Indexed OCR Text
Pages 281-300
کتاب المعاملات - البيوع
أدر كته الصفقةُ حياً، أنه يكون من مال مبتاعه، ولا يكون ذلك كذلك
إلا وقد وَقَعَ ملكُه عليه بالصفقة، وإن لم يُفارِقْ بائعه بِبَدَنِه.
وكان حديث هشيم عن يحيى الذي ذكرناه من قول رسول الله
*: «المتبايعان لا بَيْعَ بينهما حتى يتفرَّقا، إلا بيعَ الخيارِ))، غير مخالفٍ
عندنا لحديثه الآخر الذي ذكرنا، ويكون معنى: ((لا بَيْعَ بينهما حتى
يفترقا))، أي: لا بيع بينهما لا خيارَ فيه حتى يفترقا، فإذا تَفَرَّقًا قطع
ذلك التفرُّقُ خيارَهُما فيه إلا بيعَ الخيارِ، بمعنى: فإن الخيارَ يبقى
لصاحبه بعد ذلك إلى المدة المشروط له الخيارُ فيها.
وكان ذلك التفرُّقُ المذكور في هذا الحديث مما قد تنازع أهلُ
العلم في تأويله، ما هو؟
فقالت طائفة منهم: هو بين قول البائع للمبتاع: قد بعتُك، وقول
المبتاع: قد قبلتُ ذلك منك. يكون للبائع الرجوعُ عن ما قال قبل قول
المبتاع له: قد قبلتُ ذلك منك، ويكون للمبتاع قُبُولُ ذلك القول ما لم
يفارق البائعَ بيدِنِه، فإن فارقه ببدنه لم يكن له بعدَ ذلك أن يقبل منه
القول الذي قاله له.
وقال قائلوا هذا القول: ولولا أن ذلك كذلك، لكان له قُبُولُ
ذلك القول بعد المدة الطويلة، وبعد مفارقتِه قائلَه له ببدنه، وممن كان
يقولُ هذا القولَ، ويذهبُ بمعنى هذا الحديث إلى ذلك التأويل أبو
یوسف.
كما حَدَّثَنَا جعفرُ بن أحمد بن الوليد، عن بِشْر بن الوليد، عن
أبي يوسف، وذكرناه بعد ذلك لأحمد بن أبي عِمْران، فوافقه على ذلك
-٢٨١-
کتاب المعاملات - البيوع
في روايته إيّاه عن بشر بن الوليد، ووافق أبا يوسف على هذا التأويل
أيضاً عيسى بنُ أبانَ.
وقال آخرون من أهلِ العلم: إن قول البائع للمبتاع: قد بعْتُك،
وقول المبتاع له: قد قَبِلْتُ منك، يكونان به مفترقَيْن، ويكون ذلك
كمعنى قول الله عز وجل في الطلاق: ﴿وإنْ يَفْرَّقَا يُغْنِ الله كلا مِنْ سَعِيِهِ﴾
[النساء: ١٣٠]، فكأن الزوج إذا قال لامرأته: قد طَلْقتكِ على كذا،
فقالت هي له: قد قبلتُ ذلك منك، صارا مفترقَيْنِ الفُرقةَ التي قال الله
عز وجل، وإن لم يتفرَّقا بأبدانهما.
فكان مثل ذلك قول صاحب السلعة لصاحبه الذي ساومه بها:
قد بعتُك سلعتي بكذا، فقال له الآخر: قد قبلتُ ذلك منك، يكونان به
مفترقين الفُرقةَ التي قال رسول الله :﴿و، وإن لم يتفرقا بأبدانهما، وممن
قال هذا القولَ، وفَسَّرِه هذا التفسيرَ محمد بن الحسن.
وقال آخرون: الفُرقةُ التي عناها رسول الله : ﴿ في هذا الحديث،
هي الفرقة بالأبدان بعد التبايع، لأن المساوِمَ والمساوَمَ قبل تعاقدهما
البيع متساومان، وليسا بمتبايعين، وإنما يكونان متبايعين بعدما يتعاقدن
البيعَ، وهناك يجب لهما الخيارُ لا قبلَه.
وممن كان يذهب إلى ذلك الشافعيُّ، ويحتجُّ فیه بما قد ذكرنا،
وكان الذي احتج به قد وَجَدْنا في اللغة ما يجوز خلافهُ، لأنا قد وجدنا
فيها إطلاق اسم من قرب من شيء بمعنى: من قد بلغ ذلك الشيءَ،
وكان من أهله، وإن لم يكن كذلك في الحقيقة، ومنه قول الله عز
- ٢٨٢-
کتاب المعاملات - البيوع
وجل: ﴿وَإِذا طلَقْتُمُ النّساءَ ثَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بَعروفٍ﴾ [البقرة:
٢٣١]، ليس على معنى أنهن إذا استوفَيْنَ آجالهن أُمْسِكْن بمعروفٍ،
وإنما ذلك على قربهن بلوغ آجالِهنَّ، ويدلُّ على ذلك قولُ الله عز
وجل في الآية الأخرى: ﴿وإذا طَلَقْتُمُ النّساءَ فَلَغْنَ أْجَلَهُنَّ فِلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أن
يَنْكِحْنَ أَرواجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢].
ومن ذلك ما قد أطلقه المسلمون جميعاً في ابن إبراهيم الذي أُمِرَ
بذبحه، إما إسماعيل وإما إسحاق صلى الله عليهما(١)، أن سَمَّوْهُ ذبيحاً
القُرْبِه من الذَّبْحِ، وإن لم يكن ذُبِحَ، ومن ذلك ما يطلقونه مما قد حكاه
لنا المزنيُّ، عن الشافعي في تأويل الآية التي ذكرنا أن العرب تقول: قد
دَخَلَ فلانٌ مدينة كذا، لقُرْبه منها، وبقصده إلى دخولها، وإن لم يكن
في الحقيقة دخَلَها، وإذا كان ذلك كذلك فيما ذكرنا، كان محتملاً في
الحديث الذي رَوَيْنا مثله، والله أعلم بمراد رسول الله {/ في ذلك بما
أراده فيه.
ثم نَظَرْنا في هذا الحديث من رواية غير يحيى، عن نافع، كيف
هي؟
٢٦١٦- فوجدنا عبد الملك بن مروان الرَّقّي قد حَدَّثْنَا، قال:
حَدَّثَنَا شجاعُ بن الوليد السَّكُوني، عن عُبيدِ الله بن عمر، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: قال رسول الله مَ﴿: ((كلُّ بَيِّعَيْنِ بالخيار ما لم يَتَفَرَّقَا،
(١) الصواب أن الذبيح هو إسماعيل عليه السَّلامُ.
- ٢٨٣ -
كتاب المعاملات - البيوع
أو يكونَ بيعَ خِيارِ))(١).
٢٦١٧- ووجدنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس قد حَدَّثْنَا، قال:
حَدَّثَنَا بُنْدارٌ، قال: حَدَّثْنَا يحيى - يعني ابن سعيد-، عن عُبيد الله، عن
نافع، عن ابن عمر، عن النبيِّمَ﴿، قال: «كُلُّ بَيِّعَيْنِ لا بَيْعَ بينهما حتى
يَتَفَرَّقَا، أو يكون خيارٌ)(٢).
٢٦١٨- ووجدنا أحمد بن شعيب قد حَدَّثَنَا، قال: أخبرنا عمرو
بن علي، قال: حَدَّثْنَا يحيى، عن عُبيد الله، قال: حدثني نافع، عن ابن
عمر، عن رسول الله مح /، ثم ذكر مثله(٣).
فكان ما رويناه من حديث عُبيد الله هذا يَرْجِعُ معناه إلى معنى ما
رويناه عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن نافعٍ قبلَه في هذا المعنى.
ثم نظرنا كيف رواه عن نافع غير من ذكرنا؟
٢٦١٩- فوجدنا أحمدَ بن شعيب قد حَدَّثَنَا، قال: أخبرنا محمدُ
بن علي بن حَرْب، قال: حَدَّثْنَا مُحْرِز بن الوَضَّاحِ، عن إسماعيل - يعني
ابن أُمية الأُمَوي-، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال سول الله وخطات:
(المُتبايعان بالخيار ما لم يَتَفرَّقا، إلا أن يكون البيعُ كان عن خِيارِ، فإن
(١) صحيح، شجاع بن الوليد السكوني: توبع، وهو في ((شرح معاني الآثار))
١٢/٤. ورواه مسلم (١٥٣١) (٤٣) من طريقين عن عبيد الله بن عمر، به.
(٢) إسناده صحيح، ورواه مسلم (١٥٣١) (٤٣) عن زهير بن حرب ومحمد بن
المثنى، عن يحيى بن سعيد القطان، به.
(٣) إسناده صحيح، وهو في ((سنن النسائي) ٢٤٨/٧.
- ٢٨٤ -
كتاب المعاملات - البيوع
كان البيعُ عن خيارٍ، فقد وَجَبَ البَيْعُ)(١).
فكان ما في هذا الحديثِ كمثل ما في حديث يحيى وعُبيد الله
اللَّذين كرناهما قبلَه.
ثم نَظَرْنا كيف رواه عن نافع غير من ذكرنا؟
٢٦٢٠ - فوجدنا إبراهيم بن مرزوق، قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا
عارٌ أبو النعمان - يعني محمد بن الفضل السَّدُوسي-، قال: حَدَّثَنَا حمادُ
بن زيد، قال: حَدَّثْنَا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول
اللّه ◌َ ﴿: «البَيِّعان بالخيارِ ما لم يَتَفَرَّقا، أو يقولَ أحدُهما لِصاحِبِهِ: اختَرْ؛
وربما قال: أو يكونَ بیعَ خیارٍ)»(٢).
٢٦٢١ - ووجدنا أحمدَ بن شعيب قد حَدَّثْنَا، قال: أخبرنا زيادُ
بن أيوب، قال: حَدَّثْنَا ابن عُلَّة، قال: حَدَّثَنَا أيوب، عن نافع، عن ابن
عمر، قال: قال رسول الله :﴿ّ: ((البِّعانِ بالخِيارِ حتى يَتَفَرَّقا، أو أو
یکون بیع خیار وربما قال: بایعْ، أو يقول أحدهما للآخر: اختر))(٣).
(١) الحديث في ((سنن النسائي) ٢٤٨/٧.
(٢) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٢/٤.
ورواه البخاري (٢١٠٩)، ومن طريقه البغوي (٢٠٤٨) عن عارمٍ أبي النعمان،
بهذا الإسناد. ورواه مسلم (١٥٣١) (٤٣) عن أبي الربيع الزهراني وأبي كامل
الجحدري، عن حماد بن زيد، به. ورواه عبد الرزاق (١٤٢٦٢) عن معمر، وأحمد
٧٣/٢، وأبو داود (٣٤٥٥) من طريق حماد بن سلمة، كلاهما عن أيوب، به.
(٣) إسناده صحيح، وهو في ((سنن النسائي)) ٢٤٩/٧.
ورواه أحمد ٤/٢، ومسلم (١٥٣١) (٤٣) من طريق إسماعيل ابن علية، به.
- ٢٨٥ -
كتاب المعاملات - البيوع
٢٦٢٢- ووجدنا أحمد بن شعيب قد حَدَّثَنَا، قال: أخبرنا عمرو
بن علي، قال: حَدَّثْنَا علد الأعلى - يعني ابن عبد الأعلى السَّامي - قال:
حَدَّثَا سعيد - يعني ابن أبي عروبة-، عن أيوب، عن نافع، عن ابن
عمر: أن رسول الله ﴿، قال: «البَيَّعان بالخيار ما لم يَتَفَرَّقا، أو يقول:
اخْتَنْ)(١).
فكان ما رواه أيوب، عن نافع في ذلك، كمثل ما رواه عليه من
ذكرناه قبله عن نافع إلا أن فيه: ((أو يقول أحدُهما لصاحبه: اختَرْ))،
فاحتمل أن يكون ذلك على قولٍ يقولُه بعد البيع، فيكون قد أوْجَبَ له
خِياراً لمن لم يكن له خيارٌ قبلَه، واحتمل أن يكون على خيارٍ يتعاقدان
البيعَ عليه، ويشترطُه أحدُهما لصاحبه في البيع، وهو أوْلى التأويلينِ به،
لأنه يَرْجعُ إلى إيجاب ما لم يكن للمَقُولِ له قبل ذلك.
ثم نظرنا هل روى هذا الحديثَ عن نافع غير من ذكرنا؟
٢٦٢٣ - فوجدنا المزنيَّ قد حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثْنَا الشافعيُّ، عن
سفيان، قال: حَدَّثَنَا ابن جُرَيْج، قال: أمْلَى علينا نافعٌ: أن عبد الله بن
عمر أخبره، قال: قال رسول الله ﴿: ((إذا تَبَايَعَ الْتَبايعانِ بِالبَيْعِ، فكلُّ
واحدٍ منهما بالخِيارِ من بَيْعِه ما لم يتفرَّقًا، أو يكونَ بَيْعُهما عن خِيارِ،
فإذا كان عن خيارٍ، فقد وَجَب))(٢).
(١) إسناده صحيح، وهو في ((سنن النسائي)) ٢٤٩/٧.
(٢) صحيح، وهو في ((السنن المأثورة)) (٢٤١)، وفي مسند الشافعي ١٥٤/٢.
ورواه الحميدي (٥٢٠٠)، ومسلم (١٥٣١) (٤٥) من طريق سفيان بن عيينة، به.
-٢٨٦-
كتاب المعاملات - البيوع
٢٦٢٤ - ووجدنا أحمدَ بن شعيب قد حَدَّثَنَا، قال: أخبرنا علي
بن ميمون، قال: حَدَّثْنَا سفيان، ثم ذكر بإسناده مثله، غير أنه قال:
(فقد وَجَبَ البِيعُ)(١).
قال أبو جعفر: فكان معنى هذا قد دخل في معنى ما قد ذكرناه
قبله.
ثم نَظَرْنا: هل رواه عن نافعٍ غيرُ من ذكرنا؟
٢٦٢٥- فوجدنا يونس قد حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وهب، أن
مالكاً أخبره.
ووجدنا المزنيَّ قد حَدَّثْنَا، قال: أخبرنا الشافعيُّ، عن مالك، ثم
اجتمعا جميعاً، فقالا: عن نافع، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله
﴿، قال: «الُتبايعان كلُّ واحدٍ منهما بالخيارِ على صاحِبِه ما لم يَتَفرَّقا،
إلا بيعَ الخِيارِ))(٢).
قال: فكان معنى هذا الحديث كمعنى ما وافقه في ألفاظه مما قد
ذكرناه قبله.
(١) الحديث في سنن النسائي ٢٤٨/٧ بهذا الإسناد.
(٢) إسناده صحيح، وهو في ((الموطأ)) ٦٧١/٢.
ومن طريق مالك رواه الشافعي في ((السنن المأثورة)) (٢٢٣) برواية الطحاوي عن
خاله المزني، وفي ((الرسالة)) (٨٦٣)، وفي (المسند) ١٥٤/٢، وأحمد في ((المسند))
(٣٩٣)، والبخاري (٢١١١)، ومسلم (١٥٣١) (٤٣)، وأبو داود (٣٤٥٤)،
والنسائي ٢٤٨/٧، وابن حبان (٤٩١٦)، والدارقطني ٦/٣، والبيهقي ٢٦٨/٥،
والبغوي (٢٠٤٧).
-٢٨٧ -
كتاب المعاملات - البيوع
ثم نظرنا: هل رواه عن نافعٍ غيرُ من ذكرنا؟
٢٦٢٦- فوجدنا الرَّبيعَ المراديَّ قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا شعيبُ
بن اللّيث، قال: أخبرنا الليث، عن نافعٍ، عن عبد الله بن عمر، عن
رسول الله ﴾، أنه قال: «إذا تبایَعَ الرَّجُلان، فگلُّ واحدٍ منهما بالخِيارِ
ما لم يَتَفَرَّقا وكانا جميعاً، أو يُخَيِّرُ أحدُهما الآخرَ، فإِنْ خَيَّرَ أحَدُهما
الآخرَ، فتبايَعا على ذلك فقد وَجَبَ البيعُ، وإِن تَفَرَّقًا بعد أن تبايَعا،
ولم يَتْرُك واحدٌ منهما البيعَ، فقد وَجَبَ البيعُ)(١).
قال أبو جعفر: كَتبَ هذا الحديثَ عني أبو عبد الرحمن - يعني
النّسائي- فكان في هذا الحديث ما قد دَلَّ على أن معنى: ((أو يخيِّر
أحدُهما الآخر)) فيما قد ذكرناه قبله، إنما هو على تخير يتعاقد المتبايعان
البيعَ عليه على ما في هذا الحديث، لا على ما سوى ذلك مما قد حمله
بعضُ الناس عليه، وكيف يجوز أن يُخَيَّرَ من له خيارٌ بعقد البيع! هذا
يَبْعُدُ قَبُولُه في القلوب، وإنما يكون التخير لإيجاب ما لم يكن واجباً قبله،
وذلك يوجب أن يكون على ما قد رواه الليث عن نافع، فيكون الخيار
الذي يُخَيِّرُه أحدُ المتبايعين صاحبه، هو على الخيار الذي يتراوضان عليه
حتى يعقدانِ البيعَ عليه، لا على خيارٍ يستأنفانه بعد البيعِ.
(١) إسناده صحيح، ورواه الشافعي في ((السنن المأثورة)) (٢٤٢)، والبخاري
(٢١١٢)، ومسلم (١٥٣١) (٤٤)، وابن الجارود (٦١٨)، والنسائي ٢٤٩/٧، وابن
حبان (٤٩١٧)، والدارقطني ٥/٣، والبيهقي ٢٦٩/٥، والبغوي (٢٠٤٩) من طرق،
عن الليث بن سعد، بهذا الإسناد.
- ٢٨٨-
کتاب المعاملات ۔ البیوع
وفي ذلك ما قد دَلَّ أن البيع يجبُ بالتعاقد، وأنه لا خيارَ فيه
لواحدٍ من متباِيعَيْه بعد تعاقدهما إياه، إلا أن يكون البيعُ وَقَعَ على أن
لأحدهما خياراً إلى مُدَّةٍ، فيكون له الخيارُ إلى انقضاء تلك المدة.
وقد وجدنا الذي يذهبُ في الخيار إلى أنه التفرُّقُ بالأبدان بعد
عقد البيع، يقول: إذا خَيَّرَ أحدُهما صاحبَه بعد البيع، فالخيارُ الذي
يجبُ له بذلك التخُّر، هو الخيار الذي كان واجباً له قبله، والذي قاله
النبيُّ :﴿ من ذلك، فإنما قاله ليُفِيدَ أمَّتَه معنى، وإذا كان على ما قاله من
تأوَّلَه على ما ذكرنا، لم يكن فيه فائدةٌ، وحاشَ للهِ أن يكون كذلك،
ولكنه عندنا - والله أعلم - على ما قد بَيِّنَه الليثُ في حديثه مما يقع عَقْدُ
البيعِ عليه، وإذا كان الخيارُ إذا وقع البيعُ عليه، لم يمنع الذي له الخيارُ
أن يكون مالكاً لما ابتاع قبل انطقاعٍ خيارِه بعد أن يفترق هو وصاحبُه
عن موطن البيع، كانا قبل أن يتفرَّقًا عن موطن البيع كذلك أيضاً.
وكان وجوبُ الخيارِ المذكور في الحديث على خلاف ذلك، وهو
الخيارُ بين العقد وبين القَبُول على ما ذكرناه عن قائِليهِ في هذا الباب.
ثم رَجَعْنَا إلى ما يُوجِبُه النِّظَرُ في ذلك، فوجدنا التملكيات قد
تکون في أموال، وقد تكون في منافع وهي الإجاراتُ، وقد تكون في
أبضاعٍ، وهي ما توجبُه التَّزويجاتُ، وما يوجبه الخُلْعَ، فكانت
التملكياتُ في الأبضاع تَنِمُّ قبل تَفرُّق متعاقِديها، وكذلك الإيجاراتُ
تَتِمُّ قبل تَفرُّقِ متعاقديها، فكان مثل ذلك في القياس تمليكات الأموال،
وهي البياعاتُ، تَتِّمُّ قبل تفرُّق متعاقديها بعد تعاقُدهما بأبدانهما، والله
نسألهُ التوفيق.
-٢٨٩ -
کتاب المعاملات - البيوع
٣٤٦- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رواه عبد الله بن دينار عن ابن
عمر، عن رسول الله # في هذا المعنى
٢٦٢٧ - حَدَّثْنَا بَكَّار بن قتيبة، قال: حَدَّثْنَا مُؤَمَّل بن إسماعيل،
قال: حَدَّثَنَا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أن النبي ◌َ﴿،
قال: ((كلُّ بَيِّعَيْنِ فلا بَيْعَ بينهما حتى يَتَفْرَّقًا، أو يكون بيعَ خيارِ)) (١).
٢٦٢٨ - وحَدَّثْنَا إبراهيمُ بن مرزوق، قال: حَدَّثْنَا وَهْب بن
جَرير، قال: حَدَّثْنَا شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبيِّ
*، فذكر مثله(٢).
٢٦٢٩- وحَدَّثَنَا نَصْر بن مرزوق، قال: حَدَّثْنَا علي بن مَعْبَد،
قال: حَدَّثْنَا إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر،
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد ليس بالقوي.
وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٢/٤ بإسناده ومتنه.
ورواه عبد الرزاق (١٤٢٦٥) عن سفيان الثوري، به. ورواه البخاري (٢١١٣)
عن محمد بن يوسف الفريابي، والنسائي ٢٥٠/٧ من طريق مخلد بن يزيد، والطحاوي
في ((شرح معاني الآثار) ١٢/٤ من طريق أبي حذيفة، والبيهقي ٢٦٩/٥ من طريق
أبي نعيم، أربعتهم عن سفيان الثوري، به. تحرف عيد الله بن دينار في المطبوع من
((النسائي)) إلى: عمرو بن دينار، والتصويب من ((التحفة)) ٤٥٠/٥.
ورواه النسائي ٢٥٠/٧ و٢٥٠-٢٥١ من طريقين، عن عبد الله بن دينار، به.
(٢) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٢/٤. ورواه النسائي
٢٥١/٧ من طريق بهز بن أسد، عن شعبة، بهذا الإسناد.
- ٢٩٠ -
كتاب المعاملات - البيوع
عن النبي ﴿، ثم ذكر مثله(١).
٢٦٣٠ - وحَدَّثْنَا يزيدُ بن سِنان، قال: حَدَّثْنَا القَعْنَبِي وَشَيْبانُ بن
فَرُّوخ، قالا: حَدَّثْنَا عبد العزيز القَسْمَلِيُّ، قال: حَدَّثَنَا عبد الله بن دينار،
عن ابن عمر، عن رسول الله 348 مثله.
هكذا روى مَن ذَكَرْنا هذا الحديث عن عبد الله بن دينار، عن
ابن عمر، وقد رواه سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن دينار، عن عبد
الله بن عمر، فخالف ذلك.
٢٦٣١- كما حَدَّثَنَا المزنيُّ، قال: حَدَّثْنَا الشافعيُّ، قال: حَدَّثْنَا
سفيانُ، عن عبد الله بن دينار: أنه سَمِعَ عبدَ الله بن عمر، يقول: سمعت
رسول الله ﴿، يقول: «البِّعانِ كُلُّ واحدٍ منهما بالخِيارِ على صاحِبِه
ما لم يَتَفَرَّقًا، أو يكون بيعُهما عن خِيارِ، فإذا كان البيعُ عن خِيَارٍ،
فقد وَجَب))(٢).
فعاد معنى ما قد رُوِيَ عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر في
هذا المعنى مما قد اختُلِفَ عنه فيه، إلى ما يوافقُه مما قد رويناه قبله،
وكلامُنا فيه ككلامنا في مثله مما قد تقدَّم مما رُوِيَ عن نافع، عن ابن
عمر، والله نسأله التوفيق.
(١) إستاده قوي، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٢/٤. ورواه مسلم (١٥٣١)
(٤٦)، والنسائي ٢٥٠/٧ من طرق، عن إسماعيل بن جعفر، بهذا الإسناد.
(٢) الحديث في ((السنن المأثورة)) (٢٤٠)، ورواه الحميدي (٦٥٥)، وابن أبي
شيبة ١٢٤/٧، وأحمد ٩/٢، وابن الجارود (٦١٧)، والنسائي ٢٥١/٧ من طريق
سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد.
- ٢٩١ -
كتاب المعاملات - البيوع
٣٤٧ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما روى عبد الله بن عمرو بن العاص،
عن النبي # في هذا المعنى
٢٦٣٢- حَدَّثْنَا أبو العَوَّام محمد بن عبد الله بن عبد الجبار، قال:
حدثني المُفضَّل بن فَضَالة، عن ابن عَجْلان، عن عمرو بن شعيب، عن
أبيه، عن جده: أن رسول الله ﴿، قال: «الُتَبايعان بالخيار ما لم يَتَفرَّقا،
إلا أن تكونَ صفقة خِيارٌ، فلا يَحِلُّ له أن يُفارِقَ صاحبه خشيةَ أن
يَستَقِیلە»(١).
٢٦٣٣ - وحَدَّثْنَا أحمدُ بن شعيب، قال: أخبرنا قتيبة بن سعيد،
قال: حَدَّثْنَا اللَّيث، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،
عن جدِّه، عن رسول الله عَ﴿ٌ، مثله(٢).
فتأمَّلنا هذا الحديثَ، فكان فيه من ذِكْرِ المتبايعَيْنِ أنهما بالخِيار ما
لم يَتَفَرَّقًا، كمثل ما في حديث نافع عن ابن عمر مما يوافِقُه، ومما يعودُ
(١) حديث حسن.
ورواه أحمد ١٨٣/٢، وابن الجارود (٦٢٠) من طريق حماد بن مسعدة، عن محمد
بن عجلان، بهذا الإسناد.
ورواه الدار قطني ٥٠/٣، والبيهقي ٢٧١/٥ من طريق مخرمة بن بكير بن الأشج،
عن أبيه، عن عمرو بن شعيب، به.
(٢) الحديث في ((سنن النسائي)) ٢٥١/٧ -٢٥٢.
ورواه أبو داود (٣٤٥٦)، والترمذي (١٢٤٧) عن قتيبة بن سعيد، بهذا الإسناد،
قال الترمذي: حديث حسن.
- ٢٩٢ -
كتاب المعاملات - البيوع .
معناه إليه مما قد ذكرناه فيما قد تقدَّم منا في كتابنا هذا، وكان معنى
قوله: ((أو تكون صفقةَ خيارٍ»، على ما في حديث ابن عمر: ((إلا بيعَ
الخيارِ))، وكان ما فيه من قوله: ((فلا يحِلُّ له أن يُفارقَه خشيةَ أن
يَستَقِيلَه)، لم نَجِدْ له معنى أوْلى به من أن يكون: لا يحلُّ للذي عليه
الخيارُ من المتبايعين في بيع الخيار أن يفارقَ صاحبه الذي له عليه فيه
الخيارُ خشيةَ أن يستقيلَه بمعنى: يستقيلُه في بيعه بردِّه إياه عليه، وحِلِّه
فيما بينَه وبينَه، ويكون ذلك التفرُّقُ خلافَ التفرقِ الأول الْمُخْتَلَفِ في
تأويله على ما قد ذَكَرْنا، ويكون غيرَ منقطعٍ عنه إن طلبه حتى يَردَّه
عليه، وحتى يَبْرَأ إليه من ضمانه إياه لأن اللغة تُطْلِقُ ذلك حتى يقول
الرجل: ما فارقتُ فلاناً منذُ كذا وكذا من السنين، لا يريدُ بذلك أنه لم
يفارقه من وقوع عينيه عليه، ومن قُرْب بَدَنِه من بدنِه، ولكن لم يُفارِقْه
بالملازمة المعقولة من مثله، وهذا يَشُدُّ ما قد كان أبو حنيفة ومحمدُ بن
الحسن يذهبان إليه فيمن له الخيارٌ من المتبايعين: أنه لا يكونُ له نقصُ
البيع بخيارِه فيه، إلا تمحْضَرٍ من صاحبه، والله أعلم بمراد رسول الله خلا
في ذلك، وإِيَّاه نسألُه التوفيقَ.
-٢٩٣-
کتاب المعاملات - البيوع
٣٤٨ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رواه حكيم بن حِزَام عن النبي
في هذا المعنى
٢٦٣٤- حَدَّثْنَا إبراهيم بن مرزوق، قال: حَدَّثَنَا وهبٌّ، قال:
حَدَّثْنَا شعبة، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث، عن
حَكِيم بن حِزَام، عن النبيِّ ﴿، قال: «البِّعان بالخِيارِ حتى يَتَفرَّقًا - أو
ما لَمْ يَتَفرَّقا- فإِنْ صَدَقَا وَبَّنا، بُورِكَ لهما في بَيْعِهما، وإِنْ كَذَبا
وكَتَما، مُحِقَتْ بِرَكَةُ بَيْعِهما)(١).
٢٦٣٥ - وحَدَّثْنَا بَكَّار بن قتيبة، قال: حَدَّثَنَا أبو داود الطَّيالسي،
قال: حَدَّثْنَا همام، عن قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن عبد الله بن
الحارث، عن حَكِيم بن حِزَام: أن رسول الله(م/#، قال: «البيّعان بالخيار
حتى يَتَفَرَّقًا - أو ما لم يَفْتَرِقا- فإِنْ صَدَقَاَ وبَيَّنَا، بُورِكَ لهما في بَيْعِهما،
وإِن كَذَبا وكَتَما، فعسى أن يَدُورَ بينهما فَضْلٌ، وَتُمْحَق بركةُ
بَنْعِهِما)).
(١) حديث صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار) ١٢/٤ بإسناده ومتنه.
ورواه الطيالسي (١٣١٦)، وأحمد ٤٠٣/٣، والدارمي ٢٥٠/٢، والبخاري
(٢٠٧٩) و(٢٠٨٢) و(٢١١٠)، ومسلم (١٥٣٢)، وأبو داود (٣٤٥٩)، والنسائي
٢٤٤/٧ -٢٤٥، والطبراني (٣١١٥)، والبيهقي ٢٦٩/٥، والبغوي (٢٠٥١) من
طرق، عن شعبة، بهذا الإسناد.
ورواه الشافعي ١٥٤/٢-١٥٥، وأحمد ٤٠٢/٣ و٤٣٤، وابن أبي شيبة
١٢٤/٧، والدارمي ٢٥٠/٢، وابن حبان (٤٩٠٤)، والطبراني (٣١١٧) و(٣١١٨)
و(٣١١٩) من طرق، عن قتادة، به.
-٢٩٤ -
كتاب المعاملات - البيوع
قال همام: فسمعتُ أبا التَّحِ، يقول: سمعتُ هذا الحديثَ من
عبد الله بن الحارث، عن حكيم بن حزام، عن النبيّ # بمثل هذا(١).
فتأمَّلْنا هذا الحديث، فوَجَدْنا المتبايعَيْن قد يتبايعان العَرَضَ من
الحيوان أو غيره بالأثمان التي تكونُ في الذّمَمٍ من الدنانير ومن الدراهم
ومما سواهما، فلا يكونُ في ذلك على المبتاع بذلك تِبْيانُ شيءٍ فيه لأنه
في ذمته، وكان الذي عليه التّبيانُ هو بائع العرَضِ، من عيبٍ به، أو من
ثمن اشتراه به، إن كان باعه مرابحةً، أو باعه توليةٍ، وقد يجوزُ أن يتبايعا
عَرَضاً بعَرَضٍ، فيكون على كل واحدٍ منهما فيما يبيعُه من صاحبه مثلُ
الذي على صاحبه فيما يبيعُه إَيَّاه، فكان قولُ النسبيِ وَ﴿: ((فان صَدَقا
وبَيَّنَا، بُورِكَ لهما في بَيْعِهِما، وإِن كَذَبا وكَتَما)، يريد به بعضَ الباعة،
لا كل الباعة، لما يتبيَّنُ به بعضُهم من بعضٍ مما ذكرنا، والله نسألُه
التوفيق.
(١) رواه أحمد ٤٠٣/٣، والبخاري (٢١٠٨) و(٢١١٤)، والطبراني (٣١١٦)،
والبيهقي ٢٦٩/٥ من طرق، عن همام بن يحيى، بهذا الإسناد.
ورواه مسلم (١٥٣٢) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن همم بن يحيى، عن
أبي التياح يزيد بن حميد الضُّبعي، به.
- ٢٩٥ -
کتاب المعاملات - البیوع
٣٤٩ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما روى أبو بَرْزَةَ عن النبي في هذا
المعنى
٢٥٣٦- حَدَّثْنَا إبراهيم بن مرزوق، قال: حَدَّثْنَا سليمان بن
حرب، قال: حَدَّثْنَا حماد بن زيد، عن جميل بن مُرَّة، عن أبي الوَضِيء،
قال: نَزَلْنا منزلاً، فباع صاحبٌ لنا من رجلٍ فرساً، فَأَقَمْنا في منزلنا
يَوْمَنا وَلَيْلَتَنَا، فلما كان الغدُ، قام الرجلُ يَسرُجُ فرسَه، فقال له صاحبُه:
إنك قد بِعْتَني، فاختَصَما إلى أبي بَرْزَةً، فقال: إن شئتُما قضيتُ بينكما
بقضاءِ رسول الله {*، سمعتُ رسول الله * يقول: «البِّعانِ بِالخِيارِ ما
لم يَتَفَرَّقا)، وما أُراكُمَا تَفَرَّقْتُما (١).
قال أبو جعفر: وقد كان بعضُ من يذهبُ إلى الخِيارِ الواجب
للمتبايعين بعد عَقْدِ البيع يحتجُّ بهذا الحديث، وبما كان من أبي بَرْزَةً
فيه، ومن قوله: وما أُراكما تَفرَّقْتُما.
وكان ما في هذا الحديثِ لا حُجَّةً له فيه، لأن المتبايعين قد أقاما
في منزلهما الذي تبايعا فيه يوماً وليلةً، ونحن نعلم أن كلَّ واحدٍ منهما
قد كان منه في يومه وليلته مما يكون من مثله من القيام إلى ما يحتاجُ
إليه من غائطٍ ومن بول، يكون بذلك مفارقاً لصاحبه، ومن قيام إلى
صلاة يكون بذلك تاركاً لما كان فيه، ومتشاغلاً بغيره.
(١) رواه أحمد ٤٢٥/٤، وأبو داود (٣٤٥٧)، وابن ماجه (٢١٨٢)، والبيهقي
٢٧٠/٥ من طرق، عن حماد بن زيد، بهذا الإسناد.
-٢٩٦-
كتاب المعاملات - البيوع
ومثل ذلك لو كان في صرفٍ تعاقَدَاهُ بينهما، ثم كان من
أحدهما مثلُ الذي قد كان منهما من القيام إلى ما نعلمُ أنهما قد قاما
إليه من الغائطِ ومن البول، ولم يتقابضا ما تصارفا عليه، كان ذلك
فساداً لصَّرْفِهما، وخروجاً منهما عنه، وكان مثل ذلك الخيار لو كان
واجباً بعد البيع، لكانت هذه الأشياءُ تَقْطَعُه.
وقد قال أبو بَرْزَةً لهما: ما أُراكما تَفرَّقْتُما، فدَلَّ ذلك أن التفرق
كان عنده، غير التفرُّق بالأبدان.
٢٦٣٧- وحَدَّثْنَا صالح بن عبد الرحمن الأنصاري، قال: حَدَّثَنَا
سعيد بن منصور، قال: حَدَّثْنَا هُشيمٌ، قال: أخبرنا هشام بن حسان،
عن أبي الوَضِيء، عن أبي بَرْزَةَ: أنَّهم اختصموا إليه في رجلٍ باعَ
جارية، فنام معها البائعُ، فلما أصبح قال: لا أرضاها. فقال أبو بَرْزَةً:
إِن النبي {﴿، قال: (البَيِّعانِ بالخِيارِ ما لم يَتَفَرَّقَا). وكان في خِياءِ شعرِ.
فکان ما في هذا الحدیث غیر ما في الحديث الذي ذكرناه قبله،
لأن في الحديث الأول: أنَّ المبيعَ كان فرساً، وفي الحديث الثاني: أنَّ
المبيعَ كان جاريةٌ، والحديثُ راجعٌ إلى أبي بَرْزَةً بالاختلاف الذي في
هاتين الروايتين، وإذا وَقَعَ فيه هذا الاختلافُ كما ذكرنا، لم يكن
بإحدى الروايتين أوْلى منه بالأُخرى، ولم يكن لأحدٍ أن يحتجَّ بأحدِهما
إلا احتجَّ عليه مُخالِفُه بالآخر منهما، وليس في واحدٍ منهما ما يُوجبُ
أن الخيار الواجبَ بالحديث الذي رويناه عن النبي ﴿: أنَّ ذلك التفرُّقَ
بالأبدان، والله عز وجلَّ نسألُه التوفيقَ.
-٢٩٧-
كتاب المعاملات - البيوع
٣٥٠- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رواه أبو هريرة عن النبي / في
هذا المعنى
٢٦٣٨ - حَدَّثَنَا محمد بن بَحْر بن مَطَر البغدادي، قال: حَدِّثْنَا أبو
النّضْرِ هاشم بن القاسم، قال: حَدَّثَنَا أيوب بن عُتْبة، عن أبي كثيرٍ
الغُبري، عن أبي هريرة، عن النبيِ﴿ّ، قال: «البِّعانِ بالخِيارِ ما لم
يَتَفرَّقا، أو يكونُ بيعَ خِیارٍ))(١).
فكان معنى هذا الحديث، كمعنى ما ذكرناه مما يوافقُه في ألفاظِه
من أحاديثِ نافعٍ عن ابن عمر، والكلام فيه كالكلام فيما تكلِّمنا به فيه
هنالك، والله نسألهُ التوفيق.
(١) إسناده ضعيف لضعف أيوب بن عتبة، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٣/٤
بإسناده ومتنه.
ورواه أحمد ٣١١/٢ عن أبي النضر هاشم بن القاسم، بهذا الإسناد.
-٢٩٨-
کتاب المعاملات - البيوع
٣٥١- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رواه سَمُرَة بن جُندب عن النبي*
في هذا المعنى
٢٦٣٩- حَدَّثْنَا إبراهيم بن مرزوق، قال: حَدَّثْنَا عَفَّان بن مسلم،
قال: حَدَّثَنَا همام، عن قتادة، عن الحسن، عن سَمُرة بن جُنْدب: أن
النبيِ ﴿، قال: «البَيِّعان بالخِيارِ ما لم يَتَفرَّقا، ويَأْخُذْ كلُّ واحدٍ منهما
ما رَضِيَ من الْبَيْعِ).(١).
فتأمَّلْنا هذا الحديث، فوجدنا فيه: ((ويأْخُذْ كلُّ واحدٍ منهما ما
رضي من البيع))، ولا اختلافَ بين القائلين في هذا الباب بأن الافتراق
المذكور في هذا الحديث هو بَعْدَ البيع بالأبدان، أنه ليس للمبتاع أن
يأخذَ ما رضي من البيع ويتركَ بقيته، إنما له عنده أن يأخُذَه كلِّه، أو
يَدَعَه كلَّه، وإنما يأخُذُ بعضَه ويترك بعضَه قبل عقدِ البيع، فيكون البيع
يَنْعَقِدُ بينه وبين صاحبه فيما يرضاه منه، لا فيما سواه مما لا يرضاه منه.
وفي ذلك ما قد دَلَّ أن الخيار للمتبايعين قبل انعقاد البيع بينهما،
وهو بين قولِ أحدهما لصاحبه: قد بعْتُكَ، وقول الآخر: قد قَبَلْتُ
منك، والله نسأله التوفيق.
(١) في سماع الحسن من سمرة خلاف مشهور. والحديث في ((شرح معاني الآثار))
٠١٣/٤
ورواه أحمد ١٧/٥ و٢٢ عن عفان بن مسلم، به.
ورواه النسائي ٢٥١/٧ من طريق يزيد بن هارون، عن همام بن يحيى، به.
ورواه أحمد ١٢/٥ و١٧ و٢١ و٢٢ و٢٣، وابن ماجه (٢١٨٣)، والنسائي
٢٥١/٧ من طرق، عن قتادة، به مختصراً، بقوله: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا))، غير
رواية النسائي فمطوّلة.
- ٢٩٩-
کتاب المعاملات - البيوع
٣٥٢- باب بیان مُشکل ما رُوِي عن رسول الله /# من تخییرہ
الأعرابيّ بعد ابتیاعه منه ما کان ابتاعه منه
٢٦٤٠- حَدَّثَنَا فهدُ بن سليمان، قال: حَدَّثَنَا عبد الله بن صالح،
قال: حدثني الليث بن سَعْد، قال: حدثني بعضُ من أرْضى، عن عبد
الملك بن عبد العزيز بن حُرَيْج، أن أبا الزُّبير حدثه، عن جابر بن عبد
الله، أنه قال: اشْتَرِى النِيُّ : ﴿ من أعرابي -قال: حَسِبتُ أن أبا الزبير
قال: من بني عامر بن صَعْصَعَةَ- حِمْلَ قِرْطٍ أو حِمْلَ خَبَطٍ، فلما وَحَبَ
له، قال له النبيُّ ◌َ﴿: ((اخْتَرْ))، فقال الأعرابيُّ: إنْ رأيتُ مثلَ اليوم قطُّ
بيعاً خُيِّرَ بائِعُه، ممن أنتَ؟ قال: ((من قُرَيْشٍ)(١).
قال أبو جعفر: وبعضُ الناس يَزْعُمُ أن الرجل الذي سَكَتَ الليث
(١) رواه البيهقي ٢٧٠/٥ من طريق يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد، عن
یحیی بن أيوب، عن ابن جريج، به.
ورواه الحاكم ٤٨/٢ من طريق موسى بن أعين، عن يحيى بن أيوب، به.
ورواه ابن ماجه (٢١٨٤)، والترمذي (١٢٤٩)، والحاكم ٤٩/٢، وعنه البيهقي
٢٧٠/٥ من طرق، عن عبد الله بن وهب، عن ابن جريج، به.
ويشهد له حديث ابن عباس ومرسل طاووس الآتيان بعد قليل.
القِرْط: قال في (القاموس)): بالكسر: نوع من الكُرّاث، يُعرف بِكُرَّات المائدة،
وبالضم: نبات كالرَّطْبة، إلا أنه أجلُّ منها.
والخَبَط: اسم من الخَبْط: وهو ضرب الشجر بالعصا ليتناثر ورقُها، واسم الورق
الساقط بفتحتين: وهو من علف الإبل.
- ٣٠٠ -