Indexed OCR Text

Pages 501-520

كتاب النكاح
وأمرها إلى رسول الله ﴿، فيحتمل أن يكونَ جَعَلَ إليها أن تجعلَ ذلك
إلى مَنْ رأت فجعلته إلى ابْنِها، واحتملَ أن تكونَ فعلت ذلك ابتداءً
فقبله رسولُ الله:﴿ مِن ابنها، فكان ذلك إمضاءً منه له.
وفي هذا البابِ مِن الفقه دليلٌ على أن عقودَ الصِّبيان للأشياء
بأمورِ البالغين جائزةٌ كما يقولُ أبو حنيفة وأصحابُه، لأنَّ عمر بن أبي
سلمة كان صغيراً يَوْمَ عقد التزويجَ على أُمِّهِ، وقد قبله رسولُ الله ◌ِ﴿ ..
فقال قائلٌ: عسى أن يكونَ عُمَرُ كان بالغاً يومئذ.
فكان جوابنا له في ذلك: أن في حديثِ أمِّ سلمة الذي ذكرناه ما
قد نفى ذلك بقولها للنبيِّ ﴾: لَيْسَ أحدٌ من أوليائي شاهداً، لأَنَّه لو
كان بالغاً، لكان من أوليائها، إما بأن يكونَ لأنه ابنُها كما يقولُه مِن
أهل العلم، منهم: أبو يوسف، وإما لأَنَّه ابنُ ابن عمها، فكان ولياً لا
محالة.
ففي تركِ البِيِّ ◌َ﴿ إنكاره قولَها ذلك ما قد دَلَّ على أنه غيرُ بالغ.
وقد دلَّ على ذلك أيضاً ما قد ذكرناه فيما تَقَدَّمَ منا في كتابنا
هذا من حديث حماد بن زيد، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عبد
الله بن الزُّبير، قال: كنتُ أنا وعُمَرُ بن أبي سلمة في أُطُم حسان، فكان
يتطأطأُ لي، فأنظر، وأتطأطأُ له، فينظر، فقلت لأبي: إنّي قد رأيتُك
تجولُ حينئذ، فقال: يا بُني، لقد كان جَمَعَ النبيُّ عليه السَّلام في ذلك لي
أبويه.
ففي ذلك ما قد دَلَّ على أنه كان صغيراً، وقد زَعَمَ بعضُ أهل
العلمِ بالأنساب أنه من المولودين بأرضِ الحبشة، والله أعلمُ بحقيقة ذلك.
- ٥٠١-

كتاب النكاح
فقال قائلٌ: وأيُّ عقدٍ يجوزُ من الصَّبِيِّ، وهو ممن لا أَمْرَ له في ذلك
في نفسه، فهو بأن لا يكونَ له أمرٌ في غيره أولى، وهو مما يحتجُّ به من
ذَهَبَ إلى معنى قولِ الشافعي في هذا المعنى.
وجوابنا له في ذلك: أن ما كان مِن أمورِ الصِّبيانِ، فلم يجعل
كلها كلا أُمور، وكيفَ يكونُ ذلك كذلك، والمحتجُّ علينا بهذه العِلَّةِ
ممن يخير الصَّبيَّ إذا بَلَغَ سبعَ سنين، وأُّه مطلقة بَيْنَ أبيه وأُمِّه، ویروی
في ذلك ما رُوي مما تَقَدَّمَتْ روايتنا له فيما تقدَّمَ مِن كتابنا هذا، ولم
يجعل رَسُولُ اللهِ ﴿ له الخيارَ إلا ولاختياره حُكم. وفي هذا ما قد أجمع
المسلمونَ عليه في الصَّبيِّ إذا كانت عليه يَدٌ، وهو ممن لا يُعَبِّرُ عن نفسِهِ.
فقال ذو الَيَدِ عليه: هو عبدي، ثم بَلَغَ الصِيُّ، فرَفَعَ ذلك أن رفْعَهُ إِيَّاه
كلا رفعٍ، وأنه عبدُه، وأنه لو كان يُعبر عن نفسه إلا أنّه غيرُ بالغ، فدفع
ذلك عن نفسه، وادَّعى لها الحرية أن القولَ قولُه. ولقد قال مالكُ بنُ
أنس في وصية الفاعِ الذي لم يبلغ: إنها جائزةً، وروى في ذلك ما قد
رواه فيه، ولم يجعلها كلا وصيةٍ لِتقصيره عن البلوغ.
وقد رُوِيَ عن رسول الله﴿ في أمرِ عبدِ الله بن جعفر ما قد
وكَّدَ ما قد ذَهَبْنا إليه.
٢٠٤٧- كما حَدَّثْنَا إسحاقُ بنُ إبراهيم، حدثني نصرُ بنُ علي،
حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ داود، عن فطر - يعني ابنَ خليفة-، قال: سمعتُ أبي
يُحدِّثُ، قال: سمعتُ عمرو بنّ حُريث يُحَدِّثُ، قال: انطلقتُ مع أبي
إلى النبيِّ:﴿ فخطً لي داراً بقوسٍ، قال: ومرَّ بعبد الله بنِ جعفر وهو
يبيعُ بعضَ ما يبيعُ الغِلمان. فقال: (بَارَكَ اللهُ لك في صَفقتك، أو في
-٥٠٢-

كتاب النكاح
صفقة يمينك))(١).
وهذا قد يحتملُ أنّه كان بيعه بإطلاق النبيِّ مَ# ذلك له، وفيما قد
ذكرنا ما قد دلَّ على أن الصفقة لو كانت لا تكونُ منه لصغره حتى
◌َبْلُغَ، فكان في دعاءِ النِيِّ ◌َ﴿ له بالبركة في صفقةِ يمينه ذكر ذلك إذا
بلغ، وفي تركِ رسول الله ﴿ ذلك ما قد دلَّ على أن له صفقةٌ، وإن لم
بْلُغْ، بإطلاقٍ مَنْ إليه الولايةُ عليه له ذلك، فقد ثَبَتَ بما ذكرنا جوازٌ
عقودِ الصِّبيانِ الذين يعقِلُونَ بأمورٍ مَنْ إليه الولاية عليهم وإطلاق
العقود فيما عقدوه فيه على مَنْ عقدوها عليه مِن مالكيها، وأن القولَ
في ذلك كما ذكرنا عن مجيزي ذلك، لا على ما ذكرناه عن مخالفيهم
فيه، والله أعلم.
(١) خليفة والد فطر، ذكره الذهبي في («الميزان) ٦٦٦/١، وقال: ما روى عنه
سوى ابنه فطر بن خليفة، ذكره ابن حبان على قاعدته في ((الثقات))، وخبره عن
عمرو بن حريث ... منكر، لأن عمرو بن حريث، يصبو عن ذلك، مات النبي # وهو
ابن عشر سنين أو نحوها.
ورواه أبو داود (٣٠٦٠)، والطبراني كما في ((تهذيب الكمال)) ٣٢٥/٨، من
طريق مسدد، وأبو يعلى (١٤٦٤) من طريق القوراريري، و(١٤٦٧) من طريق أبي
سعيد، ثلاثتهم عن عبد الله بن داود، بهذا الإسناد، بعضهم بأوله، وبعضهم بالدعاء
فقط. ورواه ابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٧١٤) من طريق ابن نمير، عن فطر،
به. وذكره الهيثمي ٢٨٦/٩ في ((المجمع)) عن أبي يعلى والطبراني، وقال: ورجالهما
ثقات. ورواه بأطول مما هنا ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني( (٧١٥) من طريق
محمد بن بشير، سمعت فطراً، به.
-٥٠٣-

كتاب النكاح
٢٧٩ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ الله # في تزوجِهِ
المرأةَ التي وَهَبَتْ له نفسَها الرجلَ الذي سأله أنْ يُزَوِّجَها إِيَّاهُ
بغيرِ رجوعٍ منه إليها في ذلك ولا مؤامرة منه إيّاها فيه
٢٠٤٨- حَدَّثَنَا يونسُ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني
مالك بنُ أنس، عن أبي حازم، عن سهل بنِ سعدِ السَّاعِدِي رضي الله
عنه أن رسولَ الله ﴿ جاءته امرأةٌ قالت: يا رسولَ الله إنّي قد وهبتُ
نفسِي لك، فقامت قياماً طويلاً، فقامَ رجلٌ، فقال: يا رسولَ الله
زَوِّجْنِيهَا إنْ لم يكن لكَ بها حاجة. فقال رسولُ اللهِلَ﴿: هَلْ عِنْدَكَ مِنْ
شيءٍ تُصْدِقُها إِيَّه. فقال: ما عِنْدِي إِلَّ إزَارِي هذا. فقال رسولُ اللهصلخلال
إِنْ أعطيتَها إِيَّاهُ، جلستَ لا إِزَارَ لك، فالتمسْ شيئاً. فقال: ما أجدُ.
فقال: الْتَمِسُ ولو خاتمَ حديدٍ. فالتمس فلم يَجِدْ شيئاً، فقال له رسولُ
الله﴾: هَلْ مَعَكَ مِن القرآن شيءٌ؟ قال: نعم سورةٌ كذا وسورةُ كذا.
فقال رسول الله (﴿: ((قد زَوَجْتُكَهَا)) (١).
فقال قائل: كيفَ يجوزُ لكم قبولُ هذا في تزويجه امرأةٌ وهبت له
نفسَها غيرَه مِمَّن لم يسأله تزويجها إِيَّاه ذلك الرجل؟
فكان جوابنا له بتوفيق الله وعونه أنَّ هذا الحديث في رواية مالك
(١) إسناده صحيح. وهو في (الموطأ) ٥٢٦/٢ ومن طريق الإمام مالك رواه
الإمام الشافعي ٧/٢ و٨، والإمام أحمد ٣٣٦/٥، والبخاري (٢٣١٠) و(٥١٣٥)
و(٧٤١٧)، وأبو داود (٢١١١)، والترمذي (١١١٤)، وابن حبان (٤٠٩٣)،
والبغوي (٢٣٠٢)، والبيهقي ١٤٤/٧ و٢٣٦ و٢٤٢.
- ٥٠٤-

كتاب النكاح
لا زيادةَ فيه على ما رويناهُ عليه، ولكن سفيان بن عُيَيْنة قد رواه عن
شيخ مالك الذي رواه عنه بزيادةٍ فيه على ما رواه مالك عليه تُوجبُ
لِرسول الله ﴿ تزوجيها الرجل الذي زوجها إِيَّاه بلا اسْتِثْمَارِ منه إِيَّاها
في ذلك:
٢٠٤٩- كما قد حَدَّثَنَا الربيعُ بنُ سليمان الْمُرَاديُّ، قال: حَدَّثْنَا
أسدُ بنُ موسى، قال: حَدَّثْنَا سفيانُ بنُ عُبَيْنَة، عن أبي حازمٍ، عن سهل
بن سعد رَضِيَ الله عنه، قال: إنّي عندَ رسولِ اللهِلَ﴿ إذْ جاءت امرأة،
فقالت: إنَّها قد وَهَبَت نفسها لك، فَرَ فِيهَا رَأْيَك، فقام رجلٌ فقال:
أنْكِحْنِيها. فسكتَ حتَّى قال ذلك مرتين أو ثلاثاً. فقال: عندَك شيءٌ؟
قال: لاَ. قال: ((اذهَبْ فاطلُبْ) فذهبَ فطلبَ فلمْ يَجِدْ شيئاً، فأتاه،
فقال: لم أجد شيئاً، فقال: ((اذهبُ فَاطْلُبْ ولو خاتماً مِن حديدٍ)) فذهب
فطلب، ثمَّ جاء، فقال: لم أجدْ شيئاً. فقال له النبي 83#: «هل مَعَكَ من
القرآن شيءٌ)؟ قال: نعم سورة كذا وكذا. قال: (اذْهَبَ فَقَدْ
أننكحتُكَ مَعَ مَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ))(١).
٢٠٥٠- وكما قد حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ شُعَيْب، قال: أخبرنا محمدُ بنُ
عبد الله بن يزيد المقرئ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، قال: حَدَّثْنَا أبو حازمٍ،
عن سهل بن سعد، قال: أنا في القوم إذ قالت امرأةٌ: إنّي وهبتُ نفسِي
(١) رواه في ((شرح معاني الآثار) من طريق ابن عيينة ١٧/٣، والحميدي
(٩٢٨)، وأحمد ٣٣٠/٥، والبخاري (٥١٤٩)، ومسلم (١٤٢٥)، وابن ماجه
(١٨٨٩)، وابن الجارود (٧١٦)، والطبراني (٥٩١٥)، والبيهقي ١٤٤/٧ و٢٣٦.
- ٥٠٥-

كتاب النكاح
لك يا رسولَ اللهِ، فَرَ فِيَّ رأيك، فقامَ رجلٌ، فقال: زَوِّجْنِيهَا فقال:
(اذْهَبْ فاطْلُبُ ولو خاتماً من حديد)» فذهبَ فلم يَجِيءُ بشيءٍ ولا
بخاتِم من حديدٍ. فقال رسول الله مَ﴿: ((مَعَكَ مِن سُوَرِ الْقُرْآنِ شيءٌ)؟
قال: نَعَمْ. فزوجه بما معه مِنْ سُوَرِ القُرآن(١).
٢٠٥١ - وكما حَدَّثْنَا أحمد، قال: أخبرنا محمدُ بن منصور، عن
سفيان، قال: سمعت أبا حازم يقول: سمعت سهل بن سعدٍ يقول: إنّي
لَفي القومِ عندَ النبيِّ :﴿ فقامت امرأةٌ، فقالت: يا رسولَ الله: إنّها قد
وهبت نفسها لك، فَرَ فِيهَا رَأْيَك. فسكتَ فلم يُحِبْهَا بشيءٍ، حتى
فعلت ذلك ثلاثَ مرات، ثم ذكر بقيةَ الحديث.
فكان في هذا الحديث بما خاطبت به تلك المرأةُ رسولَ الله ◌َ﴾.
إطلاقَها له أنْ يَرَى فيها رَأْيُه، فكان في ذلك ما انطلق له أنْ يُزَوِّجَهَا
غيرَه، فزوجها الرجلَ الذي سأله أنْ يَزَوَّجها إِيَّاه.
ومثلُ هذا ما قد استعمله أهلُ العلم بعد رسول الله 1/8 في
المضارب الممنوع من دفع المال للمضاربة الذي دفع إليه غيره إلاّ أن
يقول له دَافِعُهُ إليه: اعْمَلْ فيه برأيك، فيكون له بذلك دفعُه إلى مَنْ
يرى، ليحلَّ به محلّه، وليعمل فيه كما كان هو يعمل فيه لو عَمِلَ فيه،
وليكونَ له من ربحه ما يَجْعَلُهُ له منه، فمثلُ ذلك ما كان من رسول الله
* في أمر تلك المرأة التي وهبت نفسَها لما جعلت له في هِيَتِهَا له نفسَها
أنْ يرى فيها رأيه. والله تعالى نسألُه التوفيقَ.
(١) الحديث في ((السنن الكبرى)) كما في ((التحفة)) ١٠٧/٤.
-٥٠٦-

كتاب النكاح
٢٨٠ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ الله ﴿ مما يَدُلُّ
على الوجه مما أهلُ العلم مختلفون فيه من الشيء يكون
بَيْنَ الشریکَیْنِ هل لأحدهما أن یستعمِلّه بحقُّه فیه أم لا؟
٢٠٥٢ - حَدَّثْنَا أحمدُ بن حَمَّاد البَلْخِي، قال: حَدَّثْنَا يحيى بنُ عبد
الله بنِ بُكَيْرِ، قال: حَدَّثْنَا يعقوبُ بنُ عبد الرحمن الزُّهريُّ، عن أبي
حازم، عن سهل بن سعدٍ أن امرأةً جاءت رسولَ الله :﴿، فقالت: يا
رسولَ الله جئتُ لأَهَبَ نفسِي لك، فنظر إليها رسولُ اللهِلَ﴿، فصعَّدَ
النظرَ إليه وصَوَّبَه، ثم طَأْطَأَ رَأْسَه، فلما رأتِ المرأة أنه لم يَقْضِ فيها
شيئاً جَلَسَتْ، فقام رجل من أصحابه، فقال: أيْ رسولَ الله إنْ لم يكن
لك بها حاجة، فزوجنيها، قال: هَلْ عندك من شيء؟ قال: لا واللهِ يا
رسولَ الله قال: اذهبْ، فانظر هل تَجِدُ شيئاً، فذهب ثم رجع فقال: لا
واللهِ يا رسولَ الله ما وجدتُ شيئاً. قال: (انظر ولو خاتماً مِن حديدٍ))
فذهب ثم رجع، فقال: لا واللهِ يا رسولَ الله ولا خاتماً مِن حديدٍ ولكن
هذا إزَارِي -قال سهل: ما له رداءٌ- فلها نصفُه فقال رسول الله ◌ِ ﴾:
«ما تصنعُ بإزارك؟ إنْ لَبِسْتَهُ، لم يَكُنْ عليها منه شيء، وإِن لَبِسَتْهُ، لم
يكن عليك منه شيء)) فجلس الرجلُ حتى طَالَ مَجْلِسُهُ قال: فرآه
رسولُ اللهِ﴿ مُوَلِّيّاً، فأمر به فدُعِيَ فقال: «ما معك منَ القرآن))؟ قال:
معي سورةُ كذا وسورةُ كذا - عدَّدَها- قال: ((أتقرأ عن ظَهْرِ قلبٍ)؟
قال: نعم. قال: ((اذْهَبْ فَقَدْ مَلِّكْتُكَها بما مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ))(١).
(١) إسناده صحيح. وتقدم تخريجه، وانظر ما بعده.
-٥٠٧-

کتاب النكاح
٢٠٥٣ - وحَدَّثْنَا أحمد بن شُعَيب، قال: أخبرنا قُتَيْبَة بنُ سعيدٍ،
قال: أخبرنا يعقوبُ بنُ عبدِ الرحمن، ثم ذكر بإسناده مثله(١).
فتأملنا هذا الحديث، فوجدنا فيه قولَ الرجل المذكور فيه للنبي
﴿: أنا أُصْدِقُها نصفَ إزاري، وقولَ رسول الله ﴿ له عند ذلك: ((ما
تَصْنَعُ بازارِك؟ إن لَبِسْتَه، لم يكن عليها منه شيءٌ، وإِن لَبِسَتْهُ، لم يكن
عليكَ منه شيءٌ) فكان في ذلك ما قد دلَّ على أنَّ الأمرَ لو جرى
بينهما في ذلك الإزارِ كذلك أن لِكُلِّ واحدٍ منهما لبسه بكماله في
حال ما يحق ملكه نصفه، ولولا ذلك، لم يَقُلْ له رسولُ اللهِل:﴿ هذا
القولَ، كما لم يقل له: إنْ لَبِسَهُ سِوَاكَ أو سِوَاها، لم يكن عليك ولا
عليها. فدلَّ ذلك أنَّ مِنْ حَقِّ كُلِّ واحد من مالكي مثلٍ ذلك من
الثياب ومما سِوَاها مما لا ينقسمُ أو مِمَّا إنْ قسم انقسم، أنْ يُسْتَعْمَلَ
كذلك، وأن تَجْرِيَ فيه المهايأة، فيستعمله كلُّ واحدٍ من مالكيه بحقٍ
ملكه فيه وقتاً معلوماً، حتّى يعتدلا في منافعه، وإنْ كان منطلقاً فيه
التجزئة، جُزِّئ بينهما، فجعل جزء منه يفي بحقِّ أحدهما في يده لمدة
ما، وجُعِلَ جزءٌ منه في يدِ الآخر منهما تلك المدة يستعمله بحقٍّ ملكه
الذي يملكه فيما هو منه، وهذا يُوافِقُ مذهبَ الذين يقولون في الدَّارِ
تكونُ بين رجلين، فَيَطْلُبُ أحدُهما سُكنَى نصيبه منها، ويَأْبَاه الآخر:
(١) إسناده صحيح، وهو في ((سنن النسائي)) ١١٣/٦.
ورواه البخاري (٥٠٣٠) و(٥١٢٦)، ومسلم (١٤٢٥)، والطبراني (٥٩٩٣)
عن قتيبة بن سعيد، بهذا الإسناد.
-٥٠٨-

کتاب النكاح
إنَّ المهايأة تُستعمل فيها بينهما كما ذكرنا، ومِمَّن يذهب إلى ذلك من
أهل العلم أبو حنيفة رحمه الله وأصحابُه، ولهم في ذلك مخالفون من أهلِ
العلم ممن يقول: إنّه ليس ذلك لواحد منهما إلاَّ بإطلاق صاحبه ذلك
له. والله عز وجل نسأله التوفيق.
٢٨١- بابُ بیانِ مُشکل ما رُوي عن رسول الله ێ من قوله:
((إِنَّ أَحَقَّ ما وَفَيْتُم بِهِ مِن الشُّروط ما استحللتُم به الفروجَ))
حَدَّثْنَا أبو القاسم هشامُ بنُ محمد بن قُرة بن أبي خليفة الرُّعيني،
قال: حَدَّثْنَا أبو جعفر أحمدُ بنُ محمد بنِ سَلامة الأزديُّ، قال:
٢٠٥٤- حَدَّثْنَا الربيعُ بنُ سليمان المراديُّ، قال: حَدَّثْنَا شعيبُ
بنُ الليث بنِ سعدٍ، قال: حَدَّثْنَا الليثُ بنُ سعد، عن يزيدَ بنِ أبي
حبيبٍ، عن أبي الخيرِ، عن عُقْبَةَ بنِ عامرِ الجُهَنِيِّ: أنَّ النبيَّ ◌َ﴿، قال:
((إِنَّ أَحَقَّ مَا وَقْتُمْ بِهِ مِنَ الشُّروطِ ما اسْتَخْلَلْتُمْ بِهِ الفُروجَ) (١).
(١) حديث صحيح. أبو الخير: هو مرثد بن عبد الله اليزني المصري.
ورواه عبد الرزاق (١٠٦١٣)، وأحمد ١٥٠/٤، والبخاري (٢٧٢١)
و(٥١٥١)، وأبو داود (٢١٣٩)، والنسائي ٩٢/٧-٩٣، وابن حبان (٤٠٩٢)،
والطبراني ١٧/(٧٥٢)، والبيهقي ٢٤٨/٧ من طرق، عن الليث بن سعد، به.
ورواه الإمام أحمد ١٤٩/٤ و١٥٠ و١٥٢، والدارمي ١٤٣/٢، ومسلم
(١٤١٨) (٦٣)، وابن ماجه (١٩٥٤)، والترمذي (١١٢٧)، والنسائي في ((الكبرى))
كما في «التحفة) ٣١٧/٧، وأبو يعلى (١٧٥٤)، والطبراني ١٧/(٧٥٣) و(٧٥٤)
-٥٠٩-

کتاب النكاح
٢٠٥٥- حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبد الرحيم البرقي، قال:
حَدَّثْنَا عمرو بنُ أبيٍ سَلَمَةَ الدِّمشقي، عن زهري بنِ محمدٍ، قال:
أخبرني ابنُ جريج، عن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ أن أبا الخيرِ حدَّه، عن
عُقبة بنِ عامرِ الْجُّهَيِّ، عن النبيِّ : ﴿ مثلَه(١)، ولم يذكر في إسناده بَيْنَ
ابنِ حُرِيجٍ، وَبَيْنَ يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ أحداً.
قال أبو جعفر: فنظرنا هَلْ سَمِعَهُ ابنُ جريج من يزيدَ، أو أخذه
عن غيره عنه.
٢٠٥٦- فوجدنا عبد الملك بن مروان الرَّقيَّ، قد حَدَّثَنَا، قال:
حَدَّثْنَا حجاجُ بنُ محمد، عن ابنِ جريج، قال: حدثني سعيدُ بنُ أيوب
-هكذا أملاه علينا، وإنما هو ابنُ أبي أيوب - عن يزيدَ بنِ أبي حبيب:
أن أبا الخير حدثه، عن عقبة بن عامر الجهني، عن النبيِّ لَ﴿، قال: ((إِنَّ
أَحَقَّ الشُّروطِ أن يُوَلَّى بها ما استَخْلَلْتُم بِهِ الْفُرُوجَ،(٢).
و(٧٥٥)، والبيهقي ٢٤٨/٧، والبغوي (٢٢٧٠) من طريق يزيد بن أبي حبيب، به.
ورواه الطبراني ١٧ (٧٥٧) من طريق زيد بن أبي أنيسة، عن أبي الخير، به.
(١) إسناده ضعيف، فيه عنعنة ابن جريج، ورواية أهل الشام عن زهير بن محمد
غير مستقيمة فضعف بسببها. ورواه عبد الرزاق (١٠٦١٤) عن ابن جريج، قال:
حدثت عن عقبة بن عامر، عن النبي ﴾ .. مثله.
(٢) إسناده صحيح. ورواه النسائي ٩٣/٧ عن عبد الله بن محمد، والطبراني
١٧/(٧٥٦) من طريق إبراهيم بن عبد الله بن خالد المصيصي، كلاهما عن حجاج
بن محمد، بهذا الإسناد.
-٥١٠-

کتاب النكاح
فوقفنا بذلك على أن ابنَ حُريج إنما أَخَذَ هذا الحديثَ عن سعيد
بنِ أبي أيوب، عن یزید
ثم تأملنا معنَ هذا الحديث لِنقف على المرادِ به إن شاءَ اللهُ،
فوجدنا الله عَزَّ وجَلَّ، قد قال في كتابه: ﴿وَأَنُوا النِّسَاءَ صَدَّقَاتِنَّ نِخَلَ﴾
[النساء: ٤]، وقال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالمعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وقال:
﴿فَإِنْ كَرِفْتُوهُنَّ، فَسَى أنْ تَكْرَهُوا شيئاً﴾ [النساء: ١٩]، حضّاً منه
لهم على إمساكِهِنَّ لما عسى أن يَكُونَ قد عَلِمَهُ عَزَّ وجَلَّ لهم في ذلك
مِن الْخِيَرِةَ فيما يَفْعَلُونَهُ مِن ذلك.
ثم قال: ﴿وَآتَيْتُمِ إحدا هُنَّ قِنطاراً، فلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيئاَ، أَتَأْخُذُونَه ◌ُهْتَاناً
وَإِثْماً مُبِينَ﴾ [النساء: ٢٠]، فجعل أخْذَهُمْ آيَّاهُ منهن من حيثُ لا ينبغي
أَخْذُهُمْ إِيَّاهِ مِنْهُنَّ بُهتاناً وإثماً مبيناً.
ثُمَّ قالَ: ﴿وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُم إلى بَعْضٍ، وَأَخَذْنَ
مِنكُم مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾ [النساء: ٢١]، وكان الإفضاءُ المذكورُ في هذه
الآية هو الجماعَ الذي كان بينهم، والميثاقُ المذكور فيها هو العقدَ
الذي كان فيه إحلالُهُنَّ فُرُوجَهُنَّ لمن تزوجهن.
وقال الله عز وجل على لسان رسول 8#
٢٠٥٧- ما قد حَدَّثْنَا عليُّ بنُ معبد، قال: حَدَّثَنَا يونسُ بنُ
محمد، قال: حَدَّثْنَا حسينُ بنُ عازب بن شبيب بن غرقدة أبو غرقد،
عن شبيب بنٍ غرقدة، عن سُليمان بنِ عمرو - وهو ابنُ الأحواص
-٥١١-

کتاب النكاح
الأزدي-، عن عمرو بنِ الأحوص، قال: خَطَبَ رسولُ الله ◌ُ #: في
حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فقال في خُطبته: ((ألا واتّقُوا اللهَ عَزَّ وجَلَّ في النّساء،
فإنما هُنَّ عِندكم عَوانِ أَخذتوهُنَّ بأمانةِ اللهِ عز وجَلَّ، واستحللتم
فُروجَهُنَّ بكلمة الله، لَكُم علّيْهِنَّ حَقٍّ، وَلَهُنَّ عليكم حَقٌّ، ومن
حَقّكُمْ عَلَيْهِنَّ أَن لا يَأْذَثَّ في بيتكم إلا بإذنِكم، ولا يُوطِئْنَ فُرُشَكُم
مَنْ تكرَهُونَ، فَإِنْ فَعَلْنَ، فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ، واضْرِبُوهُنَّ ضرباً
غَيْرَ مُبَرَّح، فإِن أَطَغْنَكُم، فلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبيلاً، وإنَّ مَن حَقِّهِنَّ
عليكم رِزْقَهُنَّ وكِسْوتَهُنَّ بِالْمَعْروفٍ))(١).
قال أبو جعفر: فكان عقدُ التزويج يُوجِبُ هذه الأشياء
المذكورات فيما ذكرنا للزوجات على الأزواج بعقد التزويجات اللاتي
يعقدونها بينهم، وكانت بذلك مشترطات مِن اللهِ عَزَّ وجَلَّ للزوجات
على الأزواج، فكانت أحقّ ما وفي به، لأن ما يشترطه الآدميون
بَعْضُهُمْ لِبعض كان واجباً على من شَرَطَهُ منهم الوفاءُ به لمن اشترطه له
على نفسه، وإذا كان ذلك كذلك فيما اشترطه بعضُهم لِبعض كان ما
اشترطه الله عز وجَلَّ لِبعضهم على بعض أحقَّ بالوفاء به مما سواه مما
يشترطه بعضُهم لِبعضٍ، ولا سيما ما قد جُعِلَ في انتهاكِ حرمته مِن
(١) رواه مطولاً ومختصراً الإمام أحمد ٤٢٦/٣ و٤٢٦ و ٤٩٨، وأبو داود
(٣٣٤)، وابن ماجه (١٨٥١) و(٢٦٦٩) و(٣٠٥٥)، والترمذي (١١٦٣)
و(٣٠٨٧) و(٢١٥٩)، والنسائي في ((الكبرى) من طريقين عن شبيب بن غرقدة،
بهذا الإسناد. وسليمان بن عمرو قال فيه الحافظ: مقبول.
- ٥١٢-

کتاب النكاح
العقوبات ما قد جعل مِن النِّكال، ومِن الحدود التي في بعضها فواتُ
الأنفس، وما كان كذلك كان معقولاً أن في الأشياء التي ترفع ذلك -
وهي العقوبةُ- التي معها إباحةُ ذلك، ووصف الله عز وجل ما قد جعله
سبباً له بقوله: ﴿وَجَعَلَ بَنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةَ﴾ [الروم: ٢١]، وما كان
تكونُ به المودةُ والرحمةُ، مع علو رتبتهما ضدّاً لما قابله من العقوبة
بالنكال، وما سواه مما ذكرنا، وأحق الأشياء بذوي الألباب اختيارُ ما
ذكرنا مِن الأشياء المحموداتِ على أضدادِها من الأشياء المذمومات،
وبالله التوفيق.
٢٨٢- بابُ بیانِ مُشكلٍ ما رُوي عن عمر رضي الله عنه من
نَّهْيِهِ أن يُغَالَى في صَدُقَاتِ النِّساءِ، ومن احتجَاحِه في ذلك
بأصدقة رسول الله﴾ نساءه، ومن أُصدقة أزواج بناته بناته
٢٠٥٨- حَدَّثْنَا أبو القاسم هشام بن محمد بن قُرَّة بن أبي
خَلِيفة، قال: حَدَّثْنَا أبو جعفر أحمدُ بن محمد بن سَلامة الأَزدي، قال:
حَدَّثَنَا فَهْد بن سليمان، قال: حَدَّثَنَا أبو نُعيم الفَضْل بن دُكَين، قال:
حَدَّثْنَا الْعُمَري، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: ما ساقَ رسولُ
الله:﴿ إلى أحدٍ من أَزواجه ولا بَناتِه أكثرَ من اثْنَتَيْ عشرةَ أُوِيَّةٌ(١).
(١) العمري هو عبد الله بن عمر بن حفص غير هذا الطريق.
ورواه البزار (١٥٨) عن يوسف بن موسى، عن الفضل بن دكين، بهذا الإسناد.
-٥١٣-

کتاب النكاح
٢٠٥٩ - حَدَّثَنَا فهدٌ، قال: حَدَّثَنَا أبو نُعيم مرةً أخرى، قال:
حَدَّثَنَا الْعُمَري، عن نافع، عن ابن عُمر بمثل ذلك، ولم يَذْكُرْ عمرَ فيه.
٢٠٦٠- حَدَّثَنَا أبو زُرْعة الدِّمَشْقي، قال: حَدَّثْنَا أبو نُعيم، قال:
حَدَّثْنَا الْعُمَري، عن نافعٍ، عن ابن عمر، قال: أظنّه عن عمر، ثم ذكر
مثله.
قال لنا أبو زُرْعة: ليس الشكُّ مني، ولكنه في الحديث، فاختَلَفَ
فهدٌ وأبو زُرْعة على أبي نُعيم في هذا الحديث كما ذكرنا.
٢٠٦١ - حَدَّثْنَا رَوْحُ بن الفَرَج، قال: حَدَّثْنَا يوسف بن عَدِي،
قال: حَدَّثْنَا القاسم بن مالك الُزَني، عن أَشعثَ، عن الشَّعْبي، عن
شُرَيح، عن عمر: أنَّه خَطَبَ، فقال: لا تَغْلُوا صَدْقَاتِ النساءِ، فإنّها لو
كانت مَكْرُمةٌ فِي الدُّنيا والآخرةِ، كان أَحقّكم بها وأَوْلاكم محمدٌ ﴿.
وأهلُ بيته، ما تزوَّجَ ثَيِّباً من نسائِه، ولا زَوَّجَ نَيِّباً من بناتِه بأكثَرَ من
ثِنْتَي عشرةً أُوقِيَّةٌ(١).
قال أبو جعفر: سمعتُ هذا الحديثَ من رَوْحِ وحفظتُه وكتبتُه، ثم
وجدتُ بعضَه قد ذَهَبَ من كتابي بانقلاعِ أُسحاةٍ(٢) منه، فكتبته من
أصله بعد وفاته هكذا.
وأورده ابن كثير في («مسند الفاروق)) ٤٠٨/١ عن البزار، وقال: إسناده جيد،
ليس فيه متكلم فيه سوى العمري وحده.
(١)ابن سوَّار الكندي: ضعيف.
(٢) أي قشرة من الكتاب.
-٥١٤-

کتاب النكاح
٢٠٦٢ - حَدَّثْنَا يزيدُ بن سِنان، قال: حَدَّثْنَا أَزْهَر بن سعدٍ
السَّمَّان، عن ابن عَوْن، عن محمدٍ، عن أبي العَحْفاء، عن عمر رضي الله
عنه، قال: لا تَغْلُوا فِي صَداق النّساءِ، فإنّها لو كانت مَكْرُمَةً فِي الدُّنيا،
أو تَقْوى عندَ الله عز وجل، كان أولاكُم بها النبيُّ ◌َ﴿، ما زَوّجَ ثيباً من
بناتِهِ، ولا تَزَوَّج امرأةٌ من نسائِه بأفضلَ من ثِنْتَي عشرةَ أُوِيَّةً(١).
٢٠٦٣- وحَدَّثْنَا أحمدُ بن شُعَيب، قال: حَدَّثْنَا عليُّ بن حُجْرِ،
قال: حَدَّثَنَا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوبَ وابن عَوْنَ وسلَمَة بن عَلْقَمة
وهشام بن حَسَّان -دَخَل حدیثُ بعضهم في حدیث بعضٍ-، عن محمد
بن سِيرينَ، قال سلمةُ: عن ابن سيرين، نُبِّئتُ عن أبي العَجْفاء، وقال
الآخرون: عن محمد بن سيرين، عن أبي العَجْفاء، قال: قال عمر: ألا لا
تَغْلُوا صَدُقاتِ النساءِ، فإنَّها لو كانت مَكْرُمةً في الدنيا، أو تقوى عندَ
الله عز وجل كان أَوْلاكم بها النبيُّ ◌َ﴿. ما أَصدَقَ امرأةً من نسائه، ولا
أَصْدَقَ امرأةً من بناتِه، أكثرَ من ◌ِنْتَي عشرةً أُوقِيَّة، أَلا وإن أَحدَكم
ليُغْلِي بصَداقِ امرأته حتى يبقى لها عداوةٌ في نفسِهِ، فيقول: لقد كُلّفْتُ
إليكِ عَلَقَ القِرْبةِ، أو قال: عَرَقَ الْقِرْبَةِ(٢).
(١) إسناده قوى، رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي العجفاء واسمه هَرِم بن
نَسيب.
(٢) ورواه النسائي ١١٧/٦-١١٨.
ورواه عبد الرزاق (١٠٣٩٩)، وأحمد ٤٨/١ (٣٤٠)، والحميدي (٢٣)، وأبو
داود (٢١٠٦)، والترمذي (١١١٤م) من طريق أيوب، وابن أبي شيبة ١٨٧/٤ من
-٥١٥-

كتاب النكاح
٢٠٦٤- وحَدَّثَنَا أبو أُمية، قال: حَدَّثْنَا سُريج بن النعمان، قال:
حَدَّثْنَا مُشيم[ح]، وحَدَّثْنَا صالح بن عبد الرحمن، قال: حَدَّثْنَا سعيدُ بن
منصور، قال: حَدَّثْنَا هُشيم، ثم اجتمعا، فقالا: قال: أخبرنا منصورٌ -
يعني ابن زاذان- عن ابن سيرين، قال: حَدَّثْنَا أبو العَجْفاءِ السُّلمي،
قال: سمعت عمرَ بن الخَطَّاب وهو يَخْطُبُ الناسَ، فحمد الله عز وجل،
وأثنى عليه، ثم قال: ألا لا تُغالُوا فِي صَداقِ النّساءِ، فإنها لو كانت
مَكْرُمَةً فِي الدُّنيا، أو تَقْوى عند الله عز وجل، كان أَولاكُم بها النبيُّ
طريق أشعث وهشام بن حسان، وابن أبي شيبة أيضاً ١٨٨/٤، وابن ماجه
(١٨٨٧)، والحاكم ١٧٥/٢- ١٧٦ من طريق ابن عون، والنسائي ١١٧/٦، وابن
حبان (٤٦٢٠) من طريق ابن عون وهشام بن حسان، والبيهقي ٢٣٤/٧ من طريق
أیوب وحبيب وهشام بن حسان، جمیعهم عن ابن سیرین، بهذا الإسناد.
ورواه أحمد (٢٨٥) و(٢٨٧) عن إسماعيل بن إبراهيم ابن عُلية، عن سلمة بن
علقمة، به.
ورواه الطيالسي (٦٤) من طريق سعيد بن عبد الرحمن، وعبد الرزاق (١٠٤٠٠)
و(١٠٤٠١) من طريق عاصم الأحول، كلاهما عن محمد بن سيرين، عن أبي
العجفاء، به.
ورواه البيهقي ٢٣٤/٧ من طريق عمرو بن أبي قيس، عن أيوب، عن ابن سيرين،
عن ابن أبي العجفاء، عن أبي العجفاء، به.
قوله: ((كلّفت إليك علق القربة))، أي: تكلّلات إليك وتحمَّلت حتى الحبل الذي
تعلق به القربة.
وعَرَق القرية - بالراء -: سيلان مائها، وقيل غير ذلك. انظر ((النهاية)) لابن الأثير
٢٢٠/٣-٢٢١.
-٥١٦-

كتاب النكاح
*(١)، ثم ذكر بقيةً حديثِ أحمد بن شعيب.
٢٠٦٥- حَدَّثَنَا يزيدُ، قال: حَدَّثْنَا عبد الله بن حُمْران، قال:
حَدَّثْنَا ابن عَوْن، عن محمدٍ، عن أبي العَجْفاء، أو عن ابن أبي العجفاء،
قال: قال عمر، ثم ذكر مثله.
قال أبو جعفر: ففي هذه الآثارِ عن عمر رضي الله عنه نَهْيُه الناسَ
أن يتجاوزوا في الأَصدِقَةِ أصدقةً رسول الله:﴿ التي كان أَصْدَقَها
نساءَه، والأصدقةَ التي كان أزواجُ بناته أَصدقوها بناتِه، وكان ذلك منه
عندنا - والله أعلمُ - إرادةً منه أن تكون الأصدقةُ المرجوعُ إليها فيمن
يستحقُّ من النساءِ صداقَ مثله من نسائه على من يستحقُّه عليه من
الأزواج، أن يكون وَسَطاً، وأن لا يكونَ شططاً، ومثلُ هذا ما قد كان
رسولُ الله ﴿ أُنكَرَه في زمنِه
٢٠٦٦- كما حَدَّثَنَا بكارُ بن قتيبة، قال: حَدَّثْنَا مُؤَسَّل بن
إسماعيل، قال: حَدَّثْنَا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم
التَّيْمي، عن أبي حَدْرَدٍ، قال: أتيتُ رسولَ الله ﴿ أسأَلُه في صَداق،
فقال: ((كم أَصْدَقْتَ؟) قلتُ: مئتي دِرهم، قال: ((لو كنتُم تَغْرِفُونَ من
بُطْحَانَ، لَما زادَ) (٢).
(١) رواه الدارمي ١٤١/٢ عن عمرو بن عون، عن هشيم، بهذا الإسناد. وانظر
ما قبله.
(٢) صحيح، وهذا إسناد ضعيف لضعف مؤمَّل بن إسماعيل، لكنه توبع.
ورواه عبد الرزاق (١٠٤٠٩)، ومن طريق أحمد ٤٤٨/٣، والطبراني ٢٢/(٨٨٢)
-٥١٧-

كتاب النكاح
قال أبو جعفر: هكذا حدَّثناه بكارٌ
٢٠٦٧- وقد حدَّثناه يوسفُ بن يزيد، قال: حَدَّثْنَا سعيدُ بن
منصور، قال: حَدَّثْنَا هُشيم، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن
إبراهيم النِّيْمي: أنَّ أبا حَدْرَدٍ تزوَّج امرأةٌ، فأتى النبي ◌َ* يستعينه في
صداقها، ثم ذَكَرَه(١).
وكانت الأَصدقةُ التي كان ﴿ يُصِدقُها نساءه ما قد ذكرناه في
هذا الباب، وكانت أصدقةٌ من لم يُنكر عليه ما أصدقه منها
٢٠٦٨- ما قد حَدَّثْنَا على بن مَعْبَد، قال: حَدَّثْنَا إسماعيلُ بن
عمر، قال: حَدَّثْنَا داود بن قيس، عن موسى بن يسار، عن أبي هريرة،
قال: كان صَداقُنا إذ كان فينا رسولُ اللهِ:﴿، عشرَ أواقٍ - وطبق
بيديه- وذلك أربع مئة(٢).
عن سفيان الثوري، بهذا الإسناد.
ورواه أحمد ٤٤٨/٣ عن وكيع، والطبراني ٢٢/(٨٨٢) من طريق أبي نعيم،
كلاهما عن سفيان الثوري، به.
وبُطحان: وادٍ بالمدينة يهبط من حَرَّةٍ تنصبُّ منها مياه عَذْبة.
(١) إسناده صحيح، وهو في ((سنن سعيد بن منصور)) (٦٠٤).
ورواه الطبراني ٢٢/(٨٨٣) من طريق يزيد بن هارون، والبيهقي ٢٣٥/٧ من
طريق يزيد بن هارون وعبد الله بن المبارك، كلاهما عن يحيى بن سعيد الأنصاري،
به. ورواه الدولابي في «الکنی)) ٢٥/١، والطبراني ٢٢/(٨٨٤) من طريق أبي حدردٍ.
(٢) رواه عبد الرزاق (١٠٤٠٦)، والنسائي ١١٧/٦، وابن الجارود (٧١٧)،
وابن حبان (٤٠,٩٧)، والدارقطني ٢٢٢/٣، والحاكم ١٧٥/٢، والبيهقي ٢٣٥/٧
-٥١٨-

كتاب النكاح
٢٠٦٩ - وما قد حَدَّثَنَا صالحٌ، قال: حَدَّثْنَا سعيدٌ، قال: حَدَّثَنَا
هشيم، قال: حَدَّثْنَا حُمَيْدٌ، عن أنس: أن عبد الرحمن بن عَوْفٍ رضي
الله عنه تَزَوَّجَ امرأةٌ مِن الأنصارِ على وَزْنِ نَواهٍ من ذهبٍ، فقال له النبيُّ
** (أولِمْ وَلَوْ بِشَاقٍ) (١).
وقد رُوِيَ عن عائشة فيما كان رسول الله ﴿ أَصْدَقَه نساءه
٢٠٧٠ - ما قد حَدَّثَنَا فهدٌ، قال: حَدَّثَنَا النُّفَيْلي، قال: حَدَّثْنَا
الدَّرَاوَرْدِي، قال: أخبرني ابنُ الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي
سَلَمة، قال: سألتُ عائشةً عن صَداقِ النبيِّ:﴿ نساءه، فقالت: اثْنَتَيْ
عشرة أُوقِيَّةٌ ونَشّاً، قلتُ لها: ما النَّشرُّ؟ قالت: نصفُ أُوِيَّةِ(٢).
٢٠٧١- وما قد حَدَّثْنَا ابنُ أبي مريم، قال: حَدَّثَنَا حَدِّي، قال:
من طرق، عن داود بن قيس، به
(١) إسناده صحيح، وهو في ((سنن سعيد بن منصور)) (٦١١).
ورواه البغوي في ((شرح السنة)) (٢٣١٠) من طريق أبي عبيد، عن هشيم، بهذا
الإسناد. وقَرَن بهشيم إسماعيلَ بن جعفر وابنَ عُلية.
النواة في الأصل: هي عَجْمة التمرة، وهي هنا وزن خمسة دراهم من ذهب، وقيل:
وزن ثلاثة دراهم وثلث. انظر ((شرح السنة) ١٣٤/٩.
(٢) حديث صحيح، ورواه أبو داود (٢١٠٥)، والحاكم ١٨١/٢ من طريق
النقیلي، بهذا الإسناد.
ورواه أحمد ٩٣/٦-٩٤، والدارمي ١٤١/٢، ومسلم (١٤٢٦)، وابن ماجه
(١٨٨٦)، والنسائي ١١٦/٦-١١٧، والبيهقي ١٣٤/٤ من طرق عن عبد العزيز
الدراوردي، به.
-٥١٩-

کتاب النكاح
حدثني يحيى بن أيوب، قال: حدثني ابن الهاد، ثم ذكر بإسناده مثله،
وزاد فيه: هكذا كان صَداقُ رسول الله﴿ نساءه وبناته(١).
وقد روي عن غيرها في ذلك:
٢٠٧٢- ما قد حَدَّثَنَا أحمدُ بن داود، قال: حَدَّثْنَا هُدْبة بن
خالد، قال: حَدَّثْنَا أبو هلال، قال: حَدَّثْنَا حُميد بن هلال، قال:
خَطَب عمرُو بن حُرَيْث إلى عدي بن حاتم ابنته، فقال: ما أنا بمزوِّجكَ
إلا بُحُكْمي، فأقبل عليه بعضُ أصحابه، فقال: واللهِ، لامرأةٌ من قريش،
أحبُّ إلينا من امرأة من طِّئ على حُكْم أبيها، فقال: إن ذاك لكذلكَ،
ثم أَبَتْ نفسه أن تدعَه إلا أن يَخْطُبَ إليه، فقال: ما أنا بمزوِّجِكَ إلا
على حُكْمي، قال: قد حكَّمتُ، قال اذْهَبْ، فقد أنكحتُكَهَا، فانطلق
عمروٌ فبات ولم يَنَمْ، مخافة أن يَحكُمَ عليه بما لا يُطِيقُ، فلما أصبح
أرسل إليه: بَيِّنْ لي ما حَكَمتَ عليَّ حتى أبعثَ به إليك، قال: أحكمُ
عليك بأربع مئة وثمانين درهماً سُنّة النبي﴿، فأرسل إليه بها، وأرسل
إليه بعشرة آلاف أو عشرين ألفاً - شكَّ هُدْبة- فقال: جَهِّرْها بهذا(٢).
(١) عبد الله بن محمد بن سعيد بن الحكم بن أبي مريم- منكر الحديث، وانظر ما
قبله.
(٢) إسناده لا بأس به، ورواه مطولاً ومختصراً ابن أبي شيبة ١٩١/٤ و٣٢٢ عن
و کیع، عن أبي هلال، عن محمد بن سيرين، قال: خطب عمرو بن حريث .. فكذره.
ورواه بنحوه سعيد بن منصور في «سننه» (٦٢٢) من طريق الشعبي، و(٦٢٣) من
طريق يونس بن عبيد، عن ابن سيرين، و(٦٢٤) من طريق سعيد بن عمرو بن
العاص، والطبراني ١٧/(٢٤٤) من طريق المغيرة بن شبل، أربعتم بهذه القصة: أن
-٥٢٠-