Indexed OCR Text
Pages 141-160
کتاب الإيمان
ولَنْ يَذِّلُّوا، ولن يُخْرَو))(١)، وذكر البخاري أن عبد العزيز هذا
المذكورَ في هذا الحديثِ: هو عبدُ العزيز بنُ بُشير، وأنه رجلٌ من بني
ضبةً(٢)، وقال غيْرُهُ من أهل الحديث: إنه من ولد سلمانَ بن عامر.
فكان جوابُ رسول الله﴿ في هذا الحديثِ بما لم يخرج عما
أجابَ به عائشة وعدياً في الحديثين الأولين غير ما فيه مما قاله له بَعْدَ أن
أمر بردّه إليه مما ذكر في حديثه هذا، وكان ذلك محتملاً عندنا - والله
أعلم - أن يكونَ ردُّ رسولِ اللهِ﴿ إياه بشيء قاله له المَّلَكُ في أمر أبي
سلمان: إنه كان يفعلُ ما كان يفعل من تلك الأشياء ◌ِيلحق عَقِبَهُ منها
(١) إسناد ضعيف، عبد العزيز - وهو ابن يُشير - لم يرو عنه غير أبي نعامة -
وهو عمرو بن عيسى بن سويد العدوي -، ولم يوثقه غيرُ ابن حبان، وقال علي ابن
المديني فيما نقله عنه ابن أبي حاتم ٣٧٨/٥: مجهول.
ورواه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (١١٣٥)، والفسوي في "المعرفة"
٣٢١/١. والطبراني (٦٢١٣) من طريق أبي عاصم، بهذا الإسناد.
وأورده الهيثمي في المجمع ١١٩/١ وقال: رجاله موثقون وجاء في الطبراني: نعامة،
عن بشر بن عبد العزيز.
(٢) الذي في المطبوع من "تاريخ البخاري" ٢٣/٦: عبد العزيز بن بشير وليس
فيه: وأنه رجل من بني ضية، وفي "التهذيب" للمزي: عبد العزيز بن يُشير بن كعب
العدوي البصري .... روى له أبو داود في كتاب "القدر" هذا الحديث الواحد، ووقع
عنده عبد العزيز بن بشير الضبي، والصواب: العدوي كما كتبنا" أ.هـ وذكره ابن
ناصر الدين في "توضيح المشتبه" ٥٣٧/١. وقال الحافظ في "التقريب": عبد العزيز بن
بشير بالضم ابن كعب العدوي البصري: مجهول.
-١٤١-
کتاب الإیمان
ما قد أخبرَ رسولُ الله:﴿ سلمانَ أنهم لن يفتقِرُوا، ولن يَذِلُّوا، ولن
يُخزوا، كما رَدَّ الرجلَ الذي كان سأله في حديث أبي قتادة: أرأيتَ
إن قُتلتُ في سبيلِ الله صابراً محتسباً، مقبلاً غير مُدبر، أيُكَفِّرُ الله تعالى
عني خطاياي؟ قال: "نعم"، فلما ولَّى دعاه، فقال له: ((إلا أَنْ يَكُونَ
عَلَيهِ دَينٌ، كذلك قال لي جبريلُ عليه السَّلامُ))(١).
١١١- وحدثنا الحسينُ بنُ نصر، حدثنا الفِريابيُّ، حدَّثنا سفيانُ،
عن هشامٍ بنِ عُروةَ، عن أبيه، قال: قال حكيمُ بنُ حِزامٍ: يا رسولَ الله
كُنْتُ أَدَعُ شيئاً تَبُّعاً في الجاهلية، قال: (لك ما أَسْلَمْتَ على ما
أَسْلَفْتَ مِنْ خَيٍ))(٢).
(١) رواه مسلم (١٨٨٥) في الإمارة - باب مَنْ قُتِل في سبيل الله كفّرت خطاياه
إلا الدين. والترمذي (١٧١٢) في الجهاد - باب ما جاء فيمن يستشهد وعليه دين.
والنسائي ٣٤/٦ في الجهاد - باب من قاتل في سبيل الله تعالى وعليه دين والإمام
مالك (٣٩٩ - رواية أبي مصعب) والإمام أحمد ٣٠٣/٥. وابن أبي شيبة ٣١٠/٥،
وسعيد بن منصور (٢٥٥٣)، وابن حبان (٤٦٥٤).
(٢) إسناده صحيح، وهو في الصحيحين، وقد روى من طريقين:
الأول: هشام بن عروة، عن أبيه، عن حكيم بن حزام:
رواه البخاري (٢٥٣٨) في العِتق - باب عِتق المشرك. ومسلم (١٢٣) في الإيمان
- باب حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده. والإمام أحمد ٤٤٣/٣، والحميدي (٥٤)،
وأبو عوانة ٧٣/١. والطبراني في "الكبير" ٣/(٣٠٧٦) و(٣٠٨٤) و(٣٠٨٥)، وأبو
نعيم في "معرفة الصحابة" (١٨٨٠) و(١٨٨٢)، والبيهقي ٣١٦/١٠.
الطريق الثاني: الزهري عن عروة: انظر ما بعده.
-١٤٢ -
كتاب الإيمان
١١٢- حدثنا مُصعبُ بنُ إبراهيمَ بنِ حمزة الزُّبيريُّ، حدَّثُنا أبي،
حدثنا عبدُ العزيز الدراورديُّ، حدثنا محمدُ بنُ عبد الله بنِ مسلم بنِ
شهابٍ الزهريُّ، عن عمه، عن عُروة، أن حكيمَ بنَ حزامٍ أخبره أنَّه قالَ
الرِسولِ اللهِ ﴿: أرأيتَ أموراً كُنْتُ أتحنَّثُ بها في الجاهليةِ مِن صدقةٍ
وعِتاقة وصِلَةِ رَحِمٍ: هل لي فيها من أَجْرٍ؟ فقال رسول الله حصل:
((أَسْلَمْتَ على ما أَسْلَفْتَ مِن خَيرٍ)(١).
فكان في هذا الحديث مِن رسول الله مَ﴿ جواباً لحكيم عن ما
سأله عنه قولُه له: ((أسلمت على ما أَسْلَفْتَ من خيرِ)) فذلك محتملٌ أن
يكونَ ذلك الخيرُ هو الخير الذي يُحْمَدُ عليه مثلُه على ما كان منه، وإن
كان لا أجرَ له فيه، فلم يَخْرُجْ ذلك عما في الآثارِ الأُوَلِ التي قد
رويناها في هذا الباب.
١١٣- وحدثنا ابنُ أبي داود، قال: حدثنا أبو كريب، أنبأنا
(١) إسناده حسن، والحديث في الصحيحين، وقد رواه من طريق الزهري، عن
عروة: البخاري (١٤٣٦) في الزكاة - باب مَنْ تصدَّق في الشرك ثم أسلم.
و (٢٢٢٠) في البيوع - باب شراء المملوك والبيع مع المشركين وأهل الحرب.
و(٥٩٩٢) في الأدب - باب من وَصَل رَحِمَه في الشرك ثم أسلم. وفي "الأدب
المفرد" (٧٠). ومسلم (١٢٣) في الإيمان - باب حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده.
وعبد الرزاق (١٩٦٨٥)، والإمام أحمد ٤٠٢/٣، وابن أبي عاصم في "الآحاد
والمثاني" ٤٢٠/١ (٥٩٤)، وابن حبان ٣٧/٢ (٣٢٩)، وأبو عوانة ٧٢/١،
والطيراني ٣٠٨٦١/٣) و(٣٠٨٧) و(٣٠٨٨) و(٣٠٨٩)، وأبو نعيم في "معرفة
الصحابة" (١٨٨٣)، والبيهقي ١٢٣/٩، والبغوي (٢٧).
-١٤٣-
كتاب الإيمان
معاويةُ بنُ هِشام، عن شيبانَ، عن جابرٍ، عن عامر، عن علقمة، عن
سلمة بن يزيد، قال: قُلنا يا رسول الله إنَّ أُمَّنا كانت تَقْري الضيفَ،
وتِصلُ الرحمَ، وإنها كانت وَأَدَتْ في الجاهليةِ، وماتت قبلَ الإِسلامِ،
فهل يَنْفَعُها عَمَلٌ إن عَمِلْناهُ عنها؟ فقال رسولُ اللهِ ﴿: ((لا يَنْفَعُ
الإِسلامُ إلا مَنْ أَذْرَكَ، أمُّكُم ومَا وَأَدَتْ فِي النَّارِ))(١).
(١) إسناده ضعيف جداً، فيه جابر بن يزيد الجعفي متهم بالكذب، ومعاوية بن
هشام القصار قال فيه الحافظ: صدوق له أوهام. ورواه الطبراني في "الكبير"
(٦٣٢٠) من طريق أبي كريب، به مختصراً. ورواه الإمام أحمد ٤٧٨/٣، والنسائي في
"التفسير" (٦٦٩)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٢٤٧٤)، والطبراني في
"الكبير" (٦٣١٩) وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٢٩٠/١/ب)، كلهم من طريق
داود بن أبي هند، عن عامر الشعبي، به، نحوه. وداود بن أبي هند ثقة إلا أنه خولف
في غير حديث كما ذكر الآجري عن أبي داود، وذكر الحافظ أنه كان يهم بآخره.
لكن تابعه مُحالد وغيره عن الشعبي كما ذكر أبو نعيم في "المعرفة".
ورواه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٢٤٧٥) من طريق عمران بن مسلم
عن يزيد بن مرة الجعفي: قال البخاري: لا يصح حديثه، وقال الحافظ في "تعجيل
المنفعة" فيه نظر.
ورواه ابن بطة في الإبانة - كتاب القدر (١٤٨٤) من طريق سفيان عن منصور
عن إبراهيم عن علقمة؛ قال جاءً ابنا مليكة رسول الله ﴿ فقالا: إن أمنا ماتت حين
رَعَد الإسلام وبرق فهل ينفعها أن تصلي لها مع كل صلاة صلاة، ومع كل صوم
صوماً، ومع كل صدقة صدقة؟ فقال النبي ◌ُ ◌ّ: "الوائدة والمؤودة في النّار"؛ قال: فلما
وليا قال: "ساءَكما أوشق عليكما، أمي مع أمكما في النار" وانظر رواية الطبراني في
الأوسط (٢٥٥٩) وستأتي في حديث ابن مسعود".
-١٤٤ -
کتاب الإیمان
وقال أبو نعيم في "المعرفة": رواه إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي، عن ابن
مليكة. وقال الحافظ في التقريب: "إبنا مليكة اسم أحدهما سلمة بن يزيد" وفي
التهذيب "ابنا مليكة الجعفيان أحدهما سلمة بن يزيد، روى عنهما علقمة بن قيس".
وعليه فإن الروايات السابقة - عدا رواية الجعفي - يقوي بعضها بعضاً على ما
فيها من ضعف كل رواية على انفراد، فالحديث إن شاء الله حسن بمجموع طرقه.
فإذا قيل أن هذا الحديث منكر المتن لما عليه كثير من أهل العلم أن أطفال
المشركين في الجنة فيجاب عنه أن هذا الحديث كان عن من مات في الجاهلية، ولعلهم
ممن قال فيهم الرسول ﴿ "اللهُ أعلم بما كانوا عاملين" وتقدم الكلام على هذا الحديث
قبل عدة أبواب - ومن الممكن أيضا أن تكون هذه الحالة التي سُئل عنها الرسول 10
من سيمتحن في الدار الآخرة وعَلِم النبيَ﴿ أنها من أهل النار.
ثم إن مسألة أولاد المشركين فيها خلاف بين أهل العلم كما ذكرنا في أبواب
متقدمة، فلا يُحكم بنكارة متن لأجل ترجيح أحد هذه المذاهب، والله أعلم.
وقد روى من حديث ابن مسعود مرفوعاً "الوائدة والمؤودة في النار". رواه عن
ابن مسعود: علقمة، وأبو الأحوص، والأسود، وعبد الملك بن عمير، وزر.
* رواه أبو داود (٤٧١٧)، وابن حبان (٧٤٨٠)، والبزار في "البحر الزخار"
(١٥٩٦)، والطبراني في الكبير (١٠٠٥٩). كلهم من طريق يحيى بن أبي زائدة، عن
أبيه، عن أبي إسحاق، حدثنا عامر الشعبي، عن علقمة، عن ابن مسعود، به.
* ورواه ابن أبي حاتم (كما في تفسير ابن كثير سورة التكوير). وابن بطة في
الإبانة (١٤٨٢) وهما من طريق أبي أحمد الزبيري. حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق،
عن علقمة وأبي الأحوص، عن عبد الله، به. وتَابَعَ إسرائيلَ شريكُ:
* رواه البزار في "البحر الزخار" (١٦٠٥) وابن بطة في "الإبانة" (١٤٨٣) من
طريق أبي أحمد الزبيري، عن شريك عن أبي إسحاق، عن علقمة وأبي الأحوص، عن
عبد الله به. ورواه البزار في مسنده (١٨٢٥) والهيثم بن كليب (٦٤٨). والطبراني
-١٤٥ -
کتاب الإیمان
ففي هذا الحديثِ أن الإسلامَ لا ينفعُ إلا من أدركه، أي: فأسلم،
ودخل فيه، وكانت المنفعةُ المذكورةُ في هذا الحديث محتملةٌ أن تكون
هي المنفعة بالإسلام لا بما سواه مما قد تقدمه في الجاهلية من الأمور
(١٠٢٣٦) وابن عدي في الكامل في ترجمة محمد بن أبان من طريق محمد بن أبان عن
عاصم عنه، عن عبد الله.
وقال أبو نعيم في المعرفة (٢٩٠/١/ب): رواه عارم، عن سعيد بن زيد، عن علي
بن الحكم، عن عثمان بن عمير، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن عبد الله.
ورواه الصعق بن حزن، عن علي بن الحكم عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الله بن
مسعود. ورواه قبيصة، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد
الله. ورواه الناس عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة مرسلاً. "أ.هـ.
قلتُ: حديث عارم رواه أحمد ٣٩٨/١ وحديث الصعق بن حزن رواه الطبراني
في الأوسط (٥٥٩).
ولفظة: عن ابن مسعود قال: جاءّ اينا مُليكَة إلى النبي﴿ .. فذكر الحديث
والقصة. وتقدم أن سلمة بن يزيد هو أحد ابني مُليكة، مما يدل على أنّ القصة واحدة
والحديث واحد.
والمرسل الذي أشار إليه أبو نعيم هو الذي ذكرناه في حديث سلمة ورواه ابن بطة
(١٤٨٤).
وروي أيضا من حديث عائشة رضي الله عنها.
فيه السؤال عن ذراري المؤمنين وذراري المشركين رواه أبو داود (٤٧١٢).
والخلاصة أن حديث سلمة بن يزيد حديث حسن، وحديث ابن مسعود صحيح
إن شاء الله. وصححه ابن حبان وقال: خِطاب هذا الخبر وَرَدَ في الكفار دون
المسلمين يريدُ بقوله الموائدة والمؤودة من الكفار في النار. وصححه الألباني في تخريج
المشكاة (١١٢).
-١٤٦-
کتاب الإیمان
المحمودةِ، ومحتملة أن تكون نافعة لأهلِها في غير الإسلام، كما ينفعُهم
لو عَمِلوها في الإِسلام غير أن جملة ما رويناه في هذا الباب يَرْجِعُ إلى
مرادٍ عاملي الأشياء بإعمالهم إيّاها ما عَمِلُوها له، كما قالَ﴿: ((إنّما
الأَعْمَالُ بِالْنِيَّاتِ، وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئ ما نَوِى، فَمَنْ كانَتِ هِجِرَّتُهُ إلى
اللهِ عز وجل وإلى رسولهِ، فهجرته إلى الله ورسوله، ومَنْ كانت
هِجْرَتُهُ إلى دُنْيا يُصيبُها أو امرأةٍ يَتَزَوَّجُها، فَهِجْرَتُهُ إلى ما هَاجَرَ
إليه))(١).
وسنذكر ذلك بأسانيده فيما بعدُ مِن كتابنا هذا إن شاءَ الله
تعالی.
وإذا كانت الأعمالُ في الإِسلام لا تَنْفَعُ عامِليها إلا بنيتهم بها الله
عزَّ وجَلَّ، فيكونون بها مريدينَ له، وقاصِدِين إليه، فُثيبهم عليها ما
يُثِهم عليها، وإذا عَمِلُوها لما سوى ذلك مِن أمورِ دُنياهم لم يكونوا
كذلك، ولم يكن لهم في ذلك من شئ، كان ما عملوه في الجاهلية مِن
الخير الذي ليس معهم من الإسلام ولا النياتُ التي يُريدون بأعمالهم
فيها الله عز وجل، أحرى أن لا يُتَابُوا عليها، وأن لا يؤتوا بها إلاَّ ما
قَصدوا بها إليه في دُنياهم من أسباب دُنْياهم، فقد ائتلفَتْ هذه الآثار
التي رويناها في هذا البابِ، وصدق معاني بعضها بعضاً. ولم يَخْرُجْ
شئٌّ فيها عن شئٍ إلى ما يُضادها، وبالله التوفيق.
(١) متفق عليه وهو أول حديث عند البخاري.
-١٤٧-
کتاب الإیمان
٢١- بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ الله# في الاستغفارِ
للمشر کین من نهي أو إباحة
١١٤- حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدثنا أبو عامرِ العَقَدِيُّ،
عن سفيانَ، عن أبي إسحاق، عن أبي الخليل، عن علي رضي الله عنه،
قال: سَمِعْتُ رجلاً يستغفرُ لأبويه وهما مُشْرِ كان، فقلتُ: أتستغفِرُ
لأبويك وهما مشركان؟ قال: أَلَم يستغفرْ إبراهيمُ لأبيه. فذكرتُ ذلك
للنبيِ وَ﴿ّ، فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغَفَاسِهِبرَاهِيمَ لَأَبِهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها
إِنَاهُ﴾ (١). [التوبة: ١١٤]
١١٥- وحدثنا يزيدُ بنُ سِنَان، قال: حدثنا محمدُ بن كثير
العبدِي، قال: أنبأنا سفيان، ثم ذکر یإسناده مثله.
١١٦ - وحدثنا فهدُ بنُ سليمان، قال: حدثنا أبو نُعَيْمٍ، قال:
حدثنا سفيانُ، عن أبي إسحاق، عن أبي الخليل، عن علي رضي الله
عنه، قال: سمعتُ رجلاً يستغفرُ لأبويه وهما مشر كان: فقلتُ: أَتَسْتَغْفِرُ
لأبويك وهما مشر كان؟ فقال: ألم يستغفرْ إبراهيمُ مَ﴿ لأبيه. قال:
(١) إسناده لا بأس به. أبو الخليل هو عبد الله بن الخليل أو ابن أبي الخليل
الحضرمي الكوفي، وقيل هما اثنان، كان قليل الحديث.
والحديث رواه الترمذي (٣١٠١) في تفسير سورة التوبة، وقال حديث حسن.
والنسائي ٩١/٤ في الجنائز - باب النهي عن الاستغفار للمشركين، والطيالسي
(١٣١)، والإمام أحمد ٩٩/١ و١٣٠ و١٣١، والطبري في التفسير، وأبو يعلى
(٣٣٥) و(٦١٩)، والبزار في "البحر الزخار" (٨٩٣) و(٨٩٤)، والحاكم ٣٣٥/٢.
-١٤٨-
کتاب الإیمان
فذكرتُ ذلك للنبي:﴿ فقال: ﴿مَا كَانَ لِلْبِيّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا
لِلمُشْرِكِينَ﴾ الآيتين [التوبة: ١١٣-١١٤].
قال أبو جعفر: ففيما روينا من هذا الحديثِ إنكارُ علي رضي اللهُ
عنه [على الرجل المذكور فيه استغفاره] لأبويه وهما مشركان، وذكرُ
علي ذلك للنبي ﴿، ونزولُ ما ذكر نزوله من القرآن في ذلك، أو
تلاوته عليه ما تلاه عليه من القرآن في ذلك، ولم يُبَيِّن لنا في هذا
الحديث أنَّ أبوي ذلك الرجل كانا حَيَّيْنٍ، أو أنهما كان مَيِّتَيْنِ عندَ
استغفاره لهما، غير أنَّ إحدى الآيتين المذكورتين فيه معنى يوجب
الوقوفَ عليه وهو قولُه عز وجل الذي نهى به عن الاستغفارِ لهم من
بعد ما بَيَّنَ لهم أنهم أصحابُ الجحيم. فكان في ذلك ما قد دلَّ على أنَّ
الاستغفارَ لهم قبل أن يتبيَّنَ لهم أنهم أصحابُ الجحيم بخلاف ذلك وفي
ذلك [ما] يُبيح الاستغفارَ لهم ما كان الإيمان مرجوّاً منهم، ومحرماً
عنهم بعد أن يؤيّسَ منهم منه، وذلك لا يكون إلاّ بعدَ موتهم.
وقد رُوِيَ عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ما قد دلَّ على
هذا المعنى.
١١٧- كما قد حدثنا ابن أبي داود - قال أبو جعفر: كذا في
كتابي والصوابُ ابن أبي مَرْيم - قال: حدثنا الفِرْيَابي، قال: حدثنا
سفيان، عن حبيبٍ بن أبي ثابت، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس
رضي الله عنهما، قال: لم يَزَلْ إبراهيمِ﴿ يستغفِرُ لأبيه حتّى مات،
-١٤٩-
کتاب الإيمان
فلما مات(١)، تَبَّن له أنَّه عدو الله، فتبرََّ منه(٢).
١١٨- وكما حدثنا محمد بن الحَجَّاجِ الحَضْرَمِي وعلي بن عبد
الرحمن بن محمد بن المغيرة الكوفي، قالا: حدثنا عبدُ الله بنُ صالح، قال:
حدثني معاويةُ بنُ صالح، عن علي بنِ أبي طَلْحة
عن ابن عباس قوله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيّ وَالّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا
لِلْمُشْرِ كِنَ وَلَوْ كَانُوا أُوِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبِيِّنَ لَهُمْ أَنْهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِم﴾
(١) في المطبوع "ماتت".
(٢) أثر صحيح عن ابن عباس، لكن إسناده ضعيف جدًّا لأجل ابن أبي مريم وهو
عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، قال ابن عدي: يُحدِّث عن الفريابي وغيره
بالبواطيل.
لکنه رُوي بأسانید اخری صحيحة
فقد رواه سعيد بن منصور ٥/ (١٠٣٧) عن سفيان، عن أبي سنان عن سعيد بن
جبير بأطول منه، وإسناده صحيح. ورواه سفيان الثوري في تفسيره (٣٤٥) عن
حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به.
ومن طريق سفيان رواه الطبري (١٧٣٤٣) و(١٧٣٤٤) و(١٧٣٤٥)
و(١٧٣٥٧) وابن أبي حاتم في تفسيره لهذه الآية، وإسناده ثقات إلا أن حبيب بن
أبي ثابت مدلس ولم يصرح بالسماع.
وروى ابن جرير (١٧٣٥٨) من طريق إسماعيل بن خليفة، عن علي بن بذَيمة، عن
سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ﴿فلما تبين له أنه عدوٌ شْ﴾ قال: لما مات.
وإسماعيل بن خليفة؛ أبو إسرائيل صدوق سيئ الحفظ.
وانظر لمزيد من البيان: تحقيق الشيخ سعد الحميد لسنن سعيد بن منصور
٢٧٧/٥ - ٢٨٠.
- ١٥٠ -
كتاب الإيمان
فكانوا يستغفرون لهم حتى نزلت هذه الآية، فلما نزلت، أمسَكُوا عن
الاستغفار لأمواتهم ولم ينههم أنْ يستغفروا للأحياء حتى يموتوا، ثم
أنزل الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِقَاسِبِهَاهِيم ◌َبِلَّ عَنْ مَوْعِدَةٍوَعَدَهَا إِيَاء
فَلَا تَّنَ لَهُأَنَه عَدُوٌّ ◌َِرَّأَمِهُ﴾ يعني استغفر له ما كان حيَّاً، فلما مات
أمسك عن الاستغفار له. (١).
فكان في ذلك ما قد دلَّ على ما قد ذكرنا مما تأوَّلنا عليه حديثَ
علي رضي الله عنه، وقد شدَّ ذلك قول الله عز وجل حكايةً عن نبيِّه
إبراهيم حَلّ: ﴿وَغْفِرْ لَ بِيِنَّهُ كَانَ مِنَ الصَّالِ﴾ [الشعراء: ٨٦].
واحتملنا حديث علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس رضي الله
عنهما وإنْ كان لم يلقه، لأَنَّه عندَ أهل العلم بالأسانيد إنما أخذ الكتاب
الذي فيه هذه الأحاديث عن مجاهد وعن عكرمة، وقد رُوِيَ أنَّ سببَ
نزولِ ما تَلَوْنَا في حديث علي رضي الله عنه كان لِغيرِ المعنى الذي
ذَكَرْنَا نزولَ ما قد كان من أجله،
(١) هذا الأثر مروي في صحيفة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (٦٠١)، علي
بن أبي طلحة لم يدرك ابن عباس وسيأتي قول المؤلف: إنه احْتُمِلّ حديثه وإن كان لم
يلقه، لأنه أخذ الكتاب الذي فيه هذه الأحاديثُ عن مجاهد وعكرمة فيما قاله أهلُ
العلم بالأسانيد. وقد ذُكِر نحو هذا القول عن ابن حجر.
ورواه الطبري (١٧٣٣٢) عن المثنى، عن عبد الله بن صالح، بهذا الإسناد.
وأورده السيوطي في "الدر المنثور" ٣٠٠/٤، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي
حاتم، وابن مردويه.
- ١٥١ -
کتاب الإیمان
١١٩- كما قد حدثنا فهدُ بنُ سليمان، قال: حدثنا أبو اليَمَان
الحكم بن نافع البَهْرَاني، قال: أخبرنا شُعَيْب بن أبي حمزة، عن
الزهري، قال: أخبرني سعيد بنُ الْمُسيِّب، عن أبيه، قال: لما حَضَرَتْ أبا
طالبٍ الوفاةُ جاءَه رسولُ اللهِلَ﴿، فوجد عنده أبا جهلٍ، وعبد الله بن
أبي أُمَيَّةِ بنِ المغيرة، فقال النبيُّ ◌َ﴿ لأبي طالب: ((أي عمِّ، قُلْ: لا إله إلاَّ
الله كلمةً أَشهدُ لَكَ بها عندَ الله). فقال أبو جهل وعبدُ الله بن أبي
أُمَيَّة: أترغب عن مِنَّة عبدِ المطلب؟! فلم يزلِ النبي ﴿ يَعْرِضُها عليه
ويُعِيدَانِه بتلك المقالةِ حتَّى قال أبو طالب آخرَ ما كلْمهم: على مِلَّة عبدٍ
المطلب، وأبى أنْ يقول: لا إله إلا الله، فقال النبيُّ﴿: ((أما واللهِ
لِأَستغفرَنَّ لك ما لم أُنْهَ عنك)) فأنزل الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِلْنَبِيّ والذينَ
آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِ كَِ وَكَوْ كَانُوا أُوِي قُرْبَى .. الآية﴾ وأنزل في أبي
طالب: ﴿إِنّكَ لاَ تَهِدِي مَنْ أَحْتَيْتَ وَلَكِنَّاللَّه ◌َهْدِي مَنْ يَشَاءُ (١) [القصص: ٥٦].
(١) رواه البخاري (١٣٦٠) في الجنائز - باب إذا قال المشرك عند الموت لا إله
إلا الله. و(٣٨٨٤) في مناقب الأنصار - باب قصة أبي طالب. و(٤٦٧٥) في
التفسير - باب قوله ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يَستغفروا للمشركين﴾. و(٤٧٧٢) في تفسير
سورة القصص - باب قوله تعالى ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء﴾.
و(٦٦٨١) في الأيمان والنذور - باب إذا قال والله لا أتكلم اليوم، (مختصرًا). ومسلم
(٢٤) في الإيمان - باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ما لم يشرع في
النزع وهو الغرغرة، ونسخ جواز الاستغفار للمشركين، والدليل على أن من مات
على الشرك فهو في أصحاب الجحيم، ولا ينقذه من ذلك شئ من الوسائل، والإمام
-١٥٢-
کتاب الإیمان
١٢٠- وكما قد حدَّثْنا محمدُ بنُ أحمد بنِ جعفر وعُبَيْدُ بنُ
رجال، قالا: حدثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدثنا ابنُ وَهْبٍ قال: أخبرني
يونس، عن ابن شهاب، [قال: أخبرني سعيدُ بن الُسيِّب، عن أبيه] ثم
ذکر مثله.
١٢١ - وكما حدثنا [مصعب بن إبراهيم الزبيري، قال: حدثنا
أبي] قال: حدثنا الدَّراوردي، قال: حدثنا محمد بن [عبد الله بن مسلم،
عن عمه، عن سعيد بن المسيب] أن أبا طالب لما حضرته الوفاة .. ثم
ذكر مثله(١) ولم يُحاوِزْ به سعيدَ بنَ المسِّب.
فكان في هذا الحديث أن الله عزَّ وجَلَّ إنما أنزل النهيَ عنِ
الاستغفارِ للمشركين لسببٍ ما كان من أبي طالب، وأنَّ ذلك كان مِن
بعدٍ موته على ما ماتَ علیه.
وقد رُوِي أُنَّ سبب نزوها کان في خلاف ذلك.
١٢٢- كما حدَّثنا أحمدُ بنُ داود بن موسى، قال: حدثني حَرْمَلَةُ
أحمد ٤٣٣/٥، والنسائي ٩٠/٤ في الجنائز - باب النهي عن الاستغفار للمشركين.
والطبري في التفسير (١٧٣٢٥)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٧٢٠)
و(٧٢١) والطبراني في الكبير ٢٠/ (٨٢٠)، والبيهقي في "الدلائل" ٣٤٢/٢.
(١) مصعب بن إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة الزبيري الزهري المدني، قال
الجزري: ضابط محقق [أي في القراءات] قرأ على قالون، وله عنه نسخة وهو من جلة
أصحابه (غاية النهاية ٢٩٩/٢) وذكره ابن ناصر الدين في توضيح المشتبه ٢٨٠/٤
وقال: روى عنه الطبراني. وذكره المزي ٧٧/٢ فيمن روى عن أبيه إبراهيم.
وأبوه إبراهيم بن حمزة من رجال التهذيب.
- ١٥٣-
كتاب الإيمان
بنُ يحيى، قال: أنبأنا عبدُ الله بنُ وَهْب، قال: أخبرني ابنُ جُرَيْجٍ، عن
أَيُّوب بنِ هانئ، عن مَسْرُوق بن الأَجْدَع، عن عبد الله بنِ مسعودٍ
رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله : ﴿ خرج يوماً وخرجنا معه حتّى انتهينا
إلى المقابرِ، فأمرنا، فجَلَسْنَا، ثم تخطّى القبورَ حتى انتهى إلى قبر منها،
فجلس، فناجاه طويلاً، ثم ارتفع نَحِيبُ رسولِ الله لم﴿ باكياً، فبكينا
البكاءِ رسول الله ﴿، ثم إنَّ النبيَّ ل﴿ أقبل إلينا، فتلقاه عُمر بن الخطاب
رضي الله عنه، فقال: ما الذي أبكاكَ يا رسولَ الله، فقد أبكانا
وأَفْزَعَنَا؟ فأخذ بيد عُمر، ثم أقبل إلينا، فَأَتَيْنَاه، فقال: (أَفْرَعَكُمْ
بُكَائِي)؟ قلنا: نعم يا رسولَ الله. فقال: ((إنَّ القبرَ الذي رأَيْتُمونِي
أُنَاجِي قبرُ آمنةَ بنتِ وَهْبٍ، وإِنِّي استأذنتُ ربي عز وجل في
الاستغفار لها، فلم يأْذَنْ لِي ونزل عليَّ ﴿مَا كَانَ النّبِيّ وَالّذِينَ آمَنُوا أَنْ
يَسْتَغْفِرُ والِلْمُشْرِ كِينَ﴾ حتى تنقضي الآية {وَمَا كانَ استغفارهُإبراهيمَ
لأبيه﴾ فأخذني ما يأخذُ ما يأخذُ الولدُ للوالدين من الرِّقَّةِ فذلك الذي
أبكاني))(١).
(١) إسناده ضعيف: ابن جريج مدلس وقد عنعن، وأيوب بن هانئ قال الحافظ في
"التقریب": صدوق فيه لین.
ورواه الحاكم فى "المستدرك" ٣٣٦/٢ وعنه البيهقي في "دلائل النبوة"
١٨٩/١٢ -١٩٠ من طريق ابن وهب بهذا الإسناد، وصححه الحاكم، فتعقبه الذهبي
بقوله: أيوب بن هانئ ضعفه ابن معين، وذكره السيوطي في "الدر المنشور" ٣٠٢/٤ -
٣٠٣، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.
- ١٥٤-
کتاب الإیمان
فالله أعلمُ بالسبب الذي كان فيه نزولُ ما قد تَلَوْنا غَيْرَ أنه قد
يجوز أنْ يكونَ نزولُ ما قد تَلَوْنا بعد أن كان جميعُ ما ذكرنا من سببٍ
أبي طالب، ومن سببٍ علي رضي الله عنه فيما كان سمعه من المستغفر
لأبويه، ومن زيارة النبي ﴿ قَبْرَ أمه، ومِن سؤال ربه عز وجل عندَ ذلك
الإذن له في الاستغفار لها، فكان نزولُ ما تلونا جواباً عن ذلك كُلِّهِ.
وقد رُوِيَ عنه ﴿ في إباحة الاستغفار لأَحْيَائِهم.
١٢٣ - ما قد حدثنا محمد بنُ علي بنِ داود، قال: حَدَّثنا إبراهيمُ
بنُ حمزة الزُّبَيْرِي وإبراهيمُ بنُ المنذر الحِزَامي، قالا: حدثنا محمد بن
فُلَيْحِ، عن موسى بنِ عُقْبة، عن الزهري، عن سهل بن سعدٍ السَّاعِدِي
رضي الله عنه أن رسولَ الله ﴿ قال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي، فإنّهم لا
يَعْلَمُونَ)(١).
(١) حديث صحيح.
ورواه الطبراني في "الكبير" (٥٦٩٤) من طريقين عن إبراهيم بن المنذر الحزامي،
عن محمد بنٍ فليح، بهذا الإسناد، وذكر الهيثمي في "المجمع" ١١٧/٦ عنه، وقال:
رجاله رجال الصحيح.
وروى البخاري (٣٤٧٧) و(٦٩٢٩)، ومسلم (٢٨٠٤) عن عبد الله بن مسعود
رضي الله عنه قال: كأني أنظر إلى رسول الله # يحكي نبياً من الأنبياء ضربه قومه
فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه، ويقول: ((اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون)).
وقد ورد في رواية عند الإمام أحمد من حديث ابن مسعود أن هذا الدعاء كان من
رسول الله 8* عند تقسيم غنائم حتين بالجعرانة فازدحموا عليه فذكره. وعليه فإن
الدعاء لقومه من المسلمين. وانظر الفتح ٥٢١/٦.
- ١٥٥-
کتاب الإیمان
ففي هذا الحديث استغفاره * لقومه الذين لا يعلمون وهُمُ الذين
لم يُؤْمِنُوا به ولم يُصَدِّقُوهُ. وقد رُوِيَ عنهمَ﴿ مما يدخُلُ في هذا البابِ.
١٢٤ - ما قد حدثنا عليُّ بنُ عبد الرحمن، قال: حدثنا يحيى بنُ
مَعِين، قال: حدثنا مروانُ بنُ مُعَاوية، قال: حدثنا يزيدُ بن كَيْسَان، عن
أبي حازم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله ◌ِ ﴾:
((استأذنتُ ربِّي عز وجل أَن أَسْتَغْفِرَ لوالدَتِي، فلمْ يأْذَثْ لِي،
واستأذنتُهُ أَنْ أَزورَ قَبْرَها فَأَذِنَ لِي)»(١).
والله عز وجل نسأله التوفيق.
(١) رواه مسلم (٩٧٦) في الجنائز - باب استئذان التي * ربه عز وجل في
زيارة قبر أمه. وأبو داود (٣٢٣٤) في الجنائز - باب في زيارة القبور. وابن ماجة
(١٥٧٢) في الجنائز - باب ما جاء في زيارة قبور المشركين. والنسائي ٩٠/٤ في
الجنائز - باب زيارة قبر المشرك. والإمام أحمد ٤٤١/٢، وأبو يعلى ٦١٩٣١/١١).
والبيهقي ٧٦/٤.
-١٥٦-
کتاب الإيمان
٢٢- بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْهُ عليه السَّلامُ في الرجلِ
الَّذي أَوْصَى بَنِيهِ إِذَا مَاتَ أَنْ يَحْرِقُوهُ، ثم يَسْحَقُوهُ، ثم یَذُرُّوهُ
في الريحِ فِي البَرِّ والبَحْرِ، وفي غُفرانِ اللهِ لهُ مع ذلك
١٢٥ - حدَّثنا علي بنُ شَيبة، حدثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم الحَنْظَلي،
أخبرنا النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ، أخبرنا أبو نَعَامَةَ العَدَوىِ، حدثنا أبو هُنِيدَةً
البراءُ بنُ نَوْفَل، عن والان العَدَوي، عن حذيفة، عن أبي بكرِ الصِّديق
رَضِيَ الله عنه قالَ: أَصْبَحَ رسولُ اللهِ ﴿ ذَاتَ يَوْمٍ .. فذكر حديثاً
طويلاً من حديثِ يومِ القيامة، ثم ذكر فيه شفاعةَ الشُّهداء، قالَ: ((ثم
يَقُولُ الله: أنا أرحمُ الراحمين، انظروا في النارِ، هَلْ فيها من أَحَدٍ عَمِلَ
خيراً قطُّ، فَيَجِدُونَ في النارِ رجلاً، فيُقالُ لَهُ: هَلْ عَمِلْتَ خَيْراً قَطُّ،
فيَقُولُ: لا، غَيْرَ أَنّي كُنْتُ أَمَرْتُ وَلَدي: إذا مِتُّ، فَأَحْرِقُونِي بِالنّارِ،
ثم اطْحَنُونِي، حَتَّى إذا كُنْتُ مِثْلَ الكُحْلِ، فَاذْهَبُوا بي إلى البحرِ،
فاذْرُوني في الريحِ، فو اللهِ لا يَقْدِرُ عليَّ ربُّ العالمينَ أَبَداً، فيُعاقِبَني،
إذْ عاقَبتُ نفسي في الدُّنيا عليه. قالَ الله تعالى له: لِمَ فَعَلْتَ هذا،
قال: مِنْ مَخافَتِكَ، فَيَقُولُ: انظُرْ ملكاً بأعظَم مُلْكٍ، فإِنَّ لَكَ مثلَه
وعشرةَ أمثالِه))(١).
(١) إسناده لا بأس به، أبو نعامة هو عمرو بن عيسى صدوق اختلط، والبراء
كان قليل الحديث، ووالان وثقه البعض ولا يُعرفَ إلا بهذا الحديث.
وأصله حديث طويل فيه قصة الشفاعة.
ورواه الدارمي في "الرد على الجهمية" (١٨١) و(٢٩٥) عن إسحاق بن راهويه،
-١٥٧ -
کتاب الإیمان
فتأمَّلنا ما في هذا الحديثِ من وصيةِ هذا الموصي بنيهِ بإحراقِهم
إيَّاه بالنارِ وبِطَحْنِهِم إياه حتى يكونَ مثلَ الكُحْلِ، وبتذريهم إِيَّاهُ في
البحرِ في الريحِ، ومن قولهِ لَهُم بعد ذلك: فواللهِ لا يَقْدِرُ عليَّ ربُّ
العالمين أبداً.
فوجدنا ذلك مُحتملاً أن يكونَ كان من شريعة ذلك القرن الذي
كانَ ذلك الموصي منه القريةُ بمثلِ هذا إلى ربِّهم جَلَّ وعَزَّ خَوْفَ عذابهِ
إِيَّاهم في الآخرةِ، ورجاءَ رحمته إِيَّهُم فيها بتعجيلهم لأنفُسِهم ذلك في
الدُّنيا، كما يفعلُ من أمتنا مَنْ يُوصي منهم بوَضْعِ خَدِّهِ إلى الأرضِ في
لَحْدِهِ رجاءَ رحمةِ اللهِ جَلَّ وعزَّ إياه بذلك.
فقالَ قائلٌ: وكيفَ جازَ لك أن تَحْمِل تأويلَ هذا الحديثِ على
ما تأوَّلْتَه عليه في ذلك من وصيةٍ ذلك الموصي ما يَنْفي عنه الإِيمانَ باللهِ
جَلَّ وعَزَّ لأنَّ فيه: ((فواللهِ لا يَقْدِرُ عليَّ رُّ العالمينَ أَبَداً)، ومَنْ نَفَى
بهذا الإسناد ببعض الحديث ولم يذكر فيه قصة الرجل.
ورواه الإمام أحمد ٤/١-٥ والمروزي في "مسند أبي بكر" (١٥) وأبو عوانة
١٧٥/١-١٧٨، وابن أبي عاصم في "السنة" (٧٥١) و(٨١٢)، وابن خزيمة في
"التوحيد" ص ٣١٠-٣١٢، وأبو يعلى (٥٦)، وابن حبان (٦٤٧٦) والبزار في البحر
الزخار (٧٦) والدولابي في (الكنى ١٥٥/٢-١٥٦) وابن الجوزي في العلل
٤٣٨/٢، وابن عدي ٧٤١/٢، من طرق عن أبي نعامة بهذا الإسناد.
وعلقه البخاري في "خلق أفعال العباد" (٩٨) وذكره الدارقطني في العلل سؤال
(١٤) وقال: والان ليس بالمشهور والحديث غير ثابت وأكثر الروايات اقتصرت على
بعض الحديث الطويل.
- ١٥٨ -
کتاب الإیمان
عن اللهِ تعالى القدرةَ في حالٍ مِنَ الأحوالِ، كان بذلك كافراً.
وكان جوابُنا له في ذلك أنَّ الذي كانَ من ذلك الموصي من قولِه
لبنيه: ((فواللهِ لا يَقْدِرُ عليَّ ربُّ العالمين)) ليسَ على نفي القُدرةِ عليه في
حال من الأحوال، ولو كان ذلك كذلك، لكانَ كافراً، ولما جازَ أن
يَغْفِرَ الله لَهُ، ولا أن يُدخلَهُ جنتَه، لأنَّ الله تعالى لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ به،
ولكن قوله: ((فواللهِ لا يَقْدِرُ عليَّ ربُّ العالمين أَبَداً) هو عندَنا - والله
أعلمُ - على التضييقِ، أيْ: لا يُضَيِّقُ الله عليَّ أبداً، فُعَذَّبني بتضييقِه
عليَّ لِمَا قَدْ قدَّمتُ في الدنيا من عذابي نفسي الذي أوصيتكم بهِ فيها،
والدليلُ على ما ذكرنا قولُ اللهِ تعالى: ﴿فَمَّا الإنْسَانُ إذا ما أَبَتَلَهُ مرَّبُّهُ﴾ إلى
قولهِ: ﴿فَقَدَرَ عليهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٥-١٦]، أي: فَضََّّقَ عليه رِزْقَهُ،
وقولُه في نَبيَّه ذي النون - وهو يونُسُ عليه السَّلام -: ﴿وَذَا الَُّّونِإِذْ ذَهَبَ
مُغَاضِباً فَظَّأَنْ كَثْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] في معنى: أَنْ لَنْ نُضَيقَ عليه،
وقولُه: ﴿َبِسُطُ الرِّزْقِ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُلِهِ﴾ [الرعد: ٢٦] فكان البَسْطُ هو
التوسعةَ، وكان قولُه: ﴿وَبَقْدِرُ﴾ هو التضييقَ، فكانَ مثلَ ذلك قولُ
ذلك الموصي: ((فواللهِ لا يَقْدِرُ عليَّ ربُّ العالمين أبدا) أي: لا يُضِّق
عليَّ أبداً، لِما قَدْ فعلتُه بنفسي رجاءَ رحمتهِ وطلبَ غُفرانه، ثِقَةٌ منه به،
ومعرفة منه برحمتهِ وعَفْوهِ وصَفْحِه بأقلَّ من ذلك الفعلِ.
وهذا حديثٌ، فقد رُوي مِن غيرِ هذه الجهةِ بخلافِ هذا اللفظ،
مما معنى هذا اللفظ الذي رُوِيَ به هذا الحديثُ الذي ذكرنا.
-١٥٩-
کتاب الإیمان
١٢٦- كما قد حدثنا ابنُ مرزوقٍ، حدثنا وهبُ بنُ جرير، عن
أبيه، قال: سمعتُ عبد الملك بنَ عُميرٍ يُحَدِّثُ عن رِبْعِيِّ بن حِراش،
قال: أتاني أبو مسعودٍ البَدْرِيُّ، وحُذَيْفَةُ ونحن ثلاثة نمشي ليسَ معنا
أُحدٌ، فقال أبو مسعود لحذيفةً: يا أبا عبدِ الله، هَلْ سمعتَه - يعني:
رسولَ الله ﴿ - يُحدِّثُ حديثَ الرجل الذي كان يُنُشُ القُبُورَ، قال:
نعم، سمعتُ رسول اللهِ ﴾ يقولُ: ((كانَ رجلٌ فِيمَنْ كانَ قبلكم يَنْبُشُ
القُبورَ، فلما حَضَرَتْهُ الوفاةُ، دعا بَنِيه، فقال: أي بني أيَّ أَبٍ كُنْتُ
لكم؟ قالوا: خيرَ أبٍ، قال: فإنّي سائِلُكُمْ سُؤالاً، قالوا: ما هُو؟ قال:
إذا مِتُّ، فَاحْرِقُوني، ثم اطْحَنُونِي أَشَدَّ طحنٍ طَحَنْتُموه شَيئاً قَطُّ، ثم
انظُرُوا يَوْماً رائحاً، فَاذْرُونِي فِيهِ، فإن الله يَقْدِرْ عَلَيَّ يُعَذِّبْنِي، فَعَثَه
الله، فقالَ: ما حَمَلَكَ على ما صَنَعْتَ؟ قال: مخافَتك، فَغَفَرَ له
بذلك)). فقالَ أبو مسعود: وأنا قد سَمِعْتُه(١).
١٢٧- وكما حدثنا أحمدُ بنُ شعيب، حدثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم،
حدثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن رِبْعِي، عن حُذيفةً، عن رسول الله ﴿
(١) حديث صحيح رواه البخاري (٣٤٥٢) في أحاديث الأنبياء - باب ما ذكر
عن بني إسرائيل. و(٣٤٧٩) في أحاديث الأنبياء - باب منه (٥٤). و (٦٤٨٠) في
الرقاق - باب الخوف من الله عز وجل. والنسائي ١١٣/٤ في الجنائز باب أرواح
المؤمنين. والإمام أحمد ١١٨/٤ و٣٨٣/٥ و٤٠٧، وابن حبان (٦٥١)، والبزار في
"البحر الزخار" (٢٨٢٢)، والطبراني في "الكبير" ١٧/(٦٤٢) و (٦٤٥) و(٦٤٧)
و(٦٤٨). وأبو نعيم في "الحلية" ١٢٤/٨.
- ١٦٠ -