Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
٥١٥٣ - حدثنا عَبْدُ بنُ ◌َُيْدٍ، أخبرنا سُلَمَانُ بنُ دَاوُدَ عن شُعْبَةً
عن أبى بِشْرٍ عن سَعِيدٍ بنِ جُبَيْرٍ، ولم يَذْ كُرْ عن ابنٍ عَبَّاسٍ وَهُشَيٍْ،
عن أبى بِشْرٍ عن سَعِيدٍ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبَّاسٍ (وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ
وَلاَ تُخَفِتْ مِاَ) قال: نَزَلَتْ بِمََّ، كَانَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم
إِذَا رَفَعَ صَوْتَهُ بالْقُرْآنِ سَبَّهُ الْمُشْرِ كُونَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جاءَ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ:
وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلَاَتِكَ فَيُسَبَّ الْقُرْآنُ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ، وَلاَ تُخَفِتْ
بها عَنْ أَصْحَبِكَ بِأَنْ تُسْسِعَهُمْ حَتَّى يَأْخُذُوا عَنْكَ الْقُرْآنَ )).
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٥١٥٤ - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيع، أخبرنا مُشَمٌ، أخبرنا أبو بِشْرِ
عن سَعِيدٍ بِنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبَّاسٍ فى قَوْلِهِ: (وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَفِتْ
بها وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً) قال: نَزَلَتْ ورسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم
قوله: ( أخبرنا سليمان بن داود ) هو أبو داود الطيالسى (عن أبى بشر) هو
جعفر بن إياس ( وهشيم ) بالجر عطف على شعبة ( قال نزلت) أى هذه الآية
(سبه المشركون) الضمير المنصوب القرآن (ومن أنزله) عطف على الضمير المنصوب
وكذلك قوله ( ومن جاء به ) أى سبوا القرآن والله سبحانه وجبريل ( ولا تجهر
بصلاتك ) أى لا تعلن بقراءة القرآن إعلاناً شديداً فيسمعك المشركون (فيسب
بصيغة المجهول وهو منصوب بتقدير أن بعد الفاء (القرآن ) نائب الفاعل
( ولا تخافت بها) أى لا تخفض صوتك بالقراءة ( بأن تسمعهم حتى يأخذوا
عنك القرآن) يعنى اقرأ القرآن بحيث يسمعه أصحابك ويأخذونه عنك ولا يسمعه
المشركون فيسبونه .
قوله: ( هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والديخان من طريق هشيم
عن أبى بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موصولا .

يسد
٥٨٢
مُخْتَفٍَ بِمَكَّةَ، وكَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحَبِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ، فَكَأَنَ
الْمُشْرِكُونَ إِذَا سَمِعُوا شَتَمُوا الْقُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جاءَ بِهِ، فقال اللهُ تَعَلَى
لِفَكِيَّةٍ: (وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ) أَىْ بِرَاءَتِكَ، فَيَسْمَعَ الْمُشْرِ كُونَ فَيْسَبُ
اَلْقُرْآنُ (وَلاَ تُخَفِتْ بِهَاَ) عَنْ أَصْحَابِكَ (وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً).
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ .
٥١٥٥ - حدثنا ابنُ أَبِى عُمَرَ، أخبر نا سُفْيَانُ عن مِسْعَرٍ عن عاصِمِ-
ابنِ أَبِى النّجُودِ عنْ زِرِّ بنِ حُبَيْشٍ قال: ((قُلْتُ لِحُذَيْفَةَ بنِ الْيَانِ:
أَصَلَّى رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم فى بَيْتِ المَقْدِسِ ؟ قال: لاَ. قُلْتُ:
بَلَى. قال: أَنْتَ تَقُولُ ذَلِكَ يَا أَصْلَعُ، بِمَ تَقُولُ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: بِالْقُرْآنِ.
بَيْنِى وَبَيْنَكَ الْقُرْآنُ. فقال حُذَيْفَةُ: مَنْ احْتَجَّ بِالْقُرْآنِ فَقَدْ أَفْلَحَ . قال
سُفْيَانُ: يقولُ قَدْ احْتَجِّ، وَرُبَّاَ قال: قَدْ فَلَجَ. فقال: ( سُبْحَنَ الَّذِى
قوله: ( ورسول الله صلى الله عليه وسلم مختف بمكة) يعنى فى أول الإسلام
(لا تجهر بصلاتك أى بقراءتك) وهو من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء (وابتغ)
أى اطلب ( بين ذلك سبيلا) أى طريقاً وسطاً بين الجهر والإخفاء.
قوله: (عن مسعر ) هو ابن كدام ( قال لا ) أى قال حذيفة لم يصل رسول
الله صلى الله عليه وسلم فى بيت المقدس، وقوله هذا مبنى على أنه لم يبلغه أحاديث
صلاته صلى الله عليه وسلم فيه ( قلت بلى) أى قد صلى فيه (يا أصلع) هو الذى
انحسر الشعر عن رأسه . قاله الجزرى ، وقال فى القاموس: الصلع محركة انحسار
شعر مقدم الرأس لنقصان مادة الشعر فى تلك البقعة وقصورها عنها واستيلاء
الجفاف عليها ( بم تقول ذلك) أى بأى دليل تقول إنه صلى الله عليه وسلم صلى فيه
(قلت بالقرآن) أى أقول بالقرآن (بينى وبينك القرآن) أى يحكم بيني وبينك
القرآن ويفصل ( من احتج بالقرآن فقد أفلح) أى فاز بمرامه ( قال سفيان) أى

٥٨٣
أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاَ مِنَ المَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى المَسْجِدِ الْأُقْصَى). قال: أَفَتُرَاهُ
صَلَى فِهِ؟ قُلْتُ: لاَ. قال: لَوْ صَلَّى فِيهِ لَسكُتِبَتْ عَلَيْكُمُ الصَّلاَةُ فِيهِ
كَمَا كُتِبَتْ الصَّلاَةُ فِى الْمَسْجِدِ الحرامِ. قَالْ حَذَيْفَةُ: قَدْ أُنِىَ رسولُ اللهِ
صلى اللهُ عليه وسلم بِدَابَّةٍ طَوِيِلَةِ الظَّهْرِ تَمْدُودَةٍ فَكَذَا. خَطْوُهُ مَذَّ بَصَرِهِ،
فى بيان مراد حذيفة بقوله أفلح (يقول) أى حذيفة، يعنى يريد (قد احتج)
أى أنى بالحجة الصحيحة ( وربما قال ) أى سفيان ( قد فاج ) من الفلج : بفتح
الفاء وسكون اللام، وبالجيم ، وهو الظفر والفوز، وفاج على خصمه من باب
نصر كذا فى مختار الصحاح، وفى بعض النسخ: أفلج من باب الأفعال وهو بمعنى
الفلج . قال فى القاموس: الفلج والظفر والفوز كالإفلاج ( فقال) أى زر بن
حبيش ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى)
يعنى إذ أسرى به صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى ودخله.
فالظاهر أنه قد صلى فيه (قال) أى حذيفة (أفتراه صلى فيه) يعنى فى هذه الآية
تصريح لصلاته صلى الله عليه وسلم (قلت لا) يعنى ليس فيها تصريح لكز الظاهر من
الآية أنه صلى فيه ( قال لو صلى فيه الكنبت الصلاة عليكم فيه كما كتبت الصلاة فى
المسجد الحرام) قد أجاب الحافظ فى الفتح عن قول حذيفة هذا فقال: (والجواب
عنه منع التلازم فى الصلاة إن كان أراد بقوله كتب عليكم الفرض ، وإن أراد
التشريع فنلتزمه وقد شرع النبى صلى الله عليه وسلم الصلاة فى بيت المقدس فقرنه
بالمسجد الحرام ومسجده فى شد الرحال ، وذكر فضيلة الصلاة فيه فى غير
ما حديث. وفى حديث أبى سعيد عند البيهقى: حتى أتيت بيت المقدس فأوثقت
دابتى بالحلقة التى كانت الأنبياء تربط بها، وفيه: فدخلت أنا وجبريل بيت المقدس
فصلى كل واحد منا ركعتين ، وفى رواية أبى عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه
نحوه، وزاد: ثم دخلت المسجد فعرفت النبيين من بين قائم وراكع وساجد ، ثم
أقيمت الصلاة فأعمتهم . وفى حديث ابن مسعود عند مسلم: وحانت الصلاة فأعمتهم
انتهى كلام الحافظ مختصراً ( بداية) هى البراق ( طويلة الظهر ممدودة هكذا) أى
أشار حذيفة لطول ظهرها ومد بيده ( خطوة ) فى القاموس: خطا خطواً مشى،

٥٨٤
فَ زَايَا ظَهْرَ الْبُرَاقِ حَتّى رَأَيَا الْنَّةَ وَالنَّارَ وَعْدَ الْآخِرَةِ أَنْجَعَ، ثُمَّ
رَجَعَا عَوْدَهَا عَلَى بَدْتُهِمَاَ. قال: وَيَتَحَدَّ تُونَ أَنَّهُ رَبَطَهُ لِمَ لِغَرَّ مِنْهُ وَإِنَّا
سَخَّرَهُ لَهُ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ )) .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ .
والخطوة ويفتح: ما بين القدمين ( مد بصره ) أى منتهى بصره ( فما زايلها ظهر
البرق ) أى ما فارق النبى صلى الله عليه وسلم وجبريل ظهره، فى القاموس:
زايله مايلة وزيالا : فارقه انتهى. وفيه دليل على أن جبريل عليه السلام كان
راكباً مع النبي صلى الله عليه وسلم على البراق .
وفى صحيح ابن حبان من حديث ابن مسعود : أن جبريل حمله على البراق
رديفاً له، وفى رواية الحرث فى مسنده : أتى بالبراق فر کب خلف جبريل فسار
بهما ، فهذا صريح فى ركوبه معه .
فهذه الروايات حجة على من أنكر ركوب جبريل مع النبي صلى الله عليه وسلم
على البراق ( ثم رجعا عودهما على بدئهما) قال فى القاموس: رجع عوداً على
بدء وعوده على بدئه: أى لم يقطع ذهابه حتى وصله برجوعه ( ويتحدثون أنه
ربطه لما ليفر منه الخ) قد أجاب البيهقى عن قول حذيفة هذا وقوله المتقدم فقال :
المثبت مقدم على النافى .
قال الحافظ : بعد ذكر كلام البيبقى هذا يعنى من أثبت ربط البراق والصلاة
فى بيت المقدس معه زيادة علم على من نفى ذلك فهو أولى بالقبول ووقع فى رواية
بريدة عند البزار لما كان ليلة أسرى به فأتى جبريل الصخرة التى ببيت المقدس
فوضع إصبعه فيها تحرقها فشد بها البراق ، ونحوه للترمذى انتهى . وقوله لما يعنى:
لآی شیء ربط البراق ، ثم قال على وجه الإنكار ليفر منه : أی هل ربطه لخوف
فراره منه ، ثم قال: إنما سخره الح يعنى لا يمكن منه الفرار، لأنه مسخر من اقه
تعالى فلا حاجة إلى ربطه .
قوله: ( هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والنسائى .

٥٨٥
٥١٥٦ - حدثنا ابنُ أَبِى ◌ُعَمَرَ، أخبرنا سُفْيَانُ عن عَلِيِّ بنِ زَيْدِ بنِ
جُدْعَانَ عن أبى نَضْرَةَ عن أَبِى سَعِيدٍ الْدْرِىِّ قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله
عليه وسلم: ((أَنَ سَيَّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ فَخْرَ ، وَبِيَدِى لِوَاهِ الْحَمْدِ
وَلاَ فَخْرَ، وَمَا مِنْ نَسِّ يَوْمَئِذٍ ، آدَمَ فَمَنْ سِوَاهُ إِلَّ ◌َحْتَ لِوَائِى، وَأَنَ
قوله: ( عن أبى نضرة ) اسمه المنذر بن مالك بن قطنة العبدى .
قوله: ( أنا سيد ولد آدم) قاله إخباراً عما أكرمه الله تعالى من الفضل
والسؤدد، وتحدثاً بنعمة الله تعالى عنده وإعلاماً منه لأمته ايكون إيمانهم به على
حسبه وموجبه ، ولهذا أتبعه بقوله ( ولانخر) أى أن هذه الفضيلة التى قلتها
كرامة من الله لم أنلها من قبل نفسى ولابلغتها بقوتى فليس لى أن أفتخر بها، قاله
الجزرى . وقال النووى: فيه وجهان: أحدهما: قاله امتثالا لأمر الله تعالى:
((وأما بنعمة ربك لحدث)) وثانيهما: أنه من البيان الذى يجب عليه تبليغه إلى أمته
ليعرفوه ويعتقدوه ويعملوا بمقتضاه فىتوقيره صلى الله عليه وسلم كما أمرهم الله تعالى به
انتهى (لواء الحمد) اللواء بالكسر وبالمد: الراية، ولا يمسكها إلا صاحب الجيش،
قاله الجزرى فى النهاية .
قال الطيبى : لواء الحمد عبارة عن الشهرة وانفراده بالحمد على رؤوس الخلائق
ويحتمل أن يكون لحمده لواء يوم القيامة حقيقة يسعى لواء الحمد . وقال التور بشتى:
لامقام من مقامات عباد الله الصالحين أرفع وأعلى من مقام الحمد ، ودونه تنتهى.
سائر المقامات ، ولما كان نبينا سيد المرسلين، أحمد الخلائق فى الدنيا والآخرة
أعطى لواء الحمد ليأوى إلى لوانه الأولون والآخرون، وإليه الإشارة بقوله صلى
الله عليه وسلم: آدم ومن دونه تحت لوائى انتهى.
قلت : حمل لواء الحمد على معناه الحقيقى هو الظاهر بل هو المتعين ، لأنه
لايصار إلى المجاز مع إمكان الحقيقة (وما من نى يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائى)
قال الطيى : فى نكرة وقعت فى سياق النفى وأدخل عليه من الاستغراقية ، فيفيد
استغراق الجنس ، وقوله آدم فن: إما بيان أو بدل من محله ، ومن فيه موصولة
وسواه صلته، وصح لأنه ظرف ، وأوثر الفاء التفصيلية فى فمن سواء على الواو

٥٨٦
أَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ وَلاَ فَخْرَ)).
قال: فَيَفْزَعُ النَّاسُ ثَلاَثَ فَزَعَاتٍ ، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ
أَبُونَا آدَمُ فَشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، فيقولُ: إِّ أَذْنَبْتُ ذَنْبَا أُهْبِطْتُ مِنْهُ
إلى الأرْضِ، وَلَكِنْ اثْتُوا نُوحاً، فَيَأْتُونَ نُوحاً فَيَقُولُ: إِنِى دَعَوْتُ عَلَى
أَهْلِ الأرْضِ دَعْوَةً فَأُهْلِكُوا، وَلَكِنْ اذْهَبُوا إِلى إِبراهِيمَ، فَيَأْتُونَ
إِبراهِيمَ فيقولُ: إِنِى كَذَبْتُ ثَلاَثَ كَذِبَاتٍ . ثمّ قال رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه
للترتيب ، على منوال قولهم: الأمثل فالأمثل ( وأنا أول من ينشق عنه
الأرض ) أى للبعث فلا يتقدم أحد عليه بعشاً فهو من خصائصه ( فيفزع الناس
ثلاث فزعات ) .
قال القرطبى : كأن ذلك يقع إذا جىء بجهنم ، فإذا زفرت فزع الناس حينئذ
وجئوا على ركبهم ( إنى أذنبت ذنباً ) يعنى أكله من الشجرة وقد نهى عنها
( أهبطت منه) بسببه والجملة صفة لقوله ذنباً ( فيقول إن دعوت دعوة على أهل
الأرض دعوة فأهلكوا) وفى رواية: إنى دعوت بدعوة أغرقت أهل الأرض،
والمراد بهذه الدعوة قوله: ((رب لاتذر على الأرض من الكافرين دياراً، وفى
رواية قال : إنه لو كانت لى دعوة دعوت بها على قومى، وفى رواية : ويذكر
سؤال ربه ماليس له به علم .
قال الحافظ: ويجمع بينه اعتذر بأمرين ؛ أحدهما : نهى الله تعالى له أن
يسأل ما ليس له به علم ، خشى أن تكون شفاعته لأهل الموقف من ذلك ،
ثانيهما : أن له دعوة واحدة محققة الإجابة، وقد استوفاها بدعانه على أهل
الأرض ، حتى أن يطلب فلا يحاب (فیقول إنی کذبت ثلاث كذبات) یأتی بیان
هذه الكذبات فى تفسير سورة الأنبياء، قال البيضاوى: الحق أن الكلمات
الثلاث إنما هى من معاريض الكلام لكن لما كانت صورتها صورة الكذب أشفق
منها استصغاراً لنفسه عن الشفاعة مع وقوعها، لأن من كان أعرف بالله وأقرب

٥٨٧
وسلم: مَا مِنْهاَ كَذِبَةٌ إِلاَّ مَا حَلَّ بها عَنْ دِينِ اللهِ، وَلَكِنْ الْتُوا مُوسَى،
فَيَأْتُونَ مُوسَى فيقولُ: إِلى قَدْ قَقَلْتُ نَفْسَا، وَلَكِنْ انْتُوا عِيسَى، فيأتونَ
عِيسَى فيقولُ: إلى عُبِدْتُ مِنْ دُونِ اللهِ، وَلَكِنْ انْتُوا عُمَّداً صلى اللهُ عليه
وسلم. قَالَ : فيأتونِّى فَأَنْطَلِقُ مَعَهُمْ )) .
قال ابنُ جُدْعانَ: قال أَنَسٌ: ((فَكَأَنِّى أَنْظُرُ إِلى رسولِ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم. قال: فَآَخُذُ بِحَلَقَةٍ بَبِ الْجَنَّةِ فَأَقَعْقِمُهَا فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟
فَيُقَالُ: مُمَّدٌ، فَيَفْتَحُونَ لِى وَيُرَحِّبُونَ بِى، فَيَقُولُونَ: مَرْحَبًا، فَأَخِرُ
سَاجِداً ، فَيُلْهِمُنَى اللهُ مِنَ الثَّفَاءِ وَالْخَمْدِ، فَيُقَالُ لِى: ارْفَعْ رَأْسَكَ وَمَلْ
تَعْظَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَقُلْ يُسْمَعْ لِقَوْلِكَ، وَهُوَ الَقَمُ لَمَحْمُودُ الَّذِىِ قَلَ
إليه منزلة كان أعظم خوفاً ( إلا ماحل بها ) بالحاء المهملة . قال فى النهاية: أى
دفع وجادل من المحال بالكسر وهو الكيد ، وقيل المكر ، وقيل القوة والشدة
وميمه أصلية ، ورجل محل أى ذو كيد ( فيقول إنى قد قتلت نفساً) وفى رواية
عندسعيد بن منصور: إنى قتلت نفساً بغير نفس وإن يغفر لى اليوم حسبى (فيقول
إنى عبدت من دون الله) وفى رواية أحمد والنسائى من حديث ابن عباس: إنى
اتخذت إلهاً من دون الله، وفى رواية عند سعيد بن منصور ونحوه، وزاد: وإن
يغفر لى اليوم حسبى ( قال ابن جدعان، قال أنس: فكأني أنظر إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: فآخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعقها) أخذ ابن جدعان هذا
القدر من حديث أنس لا من حديث أبى سعيد ولذا صرح به ، وأما قوله :
فيقال من هذا فيقالى محمد إلى آخر الحديث ، فهو من حديث أبى سعيد لا من
حديث أنس كما صرح به سفيان بقوله ليس عن أنس إلا هذه الكلمة فآخذ بحلقة
باب الجنة فأقعقعها (فأقعقعها) أى أحركها لتصوت والقعقعة حكاية حركة الشىء
يسمع له صوت ( فيقولون مرحباً ) هذا بيان لقوله يرحبون بى (واشفع تشفع)
بصيغة المجهول من التفعيل، أى تقبل شفاعتك.

٥٨٨
اللهُ: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبِكَ مَقَمَاً عَمُوداً). قال سُفْيَانُ: لَيْسَ عَنْ
أَنَسٍ إِلَّ هَذِهِ الْكَلَةَ. فَخُذُ بِحِلَقَةٍ بَبِ الْنّةِ فَأَقَعْمُهَاَ )).
هذا حديثٌ حسنٌ. وقد رَوَى بَعْضُهُمْ هذا الحديثَ عن أبى نَضْرَةَ
عن ابنٍ عَبَّاسٍ ؛ الحديثَ بِطَوِهِ .
سورَةُ الْگھْفِ
بسم الله الرحمن الرحيم
٥١٥٧ - حدثنا ابنُ أَبِى عُمَرَ، أخبرنا سُفْيَانُ عن عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ
عن سَمِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قال: ((قُلْتُ لِابنِ عَبَّاسٍ: إنَّ نَوْقَاً الْبِكَلِيِّ يَزْهُمُ
أَنَّ مُوسَى صَحِيبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَيْسَ بِمُوسَى صَحِبِ الْضِرِ. قال:
قوله: ( هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد وابن ماجه مختصراً، وأخرجه
أيضاً الترمذى فى أوائل المناقب مختصراً .
قوله: (وقد روى بعضهم هذا الحديث عن أبى نضرة عن ابن عباس الحديث
بطوله) أخرجه أحمد .
( سورة الكهف )
مكية وهى مائة وإحدى عشرة آية ( إن نوفاً ) بفتح النون وسكون الواو
بعدها ناء : هو ابن فضالة ( البكالى ) بكسر الموحدة وبالكاف مخففاً وبعد
الألف لاموهو منسوب إلی بنیبکال بن دعمی بن سعد بن عوف بطن من حمیر ،
ويقال إنه ابن امرأة كعب الأحبار ، وقيل ابن أخيه ، وهو تابعى صدوق
(يزعم أن موسى صاحب بنى إسرائيل ليس بموسى صاحب الخضر) وفى رواية
ابن إسحاق عن سعيد بن جبير عند النسائى قال: كنت عند ابن عباس وعنده قوم
من أهل الكتاب ، فقال بعضهم يا ابن عباس : إن نوفاً يزعم عن كعب الأحبار

٥٨٩
كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ، سَمِعْتُ أَبَىَّ بِنَ كَمْبٍ يقولُ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم يقولُ: فَمَ مُوسَى خَطِباً فى بَنِى إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَىُّالنَّاسِ
أَعْلُ؟ قال: أَنَا أَعْلَمُ. فَعَتِبَ اللهُ عَلَهِهِ، إِذْ لَمْ يَرُدَّ الِمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى
اللهُ إِلَيْهِ أَنَّ عَبْدَاً مِنْ عِبَادِى بِمَجْمَعِ الْبَحْرَ يْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ . قال مُوسَى:
أَى رَبِّ، فَكَيْفَ لِى بِهِ؟ فقالَ لهُ: أحْمِلْ حُوتً فى مِكْتَلٍ، فَحَيْثُ تَفْقِدُ
أن موسى الذى طلب العلم إنما هو موسى بن ميشا أى ابن إفرائيم بن يوسف
عليه السلام ، فقال ابن عباس : أسمعت ذلك منه يا سعيد ؟ قلت نعم ، قال :
كذب وف .
قال ابن إسحاق : فى المبتدا كان موسى بن ميشاقيل موسى بن عمران نبياً فى
بنى إسرائيل، ويزعم أهل الكتاب أنه الذى صحب الخضر كذا فى الفتح (قال
كذب عدو الله) هذان اللفظان محمولان على إرادة المبالغة فى الزجر والتقدير
عن تصديق تلك المقابلة. قال ابن التين: لم يرد ابن عباس إخراج نوف عن ولاية
الله، ولكن قلوب العلماء تتفر إذا سمعت غير الحق فيطلقون أمثال هذا الكلام
لقصد الزجر وحقيقته غير مرادة ( فعتب اللّه عليه) العقب من الله تعالى محمول
على ما يليق به لا على معناه العرفى فى الآدميين كنظائره ( أن عبداً من عبادى بمجمع
البحرين ) اختلف فى مكان مجمع البحرين ، فروى عبد الرزاق عن معمر عن
قتادة قال : بحر فارس والروم ، وقيل غير ذلك ، وذكر الحافظ فى الفتح :
أقوال مختلفة فیه ثم قال هذا اختلاف شديد ( أى رب ) أصله ربی حذفت یاء
المتكلم للتخفيف اكتفاء بالكسر ( فكيف لى به ) أى كيف الالتقاء لى بذلك
العبد (أحمل حوتاً فى مكتل ) بكسر الميم وفتح المثناة من فوق قال فى القاموس:
هو زنبيل يسع خمسة عشر صاعاً. وفى رواية أبى إسحاق عند مسلم: فقيل له
تزود حوتاً مالياً .
قال الحافظ : يستفاد من هذه الرواية أن الحوت كان ميتاً، لأنه لا يملح

٥٩٠
اُلْوتَ فَهُوَ ثَمَّ . فَانْظَلَقَ وَانْطَلَقَ مَعَهُ فَتَهُ، وَهُوَ يُوشَعُ بنُ نُونٍ، فَجَعَلَ
مُوسَى حُوتاً فى مِكْتَلِ، فَانْطَلَقَ هُوَ وَفَتَهُ يَمْشِيَانِ حَتَّى إِذَا أَتَيَاَ الصَّخْرَةَ،
فَرَقَدَ مُوسَى وَفَتَهُ، فَضْطَرَبَ الْحُوتُ فى المِكْتَلِ حَتَّى خَرَجَ مِنَ المِكْتَلِ
فَسَتَطَ فِى الْبَحْرِ. قال: فَأَمْسَكَ اللهُ عَنْهُ جِرْيَةَ الْمَاءِ حَتّى كَانَ مِثْلَ الطَّاقِ.
وَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَبَا، وَكَانَ لِمُوسَى وَفَتَهُ عَباً، فَنْطَلَقَ بَقِيَّةً يَوْمِهِمَاَ
وَلَيْلَتِهِمَا، وَنَسِىَ صَاحِبُ مُوسَى أَنْ يُخْبِرَهُ، فَلَّا أَصْبَحَ مُوسَى قَالَ
لِفَتَاهُ: ( آتِغَاَ غَدَاءنَا لَقَدْ لَغَيْنَ مِنْ سَفَرِ نَا هَذَا نَصَبَاً). قال: وَلَمْ يَنْصَبْ
حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَنَ الَّذِىِ أُمِرَ بِهِ. قال: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْهَا إِلَى الصَّخْرَةِ
فَإِنِّى نَسِيتُ الْوتَ، وَمَا أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْ كُرَهُ، وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ
وهو حى (فهو ثم) يفتح الثاء المثلثة ظرف بمعنى هناك، وقالت النحاة : هو اسم
يشار به إلى المكان البعيد، أى فذلك العبد فى ذلك المكان (فتاه) أى صاحبه (وهو
يوشع ) بضم التحتية وسكون الواو وفتح الشين المعجمة ( بن نون) مصروف
كنوح . ويوشع بن نون هذا من أولاد يوسف عليه السلام، وإنما قال فتاه لأنه
كان يخدمه ويتبعه ، وقيل كان يأخذ العلم عنه وهو الذى قام فى بنى إسرائيل بعد
موت موسى ( حتى إذا أتيا الصخرة) أى التى عند مجمع البحرين، والصخرة فى اللغة
الحجر الكبير ( فأمسك اللّه عنه جرية الماء) أى جريانه ( حتى كان مثل الطاق )
الطاق ماعطف من الأبنية أى جعل كالقوس من قنطرة ونافذة وما أشبه ذلك ،
وفى رواية لمسلم : فاضطرب الحوت فى الماء لجعل لا يلتثم عليه حتى صار مثل
الكوة (وكان للحوت سرباً) أى مسلكا ومذهباً يسرب ويذهب فيه (وكان لموسى
وفتاهعجباً) أى شيئاً بتعجب منه (آتنا غداءنا) أى طعامنا وزادنا ( نصباً) أى
شدة وتعباً ( ولم ينصب ) أى لم يتعب من باب سمع يسمع.
وفى رواية البخارى : ولم يجد موسى النصب (أرأيت) أى أخبر نى (إذ) ظرف

٥٩١
فِى الْبَحْرِ مَجَباً: قال مُوسَى: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ، فَرْتَدًا عَلَى آثَرِهِا قَصَصَاً.
قال: يَقَصَّنِ آثَارَهَا. قال سُفْيَانُ: يَزْعُمُ نَاسٌ أَنَّ تِلْكَ الصَّخْرَةَ عِنْدَهَ
عَيْنُ الْحَيَاةِ ، لا يُصِيبُ مَاءَهَا مَيِّنَا إِلَّ عاشَ. قال: وَكَانَ الُوتُ قَدْ أُكِلَ
مِنْهُ، فَلَمَّا قُطِرَ عَلَيْهِ الْمَاءِ عاشَ. قال: فَقَصَّا آثَارَهُما حَتَّى أَتَيَ الصَّخْرَةَ،
فَرَأَى رَجُلاَ مُسَجِّى عَلَيْهِ بِقَوْبٍ، فَسَلَمْ عَمْهِ مُوسَى، فقال: أَنَّى بِأَرْضِكَ
السَّلاَمُ؟ فقال: أَنَا مُوسَى، فقال: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قال: نَعَمْ ، قال:
معنى حين وفيه حذف تقديره أرأيت ما دهانى إذ أوينا إلخ ( ذلك ) أى فقدان
الحوت (ماكنا نبغ) أى هو الذى كنا نطلبه لأنه علامة وجدان المقصود
(فارتدا) أى رجعا (على آثارمما) أى آثار سيرهما (قصصاً) أى يقمان
قصصاً ( يقصان آثارمما).
قال فى القاموس: قص أثره قصاً وقصصاً تتبعه ، وقال فيه : ( فارتدا على
آثارهما قصصاً ) أى رجعا من الطريق الذى سلكاه يقتصان الأثر.
قال سفيان: يزعم ناس إلى قوله ( فلما قطر عليه الماء عاش ) وعند البخارى.
فى التفسير : قال سفيان وفى حديث غير عمر. وقال وفى أصل الصخرة عين
يقال لها الحياة، لا يصيب من مائها شىء إلا خي، فأصاب الحوت من ماء تلك
العين ، قال فتحرك والسل من المكتل فدخل البحر.
قال الحافظ : هذه الزيادة التى ذكر سفيان أنها فى حديث غير عمر ، وقد
أخرجها ابن مردويه من رواية إبراهيم بن يسار عن سفيان مدرجة فى حديث
عمرو، وأظن أن ابن عيينة أخذ ذلك عن قتادة ، فقد أخرج بن أبى حاتم من طريقه
قال: فأتى على عين فى البحر يقال لها عين الحياة فلما أصاب تلك العين رد الله روح
الحوت إليه : وقد أنكر الداودى فيما حكاه ابن التين هذه الزيادة فقال: لاأرى
هذا يثبت فإن كان محفوظاً فهو من خلق الله وقدرته انتهى وقوله قطر عليه الماء
من القطر: وهو بالفارسية جكيدن وجكانيدان لازم ومتعد ( مسجى) اسم
مفعول من التسجية أى مغطى ( فسلم عليه موسى) وفى رواية لمسلم: فقال السلام
عليكم ، فكشف الثوب عن وجهه وقال وعليكم السلام (فقال أنى بأرضك السلام)

٥٩٢
يَمُوسَى إِنَّكَ عَلَى عِلمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ ءَلَّكَهُ اللهُ لا أَعْلَمُهُ، وَأَنَا عَلَى عِلمٍ مِنْ عِلمٍ
اللهِ عَلَِّهِ لا تَعْلَمُهُ. فقال مُوسَى: هَلْ أَنَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تَعَلِّمَنِ يِمَّا عُلَّمْتَ
رُشْداً؟ قال: إِنَّكَ أَنْ تَسْتَطِعَ مَعِىَ صَبْراً، وَكَيْفَ نَصْبِرُ عَلَى مَالَمْ يُحِطْ بِهِ
خُبْاً؟ قال: سَتَجِدُنى إِنْ شَاءَ اللهُ صَيِراً وَلاَ أَعْصِى لَكَ أَمْراً. قال لهُ
الْخَضِرُ: فإِن التِّبَعْقَى فَلاَ تَنْأَلْنِى عَنْ شَىْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً .
قال: نَعَمْ. فَانْطَلَقَ الْفِرُ وَمُوسَى ◌َمْشِيَنِ عَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَمَرَّتْ
◌ِمَ سَفِينَةٌ، فَكَلَّاهُمْ أَنْ يَحْسِلُوُا، فَرَفُوا الْضِرَ، فَحَمَلُوُا بِغَيْرٍ نَوْلٍ،
فَدَ الْضِرُ إِلَى لَوْحِ مِنْ أَلْوَاجِ السَّفِيفَةِ فَزَعَهُ، فقال لهُ مُوسَى: قَوْمٌ
◌َلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ فَعَمِدْتَ إِلَى سَفِيَتِهِمْ فَخَرَفْتَهَا لِفُغْرِفَ أَهْلَهَاَ لَقَدْ جِئْتَ
قال الحافظ : هى بمعنى أين أو كيف ، وهو استفهام استبعاد، يدل على أن أهل تلك
الأرض لم يكونوا إذ ذاك مسلمين ( فقال أنا موسى) فى رواية البخارى : من
أنت؟ قال: أنا موسى (إنك على علم من اللّه علمكه اللّه لا أعلمه) أى لاأعلم جميعه
( وأنا على علم من الله علمنيه لا تعلمه) أى لا تعلم جميعه. وتقدير ذلك متعین ، لأن
الخضر كان يعرف من الحكم الظاهر مالا غنى بالمكلف عنه ، وموسى كان يعرف
من الحكم الباطن ما يأتيه بطريق الوحى (رشداً) صفة لمحذوف ، أى علماً رشداً
أى ذا رشد، وهو من قبيل رجل عدل (إنك لن تستطيع معى صبراً) كذا أطلق
بالصيغة الدالة على استمرار النفى لما أطلعه اللّه عليه من أن موسى لا يصبر على
ترك الإنكار إذا رأى ما يخالف الشرع، لأن ذلك شأن عصمته ، ولذلك لم يسأله
موسى عن شىء من أمور الديانة ، بل مشى معه ليشاهد منه ما اطلع به على منزلته
فى العلم الذى اختص به ( وكيف تصبر ) استفهام عن سؤال تقديره لم .
قلت : إنى لا أصبر وأنا سأصبر قال : كيف قصبر (على مالم تحط به خبراً)
أى علماً (فانطلق الخضر وموسى يمشيان) لم يذكر فتى موسى وهو يوشع لأنه تابع
غير مقصود بالأسالة (فكلما هم) أى أهل السفينة (بغير نول) بفتح النون وسكون

٥٩٣
شَيْئًا إِمْراً. قال: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ نَسْتَطِعَ مَعِىَ صَبْراً؟ قال: لا تُؤَاخِذْنى
بِمَ نَسِيتُ ولا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُدْراً، ثمَّ خَرَجَ مِنَ السَّفِينَةِ، فَبَيْهَاَ
مُمَ يَمْشِيَنٍ قَى السَّاحِلِ وَإذَا غُلاَمٌ بَلْمَبُ مَعَ الِلَْنِ فَأَخَذَ الْغِرُ بِرَ أْسِهِ
فَفْتَلَهُ بِيَدِهِ فَقَلَهُ، فقال لهُ مُوسَى: أَقَتَلْتَ نَفْسَازَ كِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ
لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْراً. قال: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ أَنْ تَسْتَطِعَ مَعِىَ صَبْراً.
قال: وَهَذِهِ أَشَدُّ مِنَ الْأُولَى. قال: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلَاَ نَصَا حِبْنِى
قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنَّى عُذْراً. فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْمَ]
أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا، فَوَجَدَا فِيهَاَ جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ - يقولُ
الواو وهو الأجرة (فنزعه) أى قلعه (أمراً) أى منكراً . قاله مجاهد: أو
عظيماً، قاله قتادة: ( لا تؤاخذنى بما نسيت) كلمة ما يجوز أن تكون موصولة أى
بالذى نسيت والعائد محذوف أى نسيته ، ويجوز أن تكون مصدرية أى بنسيانى،
وبجوز أن تكون نكرة بمعنى شىء، أى بشىء نسيته ( لاترهقنى) أى لا تكلفنى
(عمراً) أى مشقة فى صحبتى إياك، أى عاملنى فيها بالعفو واليسر (فأخذ الخضر
برأسه فافتلعه ) وفى رواية للبخارى : فأخذ غلاماً كافراً ظريفاً فأضجعه ثم ذبحه
بالسكين ويجمع بينها بأنه ذبهه ثم اقتلع رأسه (أقتلت نفساً ذكية ) أى طاهرة
من الذنوب (بغير نفس ) أى بغير قصاص لك عليها (نكراً) أى منكراً وعن
قتادة وابن كيسان: النكر أشد وأعظم من الأمر (وهذه أشد من الأولى ) أى
أوكد من الأولى حيث زاد كلمة لك ( فلا تصاحبنى) أى فارقنى ( قد بلغت من لدنى
عذراً) أى بلغت إلى الغاية التى تعذر بسببها فى فراقى (حتى إذا أنيا أهل قرية)
قيل الآيلة ، وقيل أنطاكية ، وقيل: ازربيجان، وقيل غير ذلك . وذكر الحافظ
فى الفتح أقوالا عديدة ثم قال : هذا الاختلاف قريب من الاختلاف فى المراد
بمجمع البحرين ، وشدة المباينة فى ذلك تقتضى أن لا يوثق بشىء من ذلك ( أن
يضيفوهما) أى ينزلوهما بمنزلة الأضياف (فيها) أى فى القرية ( يريد أن ينقض)
(٣٨ - تحفة الأحوذي - ٨)

٥٩٤
مَائِلٌ - فقال الْضِرُ بِيَدِهِ ◌َكَذَا فَأَقَمَهُ، فقال لهُ مُوسَى: قَوْمٌ أَتَيْنَهُمْ
فَمْ يُضَيِّفُونَا وَلَمْ يُطْمِمُونَاَ، لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً. قال: هَذَا
فِراقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ سَأْنَبِّئُكَ بِتَأْوِلٍ مَالَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً .
قال رسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، لَوَ دِدْنَ أَنَّهُ كَانَ
صَبْرَ حَتَّى بَقْصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَخْبَرِ هِماَ. قال: فقال رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه
وسلم: الْأُولَى كَانَتْ مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا. قال: وَجَاءَ عُصْفُورٌ حَتَّى وَقَعَ عَلَى
حَرْفِ السَّفِيَةِ ثُمَّ نَقَرَ فِى الْبَحْرِ ، فقال لهُ الْضِرُ: ما نَقَصَ عِلْمِى وَعِلْمُكَ
مِنْ عِلِ الهِ إِلاَّ مِثْلَ مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنَ الْبَحْرِ. قال سَعِيدُ بنُ جُبَيْرِ
هذا من المجاز ، لأن الجدار لا يكون له حقيقة إرادة، أى قرب ودنى من الانقضاض
وهو السقوط واستدل الأصوليون بهذا على وجود المجاز فى القرآن وله فطائر
معروفة ( يقول مائل ) هذا تفسير لقوله يريد أن ينقض من بعض الرواة (فقال
الخضر بيده هكذا) أى أشار إليه بيده وهو من إطلاق القول على الفعل وهذا
فى كلام العرب كثير ( قوم ) أى هؤلاء قوم أو هم قوم لا تغذت عليه أجراً)
أى أجرة وجعلا ( قال ) أى الخضر لموسى (هذا فراق) أى وقت فراق ( بينى
وبينك ) فيه إضافة بين إلى غير متعدد سوغها تكريره بالعطف بالواو (سأنبتك).
قبل فراقى ( يرحم الله موسى) إخبار ولكن المراد منه الإنشاء لأنه دعاء له بالرحمة
(الأولى ) صفة موصوفها محذوف أى المسألة الأولى (نسياناً) خبر كانت وعند
البخارى فى التفسير كانت الأولى نسياناً والوسطى شرطاً والثالثة عمداً. قال العينى
قوله: نسياناً حيث قال: لا تؤاخذنى بما نسيت؟ وشرطاً حيث قال: إن سألتك
عن شىء بعدها، وعمداً حيث قال: لو شئت لاتخذت عليه أجراً (وجاء
عصفور) بضم أوله طير مشهور وقيل هو الصرد (على حرف السفينة ) أى على
طرفها ( ما نقص علمى وعلمك من علم الله) لفظ النقص ليس له ظاهره لأن علم الله
لا يدخله النقص، فقيل معناه لم يأخذ، وهذا توجيه حسن ويكون التشبيه واقعاً على

٥٩٥
- وكَنَ بَعْنِى ابْنَ عَبَّاس - بَقْرَأُ: وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ بَأْخُذُ كُلَّ سَفِيَةِ
صَلِحَةٍ غَصِبَا، وَكَانَ يَقْرَأُ: وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَكَانَ كَفِراً )).
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رَوَاهُ أبو إِسْحَقَ الْهَمْدَ الىُّ عن سَعِيدٍ
ابْنِ جُبَيْرٍ عن ابنٍ عَبَّاسٍ عن أَبَىِّ نٍ كَمْبٍ عن النَّبيِّ صلى الهُ عليه وسلم
وَرَوَاهُ الزُّهْرِىُّ عن عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عُقْبَةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، عن
أَبَىِّ بنِ كَعْبٍ عن النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم .
الأخذ لا على المأخوذ منه، وأحسن منه أن المراد بالعلم المعلوم بدليل دخول حرف
التبعيض لأن العلم القائم بذات الله تعالى صفة قائمة لا تتبعض والمعلوم هو الذى يتبعض.
وقال الإسماعيلى: المراد أن نقص العصفور لا ينقص البحر بهذا المعنى وهو كما قيل:
بهن فلول من قراع الكتائب
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم
أى ليس فيهم عيب .
وحاصله: أن نفى النقص أطلق على سبيل المبالغة، وقيل إلا بمعنى ولا ، أى
ولا كنقرة هذا العصفور . وقد وقع فى رواية ابن جريج بلفظ أحسن سياقاً من هذا
وأبعد إشكالا، فقال: ما علمى وعلمك فى جنب على الله إلا كما أخذ هذا العصفور
بمنقاره من البحر، وهو تفسير للفظ الذى وقع هنا، كذا فى الفتح ( يقرأ وكان
أمامهم ) والقراءة المشهورة: وكان وراءهم ( ملك يأخذ كل سفينة صالحة ) كذا
كان يقرأ ابن عباس بزيادة صالحة بعد كل سفينة، وكذا كان يقرأ أىّ. ففى رواية
النسائىّ: وكان أبىّ يقرأ يأخذ كل سفينة صالحة غصباً، وفى رواية إبراهيم بن يسار
عن سفيان ، وكان ابن مسعود يقرأ كل سفينة صحيحة غصباً (وكان يقرأ ) أى ابن
عباس (وأما الغلام فكان كافراً ) والقراءة المشهورة: وأما الغلام فكان
أبواه مؤمنين .
قوله: ( هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخارى فى مواضع فوق العشرة،

٥٩٦
قال أبو مُزَاحِمِ السَّمَرْ قَنْدِىُّ، قال عَلِيُّ بِنُ المَدِينِِّ: حَجَجْتُ مَجَّةَ
وَلَيْنَ لِى ◌ِنَّةٌ إِلاَّ أَنْ أَنْتَعَ مِنْ مُفْيَنَ يَذْكُرُ فى هذا الحديثِ الْبَرَ حَتَّى
سَمِعْتُهُ يقولُ: حدثنا عَمْوُ و بِن دِيِدَارِ، وقد كُنْتُ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ سُفْيَانَ
قَبْلَ ذَلِكَ، ولم يَذْ كُرْ الْخَبَرَ.
٥١٥٨ - حدثنا أبو حَقْصٍ عَمْرو بنُ عَلىِّ، أخبرنا أبو قُتَيْبَةَ سَلْمُ
أنُ فُقَيْبَةَ، أخبرنا عَبْدُ الْبَّارِ بنُ عَبَّاسٍ عن أَبِى إِسْحَقَ عن سَعِيدِ بنِ
جُبَيْرٍ عن ابنٍ عَبَّاسٍ عن أُبَىَّ بن كَعْبٍ عن الِّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قال:
((الْغُلاَمُ الَّذِى قَلَهُ الْخَضِرُ لَطَبِعَ يَوْمَ طَبِعَ كَافِرِاً)) .
ومسلم فى أحاديث الأنبياء، والنسائى ( قال أبو ·راحم السمر قندى) اسمه سباع
بكسر السين المهملة بعدها موحدة ابن النضر ، مقبول من الثانية عشرة (وليست
لى همة) بالكسر ويفتح ماهم به من أمر ليفعل وأول العزم والعزم القوى (إلا
أن أسمع من سفيان يذكر فى هذا الحديث الخبر) أى لفظ حدثنا أو أخبرنا (حتى
سمعته) أى سفيان ( يقول حدثنا عمرو بن دينار، وقد كنت سمعت هذا) أى
هذا الحديث ( من سفيان قبل ذلك ولم يذكر الخبر ) أى لم يذكر سفيان لفظ:
حدثنا أو أخبرنا، بل ذكر لفظ عن أو قال أو نحوهما، وإنما لم يقنع ابن المدينى:
على ما سمع هذا الحديث من سفيان بغير لفظ، الخبر لأنه كان يداس ، وإن كان
قدليسه من الثقات كما صرح به الحافظ فى طبقات المدلسين.
قوله: ( أخبرنا عبد الحبار بن عباس ) الشبامى بكسر المعجمة ثم موحدة
خفيفة ، نزل الكوفة صدوق ، يتشبع من السابعة .
قوله: ( طبع يوم طبع كافراً ) أى خلق يوم خلق كافراً ، يعنى خلق على أنه
يختار الكفر ، فلا ينافى خبر: كل مولود يولد على الفطرة إذ المراد بالفطرة استعداد
قبول الإسلام ، وهو لا ينافى كونه شقياً فى جبلته .

٥٩٧
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ .
س-
٥١٥٩ - حدثنا يَجِْ بنُ مُوسَى، أخبرنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أخبرنا
مَعْمَرٌ، عن هَمّامٍ بِنِ مُنَبٍِّ، عن أَبِى هُرَيْرَةَ قال: قال رَسولُ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم: (( إِنَّا يُحِّىَ الْضِرُ لِأنَّهُ جَلَسَ عَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ فَاهْتَزَّتْ تَحْتَهُ
خَفِيراً )). هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
٥١٦٠ - حدثنا مُمَّدُ بنُ بَشَارٍ وغيرُ وَاحِدٍ - المعْنَى وَاحِدٌ - وَاللَّغْظُ
لِمُحَمَّدِ بنِ بَشَّارٍ، قَالُوا أخبرنا هِشَامُ بنُ عَبْدِ الذَلِكِ، أخبرنا أبو عَوانَةَ
عن قَتَأَدَّةَ عن أبى رَافِعٍ عن حَدِيثٍ أَبِى هُرَيْرةَ عن النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
قوله: ( هذا حديث حسن صحيح غريب ) وأخرجه مسلم وأبو داود وابن
جرير فى تفسيره .
قوله: (حدثنا يحيى بن موسى) هو البلخى (إنما سمى الخضر) بفتح أوله
وكسر ثانيه أو بكسر أوله وإسكان ثانيه ، فيقت بهما الرواية وبإثبات الألف
واللام فيه وبحذفهما، قاله الحافظ (جلس على فروة بيضاء) زاد عبد الرزاق
فى مصففه بعد أن أخرجه الفروة : الحشيش الأبيض وما أشبهه . قال عبد الله
ابن أحمد بعد أن رواه عن أبيه عنه: أظن هذا تفسيراً ،من عبد الرزاق انتهى.
وجزم بذلك عياض وقال الحربى: الفروة من الأرض قطعة يابسة من حشيش،
وهذا موافق لقول عبد الرزاق . وعن ابن الأعرابي الفروة أرض بيضاء ليس
فيها نبات وبهذا جزم الخطابى ومن تبعه ( فاهتزت ) أى تحركت الفروة
( خضراً) بفتح فسكون أو فكر منوناً أى نباتاً أخضر ناعماً، وهو إما تمييز
أو حال . وفى رواية البخاري خضراء على زنة حمراء.
قوله: ( هذا حديث حسن صحيح غريب ) وأخرجه البخاري وغيره.
قوله: ( عن قتادة عن أبى رافع عن حديث أبى هريرة ) كذا وقع فى النسخ
الموجودة بذكر لفظ. حديث بين عن وأبى هريرة ، والظاهر أن يكون عن قتادة

٥٩٨
فى السَّدِّ قال: ((يَحْفُرُونَهُ كُلِّ يَوْمٍ حَتَّى إِذَا كَادُوا يَخْرِقُونَهُ قَالَ الّذِى
عَلَيْهِمْ: ارْجِعُوا فَسَتَخْرِ قُونَهُ غَداً. قال: فَيُعِيدُهُ اللهُ كَمْثَلٍ مَا كَنَ حَتَّى
إِذَا بَلَغَ مُدَّتْهُمْ وَأَرَادَ اللهُ أَنْ يَبْعَنَهُمْ عَلَى النَّاسِ قَال الّذِىِ عَلَيْهِمْ:
ارْجِعُوا فَسَتَخْرِ قُونَهُ غَداً إِنْ شَآءَ اللهُ، وَاسْتَغْنَى. قال: فَيَرْجِعُونَ فَيَجِدُونَهُ
كَهْتَفِهِ حِينَ تَرَّكُوهُ، فَيَخْرِقُونَهُ وَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ فَيَسْتَقُونَ الْبَهَ،
وَيَفَرُ النَّاسُ مِنْهُمْ فَيَرْمُونَ بِهَا مِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ فَتَرْجِعُ ◌ُخْضَبَةَ بِالدِّمَاءِ،
فيقولُونَ: قَهَرْنَا مَنْ فِى الْأَرْضِ وَعَلَوْنَا مَنْ فى السَّماءِ - قَسْوَةً وَعُلُوًّا - فَيَبْعَثُ
اللهُ عَلَيْهِمْ نَغَفَا فِى أَقْفَاتُهِمْ فَيُهْلَكُونَ. قال: فَوَالَّذِى نَفْسُ مُحمَّدٍ بِيَدِهِ
عن أبى رافع عن أبى هريرة بحذفه ، وكذلك وقع فى مسند أحمد وسنن ابن ماجه.
قوله: ( فى السد ) أى الذى بناه ذو القرنين ( يحفرونه) الضمير المرفوع
ليأجوج ومأجوج والمنصوب للسد ( قال الذى عليهم ) أى الذى هو أمير عليهم
( فيعيده) أى السد المخروق (كأمثل ما كان ) وفى بعض النسخ كأشد ما كان
(حتى إذا بلغ مدتهم ) وفى رواية ابن ماجه: حتى إذا بلغت مدتهم ، أى المدة
التى قدرت لهم ( واستثنى) أى قال: إنشاء اللّه (قال) أى رسول الله صلى الله
عليه وسلم ( فيستقون المياه ) وفى رواية ابن ماجه فينشفون الماء . وفى حديث
أبى سعيد عند أحمد : ويشربون مياه الأرض (ويفر الناس منهم ) وفى رواية
ابن ماجه : ويتحصن الناس منهم فى حصونهم ، وفى حديث أبى سعيد عند ان
ماجه ، وينحاز منهم المسلمون حتى تصير بقية المسلمين فى مدائتهم وحصونهم
( فترجع مخضبة بالدماء ) أى فترجع السهام مصبوغة بالدماء إليهم ( وغلونا من
فى السماء) أى غلبناهم ( قسوة وعلواً) أى يقولون هذا القول غلظة وفظاظة
وتكبراً ( فيبعث الله عليهم نغفاً) بفتح النون والغين المعجمة : دود يكون فى
أنوف الإبل والغتم جمع نغفة ( فى أقفائهم ) جمع قفاً، وهو وراء العنق ، وفى
حديث النواس بن سمعان : فى رقابهم ( فیهلكون) وفى حديث أبى سعيد عند

٥٩٩
إِنَّ دَوَابَّ الْأَرْضِ تَسْمَنُ وَتَبْطَرُ وَنَشْكُرُ شُكْراً مِنْ أُحُومِهِمْ )).
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ إِنما نَعْرِفُهُ من هذا الْوَجْهِ مِثْلَ هذا.
٥١٦١ - حدثنا مُمَّدُ بنُ بَشَّارِ وغيرُ وَاحِدٍ، قَالُوا أخبرنا مُمَّدُ بنُ
بَكْر الْبُرْسَانِىُّ عن عَبْدِ الْجِدِ بنِ جَعْفَرٍ ، قال أخبرنى أبى عن ابنِ مِينَاء
عن أَبِى سَعِيدٍ بِنِ أَبِى فَضَالَةَ الأنْصَرِىِّ - وَكَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ - قال سَمِعْتُ
رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يقولُ: ((إِذَا تَعَ اللهُ الَّاسَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ
لِيَوْمِ لاَ رَيْبَ فِيهِ، نَدَى مُنَادٍ: مَنْ كَانَ أَشْرَكَ فى عَمَلِ عَمِلَهُ بِهِ أَحَداً ،
فَلْيَطْلُبْ تَوَابَهُ مِنْ عِنْدٍ غَيْرِ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ أَغْنَى الشَّرَ كَاءَ عَنِ الشِّرْكِ » .
ابن ماجه: فيموتون موت الجراد، وفى حديث النواس بن سمعان عند مسلم :
فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة (إن دواب الأرض قسمن) من السمن ضد
الهزال (وتبطر ) من البطر محركة النشاط والأشر (وتشكر) يقال شكرت
الناقة: امتلأضرعها لبناً والدابة سمنت، وهذه الأفعال الثلاثة من باب سمع يسمع.
قوله: ( هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد وابن ماجه .
قوله: ( أخبرنا محمد بن بكر البرسانى) أبو عثمان البصرى (قال أخبرنى أبى)
هو جعفر بن عبد الله بن الحكم الأنصارى ثقة، من الثالثة (عن ابن ميناء) اسمه
زياد، مقبول من الثالثة (عن أبى سعيد بن أبى فضالة) قال فى تهذيب التهذيب :
أبو سعد بن أبى فضالة الأنصارى الحارثى ، ويقال أبو سعيد بن فضالة بن أبى
فضالة المدنى، روى عن النبى صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى أغنى الشركاء الخ.
روى عنه زياد بن ميناء ذكره ابن سعد فى طبقة أهل الخندق .
قوله: ( ليوم القيامة ) أى ايجزيهم فيه ( ليوم لاريب فيه ) أى فى وقوع
ذلك اليوم (أحداً) منصوب على أنه مفعول أشرك: أى أحداً غير الله (فإن الله
أغنى الشركاه) أى هو أغنى من يزعم أنهم شركاء، على فرض أن لهم غنى ( عن
الشرك) أى عما يشركون به مما بينه وبين غيره فى قصد العمل. والمعنى مايقبل

٦٠٠
هذا حديثٌ غريبٌ لانَعْرِفُهُ إِلّ من حديثٍ مُحمّدِ بنِ بَكْرٍ .
٥١٦٢ - حدثنا جَعْفَرُ بنُ مُمَّدٍ بنٍ فُضَيْلِ الْجَزَرِىُّ وغيرُ وَاحِدٍ،
قالُوا أخبرنا صَفْوَانُ بنُ صَالحِ، أخبرنا الْوَلِيدُ بنُ مُسْلٍ عن ◌َزِيدَ بنِ
يُوسُفَ الصَّْعَنِىِّ عن مَتْحُولٍ عن أُمِّ الدَّرْدَاءِ عن أبى الدَّرْدَاءِ عن النّبيِّ
صلى الله عليه وسلم فى قَوْلِهِ: (وَكَنَ ثَمْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَاَ) قال: ذَهَبٌ وَفِظَّةٌ)).
٥١٦٣ - حدثنا الْسَنُ بن عَلَىِّ الْلاَّلُ، أخبرنا صَفْوَانُ بنُ صَالحِ؛
أخبرنا الْوَلِيدُ بنُ مُسْلٍ عِن يَزِيدَ بنِ يُوسُفَ الصَّفْعَانِىِّ عن يَزِيدَ بنِ يَزِيدَ
ابنِ جَابِرٍ عن مَكْحُولٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.
إلا ما كان خالصاً لوجهه وابتغاء لمرضاته ، فاسم المصدر الذى هو الشرك مستعمل
فى معنى المفعول . وهذا الحديث أورده الترمذى ههنا فى تفسير قوله تعالى :
((فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحدا)).
قوله: ( هذا حديث غريب) وأخرجه أحمد وابن ماجه وابن حبان فى
صحيحة والبيهقى .
قوله: (حدثنا جعفر بن محمد بن فضيل الجزرى) الرسمى أبو الفضل ، ويقال
له الراسى ، صدوق حافظ من الحادية عشرة ( أخبرنا صفوان بن صالح ) الثقفى
مولاهم أبو عبد الملك الدمشقى ثقة ، وكان يدلس تدليس القسوية من العاشرة (عن
يزيد بن يوسف ) الرحبى ( الصنعانى) صنعاء دمشق ، ضعيف، من التاسعة.
قوله: ( وكان تحته كنز لهما قال ذهب وفضة ) فيه دلالة على أن ذلك الكنز
كان ذهباً وفضة، واختلف أهل العلم فيه فقال قتادة وعكرمة وغير واحد : كان
تحته مال مدفون لهما وهذا ظاهر السياق من الآية ، وهو اختيار ابن جرير رحمه
الله تعالى . وقال العوفى عن ابن عباس : كان تحته كنز علم ، كذا قال سعيد بن
جمبير ، وقال مجاهد: صحف فيها علم .
قلت : لاشك أن قول عكرمة وقتادة هو الظاهر ، ويؤيده حديث أبى الدرداء