِّسَانِ، كان إذا بَايَعَ النَّاسَ غَبُّنُوه في البَيْعِ،
(١) إسناده صحيح، وهو في ((موطأ)) مالك ٦٨٥/٢، ومن طريق مالك رواه
البخاري (٢١١٧) و(٦٩٦٤)، وأبو داود (٣٥٠٠)، والنسائي ٢٥٢/٧، وابن حبان
(٥٠٥٢)، والبغوي (٢٠٥٢).
ورواه عبد الرزاق (١٥٣٣٧)، وأحمد ٤٤/٢ و ٦١ و ٧٢ و٨٠ و٨٤ و ١٠٧
و١١٦، والبخاري (٢٤٠٧) و(٢٤١٤)، ومسلم (١٥٣٣) من طرق عن عبد الله بن
دینار، به.
-٣١٣-
كتاب المعاملات - البيوع
فذكر ذلك لِرَسُولِ اللهِ﴿، فقال له رسولُ اللهَ ﴿وّ: ((إِذا بايعتَ أحداً،
فَقُلْ: هَاءَ ولا خِلاَبَةَ)).
قال أبو جعفر: فكان في هذا إعلامُ ذلك الرجل أو إعلامُ غيرِه
رسولَ الله ﴿ أنه يُخْدَعُ في الْبُوعِ، فلم يَحْجُرْ عليه رسولُ اللهِلَّهِ
ولا قَبَضَ يَدَه عن مالِه من أجله.
فقال قائلٌ: في ذلك ما قد دَلَّ على نفي الحَجْرِ على الْبَالِغِينَ غير
المجانين، وممن كان يذهب إلى ذلك أبو حنيفة، وقد تقدَّمه فيه محمدُ بنُ
سيرين، كما حَدَّثْنَا أبو أمية، قال: حَدَّثْنَا محمدُ بنُ عبد الله الأنصاريُّ،
قال: حَدَّثَنَا ابنُ عونِ، عن محمدٍ: أنه كان لا يَعُدُّ الحَجْرَ شيئاً.
وكما حَدَّثَنَا أبو أمية، قال: حَدَّثَنَا أبو الوليد الطيالسيُّ، قال:
حَدَّثْنَا سُلَيْمُ بنُ أخضر، عن ابنِ عونٍ، عن محمد: أنه لا يَعْرِفُ الحجر
ولا یری شيئاً.
فكان مِن الحجة على مَنْ ذهب إلى هذا القول واحتجاجه له بما
قد رُوِيَ عن رسولِ اللهِ:﴿ بما ذكرنا احتجاجَهُ له به في هذا الباب: أن
رسولَ اللهِ ﴿ لم يُطلق لِذلك الرجل البيعَ إلا باشتراطِه فيه أنه لا خِلابة
فيه، وفي ذلك ما قد دَلَّ على أن البيع الذي أطلقه له ليس كبَيْعِ مَنْ
سِواه ممن لا يُخْدَعُ في البيع: ألا ترى أن رسولَ الله :﴿ قد نهى أن يَبِيعَ
حَاضِرٌ لِبادٍ، وقال: ((دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللهُ بَعْضَهُم مِنْ بَعْضٍ)).
٢٦٥٨- حدثناه يونسُ، قال: أخبرنا سفيانُ، عن أبي الزبير، عن
جابر، عن النبيِّ ﴾.
فكان هذا الذي رُوِيّ في إطلاق رسولِ الله 48* لذلك الرجل البيع
- ٣١٤-
کتاب المعاملات - البیوع
مع اشتراطه أن لا خِلاَبَةَ فيه، ما قد دَلَّ أن بيعَه بَيْعٌ مردودٌ إلى اعتبارِ
من يتولَّى عليه إِيَّاه، فإن كانت فيه خِلابة أبطلَه، وإن لم يَكُنْ فيه خِلابة
أمضاه، وفي ذلك ما قد دَلَّ على وقوعِ اليدِ عليه، لا على ارتفاعها
عنه(١).
٢٦٥٩ - وقد حَدَّثْنَا المزنيُّ، قال: حَدَّثْنَا الشافعيُّ، عن سفيانَ،
قال: حَدَّثْنَا محمدُ بنُ إسحاق، عن نافع، عن ابنِ عمر: أن حَبَّانَ بنَ
مُنْقِذٍ كان شُجَّ في رأسه مَأْمُومَةً، فتقل لسانُه، فكان يُخْدَعُ في البيعِ،
فجعل له رسولُ الله ﴿ ما ابتاع من شيء، فهو فيه بالخيارِ ثلاثاً، وقال
له رسولُ الله ﴿: ((قُل: لا خِلَابَةَ)).
(١) حديث صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١١/٤، به، وزاد في أوله: ((لا
یبع حاضرٌ لبادٍ)).
ورواه الشافعي ١٤٧/٢، والحميدي (١٢٧٠)، وابن أبي شيبة ٢٣٩/٦، وأحمد
٣٠٧/٣، ومسلم (١٥٢٢) (٢٠)، وابن ماه (٢١٧٦)، والترمذي (١٢٢٣)، وابن
حبان (٤٩٦٠) و(٤٩٦٤) من طرق عن سفيان بن عيينة، به.
ورواه الطيالسي (١٧٥٢)، وابن الجعد (٢٧٣١)، وأحمد ٢١٣/٣ و٣٨٦،
ومسلم (١٥٢٢) (٢٠)، وأبو داود (٣٤٤٢)، وابن حبان (٤٩٦٣)، والبيهقي
٣٤٦/٥، والبغوي (٢٠٩٩) من طريق زهير بن معاوية، وأحمد ٣٩٢/٣ من طريق
الحسن بن صالح، ومسلم (١٥٢٢) (٢٠)، والبيهقي ٣٤٦/٥ من طريق أبي خيثمة،
والنسائي ٢٥٦/٧ من طريق ابن جريج، والبيهقي ٣٤٧/٥ من طريق عبد الملك بن
عمير، خمستهم عن أبي الزبير، به. وفي أوله عندهم: ((لا بيع حاضر لباد))، وعند
البيهقي في إحدى روايتيه: ((فإذا استنصح أحدكم أخاه فلينصحه)).
- ٣١٥-
کتاب المعاملات - البیوع
قال ابنُ عمر: فسمعتُه يقولُ: لا خِذابة، لا خِذابة.
فكان في هذا الحديثِ أن رسول الله ﴿ جَعَلَ لِحَبَّان -وهو هذا
الرجل المذكورُ في هذه الآثار- فيما يبتاعُه الخيار ثلاثةَ أَيَّامٍ ليعتبر بيعه،
فَيُمضي أو يَرُدُّ على ما رويناه قبلَه في قصته في هذا الباب، وذلك حَجْرٌ
عليه في ماله لا إطلاق له فيه.
٢٦٦٠ - وقد حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ شعيب، قال: أخبرنا يوسفُ بنُ
حَمَّادِ المعْنِي، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الأعلى - يعني ابن عبدِ الأعلى-، عن
سعيدٍ، عن قتادةً، عن أنس: أن رجلاً كان في عقلِه ضَعْفٌ، وكان
يُبَابِعُ، وأن أهلَه أتوا النبيَّ ﴿ه فقالوا: يا نبيَّ اللهِ، احْجُرْ عليه، فدعاه نِيُّ
اللهِ ﴿، فنهاه، فقال: يا نبيَّ اللهِ، إني لا أُصْبِرُ عن البَيْعِ، قال: فإذا
بايَعْتَ، فَقُلْ: ((لا خِلَابَةَ)).
قال: ففي هذا الحديثِ، أن أهلَ حَبَّانَ سألوا رسولَ اللهلَ﴿ أن
يحجر عليه، فلم يُنْكِرْ ذلك عليهم مِن قولهم، وأمره يمثلٍ ما في حديث
عبد الله بن عمر في قصته، وفي ذلك ما قد دَلَّ على الحجر على مثله في
ماله، وأن يَدَهُ لا تنطلِقُ فيه إلا فيما يُطْلِقُها من يتولَّى عليه فيه.
ثم قد وجدنا أصحاب رسول الله:﴿ من خلفائه الراشدين
المهديين، وممن سواهم منهم على إثبات الحَجْرِ فيمن يستحِقّه. فمن
ذلك
٢٦٦١- ما قد حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ أبي عمران، قال: أخبرنا محمدُ بن
سماعة، قال: سمعتُ أبا يوسف يقول.
وما قد حَدَّثْنَا جعفرُ بنُ أحمد بن الوليد، قال: أخبرنا بشرُ بنُ
-٣١٦-
كتاب المعاملات - البيوع
الوليد الكندي، قال: أخبرنا أبو يوسفَ، ثم اجتمعا، فقالا: عن هشام
بن عُروة، عن أبيه: أن عبدَ الله بنَ جعفر أتى الزبيرَ، فقال: إني ابتعتُ
بيعاً، وإن علياً عليه السَّلامُ يُرِيدُ أن يَحْجُرَ عليَّ، فقال الزبيرُ: فأنا
شَرِيكُكَ في البيعِ، فأتى عليّ عثمانَ رضي الله عنه فسأله أن يَحْجُرَ على
عبدِ الله بن جعفر، فقال الزبيرُ: أنا شريكُه في هذا البيع، فقال عثمانُ:
كيف أحْجُرُ على رَجلِ شَرِيكُه الزُّبِيْرُ؟(١).
ففي هذا الحديثِ: أن علياً عليه السَّلامُ حَاوَلَ الحَجْرَ على عبدٍ
الله بن جعفر، وأنَّ الزبيرَ لما وَقَف على ذلك، سأل عبدَ الله بن جعفر
أن يَشْرَكَه في ذلك البيع الذي حاولَ عليٌّ الحَجْرَ عليه مِن أجله لِيرتفع
بذلك عنه ما خافه على نفسه من عُثمانَ فيه، ووقوف عثمان على
ذلك ومحاجته علياً شركة الزبير عبد الله بن جعفر في ذلك، وكان في
ذلك ما قد دَلَّ أنه لولا شَرِكَةُ الزُّبِيرِ إِيَّاه فيه، حَجَرَ عليه، ورأى عبدُ
الله بنُ جعفر ذلك لِخوفه على نفسه مِن عُثمان أن يَحْجُرَ عليه مِن
أجله، وكان ذلك منهم جميعاً بمحضرٍ مَنْ حضرهم مِن أصحاب رسول
الله ﴿ سواهم، فلم يُنْكِرُوا ذلك عليهم، ولم يُخالفوهم فيه، فَدَلَّ لك
على متباعتهم إيّاهُم عليه.
٢٦٦٢- حَدَّثْنَا يونسُ، قال: أخبرني أنسُ بنُ عِياض، عن جعفر
(١) رواه البيهقي ٦١/٦ من طريق عمرو الناقد، عن أبي يوسف القاضي، به.
ورواه عبد الرزاق (١٥١٧٦) عن رجل (ولم يسمّه)، ورواه البيهقي بلفظ آخر
٦١/٦ من طريق الزبير بن المديني، كلاهما عن هشام بن عروة، به.
-٣١٧-
كتاب المعاملات - العارية
بنٍ محمد، عن أبيه، عن يزيدَ بنِ هُرمز، أن نجدة كتب إلى ابنِ عَبَّاسٍ
يسألُه: متى ينقضي يُتْمُ اليتيم؟ فَكَتَبَ إليه ابنُ عباس: كتبت تسألُني
متى ينقضي يَتْمُ اليتيم؟ ولعمري إنَّ الرجلَ تَنْبُتُ لِحيته، وإنّه لَضعيفُ
الأخْذِ لِنفسه، ضعيفُ الإِعطاء منها، فإذا أُخذ لِنفسه مِن صَالح ما يأْخُذُ
الناسُ، فقد انقطع عنه اليتمُّ(١).
(١) رجاله ثقات، ورواه الشافعي ١٢٢/٢، ومسلم (١٨١٢) (١٣٨)،
والطبراني (١٠٨٣٤)، والبغوي (٢٧٢٣) من طريق حاتم بن إسماعيل، وأحمد
٣٠٩/١ (٢٨١١) عن محمد بن ميمون الزعفراني، ومسلم (١٨١٢) (١٣٧)،
والطبراني (١٠٨٣٢) من طريق سليمان بن بلال، ثلاثتهم عن جعفر بن محمد، به.
ورواه الطبراني (١٠٨٣٥) من طريق محمد بن إسحاق، عن أبي جعفر محمد بن
علي بن الحسين، به.
ورواه الحميدي (٥٣٢)، ومسلم (١٨١٢) (١٣٩)، والنسائي في ((الكبرى)
(٨٦١٧)، والطبراني (١٠٨٣٢)، والبيهقي ٣٤٥/٦ من طريق سعيد المقبري، وأبو
عبيد في (الأموال)) (٨٥٢)، ومسلم (١٨١٢) (١٤١)، والطبراني (١٠٨٣١) من
طرق المختار بن صيفي، وأحمد ٢٤٩/١-٢٥٠ (٢٢٣٥) و٣٤٤ (٣٢٠٠)، ومسلم
(١٨١٢) (١٤٠)، والطبراني (١٠٨٣٠) من طريق قيس بن سعد، وأبو يعلى
(٢٦٣١) من طريق إسماعيل بن أمية، والطبراني (١٠٨٣٥) من طريق الزهري،
خمستهم عن یزید بن هرمز، به.
ورواه أبو يعلى (٢٥٥١) من طريق محمد بن إسحاق، قال: حدثني من لا أتهم،
عن يزيد بن هرمز، فذكره.
ورواه أحمد ١٢٤/١ (١٩٦٧) من طريق عطاء، عن ابن عباس.
والروايات معظمها مطولٌ، وبعضهم يزيد فيها على بعض.
-٣١٨-
کتاب المعاملات - البيوع
فهذا ابنُ عباس أيضاً قد كان منه ما قد وافقَ من قد ذكرناه قبلَه
مِن أصحاب رسول الله ﴿ في إثباتِ الحَجْرِ.
٢٦٦٣ - وقد حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثْنَا وهبُ بنُ
جرير، عن أبيه، قال: سمعتُ النعمانَ بنَ راشدٍ يُحَدِّثُ عن الزُّهري، عن
عُروة، أن عائشة بلغها أن ابنَ الزبيرِ بلغه: أنَّها تبيعُ بعضَ عقارها،
فقال: لَتنتهَيَنَّ أو لأحْجُرَنَّ عليها، فقالت: أُوَ قَالَهُ؟! للهِ عَزَّ وجَلَّ عليَّ
ألاَّ أُكَلِّمَهُ أَبَدًا (١).
٢٦٦٤ - وحَدَّثْنَا محمدُ بنُ سِنان، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الوهّابُ بن
نَحْدة الحَوْطي، قال: حَدَّثَنَا ابنُ شابور، قال: حَدَّثَنَا الأوزاعيُّ، عن
الزّهري: أَنَّه حدَّته، قال: حدَّثَني الطَّفيلُ بنُ الحارث، وكان أخا عائشة
مِن أُمِّها، وكان رجلاً من أزدٍ شَنوءَةً: أنه بلغ ابنَ الزبير أنَّ عائشةَ تبيعُ
بَعْضَ رِبَاعِها، ثمَّ ذكر مثلَه.
٢٦٦٥ - وحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ غليبٍ، قال: حَدَّثْنَا سعيدُ بنُ كثيرٍ
بن عُفير، قال: حدثني الليثُ بنُ سعدٍ، قال: حدثني عبدُ الرحمن بنُ
خالد بنِ مسافر، عن ابنِ شهابٍ، عن عوفٍ بن الحارث بن الطُّفيل،
وهو ابنُ أخي عائشة لأمها، أنَّ عائشة حدَّثته: أنَّ عبدَ الله بن الزبير،
ثم ذكر مثله.
وحَدَّثْنَا فهدٌّ وهارونُ بنُ كامل، قالا: حَدَّثْنَا عبدُ الله بنُ صالح،
(١) رواه بتحوه مطولاً البخاري (٣٥٠٥) من طريق أبي الأسود، عن عروة بن
الزبير.
-٣١٩-
کتاب المعاملات - البیوع
قال: حدثني الليث، قال: حدثني عبدُ الرحمن بنُ خالد بن مُسافرٍ، ثم
ذکر بإسناده مثله(١).
ففي هذا الحديثِ عن ابنِ الزُّبير ما فيه عنه، وفيه عن عائشة ما
فيه عنها مما لا إنكارَ فيه منها للحجرِ، ومِن تركها أن تقولَ: وهل
يكونُ أحدٌ محجوراً عليه بفعله في مالِه مثل الذي بَلَغَ ابنَ الزُّبر أنها
تفعلُه في مالها، فكيف يجوزُ لأحدٍ الخروجُ عن أقوالِ مَنْ ذكرنا إلى ما
يُخالِفُه؟
فقال قائل: فقد وجدنا في نفي الحجر ما هو أقوى من هذا، وهو
قولُ الله عز وجل: ﴿يا أيها الَّذِينَ آمُوا إِذا ◌َدَيْتُمْ بِدَّنِ إِلى أَجَلٍ مُسَتِى)
[البقرة: ٢٨٢]، ثم قال بعدَ ذلك: ﴿فإنْ كَانَ الذي عَلَيهِ الْحَقُّسفيها أو
ضَعِيفاً، أو لا يستطيعُ أنْ يُعِلَّ هُوَ فَلْيُعْلِلْ وَلِيُهِ بِالَعَدْل﴾ فذكر في أوَّل القِصة المداينة
ممن قد ذكر في آخرِها أنه قد يكون سفيهاً أو ضعيفاً، وفي ذلك ما قد
دَلَّ على جوازٍ بيعه في حالٍ سفهه.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيقِ الله جَلَّ وعَزَّ وعَونه: أن السَّفَهَ قد
يكونُ في تضييع المال، وقد يكون فيما سواه ممالا تضييعَ للمال معه،
كذلك هو في كلام العرب، يقولون: سَفِهَ فلانٌ في ماله، سَفِهَ فلانٌ في
دِينه، ومنه قولُ الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَرْغَبْ عِن ◌ِّةِ إِبْرَاهِوَ الأَمَنْ سَفِة
(١) رواه مطولاً البيهقي ٦١/٦- ٦٢ من طريق عبيد الله بن أبي زياد، عن
الزهري، به، وذكر فيه قصة.
- ٣٢٠-