Indexed OCR Text

Pages 461-480

كتاب الصلاة - الجنائز
وعلى وجوب النار إذا كان شراً، فكان أحسن ما وجدناه في ذلك
المراد بذلك القول، وفي مكانه من الأقوال من هذه الآثار:
١١٣٥ - ما قد حدثناه يزيدُ بنُ سِنان، قال: حَدَّثَنَا أبو الوليد
الطيالسي وشيبانُ بن فروخ جميعاً، قالا: حَدَّثَنَا داودُ بنُ أبي الفرات،
قال: حَدَّثْنَا عبد الله بنُ بريدة، عن أبي الأسود الدُّؤَلي، قال: أتيتُ
المدينةَ وقد وقع بها مرضٌ، فهم يموتون موتاً ذريعاً، فجلست إلى عمر
بنِ الخطاب رضي الله عنه، فمرَّت به جنازة، فأثني على صاحبها خيراً،
فقال عمر: وجبت، ثم مُرَّ بأخرى، فأثني على صاحبها شراً، فقال
عمر: وجبت، ثم مُرَّ بالثالثة، فاثني على صاحبها شرّاً، فقال عمر:
وجبت، قال أبو الأسود: لِم قلتَ: وجبت يا أميرَ المؤمنين؟ قال: قلت
كما قالَ رسولُ اللهِلَ﴿: ((أَيُّما مُسْلِمٌ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيرِ أدْخَلَهُ الله
الجنَّةَ)، فقلنا: وثلاثةٌ؟ قال: ((وثلاثة)، قلنا: واثنان؟ قال: ((واثنان))، ثم
لم نسأله عن الواحد(١).
(١) حديث صحيح، شيبان: صدوق يهم وقد توبع. ورواه أحمد ٢١/١ (١٣٩)
و٣٠/١ (٢٠٤) و٤٥/١ (٣١٨)، والبخاري (١٣٦٨) و(٢٦٤٣)، والترمذي
(١٠٥٩)، والنسائي ٥٠/٥-٥١، وابن حبان (٣٠٢٨)، والبيهقي ٧٥/٤، والبغوي
(١٥٠٦) من طرق عن داود بن أبي الفرات، بهذا الإسناد.
ورواه الإمام أحمد ٥٤/١ (٣٨٩) من طريق عبد الله بن بريدة بن عمر، ليس فيه
أبو الأسود.
قال الداودي في ما نقله عنه الحافظ في ((الفتح) ٢٣٠/٣-٢٣١: المعتبر في ذلك
- ٤٦١-

كتاب الصلاة - الجنائز
قال: فكان وجه ذلك عندنا -والله أعلم -: أن الشهادةَ بالخير
لمن شهد له به ستٌّ من الله عَزَّ وجَلَّ عليه في الدنيا، ومن سرته الله عَزَّ
وجَلَّ في الدنيا، لم يرفع عنه سَتْرَهُ في الآخرة، كما رُوِيّ عنه ◌ُ/ّ مما قد
رويناه فيما تقدَّم منا في كتابنا هذا: «ثلاثةٌ أَشْهَدُ عليهم، والرابعة لو
شَهِدْتُ، لَرَجوتُ أن لا آثمَ)، ثم ذكر الثلاثة، ثم قال: ((والرابعة: لا
يَسْتُرُ الله عَزَّ وجَلَّ على عبدٍ في الدُّنيا إلاَّ سَتَرَ عليه في الآخِرَةِ)(١).
فكان ذلك الوجوبُ هو السترُ في الدنيا بالثناءِ الحسن، وفي
الآخرة بالستر فيها مما يخالف فيها وهو النَّارُ، وكان الثناءُ بالدم في
الدنيا هو رفع الستر عن الذي أُتْني عليه به، فكان في الدنيا ضدّاً لمن
أُثني عليه بالخير فيها، فكان كذلك هو في الآخرة يكون فيها ضداً لمن
أثني عليه في الدنيا بالخير، وإذا كان كذلك، استحق النارَ، وهذا
الاستخراجُ من عمر رضي الله عنه مِن قول رسولِ الله عُ﴾: ((وجبت)،
ومما قاله معه في هذه الآثار من أدقِّ استخراجٍ وأحسنهن والله عَزَّ وجَلَّ
نسأله التوفيق.
شهادة أهل الفضل والصدق لا الفسقة، لأنهم قد يُثنون على مَنْ يكون مثلَهم، ولا
مَنْ بينه وبين الميت عداوة، لأن شهادة العدو لا تُقبل.
(١) حديث صحيح. وسيأتى تخريجه إن شاء الله.
-٤٦٢-

كتاب الصلاة - الجنائز
١٦٦ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله علیه السَّلامُ
من استغفاره في صلاته على الميتِ الصغير
١١٣٦ - حَدَّثْنَا ابنُ مرزوق، وإبراهيمُ بنُ أبي داود، قالا: حَدَّثَنَا
أبو الوليد الطيالِسِيُّ، حَدَّثْنَا همَّامُ بنُ يحيى، عن يحيى بن أبي كثير، عن
عبدِ الله بنِ أبي قتادة، عن أبيه أنه شَهِدَ النِيَّ ◌َ﴿ صلّى على الميتِ،
قال: سمعتهُ يقولُ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّمَا، ومَيِّتِنا، وشَاهِدِنا، وغَائِبنا،
وصَغِيرِنا، وكَبِيرنا، وذَكَرِنا، وأُنْكَان)).
قال يحيى: وحدثني أبو سلمة بهؤلاء، وزاد فيه: ((مَنْ أَحْتَيْتُه مِنَّا
فأخْيهِ على الإيمان، ومَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوقّه على الإسلامِ))(١).
١١٣٧ - حَدَّثَنَا سليمانُ بنُ شعيب بنِ ناصح، حَدَّثْنَا همَّامِ بنُ
يحيى ... ثم ذكر بإسناده مثله.
١١٣٨- حَدَّثْنَا ابنُ خزيمة، حَدَّثْنَا حجَّاجِ بنُ مِنهال، حَدَّثَنَا
هَمَّام ... ثم ذكر بإسناده مثلَه.
١١٣٩ - حَدَّثْنَا يُونُس، حَدَّثَنَا بشرُ بنُ بكر، حَدَّثْنَا الأوزاعيُّ.
وحدثني سليمانُ بنُ شعيب، حَدَّثَنَا بشرُ بنُ بكرٍ، حَدَّثْنَا
(١) إسناده صحيح. ورواه أحمد ١٧٠/٤ و٢٩٩/٥ و٣٠٨، والبيهقي ٤١/٤،
والنسائي في ((اليوم والليلة)) (١٠٨٦)، والطبراني في ((الدعاء)) (١١٧١) من طرق عن
همام، بهذا الإسناد.
وذكره الهيثمي في («المجمع)) ٣٣/٣ وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
-٤٦٣-

كتاب الصلاة - الجـنائز
الأوزاعيُّ -ثم اجتمعا- فقالا: قال: حدَّثْني يحيى بنُ أبي كثير، حدثني
أبو إبراهيم الأنصاريُّ رَجُلٌ من بني عبد الأشهل.
حدَّثْني أبي أنه سَمِعَ رسولَ الله ◌ُلٌ يقولُ في الصلاة على
الميت ... ثم ذكر مثلَه (١).
١١٤٠- وحَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شعيب، حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ مسعودٍ،
حَدَّثْنَا يزيدُ - وهو ابنُ زُريع - حَدَّثْنَا هشامٌ - وهو ابنُ أبي عبد الله-،
عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي إبراهيم الأنصاريِّ، عن أبيه أنه سَمِعَ
النبيَّ عليه السَّلامُ يقول ... فذكر مثلَه، غير أنّه لم يذكر مِنْ ما ذكرناه
في ما قبله: عن أبي سلمة(٢).
(١) أبو إبراهيم الأنصاري الأشهلي، قال أبو حاتم ٣٦٣/١: مجهول هو وأبوه.
وقال الحافظ: مقبول.
ورواه الترمذي (١٠٢٤)، وأحمد ١٧٠/٤، والبيهقي ٤١/٤، والنسائي في ((اليوم
والليلة)) (١٠٨٤)، والطبراني في («الدعاء)) (١١٦٨) و(١١٧٠) من طرق عن يحيى
بن أبي كثير، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: حديث والد إبراهيم حديث حسن
صحيح، وقال: سمعت محمداً يقول: أصحُّ الروايات في هذا حديث يحيى بن أبي كثير،
عن أبي إبراهيم، عن أبيه، وسألته عن اسم أبي إبراهيم، فلم يعرفه.
(٢) هو مكرر ما قبله. وهو في ((سنن النسائي)) ٧٤/٤ وفي ((عمل اليوم والليلة))
(١٠٨٥).
وقوله: ((غير أنه لم يذكر من ما ذكرناه فيما قبله عن أبي سلمة) يعني الزيادة التي
ذكرها في الحديث (٩٦٦) وهي قوله: ((من أحييته منا فأحيه على الإيمان، ومن
توفيته منا فتوقّه على الإسلام».
-٤٦٤-

كتاب الصلاة - الجنائز -
١١٤١ - حَدَّثَنَا فهد، حَدَّثْنَا محمدُ بنُ كثير، عن الأوزاعيِّ، عن
يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: كانَ النبيُّلَ﴿ٌ يقولُ في
الصلاة على الميت ... ثم ذكر الأحاديثَ التي ذكرناها قَبْلَهُ(١).
١١٤٢ - حَدَّثْنَا بكارٌ، ويزيدُ بنُ سنان، وإبراهيمُ بنُ مرزوق،
قالوا: حَدَّثْنَا عُمَرُ بنُ يونس، حَدَّثَنَا عكرمةُ بنُ عمار، حَدَّثَنَا يحيى، عن
أبي سلمة قال: سألتُ عائشة: كيف كانت صلاةُ رسول اللهل ◌ِ﴿ على
الميت ... فذكر مثل ما في الأحاديث الأُوَلِ سواء(٢).
١١٤٣- حَدَّثَنَا فهد، حَدَّثْنَا يوسفُ بنُ بُهلول، حَدَّثَنَا عبدةُ بنُ
ورواه أحمد ١٧٠/٤ و٤١٢/٥، وابن الجارود في ((المنتقى)) (٥٤١)، وابن أبي
شيبة ٢٩١/٣-٢٩٢، والطبراني في (الدعاء) من طرق عن هشام بن أبي عبد الله،
بهذا الإسناد.
(١) محمد بن كثير سيئ الحفظ وقد توبع.
رواه أبو داود (٣٢٠١)، والترمذي (١٠٢٤)، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة))
(١٠٨٠)، وابن حبان (٣٠٧٠)، والطبراني في ((الدعاء)) (١١٧٤)، والحاكم
٣٥٨/١، والبيهقي ٤١/٤ من طرق عن الأوزاعي، بهذا الإسناد.
ورواه أحمد ٣٦٨/٢ من طريق أيوب بن عتبة، عن يحيى بن أبي كثير، به.
(٢) قال الترمذي في ((سننه)) بعد أن ذكر إستاده بإثر الحديث (١٠٢٤): وحديث
عكرمة بن عمار غير محفوظ، وعكرمة ربما يهم في حديث يحيى.
ورواه الحاكم ٣٥٨/١-٣٥٩، والبيهقي ٤١/٤ من طريق عكرمة بن عمار، بهذا
الإسناد.
-٤٦٥-

كتاب الصلاة - الجنائز
سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث
التيميِّ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرة قال: كان رسولُ الله ﴿ إذا
صَلَّى على جنازةٍ .. ثم ذكر ما في الأحاديثِ الأُوَلِ سواءٍ (١).
١١٤٤- حَدَّثَنَا ابنُ أبي داود، حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عبد الله بنِ
يونس، حَدَّثْنَا أبو بكر بن عياش، عن ثابت الثمالي، عن عبد الرحمن بنٍ
أبي ليلى، عن عبد الرحمن بن عوف قال: كان رسولُ الله ◌َّ إذا صَلَّى
على جنازة ... ثم ذكر ما في الأحاديث الأُول سواء(٢).
فتأملنا ما في هذه الأحاديثِ من استغفارِ رسولِ اللهِ وَ﴿ للصِّغَارِ
الذين لا ذنوبَ لهم كاستغفاره للكبار ذوي الذنوب، إذا كان بعضُ
الناسِ قد سأل عن كشف ذلك
(١) محمد بن إسحاق مدلس، لكن للحديث شواهد.
ورواه ابن ماجه (١٤٩٨)، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (١٠٨١)، والبيهقي
٤١/٤، والطبراني في ((الدعاء)) (١١٧٣) من طرق عن محمد بن إسحاق، بهذا
الإسناد.
(٢) إسناد ضعيف. ثابت الثمالي: ضعيف.
ورواه الطبراني في «الدعاء)) (١١٦٥) من طريق محمد بن سعيد الأصبهاني، عن
أبي بكر بن عياش، بهذا الإسناد.
ورواه البزار (٨١٧) عن عبد الله بن سعيد الكندي، حَدَّثْنَا عقبة بن خالد، حَدَّثْنَا
ابن أبي ليلى، عن أبي نجيح أو ابن أبي نجيح، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه،
عن النبي # ... وذكره الهيثمي في («المجمع)) ٣٣/٣: رواه البزار وفيه محمد بن أبي
لیلی، وفيه كلام.
-٤٦٦-

كتاب الصلاة - الجنائز
فوجدنا له معنى صحيحاً، وهو سؤالُه ◌َ﴿ رَبَّهُمُ أنْ يَغْفِرَ لهم
الذنوبَ التي يُصيبونها بَعْدَ خروجهم عن الصِّغَرِ إلى الكِبَر، فتكون
مغفورةً لهم مغفرةٌ قد قدمتها، وتكون غيرَ مكتوبةٍ عليهم، ويكونون
غيرَ مأخوذین بها.
ومثل قولِ الله لنبيه #1: ﴿لَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدََّ مَنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأخَّرَ﴾
فكان ذلك غفراناً منه له ما لم يعمله حتَّى يَكُونَ في عمله إِيَّاه مغفوراً
له معفواً عنه ما عمله، غيرَ مكتوب عليه.
ومثلُ ذلك قولُ النَِّ ﴿ لِعُمر في قصة حاطب: «ما يُدْرِيكَ لَعَلَّ
الله قدِ اطَّلَعَ على أهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُم، فَقَدْ غَفَرْتُ
لَكُم))(١)، وسنذكر ذلك، وما رُوِيَ منه في ما بعدُ من كتابنا هذا إن
شاء الله.
فمثلُ ذلك سؤالُ رسول الله :﴿ رَبّه عَزَّ وَجَلَّ الغفرانَ للصِّغارِ
هو على هذا المعنى، وعلى الغُفرانِ لهم ما يُصيبونه بَعْدَ بلوغهم مِن
الذنوب التي لو لم يكن هذا الدعاءُ منه لهم، كانوا مأخوذين بها،
معاقبين عليها، فعادوا بدعاء رسول الله ﴿ بهذا الدعاءِ غَيْرَ مأخوذين
بها، وغيرَ معاقبين عليها، والله نسألهُ التوفيقَ.
(١) قطعة من حديث مطول أخرجه البخاري (٣٠٠٧)، ومسلم (٢٤٩٤) من
حديث علي رضي الله عنه.
-٤٦٧-

كتاب الصلاة - الجنائز
١٦٧ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴿ في قوله في
الصلاة على الميت مخلوطاً بالدعاء له: ((ولا نعلم إلا خيراً))
١١٤٥- حَدَّثْنَا أبو أُمية، وإبراهيمُ بنُ أبي داود، قالا: حَدَّثْنَا أبو
عمر الحوضيُّ، حَدَّثْنَا هَمَّامُ بنُ يحيى، حَدَّثَنَا ليثٌ، عن علقمة بنٍ مَرْتَدٍ،
عن عبدِ الله بنِ الحارث، عن أبيه أن النبيَّ :﴿ قال في الصَّلاة: «اللَّهُمَّ
اغْفِرْ لأحْيَائِنا، وأمواتِنا، وأصلحْ ذاتَ بيننا، وألفْ بَيْنَ قُلوبِنا، اللَّهُمَّ
هذا عبدُكَ فُلانُ بنُ فلانٍ، ولا نَعْلَمُ إلاَّ خيراً، وأنتَ أعْلَمُ به، فاغْفِرْ
لنا ولَهُ) فقلتُ أنا وكنتُ أَصْغَرَ القومِ: فإنْ لم يَكُنْ يعلم خيراً؟ قال: فلا
يَقُولُ إلا ما يَعْلَمُ(١).
فكان ما في هذا الحديث من قوله: ((ولا نعلمُ إلا خيراً) مِن ما
يُحتاجُ إلى كشفه ليوقف على معناه، فكشفنا حتّى وقفنا على ذلك
لِسؤال الحارث رسول الله ﴿ عن ما ساله فيه، والجوابِ رسولِ الله
* إيّاه عنه بما أجابه عنه فيه.
والحارثُ هذا عندنا - والله أعلم -: هو أبو قتادة الأنصاي، وهو
الحارثُ بن ربعي(٢)، وابنه المذكور فيه: هو عبد الله بن أبي قتادة
(١) إسناده ضعيف. ليث بن أبي سليم، صدوق اختلط جداً. ورواه الطبراني في
(الكبير)) (٣٢٦٥) من طريق أبي عمر الحوضي حفص بن عمر، بهذا الإسناد.
(٢) وهو عند الطبراني، وابن منده، وأبي نعيم، وأبي عمر بن عبد البر: الحارث
بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم.
-٤٦٨-

كتاب الصلاة - الجنائز
الأنصاري الذي روى عنه يحيى بنُ أبي كثير الأحاديثَ الأُوَل التي
ذكرناها في الباب الذى قَبْلَ هذا الباب، ونحن نعلم: لو لم يكن مِنْ
سؤال الحارثِ رسولَ الله :﴿ عن ما سأله عنه في هذا الحديث، ومِنْ
جوابِ رسولِ الله ﴿ إِيَّاه أنَّ رسول الله ﴿ لم يَقُلْ فيه: ((ولا نعلم إلا
خيراً) أنه لم يكن قال ذلك وهو يعلم منه غيرَ الخير.
وقد كان ميمونُ بن مِهْرَانَ في صلاته على مَنْ يعلم منه غيرَ الخير
يقول فيها: ما حَدَّثْنَا فهد، أخبرنا يحيى بنُ صالح الوُحَاظِي، حَدَّثَنَا أبو
المليحِ، عن الحسن بن عمرو الرَّقي، عن ميمون بن مهران، قال: إذا
صليت على من يُتهم مِن أهلِ الأهواء، فتكتفي أن تَقُولَ: ﴿رَّنَا وَسِعْتَ
كُلَّ شَيءٍ يَخْمَةَ وَعِلْمَ، فَاغْفِرُلَّذِينَابُوا وَأَُّوا سَيَكَ . .. ﴾ إلى آخر الآية
[غافر: ٧]، وإذا صليت على من تُحب، فاجتهد في الدعاء.
قال أبو جعفر: وأهلُ الأهواء هؤلاء هم الذين لا يخرجون بها من
الإسلام ولا يمنعُهُم، وإن كانوا مذمومين بها مِن الصلاة عليهم، كما
يُصلى على مَنْ سِوَاهُم من المذمومين مِن أهل الإسلام، كما قد صُلِّي
مع رسولِ الله ﴿ وبأمره على من غَلَّ في سبيلِ الله من ما ذكرناه في
ما تقدم في كتابنا هذا. فأمَّا من كان على شيء من الأهواء من ما
يُخرج من الإسلام، فلا يُصلى عليه، فإنه ليس مِن أهل الأديان التي
يُصلَّى على أهلها، وبالله التوفيق.
-٤٦٩-

كتاب الصلاة - الجنائز
١٦٨ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسولِ اللهِ عليه السَّلامُ
من قوله: ((إذا ماتَ الإنْسَانُ انقطعَ عملُهُ إلاَّ مِنْ صدقةٍ جاریةٍ،
وعلم یُنْتَفَعُ بهِ، وولد صالح يدعو له»
١١٤٦- حَدَّثْنَا يوسف بن يزيدَ، قال: حَدَّثْنَا حجاجُ بنُ
إبراهيم، قالَ: حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ جعفر، عنِ العلاء بن عبد الرحمن، عن
أبيه، عن أبي هُريرةَ أنَّ رسولَ الله :﴿ قال: ((إذا ماتَ الإنْسَانُ انقطَعَ
عنه عَمِلُهُ إلاَّ مِنْ ثَلاثةٍ: إلاَّ مِن صَدَقِةٍ جاريةٍ، وعِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِه، وَوَلَدٍ
صالحٍ يَدْعُو لَهُ)(١).
١١٤٨- حَدَّثْنَا الحسنُ بنُ غُليب بنِ سعيد الأزْدِي أبو علي،
حَدَّثْنَا عبدُ الله بن محمد البيطاريُّ، حَدَّثْنَا سليمانُ بنُ بلال، عن العلاءِ
بنِ عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﴿ٌ مثلَه.
قال أبو جعفر: فسالَ سائلٌ، فقالَ: هل يُخَالفُ هذا ما قد رُوِيَ
عن رسول الله ﴿ مما قد ذكرته في البابِ الذي قبلَ هذا البابِ، فيمن
سَنَّ سُنَّةً حسنةً، وعمل بها مَنْ بَعْدَهُ، وفيما قد ذكرته في غير هذا
الموضع، يعني:
١١٤٩- ما قد حَدَّثْنَا يونسُ، حَدَّثْنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عن عاصمٍ، عن
(١) إسناده صحيح. ورواه مسلم (١٦٣١)، وأبو داود (٢٨٨٠)، والترمذي
(١٣٧٦)، والنسائي ٢٥١/٦، وأحمد ٣٧٢/٢، والبيهقي ٢٧٨/٦، والبغوي
(١٣٩)، من طريق العلاء بن عبد الرحمن، بهذا الإسناد.
- ٤٧٠ -

كتاب الصلاة - الجنائز
أبي وائل، عن جرير أنَّ قوماً أَتَّوا النبيَّ عليه السَّلامُ مِنَ الأعرابِ مجتابي
النهار، فَحَثَّ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلِّم على الصَّدَقةِ، وكَأَنَّهُم
أبطؤُوا بِهَا حتّى رَأَوْا ذلكَ في وجهِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلّم،
فجاء رجلٌ من الأنصارِ بقطعةٍ تِبْرٍ، فَأَلْقَاها، فتتابعَ الناسُ حتَّى عُرفَ
ذلك في وجهِ رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم، فقال: رسولُ اللهِ صلَّى
الله علَّيه وسلّم: ((مَنْ سَنَّ سُنَّةً حسنةً فَعَمِلَ بِهَا مَنْ بعدَه كَان لَهُ مِثْلُ
أجرٍ مَنْ عَمِلَ بِها مِنْ غَيْرِ أن يَسْقُطَ مِنْ أُجورِهُمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ
سُنَّةً سيئةٌ فَعَمِلَ بِها مَنْ بَعْدَهُ، كَانَ عَلَيْهِ مثلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِها مِنْ
غيرِ أن يُنْتَقصَ من أوْزارِهم شيءٌ)(١).
١١٥٠- وما قد حَدَّثْنَا أبو أُميةَ، حَدَّثْنَا عبيدُ اللهِ بنُ موسى،
حَدَّثْنَا شيبانُ - يعني النحويَّ-، عن الأعْمَشِ، عن مُسلمٍ بن صَبيح،
وموسى بن عبدِ الله بن يَزِيدَ، عن عبدِ الرحمانِ بن هلال العَبْسيِّ، عن
جريرٍ بن عبد اللهِ، قالَ: أتى رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلّم قَومٌ منَ
الأعرابِ، فَأَبْصَرَ عليها الخَصَاصةَ والْجَهْدَ، فَخَطَبَ الناسَ، فَحَمِدَ اللهَ،
وأثنى عليه، ثم أمَرَهُم بالصدقةِ، وحَضَّهُم عليهان ورَغْبَهُمْ فِيها،
فأبطؤوا حتَّى رُئِيَ ذلك في وجههِ، فجاءَ رجلٌ منَ الأنصارِ بقبضةٍ مِنْ
وَرِقٍ، فَأَعْطَاهَا إِيَّاهُ، ثُمَّ جَاءَ آخرُ، ثم تَتَابَعَ الناسُ بالصَّدَقَة حَتَّى رُئِيَ
حو
السرورُ في وجهِه، فقالَ: (مَنْ سَنَّ فِي الإسْلامِ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ .. )) ثم ذكرَ
(١) حديث صحيح، رواه مسلم (١٠١٧)، وسيأتي في تفسير سورة النساء.
- ٤٧١-

كتاب الصلاة - الجنائز
بقية الحديثِ الذي ذكرناه قبله.
١١٥١- حَدَّثَنَا ابنُ أبي داودَ، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبد الرحمنِ
الْعَلَّفُ، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ سَوَاءِ، حَدَّثْنَا سعيدُ بنُ أبي عَرُوبَةَ، عن قتادةَ،
عن حُميدِ بنِ هلالٍ، عن عبدِ الرحمنِ، عن جريرِ البَحَلِيِّ أَنْه حدَّتهم في
ناحيةٍ مسجدِ الكُوفَةِ أنَّ رَجلاً مِنَ الأنصارِ، قامَ إلى رسولِ الله عليه
السَّلامُ بِصُرَّةٍ مِنْ ذَهَبٍ تَمْلأُ ما بينَ الأصابعِ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ،
هذه في سبيلِ اللهِ، ثُمَّ قامَ أبو بكر، فأعطى، ثم قامَ عُمَرُ، فأعطى، ثم
قامَ المهاجرون والأنصارُ، فأعطَوْا، فأشرقَ وَجْهُ رسول الله صلَّى الله
علِّيه وسلَّم حتَّى رأيْنا الفَرَحَ في وجههِ، فقالَ عندَ ذلك: «مَنْ سَنَّ
سُنّةٌ .. )) ثم ذكر بقيةَ الحديثِ الذي قبله.
قال أبو جعفر: في هذه الحاديثِ مَنْ سَنَّ في الإسلام سنةً حسنةً،
كانَ له أجرُها، وأجرُ مَنْ عَمِلَ بها من بعدَه، ومَنْ سنَّ في الإسلامِ
سُنةً سيئةً، كانَ عليه وِزْرُها وَوِزِرُ مَنْ عَمِلَ بها مَنْ بعدَه.
وروى حُذيفة عن رسولِ اللهِ عليه السَّلامُ في ذلك مما يدخُلُ في
هذا المعنى:
١١٥٢- ما قد حَدَّثْنَا بَكَّارٌ، حَدَّثْنَا وهبُ بنُ جرير، حَدَّثَنَا
هِشامُ بنُ حسَّانَ، عن محمدٍ - يعني ابنَ سيرين- عن أبي عبيدةَ بنِ
حُذيفةَ، عن أبيه، قالَ: قامَ قائلٌ، فَسَأَلَ على عَهْدِ رسولِ اللهِ صلَّى الله
علَّيه وسلَّم، فَأَمْسَكَ القومُ، ثم إن رجلاً مِنَ القومِ أعْطى، وأعْطَى
القومُ، فقالَ رسولُ الله عليه السَّلامُ: ((مَنْ سَنَّ خَيْراً، فَاسْتُنَّ بِه، فَلَهُ
- ٤٧٢-

كتاب الصلاة - الجنائز
أجرُهُ، ومِنْ أجورٍ مَنْ تَبِعَهُ غَيْرَ مُنْتَقصٍ من أُجُورِهِمْ شَيْئاً، وَمَنْ سَنَّ
سُواءًا، فَاسْتُنَّ بِهِ، فَعَلَيْهِ وِزْرُهُ، وَمِنْ أَوْزَارٍ مَنِ اَتْبَعَهُ غَيْرَ مُنْتَقْصٍ مِنْ
أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا)(١).
قال أبو جعفر: وهذا أشبهُ المعنيين عندَنا بالحقِّ -والله أعلمُ- لأنَّ
المقتديَ بمَنْ تقدَّمه معَه العملُ، ومن تقدَّمه، فعمَلُه في مثل ذلك قد
انقطعَ، فمعقولٌ عندَنا أن مع المقتدي في ذلك أكثرَ ثَمّا مع المبتدي،
وكذلك يكونُ أجرُ كلِّ واحد منهما في ذلك.
فكانَ جوابُنا في ذلك بتوفيقِ اللهِ وعونِه أنَّه لا خِلافَ في ذلك،
لحديثٍ أبي هُريرةَ الذي قد ذكرناه، لأنَّ الذي في هذه الرواياتِ ذكرُ
السنَّةِ الْمُسْتَنَّة، فهي من العلم الذي يُنتفعُ بِهِ.
وسألَ سائلٌ، فقال: هل يُخالفُ حديثُ أبي هريرة الذي قد
ذكرتَه ما قد رَوى فَضَالة بن عُبيدٍ، عن رسولِ الله صلَّى الله علَيه
وسلِّم، فذَكَرَ:
١١٥٣- ما حَدَّثْنَا يونسُ، وعيسى الغافقيُّ، قالا: حَدَّثَا ابنُ
وَهَبٍ، قالَ: وأخبرني أبو هانئِ الخَوْلانِيُّ، عن عمرو بن مالك الجَنْبِيِّ،
أنه سمع فَضَالة يحدث عن رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قالَ:
(مَنْ مَاتَ عَلى مَرْتَبَةٍ مِنْ هَذه الرواتبِ، بُعِثَ عَلَيْهَا يَوْمَ القِيامَةِ)(٢).
(١) أبو عبيدة بن حذيفة: مقبول. ورواه أحمد ٣٨٧/٥ عن وهب بن جرير، به.
(٢) إسناده حسن. ورواه الحاكم ٣٤٠/١ من طريق ابن وهب، به.
-٤٧٣ -

كتاب الصلاة - الجنائز
١١٥٤- وما قد حَدَّثْنَا بكرُ بن إدريسَ بنِ الحجاج بن هارونَ
الأُزْدِيُّ أبو القاسم، حَدَّثْنَا عبدُ اللهِ بنُ يزيدَ المقرئُ، حَدَّثْنَا حَيْوةُ، وابنُ
لَهيعةَ قالا: حَدَّثَنَا أبو هانئ أن أبا علي الجَنْبِيَّ، حدَّثْه أنه سَمِعَ فَضالةً
يُحدث عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم، ثم ذكر مثلَه(١).
١١٥٥- حَدَّثْنَا الْمُرّنِيُّ، حَدَّثْنَا الشافعيُّ، عن سفيانَ، عن إبراهيمَ
بنِ أبي حُرَّة، عن سعيد بن جبير، عن ابنِ عباس، عن رسول الله عليه
السَّلامُ، مثلَه. وزاد: ((ولا تُقَرِّبُوهُ طِيباً)(٢).
قالَ أبو جعفر: وذكر هذا السائِلُ معَ ذلك:
١١٥٦- ما قد حَدَّثَنَا أبو أمية، حَدَّثْنَا الْنَبِيلُ أبو عاصمٍ، عن
سفيانَ، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: (ُبْعَثُ كُلُّ
عَبْدٍ عَلَى مَا ماتَ عَلَيهِ»، قيلَ لَهُ: عنِ النبيِّ عليه السَّلامُ؟ قال: نعم(٣).
(١) حديث حسن. ورواه أحمد ١٩/٦ من طريق حيوة، وابن لهيعة، به.
ورواه أيضاً ١٩/٦ و٢٠، من طريق ابن المبارك، عن حيوة، عن أبي هانئ، به.
(٢) إبراهيم بن أبي حُرة، وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: لا بأس به. مترجم في
(تعجيل المنفعة)، والحديث في ((مسند الشافعي)) ٢١١/١.
ورواه أحمد ٢٢١/١، والحميدي (٤٦٧) من طريق سفيان، بهذا الإسناد.
وسيأتي مطولاً.
(٣) رواه مسلم (٢٨٧٨)، وابن ماجه (٤٢٣٠)، والحاكم ٣٤٠/١ ٤٥٢/٢
و ٤٩٠، والبغوي (٤٢٠٦) من طرق عن الأعمش، بهذا الإسناد. ولفظ ابن ماجه:
(يُحْشَرُ الناسُ على نياتهم).
-٤٧٤-

كتاب الصلاة - الجنائز
فكان جَوأبنا له في ذلك أن هذا ليس من حديث أبي هريرة في
شيء، لأنَّ هذا فيما كان عليه صاحبُه من أعمال الخير حتى قطعه موتُه
عنه، فَبَقِيَ بعد موتِهِ على نيته التي ماتَ عليها، وكُتب له بعد موته من
الثواب ما كان يكتبُ له لو لم يَمُتْ.
ومثل ذلك ما قد رُوِيَ عن النبي عليه السَّلامُ في الْمُحْرِمِ يموتُ في
إحرامه:
١١٥٧- كما قد حَدَّثْنَا يونس، حَدَّثْنَا سفيان، قال: سمع عمرو
بن [دينارٍ، حَدَّثْنَا] سعيدُ بنُ جُبيرٍ بخبر، عن ابن عباس، سمعه يقول: كُنَّا
مَعَ النبيِّ عليه السَّلامُ فِي سَفَرٍ، فخرَّ رجلٌ عن بعيرِهِ، فوُقِصَ، فماتَ
وهو مُحْرِمٌ، فقال النبي عليه السَّلامُ: ((اغْسِلُوهُ بماءٍ وسِدْرِ، وادفِنُوهُ في
ثَوْبَيْهِ، ولا تُحَمِّرُوا رأسَه، فإِنَّ اللهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ القِيامةِ يُهِلُّ)(١).
(١) إسناده صحيح. ورواه مسلم (١٢٠٦)، وأبو داود (٣٢٣٨)، والترمذي
(٩٥١)، وابن ماجه (٣٠٨٤)، وأحمد ٢٢٠/١-٢٢١، والبيهقي ٣٩٠/٣،
والحميدي (٤٦٧) من طرق عن سفيان، بهذا الإسناد.
ورواه البخاري (١٢٦٥) و(١٢٦٦) و(١٢٦٧) و(١٢٦٨) و(١٨٣٩)
و(١٨٥٠) و(١٨٥١)، ومسلم (١٢٠٦)، وأبو داود (٣٢٣٩) و(٣٢٤٠)
و(٣٢٤١)، وأبو داود الطيالسي (٢٦٢٣)، والنسائي ١٩٥/٥ و١٩٦ و١٩٧،
وأحمد ٢١٥/١ و٢٦٦ و٢٨٧ و٣٢٨ و٣٣٣، والدارمي ٥٠/٢، والبيهقي ٣٩١/٣
و٣٩٢ و٣٩٣ و٥٣/٥، والبغوي (١٤٨٠)، وأبو يعلى (٢٣٣٧) من طرق عن
سعيد بن جبير، بهذا الإسناد.
- ٤٧٥-

كتاب الصلاة - الجنائز
قال لنا يونسُ: قال لنا سفيان، وزاد فيه إبراهيمُ بنُ أبي حُرَّة، عن
سعيد بن جبير يرفعُه إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلّم: ((وَلاَ تُقَرّبُوهُ طِيباً).
١١٥٨- وكما قد حَدَّثْنَا المُزَني، حَدَّثْنَا الشافعيُّ، عن سفيان،
عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس أنَّ رجلاً خرَّ
من بعيره، فوُقِصَ، فماتَ، فقال النّبِيُّ عليه السَّلامُ: (اغْسِلُوهُ بماء
وسِدْرِ، وكَفْنُوهُ في ثوبيه، وَلاَ تُخَمِّرُوا رأسَه، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامِةِ
يُهِلُّ، أو يُلِي))(١).
ومثله ما قد رُوِيَ عن النبي عليه السَّلامُ في الشهيد:
١١٥٩- كما قد حَدَّثْنَا يونس، حَدَّثْنَا ابنُ وَهْبٍ، أخبرنا عمرو
بن الحارث، أن ابن شهاب حدثه، عن عبدِ الله بن ثَعلبةَ الزُّهريِّ -
وكان رسول الله عليه السَّلامُ قد مَسَحَ وجهه- أن رسول الله صلَّى الله
علَّيه وسلّم قال لِقتلى أُحُدٍ الْذِينَ قُتِلُوا في سبيلِ اللهِ، وَوَجَدُهم قد مُثِّل
بهم، فقال: ((زَمِّلُوهُمْ بِجِرَاحِهِمْ، فإنه لَيْسَ مِنْ كَلَّمٍ كُلِمَ في سبيلِ اللهِ
إِلاَّ يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ لَوْنُهُ لَوْنُ دَمٍ، وَرِيحُهُ رِبِحُ مِسْكٍ)(٢).
(١) صحيح. وهو في مسند الشافعي)) ٢١٠/١-٢١١.
ورواه البخاري (١٨٤٩)، ومسلم (١٢٠٦)، والنسائي ١٩٧/٥، وأحمد
٣٤٦/١، والبيهقي ٣٩١/٣ من طريق عمرو بن دينار، به.
(٢) إسناده صحيح، إلا أنه مرسل، فإن عبد الله بن ثعلبة له رؤية، ولم يثبت له
سماع.
ورواه أحمد ٤٣١/٥، والنسائي ٧٨/٤ و٢٩/٦، والشافعي ٢١٠/١، وسعيد بن
-٤٧٦-

كتاب الصلاة - الجنائز
فهذا - أعني حديث فضالة- وحديثُ ابن عباس، وحديثُ عبد
الله بن ثَعْلَبَةَ فيها ذكرُ أحوال من كان عَمِلَ فى طاعات الله تعالى حتى
قطعَهُ عنهُ موتُه، وذكرُ أحواله التي يُبْعَثُ عليها يومَ القيامةِ.
وحديثُ أبي هريرة ففيه ذكرُ أعمال مُسْتَأنفاتٍ بعد موت ذوي
العلم الذى يُنتفعُ به، يجري عليهم ثَوابُها بعد موتِهم مُنْضَافاً إلى ما كان
منهم في ذلك في حياتهم.
منصور في ((سننه)) (٢٥٨٣) و(٢٥٨٤) من طريق ابن شهاب، بهذا الإسناد.
ووصله بنحوه عبد الرزاق (٩٥٨٠)، ومن طيقه أحمد ٤٣١/٥، والبيهقي ١١/٤
عن معمر، عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة، عن جابر.
-٤٧٧-

كتاب الصلاة - الجنائز
١٦٩ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ في أحكام
الكفالات بالدیون عن الموتی، وفیما یَدُلُّ من ذلك علی
أحكامها على الأحياء بغير أمورهم، وفي أداء ما کفل به
عنهم، كذلك هل لمؤدِّيه عنهم أن يَرْجِعَ بما أدَّاه عنهم علیھم
في حياتهم أو فی تر کاتهم بعد وفاتهم
١١٦٠ - حَدَّثْنَا يونسُ بنُ عبد الأعلى، أخبرنا عبدُ الله بنُ وهبٍ،
وحَدَّثَنَا بحرُ بنُ نصر، حَدَّثْنَا ابنُ وهبٍ، أخبرني يونسُ -قال يونس في
حديثه: وابنُ أبي ذئب- عن ابنِ شهاب، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي
هُريرة رضي الله عنه أن رسولَ الله﴿ٌ كان يُؤتى بالرجل الميتِ عليه
الدينُ، فيسأل ما تَرَكَ لِدينه مِن قَضاء، فإن حَدَثَ أنه ترك وفاءً صلَّى
عليه، وإلا قال: (صَلُّوا على صَاحِبِكُمْ)، فلما فتح الله تعالى عليه
الفُتوحَ قال: ((أَنَا أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوفِي وَعَلَيْهِ دَيْنٌ،
فَعَلَيَّ قَضَاؤُه، ومَنْ تَرَكَ مالاً، فهو لِوَرَثَتِهِ)(١).
قال أبو جعفر: ففيما روينا عنه * أنّه كان لا يُصلي على
المدينينَ المتوفّيْنَ الذين لم يتركوا قضاءً لِدُونِهِمْ، وأنه قَدْ كان يُصَلِّي
(١) إسناده صحيح. ورواه البخاري (٦٧٣١)، والنسائي ٦٦/٤، وابن ماجه
(٢٤٥١) من طريق يونس، عن الزهري، بهذا الإسناد.
ورواه الطيالسي (٣٣٣٨)، وأحمد ٢٩٠/٢، ومسلم (١٦١٩) (١٤)، والنسائي
٦٦/٤، وابن حبان (٣٠٦٣) من طرق عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، به.
-٤٧٨-

كتاب الصلاة - الجنائز
عليهم إذا تركوا قضاءً لِديونهم، وإن كان القضاءُ الذي تركوه لا
يُبرِئهم مِن الديونِ التي عليهم، لأنه قد يجوزُ أن يلحقه الضياعُ والتَّوى
قبل أن يُصْرَفَ في قضاءِ الدين التي عليهم، فتبقى الديونُ التي كانت
علیهم.
١١٦١- حَدَّثْنَا محمد بن حُميد بن هشام الرُّعيني، حَدَّثَنَا عبدُ الله
بنُ يوسف، حَدَّثْنَا محمد بن مهاجر، عن أبيه، قال: حثتنا أسماءُ بنت
يزيد، قالت: دُعِيَ رسولُ الله ﴿ إلى جنازة رَجُلٍ من الأنصار، فلما
وُضِعَ والسَّرِيرُ، تقدَّمَ النبيُّ :﴿ لِيصلي عليه، فالتفت، فقال: ((أعلى
صاحبكم دَيْنٌ؟) قالوا: نعم يَا رَسُولَ اللهِ، قال: ((صَلُّوا على
صَاحِبِكُمْ))، فقال أبو قتادة الأنصاري: هما إليَّ يا رسول الله، فَصَلَّى
عليه(١).
فدلَّ ما في هذا الحديثِ أنَّ رسولَ اللهِلَ﴿ جعل المتوفَّى المديونَ
الذي لم يترك قضاءً لِدينه بالكفالةِ لِدينه عنه بعد وفاته كتاركِ الوفاء
بالدين الذي عليه.
وفي هذه الآثارِ من الفقه إلزامُ رسولِ اللهِ ﴿ الكفيلَ بما كَفَلَ به
(١) رجاله ثقات غيرَ مهاجر بن دينار الشامي مولى أسماء بنت يزيد والد محمد
فإنه مقبول.
ورواه الطبراني في «الكبير)) ٢٤/(٤٦٦) عن يحيى بن عثمان بن صالح، عن عبد
الله بن يوسف، بهذا الإسناد.
وذكره الهيثمي في («المجمع)) ٤٠/٣ عن الطبراني، وقال: رجاله ثقات.
- ٤٧٩-

كتاب الصلاة - الجنائز
عمن هو عليه بغير أمرٍ الذي هو عليه إِيَّاه بذلك.
وفيه إلزامُه الكفالةَ بغيرِ قبولٍ من المكفولِ له به إيّاها منه، كما
يقول أبو يوسف ومحمد في ذلك بخلاف ما كان أبو حنيفة يقوله فيه،
لأنه كان لا يُلْزِمُ الكفيلَ ما كَفَلَ به إلا بقبولِ المكفولِ له ذلك منه.
وفيه أيضاً إلزامُ الكفالةِ بالدَّين الذي على الموتى الذين لم يتركوا
له قضاء كما يقولُ أبو يوسف ومحمد في ذلك، وبخلاف ما يقولُه أبو
حنيفة فيه، لأنه كان لا يُجيز الكفالةَ بذلك، ويذهب إلى أن الدَّين إذا
كان كما ذكرنا قد توى بذهابِ الذّمة التي كان فيها، قال: والكفالةُ
بالتاوي كفالةٌ بما قد بَطَلَ، فلا معنى لها، وليس لأحدٍ أن يَتَخَلَّفَ عن
رسول الله ﴾ في قول ولا في حُكم.
١١٦٢- حَدَّثْنَا فهدُ بنُ سليمانَ، حَدَّثْنَا محمدُ بنُ سعيد ابن
الأصبهاني، أخبرنا شريكُ بنُ عبد الله، عن عبدِ الله بن محمد بنِ عقيل،
عن جابر بنِ عبد الله، أنَّ رجلاً مات وعليه دينٌ، فلم يُصَلِّ عليه النبيُّ
﴿ حتى قال أبو اليَسَرِ أو غيره: هو إليَّ، فصلَّى عليه، فجاءه مِن الغَدِ
فتقاضاه، فقال: إنما ذلك كان أمسٍ، ثم أتاه من بعدِ الغد، فأعطاه،
فقال: (الآنَ بَرَّدَتْ عَلَيْهِ جِلْدَهُ)(١).
(١) إسناده ضعيف.
ورواه الطيالسي (١٦٧٣)، وأحمدُ ٣٣٠/٣، والحاكم ٥٨/٢، والبيهقي ٧٤/٦ -
٧٥ من طرقٍ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر، قال: توفي رجل فغسلناه
- ٤٨٠-