Indexed OCR Text
Pages 101-120
كتاب الإيمان
فتأملنا ما في هذا الحديث طلباً منا للمراد به ما هو ؟
فوجدنا مَنْ قال لصاحبه: يا كافر، معناه: أنه كافر، لأَنَّ الذي
هو عليه الكُفْرُ، فإذا كان الذي عليه ليس بكفر، وكان إيماناً، كان
جاعلُه كافراً جاعلَ الإِيمان كفراً، وكان بذلك كافراً بالله تعالى، لأن
من كفر بإيمان الله تعالى فقد كفر بالله، ومنه قولُ الله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ
بالإِيمانِ، فَقَدْ خَبِطَ عَمَلُهَ وَهُوَفِي الآخِرَةِ مِن الْخَاسِرِ﴾ [المائدة: ٥] فهذا
أحسنُ ما وقفنا عليه من تأويل هذا الحديث، والله نسألُه التوفيق.
وذكره الهيثمي في المجمع ١٨٧/١ وحسَّن إسناده.
ورواه ابن حبان (٨١)، وذكر في " الثقات" ٤٧١/٦ ترجمة الصلت بن بهرام
وقال: كوفي عزيز الحديث .. وهو الذي يروي عن الحسن ومن قال أنه الصلت بن
مهران فقد وهم.
ورواه البخاري في تاريخه ٣٠١/٤ وقال: الصلت بن مهران.
وقال ابن القطان: مجهول الحال وقال الذهبي: مستور.
-١٠١ -
کتاب الإیمان
١١ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوي عنه عليه السَّلامُ من قوله:
((سِبابُ المسلم فسوق، وقتاله كفر))
٧٢- حدثنا ابنُ معبدٍ، حدَّثْنَا معَّى بنُ منصور، حدثنا ابنُ أبي
زائدة، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن محمد بن سعد، عن أبيه، قالَ:
قالَ رسولُ اللهَ مَ: ((سِبَابُ الْمُسْلمِ فُسوقٌ، وقِتَالُه ◌ُفْرٌ)(١).
٧٣- حدَّثنا عليٌّ بنُ الحسين أبو عبيدٍ، حدثنا الحسنُ بنُ أبي
الربيع، أخبرنا عبدُ الرزاق، حدثنا مَعْمَرٌ، عن أبي إسحاق، عن عُمَّرَ بِنِ
سعدٍ، قال: حدثنا سعدُ بنُ أبي وَقَّاص، قال رسولُ اللهِحَ ﴿ .. ثم ذكر
مثله.
فاختلف زكريا بنُ أبي زائدة، ومَعْمَرُ بنُ راشد على أبي إسحاق
في ابنِ سعدٍ الذي بَيْنَه وبَيْنَ سعدٍ من هذا الحديثِ، فذكر زكريا أنه
محمد، وذكر معمر أنه عُمَرُ، والله أعلمُ بحقيقة ذلك منهما مَنْ هُوَ (٢).
(١) إسناد صحيح وابن أبي زائدة: هو یحیی بن ز کریا.
(٢) اختلف في هذا الحديث على أبي إسحاق السبيعي:
* فرواه معمر، عن أبي إسحاق، عن عمر بن سعد، عن أبيه.
* ورواه زكريا بن أبي زائدة، وشريك، وإسرائيل، وروح بن مسافر، أربعتهم،
عن أبي إسحاق، عن محمد بن سعد، عن أبيه.
* أما حديث معمر فرواه عبد الرزاق (٢٠٢٢٤) والإمام أحمد ١٧٦/١
(١٥١٩)، وعبد بن حميد (١٣٨)، والنسائي ١٢١/٧.
وحديث زكريا رواه البخاري في "الأدب المفرد" (٤٢٩) والإمام أحمد ١٧٨/١،
وابن بطة في ((الإبانة) (كتاب الإيمان - رقم ٩٨٩) ووقع في المطبوع من («الإبانة))
- ١٠٢ -
کتاب الإیمان
٧٤ - حدثنا يزيدُ بنُ سنان، حدثنا سليمانُ بنُ حرب، حدثنا
شعبةٌ، عن منصورٍ، قال: سَمِعْتُ أبا وائلٍ وشُعبة، عن الأعمش قال:
سمعتُ أبا وائل وشعبة، عن زُبيدٍ، قال: سمعت أبا وائل، عن عبدِ الله،
قال: قال رسولُ الله عليه السَّلامُ: ((سِبَابُ الْمُسلِمِ فُسوقٌ وقِتَالُه
کُفىٌ(١).
٧٥- حدثنا يزيدُ بنُ سنان، حدَّثنا مؤمَّلُ بنُ إسماعيل، حدثنا
سفيانُ، حدثنا زُبَيْدٌ، عن أبي وائلٍ، قال: قال عبدُ الله: قال رسول الله
*.. ثم ذكر مثله (٢).
عیسی بن زكريا وصوابه عيسى - وهو بن يونس - عن زكريا).
* وحديث شريك رواه ابن ماجة (٣٩٤١) في الفتن. وصحح إسناده في الزوائد.
* وحديث إسرائيل رواه النسائي في "الكبرى" (تحفة الأشراف ٣٩٢٣).
* وحديث روح بن مسافر رواه الطبراني في الكبير ١/(٣٢٥).
فالذي يترجح أن الصواب محمد بن سعد عن أبيه، والله أعلم.
(١) إسناده صحيح، وهو في الصحيحين كما سيأتي في التعليق التالي.
(٢) رواه البخاري (٤٨) في الإيمان - باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو
لا يشعر. و(٦٠٤٤) في الأدب - باب ما يُنَهى مِنَ السِّبابِ واللعن. و (٧٠٧٦) في
الفتن - باب قول النبي ◌َّ "لا ترجعوا بعدي كُفارًا يضربُ بعضكُم رِقاب بعض.
وفي "الأدب المفرد" (٤٣١) ومسلم (٦٤) في الإيمان - باب بيان قول النبي %
"سباب المسلم فُسوق، وقِتَالُه كُفر". والترمذي (١٩٨٣) في البر والصلة - باب منه
(٥٢). و(٢٦٣٤) و(٢٦٣٥) في الإيمان - باب ما جاء سباب المؤمن فسوق.
والنسائي ١٢٢/٧ في تحريم الدم - باب قتال المسلم. وفي "الكبرى (تحفة الأشراف
٩٢٩٩). وابن ماجة (٦٦٩) في المقدمة - باب في الإيمان. و(٣٩٣٩) في الفتن -
-١٠٣-
کتاب الإیمان
٧٦- حدَّثْنا علي بنُ شيبة، حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ موسى العبسي،
حدثنا سفيانُ، عن زبيد، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن رسول الله
9 .. ثم ذكر مثلَه.
قال: قلتُ لأبي وائلٍ: أسمعتَ مِن عبد الله؟ فقال: نَعَمْ.
٧٧- حدثنا جعفر بن محمد الفِريابي، حدثني أبو عبد الله هُرَيْمُ
بنُ مِسْعَرِ الأزديُّ الترمذي، أخبرنا الفُضيلُ بنُ عِياضٍ، ومنصور، عن
أبي وائلٍ، عن عبدِ الله، قال: سمعتُ رسول الله :﴿ فِي حَجَّةِ الوداع
يقول :.. ثم ذكر مثلَه.
٧٨- وحدثنا ابنُ مرزوقٍ، حدثنا أبو الوليدُ الطيالسيُّ، حدثنا أبو
عَوانة، عن عبد الملك بنِ عميرٍ، عن عبد الرحمن بنِ عبد الله بنِ
مسعود، عن أبيه قال: قال رسولُ الله :﴿ .. ثم ذكر مثلَه.
فتأملنا هذا الحديث، فوجدنا قوله: (سِبَابُ الُسلمِ فُسوقٌ)
مكشوفَ المعنى، والفسوق: المرادُ فيه: هو الخروجُ عن الأمرِ المحمودِ
باب سباب المسلم فسوق وقتاله كفر. والطيالسي (٢٤٨) و(٢٥٨) و(٣٠٦)،
والحميدي (١٠٤)، والإمام أحمد ٣٨٥/١ (٣٦٤٧) و٤١١/١ (٣٩٠٣)، و٤١٧/١
(٣٩٥٧) و٤٣٣/١ (٤١٢٦) و٤٣٩/١ (٤١٧٨) و٤٤٦/١ (٤٢٦٢) و ٤٥٤/١
(٤٣٤٥) و٤٦٠/١ (٤٣٩٤)، وأبو يعلى (٤٩٨٨) و(٤٩٩١) و(٥١١٩)
و(٥٢٧٦) و(٥٣٣٢)، وابن حبان (٥٩٣٩)، وأبو عوانة ٢٤/١، والبزار في مسنده
(١٦٦٠) وابن مندة في "الإيمان" (٦٥٣) - (٦٥٦)، وابن بطة في "الإبانة" - كتاب
الإيمان (٨٩٧) و(٩٨٨) و(٩٩١) والبيهقي ٢٠/٨، وأبو نعيم في "الحلية" ٣٤/٥
و١٢٣/٨ و٢١٥/١٠، والخطيب في تاريخه ١٨٥/١٣.
-١٠٤ -
كتاب الإيمان
إلى الأمرِ المذموم، ومثلُه قولُ الله تعالى في إبليس: ﴿فَفَسَقَ عِنْ أَمْسِ رِهِ
[الكهف: ٥٠]، أي: فخرج عن أمرِ ربِّه، ومنه قولُ رسولِ الله ◌ِ﴾. في
الفأرة، وفيما ذكره معها مما أباح قتله في الحرم والإحرامِ: ((خَمْسٌ
فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ والإحرامِ))(١).
فكان ذلك الفسوق الذي كان منهن هو خروجُهُنَّ إلى الأذى
الذي يؤذين به الناس.
وكان قوله: ((وقتالُه كفر)) ليس على الكفر بالله تعالى حتى يكونَ
به مرتداً، ولكنه على تغطيته به إيَّاه، واستهلاكَ به إِيَّه، لأنَّ الكفر هو
التغطية للشئ التغطية التي تستهلكه، ومنه قولُ الله تعالى: ﴿كَلِ غَيْثِ
أَعْجَبَ الكُفَّارَ نَاتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠]، ولا اختلاف بينَ أهل العلم
بالتّويل أن الكفارَ الذين أُرِيدُوا ها هنا هم الزُّرَّاع لأنهم يُغطون ما
يزرعون في الأرض التغطية التي يستهلكونه به.
ومما يَدُلُّ على أن ذلك الكفرَ المذكورَ في هذا الحديث لم يُرِدْ به
الكفرَ بالله تعالى، بل قد وجدناه يَقْتُلُ أخاه، فلا يكونُ بقتله إياه كافراً
(١) روى ذلك من حديث عائشة، وحفصة، وابن عمر رضي الله عنهم وانظر في
ذلك:
البخاري في جزاء الصيد - باب ما يَقتل المُحرِم مِن الدواب أحاديث (١٨٢٦)
إلى (١٨٢٩). وفي بدء الخلق - باب إذا وقع الذبابُ في شراب أحدكم حديث
(٣٣١٤) و(٣٣١٥). وصحيح مسلم في الحج - باب ما يندب للمحرم وغير قتله
من الدواب في الحِل والحرم. حديث (١١٩٨) و(١١٩٩) و(١٢٠٠).
- ١٠٥ -
کتاب الإیمان
بالله، وإذا لم يكن بقتله إِيَّه كافراً بالله، كان بقتاله إياه أَحْرَى أن لا
يكونَ به كافراً.
ومثل ذلك ما رُوي عن رسول الله {#: في حديثِ الكسوف.
٧٩- حدثنا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهب، أن مالكاً حدَّته، عن زيد
بنِ أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابنِ عباس - في حديثه من كسوف
الشمس - عن النبيِّ عليه السَّلامُ قال: ((ورأيتُ النَّارَ، فرأيتُ أكثر
أهلها النِّساءَ)، قيل لِمَ يا رسولَ الله؟ قال: ((بِكُفْرِهِنَّ)، قيل: يَكْفُرْنَ
بالله تعالى؟ قال: (يَكْفُرْنَ العشيرَ، ويكفرن الإحسانَ، لو أحسنتَ إلى
أحداهن الدَّهْرَ، ثم رأت منك شيئاً، قالت، ما رأيتُ منك خيراً
قطُّ)(١).
(١) رواه البخاري (٢٩) في الإيمان - باب كُفران العشير وكُفْر دون كُفر.
و(١٠٥٢) في الخسوف - باب صلاة الكسوف جماعة. و(٥١٩٧) في النكاح -
باب كُفران العشير وهو الزوج، وهو الخليط من المعاشرة. ورواه أيضا في (٧٤٨)
و(٣٢٠٢) ببعض حديث الخسوف وليس فيه هذا اللفظ. ورواه مسلم (٩٠٧) في
الخسوف - باب ما عرض على النبي # في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار.
والنسائي ١٤٦/٣ - ١٤٨ في صلاة الكسوف - باب قدر القراءة في صلاة
الكسوف. والإمام مالك ١٣٢ - وفي (٦٠٦) رواية أبي مصعب. وعبد الرزاق
٩٨/٣ (٤٩٢٥)، والإمام الشافعي في "المسند" ١٦٣/١. والإمام أحمد ٢٩٨/١
و٣٥٨، والدارمي (١٥٣٦). وابن المنذر في "الأوسط" ٢٩٦/٥ (٢٨٩٢)، وأبو
عوانة ٣٧٩/٢. وابن خزيمة (١٣٧٧)، وابن حبان (٢٨٣٢) و(٢٨٥٣). والبيهقي
٣٢١/٣، والبغوي (١١٤٠). وللحديث مواضع أخرى ليس فيها هذا اللفظ.
-١٠٦-
کتاب الإیمان
فجعل رسولُ الله ◌َ فِعْلَهن هذا كفراً لتغطيتهن به الإحسان
الذي قد تَقَدَّم إلیھنَّ.
ومثلُه أيضاً ما رُوي عن ابنِ عباسٍ، عن رسولِ اللهِل:﴿ من غير
هذا الحديث.
٨٠- كما حدَّثنا أبو أمية، حدَّثنا أبو نعيم، حدثنا قيسٌ، عن
الأغر بنِ الصباح، عن خليفةَ بنِ حُصين، عن أبي نصر، عن ابنِ عباس
قال: كان بَيْنَ الأوسِ والخزرجِ شئٌ في الجاهلية، فتذاكروا ما كان
بَيْنَهُمْ، فثار بعضُهم إلى بعض بالسيوفٍ، فَأَتَى رسول الله عليه السَّلامُ،
فذكر ذلك له، فذهب إليهم، فنزلت هذه الآية: ﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ
وأُتْمَ تْلَى عليكُمْآيَاتُ اللهِ وفِيكُمْ مَرَسُولُه .. واعَتَصِمُوا بحبل الله جميعاً ولا
نَفَرَّقُوا﴾(١) [آل عمران: ١٠١-١٠٣].
فلم يكن بما كان منهم مِن القتال مما أنزل الله تعالى عندَه هذه
(١) إسناده حسن إلا أنه يحتمل الانقطاع. قال البخاري في صحيحه كتاب
النكاح - باب ما يحل من النساء وما يحرم بعد حديث (٥١٠٥): "وأبو نصر هذا لم
يُعرَف بسماعه من ابن عباس".
والحديث رواه الطبري في تفسيره (٧٥٣٥ ت شاكر) والبخاري في تاريخ (الكنى
ص ٧٦)، والطبراني في "المعجم الكبير ١٢ / (١٢٦٦٦) و(١٢٦٦٧) والواحدي في
"أسباب النزول" (٢٣٣) و(٢٣٤). كلهم من طريق أبي نصر، عن ابن عباس، به.
وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" إلى الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي
حاتم والطبراني.
- ١٠٧ -
کتاب الإیمان
الآية التي ذكر فيها ما كان منهم بالكُفْر على الكُفر بالله تعالى، ولكن
كان على تغطيتهم ما كانوا عليه قبل ذلك من الألفة والأخوة، حتى إذا
كان منهم ما كان منهم من ذلك، فَسُمِّيَ كفراً لا يُرادُ به الكفرُ بالله
عز وجل، ولكن الكفر الذي ذكرناه سواه.
ومثلُ ذلك ما قد رُوي عن ابنِ عباس في تأويله قول الله تعالى:
﴿وَمَنْ لَمْ يُحِكُمْ بِ أَنْزَلَ اللّه فَأَوَنْكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] على ما
تأوله علیه.
٨١- كما حدَّثنا ابنُ مرزوق، حدثنا أبو حذيفة، عن سفيانَ،
عن ابنٍ طاووس، عن أبيه، قال: قيل لابن عباس: ﴿وَمَنْ لَمْ يْكُمْ بما
أَنْزَلَ اللهِ فَأَوَكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ؟ قال: هي كُفْرُهُ وَلَيْسَ كَمَنْ كَفَرَ بالله
واليوم الآخر(١).
٨٢- وحدثنا ابنُ أبي مريم، حدثنا الفريابيُّ، حدثنا سفيانُ، عن
معمر، عن ابن طاووس، عن طاووس قال: قلتُ لابنِ عباسٍ: مَنْ لَمْ
يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللهِ فَهُوَ كَافِرُ؟ قال: هو به كُفْرُهُ، وليسَ كَمَن كَفَرَ
بالله، واليوم الآخر، وكتبه، ورسُلِهِ(٢).
(١) أثر صحيح، لكن هذا الإسناد فيه أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي، قال
الحافظ: صدوق سيء الحفظ وكان يصحف. والأثر رواه الثقات عن سفيان عن
معمر عن ابن طاووس، كما في الإسناد التالي.
(٢) إسناده صحيح. ورواه الطبري في تفسيره للآية (١٢٠٥٣) و (١٢٠٥٤) من
طريق سفيان، به.
-١٠٨ -
كتاب الإيمان
ومثلُ ذلك أيضاً ما قد رواه أبو هريرة، عن رسول الله (948.
٨٣- كما حدثنا بكرُ بن إدريس، عن أبي عبد الرحمن المقرئ،
حدثنا حيوةُ بنُ شريحٍ، أخبرني جعفرُ بنُ ربيعةَ القرشي، أن عِراكَ بنَ
مالك أخبره، أنه سَمعَ أبا هريرة يقولُ: سمعتُ رسول الله:﴿ يقولُ:
(لا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُم، فَمَنْ رَغِبَ عن أبيه، فَهُوَ كُفْرٌ))(١).
فذلك عندنا - والله أعلمُ - على مثلٍ ما ذكرناه من مثله من
هذا الباب.
ومثلُ ذلك أيضاً ما قد رواه عقبةُ بنُ عامر، عن رسول الله له.
وعزاه الشيخ سعد الحميد في تحقيق سنن سعيد بن منصور؛ وكذا محقق الإبانة إلى
الإمام أحمد في "الإيمان" (١٣١/أ).
ورواه المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" ٢/(٥٧١) و(٥٧٢) وابن بطة في الإبانة
(١٠٠٥) كلهم من طريق سفيان، به. ورواه أيضا الطبري في تفسيره، والإمام أحمد
في "الإيمان"، وعبد الرزاق في التفسير، والمروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (٥٧٠)
وسعيد بن منصور في كتاب التفسير من "سنته" (٧٤٩)، وابن بطة في الإبانة
(١٠٠٩) و(١٠١٠) والحاكم في "المستدرك ٣١٣/٢ والبيهقي في سننه ٢٠/٨ من
طرق عن ابن عباس، ونحوه.
(١) حديث صحيح.
رواه البخاري (٦٧٦٨) في الفرائض - باب من ادَّعى إلى غير أبيه. ومسلم (٦٢)
في الإيمان - باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم. والإمام أحمد
٥٢٦/٢، وابن حبان (١٤٦٦)، وأبو عوانة ٢٤/١، وابن مندة في الإيمان (٥٩٠) -
(٥٩٢). والخرائطي في "مساوئ الأخلاق" (٨٤)، وابن بطة في "الإبانة" (٩٨٤).
-١٠٩-
کتاب الإيمان
٨٤- كما حدثنا الربيعُ المرادِيُّ، وبحرُ بنُ نصر، قالا: حدثنا بشْرُ
بنُ بكر، عن ابنٍ جابر، حدثني أبو سلام، حدثني خالدُ بنُ زيدٍ، قال:
قال لي عُقبةُ: قال لي رسولُ اللهِلَّ: ((مَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ بَعْدَما عَلِمَهُ
رَغْبَةً عَنْهُ، فَإِنَّها نِعْمَةٌ كَفَرَها)(١). فمثل ذلك الكفر الذي ذكر به
المسلم مِن قتاله، هو هذا الكفرُ، لا الكفرُ بالله عز وجل، والله نسألُه
التوفيقَ.
(١) حديث صحيح، رواه أبو داود (٢٥١٣) في الجهاد - باب في الرمي.
والنسائي ٢٨/٦ في الجهاد - باب ثواب من رمى يسهم في سبيل الله (ليس فيه هذا
الجزء) و٢٢٢/٦ في الخيل - باب تأديب الرجل فرسه. والإمام أحمد ١٤٦/٤ و
١٤٨، والحاكم ٩٥/٢ وصححه ووافقه الذهبي، ورواه الطبراني ١٧/ (٩٤٢). كلهم
من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، به (مطولاً)
ورواه ابن ماجة (٢٨١٤) في الجهاد - باب الرمي في سبيل الله، من طريق المغيرة
بن نهيك عن عقبة مرفوعاً ولفظه "مَنْ تعلم الرمي ثم تركه فقد عصاني".
وهو في صحيح مسلم (١٩١٩) في الإمارة - باب فضل الرمي والحث عليه وذم
من علمه ثم نسيه، من طريق عبد الرحمن بن شماسة عن عقبة مرفوعاً ولفظه " من
عَلمِ الرمي ثمّ تركه فليس منًّا، أو قد عصى".
وروى من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلام عن عبد الله بن زيد عن عقبة
وأكثر رواياته ليس فيها هذا الجزء.
- ١١٠ -
كتاب الإيمان
١٢ - بابُ بیانِ مشكل ما روي عن رسول الله # من قوله:
((إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتلُ والمقتولُ في النارِ)» وما
کان من أبي بكرة من خطابه للأحنف بذلك لما خاطبه به
من أجله
٨٥- حدثنا بكارُ بن قتيبة، قال: حدَّثْنا مؤمَّلُ بنُ إسماعيل، قال:
حدَّثْنا حمادٌ، عن أيوب ويونس، عن الحسنِ، عن الأحنفِ بنِ قيس، عن
أبِي بَكْرَةَ، قال: قالَ رسولُ اللهَ﴾: «إذا التقى المسلمان بأسيافِهما،
فالقاتِلُ والمقتولُ في النَّار))(١).
٨٦- حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدثنا عبدُ الصمد بنُ عبد
الوارث، عن شعبة، عن منصورٍ، عن رِبعي بنِ حِرَاشٍ، عن أبي بكرة
عن النبيِّ:﴿، قال: ((إِذا حَمَلَ المُسْلِمانِ السِّلاحَ أَحدُهما على
صاحبه، فَهُمَا على حَرْفِ النَّارِ، فَإِنْ قَتَلَ أَحَدُهُما صَاحِبَهُ دَخَلاها
(١) رواه البخاري (٣١) في الإيمان - باب ﴿وإنْ طائفتان مِن المؤمنينَ اقتلوا فأصلحوا
بينهما﴾. و(٦٨٧٥) في الديات - باب ﴿وَمَنْ أحياها﴾. و(٧٠٨٣) في الفتن - باب إذا
التقَى الْمُسلمانِ بسَيفيهما. ومسلم (٢٨٨٨) في الفتن وأشراط الساعة - باب إذا
تواجه المسلمان بسيفهما، وأبو داود (٤٢٦٨) و(٤٢٦٩) في الفتن والملاحم - باب
في النهي عن القتال في الفتنة. والنسائي ١٢٤/٧ و١٢٥ في تحريم الدم - باب تحريم
القتل. وابن ماجة (٣٩٦٥) في الفتن - باب إذا التقى المسلمان بسيفهما. والإمام
أحمد ٤١/٥و٤٣ و٤٦ و٤٨ و٥١. والطيالسي (٨٨٤) وابن حبان (٥٩٤٥) و
(٥٩٨١). والبيهقي ١٩٠/٨، والبغوي (٢٥٤٩).
- ١١١ -
کتاب الإیمان
ئ
جميعاً).
فطلبنا المعنى الذي جاء به أبو بكرة بهذا الحديث من أجلِه.
٨٧- فوجدنا إبراهيمَ بنَ أبي داود قد حدَّثنا، قال: حدثنا
المُقَدَّمي، قال: حدثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوب ويونس، عن الحسن،
عن الأحنف بن قيس، قال: أخذتُ سِلاحي وأنا أُريدُ أن أَنْصُرَ ابنَ عمِّ
رسولِ الله ﴿ فلقيني أبو بكرة، فقال: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ ابنَ عم
رسول الله ﴿، قال: أفلا أُحَدَّتُكَ حديثاً سمعتُه من رسولِ اللهِ﴿ّ قال:
بلى، قلتُ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﴿ يقولُ: (إذا تَواجَةَ الْمُسْلِمَانِ
بسيفيهما، فَقْتَلَ أَحَدُهُما صاحِبَهِ، فَهُمَا فِي النَّارِ)، قيل: يا رسولَ اللهُ
هذا القاتِلُ، فما بال المقتولِ؟ قال: ((إنَّه قد أراد يقتل صاحبه))(١).
(١) قال الطبري فيما نقله عنه الحافظ في "الفتح" ٣٤/١٣: لو كان الواجب في
كل اختلاف يقع بين المسلمين الهربَ منه بلزوم المنازل، وكسر السيوف، لما أقيم
حدٍّ، ولا أيطل باطل، ولوجد أهل الفسوق سبيلاً إلى ارتكاب المحرمات من أخذ
الأموال، وسفك الدماء وسبي الحريم بأن يحاربوهم، ويكف المسلمون أيديهم عنهم
بأن يقولوا: هذه فتنة، وقد نهينا عن القتال فيها. وهذا مخالف للأمر بالأخذ على
أيدي السفهاء.
قال الحافظ: وقد أخرج البزار في حديث "القاتل والمقتول في النار" زيادة تبين
المراد، وهي: "إذا اقتتلتم على الدنيا فالقاتل والمقتول في النار" ويؤيده ما أخرجه مسلم
(٢٩٠٨) بلفظ: "لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس زمان لا يدري القاتل فيم
قَتَل، ولا المقتول فيم قُتل"، فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: "الهرج، القاتل والمقتول في
- ١١٢-
کتاب الإیمان
فتأملنا هذا الحديثَ، فاحتمل أن يكونَ علي رضي الله عنه لما
كان رسولُ اللهِمَ﴿ أعلم أنه يُقاتِلُ على تأويلِ القرآن كما قاتل هو ◌َّ
على تنزيله، علم بذلك أن ذلك لا يكونُ منه إلا وهو خليفةٌ لرسولٍ
الله ◌َّ فِيه، فطلب المنزلةَ التي يلحق بها قتال من وَعَدَهُ رسولُ اللهِ﴿وَ
أنه يُقاتِلُه، وأن يكون طلحة والزبيرُ رضي الله عنهما لم يكونا وقفا على
ذلك من رسول الله ﴿ لِعلي رضي الله عنه، وأن علياً لم يكن عندهما
أولى بولايةٍ أمرٍ هذه الأمة من كلِّ واحدٍ منهما، وعَلما أنَّهما لابُدَّ
للناسِ ممن يتولَّى أمورَهم لِيقاتل عدوّهم من ورائهم، ويقوم بما لا يقومُ
به إلا أئمتهم من صلواتهم، ومن وضع ز کواتھم فیمايجب وضعُها فیه،
ومن الحجِّ بهم، ومن قسم فيئهم بينَهم، ومن إقامة الأشياء سوى ذلك
من أمور دينهم مما لا يقومُ به إلا أئمتهم، فقاتلاه لذلك، وكان معه مِن
رسولِ الله /* توقيفٌ في ذلك أولى ممن ليسَ معه مثل ذلك، وإنما معه
ما يُؤدِّيه إليه تحريه واجتهادُه، وإنما كانا هما المفروضان عليهما فيما
كانا بسبيله، فقاتل كُلُّ فريق مِن علي رضي الله عنه ومنهما رِضوانُ الله
عليهما على مالَه القتالُ عليه.
وكان من قاتل مع كُلِّ فريقٍ من ذينك الفريقين على ما يُقاتل
R
عليه ذلك الفريقُ غيرَ ملومٍ على ذلك، بل هو محمودٌ عليه، وكان الذي
النار" قال القرطبي: فبين هذا الحديث أن القتال إذا كان على جهل من طلب الدنيا أو
اتباع هوى، فهو الذي أريد بقوله: "القاتل والمقتول في النار".
- ١١٣-
كتاب الإيمان
كان من أبي بكرة إلى الأحنف بن قيس لا على سبيل النهي له عما همَّ
به، ولكنه نَّهه على أن ما يُرِيدُه مما أدَّاه اجتهادُ الذي قصد إلى القتال
معه إليه بغير وقوفٍ منه على ما كان من رسولِ الله / إلى علي رضي
الله عنه مما دعا الناسَ إليه وقاتلهم عليه مما هو فوقَ الاجتهاد والتحري،
وكان مَنْ قاتل على الاجتهاد والتحري، فقد تُدركه البصيرةُ بما يقطعه
عن القتال، ويوجب عليه تركه فخاف عليه أن يُدْرِكَه ذلك، وتقطعه
الحميةُ التي قد دخلته بالقتال، فيتمادى في قتاله، فيدخل في الجنسِ الذي
حدَّته به عن رسول الله ◌ِ ﴾.
والعرب قد تستعمل هذا، ومن ذلك ما قد جاء به كتابُ الله عز
وجل من قول أحد ابني آدم لصاحبه: ﴿إِنْ بَسَطْتَ إلَيِّ يَدَّكِلِتَقْتَلِ مَا أَنَا يَاسطٍ
يَدَِبِ مَقْلَكَ إِي أَخَافُ الله ◌َ العَمِنَ﴾ [المائدة: ٢٨]، وقد كان له مدُّهُ
يده إليه لِيدفعه عن نفسه لَّا أرادَ قَتْلَهُ، ولكنَّه خاف أن يَرْجِعَ صاحبُه
عما کان همَّ به، ويتمادى هو في الدفع عن نفسه حتى يكون في ذلك
تلفُ صاحبه بما يفعلُه به، فخاف الله عز وجل من أجل ذلك. ومثلُ
ذلك قولُ النِّنَ﴿: «اللَّهُمَّ هذه قِسْمَتِي فيما أَمْلِكُ فلا تَلُمِنِي فيما
تَمْلِكُ ولا أَمْلِكُ))(١) مع علمه ﴿: أن الله عَزَّ وَجَلَّ لا يُؤاخِذُه بما لا
(١) روي هذا من حديث عائشة متصلاً، مرسلا:
أما المتصل فرواه حماد بن سلمة عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد،
عن عائشة مرفوعاً:
-١١٤ -
کتاب الإیمان
يَمْلِكُ، ولكن على التوقي من الزيادة فيما لا يملِكُ حتى يدخل به فيما
يملك.
ومن ذلك تعليمه لحُصين الخزاعي أن يكونَ من دعائه: ((اغْفِرْ لي
ما أَخْطَأْتُ وما عَمَدْتُ))(١) وهو يعلم أنَّ الله لا يُؤاخِذُه بما أخطأ، لأنه
رواه أبو داود (٢١٣٤) في النكاح - باب في القسم بين النساء. والترمذي
(١١٤٠) في النكاح - باب ما جاء في التسوية بين الضرائر. والنسائي ٦٣/٧ في
عشرة النساء - باب ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض. وابن ماجة (١٩٧١) في
النكاح - باب القسمة بين النساء. والإمام أحمد ١٤٤/٦، وابن أبي شيبة ٣٨٦/٤.
والدارمي (٢٢١٣)، وابن أبي حاتم في "العلل" ٤٢٥/١، وإسحاق بن راهويه في
"مسند عائشة" (٨٢٧)، وابن حبان (٤٢٠٥)، والحاكم ١٨٧/٢، والبيهقي ٢٩٨/٧
كلهم من طريق حماد بن سلمة عن أيوب، به.
قال الترمذي بعد روايته هذا الحديث: "حديث عائشة هكذا؛ رواه غيرُ واحد عن
حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد، عن عائشة؛ أنّ
التي ◌ُ كان يَقسيم. ورواه حماد بن زيد وغير واحدٍ عن أيوب، عن أبي قلابة مرسلا؛
أَنَّ الْنِيِنَّ كان يَقسِمُ. وهذا أَصَخُّ من حديث حماد بن سلمة. وقال النسائي: أرسله
حماد بن زيد.
وقال ابن أبي حاتم في "العلل": "فسمعت أبا زرعة يقول لا أعلم أحداً تابع حمادًا
على هذا، قلتُ: روى ابن عليه، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: كان رسول الله مخ#
يقسم بين نسائه ... الحديث مرسلاً.
والحديث المرسل رواه ابن أبي شيبة ٣٨٦/٤ عن ابن علية، عن أيوب، به.
(١) بعض حديث صحيح فيه خبر إسلام حصين والد عمران رضي الله عنهما.
- ١١٥-
کتاب الإیمان
قد قال عز وجل في كتابه: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْهِكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وِلِكنْ ما
تَنَّدَتْ قُلُوُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، فكان الذي كان من أبي بكرة
للأحنفِ تنبيهاً منه إيَّاه على ما هو مخوفٌ عليه، وكان انصرافُ
الأحنف على الإشفاق منه لعلمه بنفسه وبأخلاقه التي هو عليها. والله
عز وجل نسأله التوفيق.
ورواه الإمام أحمد ٤٤٤/٤، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٩٩٣)، وابن
حبان (٨٩٩).
وروى أيضا دون هذا الجزء من الدعاء كما عند الترمذي وابن أبي عاصم
والطبراني، وسيأتي تخريجه إن شاء الله في الذكر والدعاء.
-١١٦-
کتاب الإیمان
١٣ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عن رسولِ الله # مِن قوله
لأسامة بن زید في الرجل الذي قتله بعد أن قال له: إني
مسلم، ما قاله له في ذلك
٨٨- حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدثنا أبو حُذيفة، قال:
حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمش، عن أبي ظَبيانَ، عن أسامة بنِ زيدٍ، قال:
بعثنا رسولُ اللهِ وَ﴿ إلى أناسٍ من جُهَيْنَةَ يقال لهم الْحُرُقَات، فأتيتُ على
رجلٍ منهم، فذهبتُ لأطعنه، فقال: لا إله إلا الله، فطعنتُه فقتلته، فجثُت
إلى النبيِّ ◌َ﴿ فأخبرتُه، فقال: ((قتلتَه وقد شَهدَ أن لا إله إلا الله !! ))
قلتُ: يا رسولَ الله إنما قالها تَعَوُّذًا، قال: ((فألا شَقَقْتَ عن قَلْبِهِ)(١).
٨٩- حدثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال: أخبرنا محمدُ بنُ آدم، عن أبي
معاوية، عن الأعمش، عن أبي ظَبيان، عن أسامةَ بنِ زيدٍ، قال: بعثنا
(١) إسناده ليس بالقوي، فيه أبو حذيفة موسى بن مسعود متكلم في حفظه لكنه
تُوبع والحديث متفق عليه، وقد رواه عن أبي الظبيان: الأعمش، وحصين ومنصور بن
أبي الأسود.
أما حديث الأعمش: فرواه مسلم (٩٦) في الإيمان رقم ١٥٨ - باب تحريم قتل
الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله. وأبو داود (٢٦٤٣) في الجهاد - باب على ما
يقاتل المشركون. والنسائي في "الكبرى" (تحفة الأشراف ٨٨)، والإمام أحمد
٢٠٧/٥. وابن أبي شيبة ٣٧٥/١٢، والطبراني ١ / (٣٨١) و (٣٩٤).
أما طريق منصور بن أبي الأسود فرواه البزار في "البحر الزخار" (٢٦١٢)
والبيهقي ١٩٦/٨ أما طريق حصين فانظر التعليق التالي.
-١١٧-
کتاب الإیمان
رسولُ اللهِ ﴾ إلى الحُرُقَاتِ من جُهينة، فصبَّحْنَا وقد نَذِرُوا بنا،
فخرجنا في آثارهم، فأدركتُ منهم رجلاً، فجعل إذا لحقتُه، قال لا إله
إلا الله، ثم قتلته، وقلتُ: إنه لم يَقُلُها مِنْ قِبَلِ نفسه، إنما قالها فَرَقاً مِن
السلاح - قال أبو جعفر: كأنه يعني النبيَّ:# - فقال: ((أقال لا إله
الله ثم قتلتَه؟! فَهَلاَّ شَقَقْتَ عن قلبه حتَّى تعلم أنه إنما قالها فَرَقاً مِن
السَّلاح)).
قال أُسامة: فما زال يُكررها عليَّ: ((أقال لا إله إلا الله ثم
قتلتَه؟!) حتى وَدِدْتُ أني لم أكن أسلمتُ إلا يومئذٍ.
٩٠- حدثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: حدثنا عمرو بنُ علي، قال:
حدثنا عبدُ الرحمن - يعني ابنَ مهدي-، قال: حدثنا منصورُ بنُ أبي
الأسود، عن حُصَيْنٍ، عن أبي ظَبيانَ، قال: سمعتُ أسامةَ بنَ زيدٍ يقولُ:
بعثنا رسولُ الله ◌َ﴿ في جيش إلى الحُرُقَاتِ - حيٌّ من جُهينة - فلما -
يعني هزمناهم - ابتدرتُ أنا ورجلٌ من الأنصار رجلاً منهم، فقال: لا
إله إلا الله، فكفَّ عنه الأنصاريُّ، وظننتُ أنما يقولها تعوُّذاً فقتلتُه،
فرجع الأنصاريُّ إلى النبيِّ:﴿ فحدَّثْه الحديثَ، فقال النبيُّ مَ﴿: (يا
أسامةُ، قتلتَ رجلاً بعد أن قال - يعني لا إله الله، كيفَ تَصْنَعُ بلا
إله إلا الله يومَ القيامَةِ)، فمازالَ يقولُ ذلك حتى وَدِدتُ أني لم أكن
أسلمتُ إِلاَّ يومئذٍ (١).
(١) إسناده صحيح، وقد رواه من طريق حصين:
-١١٨-
کتاب الإیمان
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديث قتل أسامة الذي قتله بَعْدَ قوله:
لا إله إلا الله، وإنكار الرسول ﴿ ذلك، وأسامة فله من الإسلام الموضعُ
الذي هو له منه.
فقال قائلٌ: فهذا يَدُلُّ على أن الحديثَ لا أصلَ له، ولولا ذلك
كذلك لما يَقَيتْ أحوالُه عندَ رسولِ اللهِمَ﴿ على ما كانت عليه عندَه
قَبْلَ ذلك لإتيانه هذا الجرمَ العظيمَ.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنه قد
يحتّمِلُ أن يكونَ المعنى الذي به بَقِيتْ أحوالُ أسامة عندَ رسولِ اللهِمَّ
بعد هذا الفعل الذي كان منه على ما كانت عليه قَبْلَ ذلك لِمعنى
البخاري (٤٢٦٩) في المغازي - باب بعث النبي 8 أسامة بن زيد إلى الحرقات
من جهينة و(٦٨٧٢) في الديات - باب قول الله تعالى ﴿ومن أحياها)، ومسلم
(٩٦) في الإيمان حديث رقم (١٥٩). والنسائي في الكبرى (تحفة ٨٨)، والإمام أحمد
٢٠٠/٥، وابن حبان (٤٧٥١).
قال الحافظ في الفتح ١٩٦/١٢: "قوله (حتى تمنيت أني لم أكن أسلمتُ قبل ذلك
اليوم) أي أنّ إسلامي كان ذلك اليوم لأنَّ الإِسلام يجبُّ ما قبله، فتمنى أن يكون
ذلك الوقت أول دخوله في الإسلام ليأمن من جريرة تلك الفِعلة، ولم يُرد أنّه تمنى أن
لا يكون مسلماً قبل ذلك، قال القرطبي: وفيه إشعار أنه استصغر ما سبق له قبل ذلك
من عمل صالح في مقابلة هذه الفعلة لما سمع من الإنكار الشديد، وإنما أورد ذلك
على سبيل المبالغة".
ونقل الحافظ عن ابن بطال: كانت هذه القصة سبب حلف أسامة أن لا يقاتل
مسلماً بعد ذلك، ومن ثمَّ تخلَّفَ عن علي في الجمل وصفين.
-١١٩-
کتاب الإیمان
أوجب له العذرَ في ذلك عنده، وهو أنه كان وقف على أنَّ مَنْ قالَ
شيئاً مِن الجنس الذي قاله ذلك الرجلُ بَعْدَ حلولِ أمورِ الله عزَّ وجَلَّ
التي أقبلت إليه بعقوبته لما كان عليه قَبْلَ ذلك، لا يرفع ذلك القولُ منه
عنه تلك العقوبة.
ومن ذلك قولُ الله عز وجل: ﴿فَلَمَا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ
وكَفَرَبَا بِمَا كُنَا بِهِمُشْرِ كِينَ * فَلَمْ يَك ◌َفَعُهُمْ إِيُِّهِمِ لَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر:
٨٤-٨٥]، فأعلم عَزَّ وجَلَّ أن الإقرار له عز وجل بالتوحيد عندَ رؤية
البأسِ كلا قولٍ، وأنه لا يُوجِبُ رَفْعَ البأسِ عن المُوَحِّدِ له على تلك
الحال.
ثم قال عز وجل: ﴿سُنََّ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ [غافر: ٨٥]،
أي: الذين تقدَّموا ذلك الزمان كفرعون ودونه، فقد كان منه لما أدركه
الغرقُ أن قال: ﴿آمنتُ أَنَّلا إله إلاَّ الَّذِي أَمَنَتْ بُنُو إِسْرَائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾
[يونس: ٩٠]، فأُجيب عن ذلك بأن قيل له: ﴿الآنَ وَقَدْ عَصَّيْتَ قَبْلُ
وكُنْتَ مِنَ المُفُسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١]، أي: أن هذا الذي كان منك بعد
حلولٍ ما كنتَ تحذَرُهُ بكَ لا ينفعُك.
فكان أسامة على مثلٍ ذلك في الذي قال لا إله إلا الله لما جاءه
البأسرُ الذي أمر الله عز وجل باستعماله في مثله، فلم ير ذلك القولَ منه
يرفعُ ما أمر الله عز وجل باستعماله فيه لو لم يَقُلُهُ، حتى وقْفَهُ رسولُ
الله ◌َّ بأن مجئَ البأسِ مِنْ قِبَلِ الله عز وجل، بخلاف مجئ البأسِ من قِبل
عباده، وأن الإقرارَ الله عز وجل بالتوحيد بعد مجئٍ البأسِ مِنْ قبله لا
- ١٢٠ -