Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ حَدِيثٍ
مُوسَى بِنِ إِبْرَاهِيمَ. وَرَوَاهُ عَلِيُّ بِنُ عَبْدِ اللهِ بنِ الَدِيِِّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ
كِيَارٍ أَهْلِ الْحَدِيثِ مَكَذَا عن مُوسَى بنِ إِنْرَاهِيمَ . وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللهِ
ابنُحَمَّدِينِ عَقِيلٍ عن جَابِرٍ شَيْئًا مِنْ هَذَا.
٤٠٩٨ - حدثنا ابنُ أَبِى عُمَرَ أخبر ناسُفْيَانُ عنِ الْأعْمَشِ عن عبْدِ اللهِ
بنِ مُوَّةَ عن مَسْرُوقٍ عن عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْمُودٍ: ((أَنَّهُ سُئِلَ عن قَوْلِهِ:
(وَلا تَحْتَنَّالَّذِينَ فُتِلُوا فِى سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتَّ بَلْ أَحْيَاءِ عِنْدَ رَبِّهِمْ) فَقَالَ:
أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عن ذَلِكَ فَأُخْبِرْنَا أَنَّ أَزْوَاحَهُمْ فِ غَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ فى
قوله: ( هذا حديت حسن غريب) وأخرجه ابن مردويه ( هكذا عن
موسى بن إبراهيم ) أى مطولا (وقد روى عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر
شيئاً من هذا) أى مختصراً ورواية عبد الله بن محمد بن عقيل هذه وصلها أحمد
فى مسنده .
قوله: ( عن عبد الله بن مرة) هو الحمدانى .
قوله: ( فقال ) أى ابن مسعود (أما) بالتخفيف للتنبيه (إنا قد سألنا) أى
رسول الله صلى الله عليه وسلم (عن ذلك) أى عن معنى هذه الآية (فأخبرنا)
وفى رواية مسلم فقال. قال النووي : هذا الحديث مرفوع لقوله (إنا قد سألنا
عن ذلك فقال يعنى النبى صلى الله عليه وسلم، وقال القاضى المسئول والمجيب هو
الرسول صلوات الله عليه وسلامه وفى فقال ضمير له ويدل عليه قرينة الحال فإن
ظاهر حال الصحابى أن يكون سؤاله واستكشافه من الرسول صلى الله عليه وسلم
لاسيما فى تأويل آية هى من المتشابهات وما هو من أحوال المعاد فإنه غيب
صرف لا يمكن معرفته إلا بالوحى ولكونه بهذه المثابة من التعين أضمر من غير
أن يسبق ذكره ( أن أرواحهم فى طير خضر) وفى رواية مسلم فى جوف طير
خضر أى خلق لأرواحهم بعدما فارقت أبدانهم ميا كل على تلك الهيئة تتعلق بها

٣٦٢
الْجَنَّةٍ حَيْثُ شَاءَتْ وَتَأْوِى إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالْعَرْشِ فَطَّلْعَ إِلَيْهِمْ رَبِكَ
اطْلاَعَةً، فَقَالَ هَلْ تَسْتَزِيدُونَ شَيْئًا فَأَزِيدَ كُمُ ؟ قَالُوا: رَبَّنَا، وَمَا نَشَزِيدُ
وَحْنُ فِىِ الْجَّةِ نَسْرَحُ حَيْثُ شِئْنَا، ثُمَّ الطَّلَعَ عَلَيْهِمْ النَّانِيَّةَ، فَقَالَ: هَلْ
أَسْتَزِيدُونَ شَيْاً فَأَزِيدَ كُمُ؟ فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لاَ يُثْرَ كُونَ، قَالُوا: تُعِيدُ
أَرْوَاحَنَا فِى أَجْسَادِنَا حَتّى نَرْجِعَ إِلَى الدُّنْياَ، فَنَفْتَلَ فِى سَبِكَ
مَرَّةَ أُخْرَى)).
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٤٠٩٩ - حدثنا ابنُ أَبِى ◌ُمَرَ أخبرنا سُفْيَانُ عن عَطَاءِ بنِ السَّائِبِ
وتكون خلفاً عن أبدانهم وإليه الإشارة بقوله تعالى: ( أحياء عند ربهم )
فيتوسلون بها إلى نيل ما يشتهون من اللذائذ الحسية ، وإليه يرشد قوله تعالى :
( يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله) والطير جمع طائر ويطلق على الواحد،
وخضر بضم فسكون جمع أخضر (تسرح) أى ترعى ( وتأوى ) أى ترجع
( إلى قناديل معلقة بالعرش ) فهى بمنزلة أوكار الطير (فاطلح ) بتشديد الطاء أى
أنظرى (اطلاعة) إنما قال اطلاعة ليدل على أنه ليس من جنس اطلاعنا على
الأشياء . قال القاضى: وعداه إلى وحقه أن يعدى بعلى لتضمنه معنى الانتهاء
(فقال) أى الرب تعالى ( وما نستزيد) أى أى شىء نستزيد ( ونحن فى الجنة
فشرح حيث شئنا) يعنى وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين (فلما رأوا أنهم
لا يتركون) أى من أن يسئلوا (قالوا تعيد) من الإعادة أى ترد (فنقتل)
بصيغة المجهول ( فى سبيلك مرة أخرى) زاد مسلم: فلما رأى أن ليس لهم حاجة
تركوا أى من سؤال هل تستزيدون .
قوله: ( هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم والنسائى وابن ماجه .

٣٦٣
عن أبى عُبَيْدَةَ عن ابنٍ مَسْمُودٍ مِثْلَهُ وَزَادَ فِيهِ: ((وَتُقْرِىء نَبِيَّنَ السَّلَامَ
وَتُخْبِرُهُ أَنْ قَدْ رَضِيْنَا وَرُضِىَ عَنَّا)). هذا حديثٌ حسنْ.
٥٠٠٠ - حدثنا ابنُ أَبِى عُمَرَ أَخبرنا سُفْيَنُ عن جَامِعٍ، وَهُوَ ابنُ
أَبِى رَاشِدٍ وَعَبْدُ الَلِكَ بِنُ أَعْيَنَ عن أَبِى وَائِلٍ عن عَبْدِ اللهِ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِىِّ
صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: ((مَامِنْ رَجُلٍ لاَ يُؤْدِّى زَكَةَ مَالِهِ إِلَّ جَعَلَ اللهُ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِ عُنُقِهِ شُجَاعًا، ثُمَّ قَرَأْ عَلَيْنَا مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَبِ اللهِ:
( لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَ أَتَاهُمْ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ) الْآيَةَ، وَقَلَ مَرَّةً
قوله : ( عن أبى عبيدة ) هو ابن عبد الله بن مسعود مشهور بكنيته (وزاد)
أى أبو عبيدة فى روايته ( وتقرىء) أى يارب (نبينا) بالنصب أى عليه صلى الله
عليه وسلم ( السلام) مفعول ثان لتقرىء ( رتخبره) أى النبى صلى الله عليه
وسلم (أن قد رضينا) أى بالله تعالى (ورضى عنا) بصيغة المهول أى رضى الله
تعالى عنا .
قوله: ( هذا حديث حسن) قد صرح الترمذى بعدم سماع أبى عبيدة من
أبيه عبد الله بن مسعود فى باب الاستنجاء بالحجرين فتحسينه لهذا الحديث لمجيئه
من السند المتقدم .
قوله: ( عن جامع وهو ابن أبى راشد ) الكاملى الصير فى الكوفى ثقة فاضل
من الخامسة ( وعبد الملك بن أعين ) الكوفى مولى بنى شيبان صدوق شيعى له
فى الصحيحين حديث واحد متابعة من السادسة (عن أبى وائل ) هو شقيق
ابن سلمة .
قوله: ( إلا جعل الله يوم القيامة فى عنقه شجاعاً) بالضم والكسر الحية
الذكر وقيل الحية مطلقاً ( مصداقه) أى ما يصدقه ويوافقه ( من كتاب الله )
الظاهر أنه حال من مصداقه أو من بيان له وما بعده بدل بعض من الكل
( لا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله الآية) الآية بتمامها مع تفسيرها

٢٦٤
قَرَّأْ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم مِعْدَاقَهُ ( سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ) وَمَنْ اقْتَطَعَ مَالَ أَخِهِ المسْلمِ بِيَينٍ لَقَِ الهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ »
مَّ قَرَأْ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم مِصْدَاقَهُ بِنْ كِتَابِ اللهِ (إِنَّ الَّذِينَ
يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ) الآيَةَ)).
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ وَمَعْنَى قَوْلِهِ شُجَاعَا أَفْرَعَ بَعْفَى حَيَّةَ.
٥٠٠١ - حدثنا عَبْدُ بنُ مُحَيْدٍ أُخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ وَسَعِيدُ بنُ
عَامِرٍ عن مُمَّدٍ بنِ عَمْرِ و عن أَبِى سَلَمَّةَ عن أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
صلى اللهُ عليه وسلم: ((إِنَّ مَوْضِعَ سَوْطِ فِى الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَاَ
هكذا ولا تحسبن بالتاء والياء ( الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله) أى بركاته
هو أى بخلهم خيراً لهم مفعول ثان والضمير للفصل والأول بخلهم مقدراً قبل
الموصول على الفوقانية وقبل الضمير على التحتانية بل هو شر لهم سيطوفون
ما بخلوا به أى بزكاته من المال يوم القيامة بأن يجعل حية فى عنقه تنهشه ولله
ميراث السماوات والأرض يرثهما بعد فناء أهلهما والله بما تعملون خبير؛ فيجازيكم
به (وقال مرة) أى قال عبد الله بن مسعود مرة (ومن اقتطع مال أخيه) أى
أخذه بغير حق ( بيمين ) أى كاذب .
قوله: ( هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والنسانى وابن ماجه
(ومعنى قوله شجاعاً أفرع يعنى حية ) لم يقع فى رواية التر مذى المذكورة أقرع،
نعم وقع فى حديث أبى هريرة عند البخاري وغيره ومعناه الذى لاشعر على
رأسه لكثرة سمه وطول عمره.
قوله: ( وسعيد بن عامر) هو الضبعى (عن محمد بن عمرو) هو ابن علقمة.
(عن أبى سلمة ) هو ابن عبد الرحمن .
قوله: ( إن موضع منوط فى الجنة ) أريد به قدر قليل منها أو مقدار
موضعه فيها (خير من الدنيا وما فيها) لأن الجنة مع نعيمها باقية والدنيا وما فيها

٣٦٥
اقْرَأُوا إِنْ شِئْتُمْ (فَمَنْ زُخْرِحَ عن النّارِ وَأَدْخِلَ الْنَةَ فَقْدَ فَزَ، وَمَا الْيَةُ
الدُّنْيَا إِلَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) ».
هذا حديثٌ حسنٌ محيحٌ.
٥٠٠٢ - حدثنا الْحَسَنُ بنُ مُمَّدٍ الزَّعْفَرَانِىُّ أُخبرنا حَجَّجُ بنُ
محمّدٍ قَالَ: قَالَ ابنُ جُرَيْجٍ أُخْبَرَنِ ابنُ أَبِى مُلَيْكَةَ أَنُّْحَيْدَ بنَ
عَبْدِ الرَّنِ بنِ عَوْفٍ أَغْبَرَهُ أَنَّ مَرْوَانَ بنَ الْكَرَ قَالَ: ((اذْهَبْ
بَ وَافِعُ - لَبواِهِ - إِلَى ابنٍ عَبَّاسٍ، فَقُلْ لَهُ لَئْ كَانَ كُلُّامْرَئِ فَرِحَ
بِمَا أُوْتِيَ وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَ لَمْ يَفْعَلْ مُعَذَّبَ لَغُعَذَّبَنَّ أَجَعُونَ، فَقَالَ
فانية ( فمن زحزح ) أى بعد ( عن النار وأدخل الجنة فقد فاز) قال غاية مطلوبه
( وما الحياة الدنيا) العيش فيها ( إلا متاع الغرور) الباطل يتمتع به قليلا
ثم يفنى .
قوله: ( هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه ابن أبى حاتم . قال ابن كثير :
هذا الحديث ثابت فى الصحيحين بدون هذه الزيادة أى زيادة («اقرأوا إن شقتم
الخ)) وقد رواء بدون هذه الزيادة أبو حاتم وابن حبان فى صحيحه والحاكم فى
مستدرکه من حدیث حمد بن عمرو هذا .
قوله: (أخبرنا حجاج بن محمد ) هو المصيصى الأعور ( أن حميد بن
عبد الرحمن بن عوف ) الزهرى المدنى ثقة من الثانية وقيل إن روايته عن عمر
مرسلة ( أن مروان بن الحكم قال اذهب يا رافع لبوابه ) وفى رواية البخارى أن
م وان قال لبوابه اذهب يا رافع. قال الحافظ وكان مروان يومئذ أميراً على
المدينة من قبل معاوية ثم ولى الخلافة ، قال ورافع هذا لم أر له ذكراً فى كتاب
الرواة إلا بما جاء فى هذا الحديث ، والذى يظهر من سياق الحديث أنه توجه
إلى ابن عباس فبلغه الرسالة ورجع إلى مروان بالجواب فلولا أنه معتمد عند
مروان ما قنع برسالته (وأحب أن يحمد ) بضم التحتية على صيغة المجهول (معذباً)

٣٦٦
ابْنُ عَبَّاسِ مَلَكُمُ وَلِهَذِهِ الْآيَةِ إِنَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ فِ أُهْلِ الكِتَابِ، ثُمّ
تَلاَ ابنُ عَبَّاسٍ (وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لِتُبَيَّغُنَّهُ لِلنَّاسِ)
وَتَلَاَ ( وَلاَ تَحْبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَ أَتَوْا وَيُحِبُونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ
يَفْعَلُوا). قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: سَأَلَهُمْ النَِّىُّ صلى الله عليه وسلم عن شَىْءُ
فَكَتَهُوهُ وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ، فَخَرَ جُوا وَقَدْ أَرَوْهُ أَنْ قَدْ أَخْبَرُوهُ بِمَ سَأَلَهُمْ
خبر كان ( لنعذبن ) بصيغة المجهول وهو جواب قوله لتن أى لأن كلنا يفرح بما
أوتى ويجب أن يحمد بما لم يفعل ( أجمعون) بالواو على أنه تأكيد للضمير الذى
فى لنعذن، ووقع فى رواية أجمعين بالياء على أنه منصوب على الحال أى لنعذبن
مجتمعين ( فقال ابن عباس مالكم ولهذه الآية) إنكار من ابن عباس عن السؤال
بهذه المسألة على الوجه المذكور ( ثم تلا ابن عباس: وإذ أخذ الله ميثاق الذين
أوتوا الكتاب ) أى العهد عليهم فى التوراة (لتبيذته ) أى الكتاب الناس
ولا تكتمونه فنبذوه أى طرحوا الميثاق وراء ظهورهم فلم يعملوا به واشتروا به
أخذوا بدله ثمناً قليلا من الدنيا من سفلتهم برياستهم فى العلم فكتموه خوف فوته
عليهم (فبئس ما تشترون) شراءهم هذا. وفى تلاوة ابن عباس هذه الآية إشارة
إلى أن الذين أخبر الله عنهم فى الآية المسئول عنها هم المذكورون فى الآية التى قبلها
وأن الله ذمهم بكتمان العلم الذى أمرهم أن لا يكتموه وتوعدهم بالعذاب على
ذلك ( بما أتوا) بفتح الهمزة والفوقية أى بما جاءوا يعنى بالذى فعلوه ( ويحبون
أن يحمدوا بما لم يفعلوا) أى ويحبون أن يحمدهم الناس على شىء لم يفعلوه (سألهم
النبى صلى الله عليه وسلم عن شىء فكتموه وأخبروه بغيره) قال الحافظ: الشىء
الذى سأل النبي صلى الله عليه وسلم عنه اليهود لم أره مفسراً، وقد قيل إنه سألهم
عن صفته عندهم بأمر واضح فأخبروا عنه بأمر مجمل . وروى عبد الرزاق من
طريق سعيد بن جبير فى قوله ( ليبيننه للناس ولا يكتمونه ) قال محمد وفى قوله
يفرحون بما أتوا قال بكتمانهم محمداً، وفى قوله: أن يحمدوا بما لم يفعلوا . قال
قولهم نحن على دين إبراهيم (وقد أروه) بفتح الهمزة والراء من الإراءة

٣٦٧
عَنْهُ وَاسْتَحْمَدُوا بِذَلِكَ إِلَيْهِ وَفَرِحُوا بِمَ أُوتُوا مِنْ كِتَبِهِمْ، وَمَا سَأَلَهُمْ
عَنْهُ)) . هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ.
والضمير المنصوب للنبى صلى الله عليه وسلم (واستحمدوا) بفتح الفوقية مبيناً
الفاعل أى طلبوا أن يحمدهم قال فى الأساس استحمد الله إلى خلقه بإحسانه
إليهم وإنعامه عليهم قاله القسطلانى. وقال العينى: واستحمدوا على صيغة المجهول
من استحمد فلان عند فلان أى صار محموداً عنده والسين فيه الصيرورة انتهى
( بما أتوا من كتابهم ) بصيغة المجهول من الإبتاء أى أعطوا، وفى رواية أحمد
بما أنوا من كتمانهم ما سألهم عنه ، وفى رواية البخارى بما أتوا من كتمانهم .
قال الحافظ قوله بما أتوا كذا الأكثر بالقصر بمعنى جاءوا أى بالذى فعلوه ،
وللحموى بما أوتوا بضم الهمزة بعدها واو أى أعطوا أى من العلم الذى كتموه
كماقال تعالى: فرحوا بما عندهم من العلم والأول أولى لموافقته التلاوة المشهورة
انتهى ( وما سألهم عنه) عطف على ما أوتوا والضمير المرفوع فى سأل يرجع
إلى النبي صلى الله عليه وسلم والضمير المجرور فى قوله عنه إلى ما .
(تنبيه) قد ورد فى سبب نزول هذه الآية حديثان صحيحان أحدهما حديث
ابن عباس هذا والثانى ما رواه البخارى فى صحيحه عن أبى سعيد الخدرى: أن
رجالا من المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو وتخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتذروا
إليه وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت ( لا تحسبن الذين يفرحون)
الآية. قال الحافظ: ويمكن الجمع بأن تكون الآية نزلت فى الفريقين معاً،
وبهذا أجاب القرطبى وغيره .
قوله: (هذا حديث حسن غريب صحيح) وأخرجه أحمد والشيخان والنسائى.

٣٦٨
وَمِنْ سُورةِ النِّسَاءِ
بسم الله الرحمن الرحيم
٥٠٠٣ - حدثنا عَبْدُ بنُ مُحَيْدٍ أُخبرنا يحيى بنُ آدَمَ أخبرنا ابنُ
عُيَيْنَةَ عن محمّدٍ بنِ الْمُنْكَّدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ تَجَابِرَ بنَ عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ :
«مَرِضْتُ فَأَنَفِىِ رَسولُ الّهِ صلى الهُ عليه وسلم يَعُودُنِى وَقَدْ أَغْمِيَ عَلَىَّ،
فَلَمَّا أَفَقْتُ، قُلْتُ: كَيْفَ أَفْضِى فِىِ مَالِ؟ فَسَكَتَ عَّى حَتّى نَزَلَتْ
(يُوصِيكُمُاللهُ فِى أَوْلاَ دِمُ لِلَّ كَرٍ مِثْلُ حَظِّ الأُنْذَيَيْنِ) ).
( ومن سورة النساء )
هى مدنية ومائة وخمس أو ست أو سبع وسبعون آية .
قوله: ( يقول مرضت فأتأنى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودنى) تقدم
هذا الحديث فى الفرائض وتقدم هناك شرحه ( حتى نزلت يوصيكم الله فى أولادكم
كذا وقع فى رواية الترمذى هذه ؛ أعنى من طريق يحيى بن آدم عن طريق ابن عيينة
عن محمد بن المنكدروكذا وقع فى رواية البخارى عن طريق هشام عن ابن جريح
عن ابن منكدر .
قال الحافظ فى الفتح: قوله فنزلت ( يوصيكم الله فى أولادكم )، هكذا
وقع فى رواية ابن جريج وقيل إنه رهم فى ذلك وأن الصواب أن الآية التى
نزلت فى قصة جابر هذه الآية الأخيرة من النساء وهى (يستفتونك قل الله يفتيكم
فى الكلالة ) لأن جابراً يومئذ لم يكن له ولد ولا والد والكلالة من لا ولد له
ولا والد، وقد أخرجه مسلم عن عمرو الناقد والنسائى عن محمد بن منصور كلاهما
عن ابن عيينة عن ابن المنكدر فقال فى هذا الحديث حتى نزات عليه آبة الميراث
(يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالة) ولمسلم أيضاً من طريق شعبة عزابن المنكدر
قال فى آخر هذا الحديث فنزلت آية الميراث فقات لمحمد بن المنكدر يستفتونك
قل اللّه يفتيكم فى الكلالة) قال هكذا أنزات، وقد أطال الحافظ الكلام ههنا فى
الفتح فعليك أن تراجعه. وقد ذكر الحافظ ابن كثير فى تفسير هذه الآية حديث

,
٣٦٩
هذا حديثٌ حسنٌّ ◌َحيحٌ. وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ مُمَّدٍ
ابنِ الْمُنْكَدِرِ .
٥٠٠٤ - حدثنا الفَضْلُ بنُ صَبَّاحِ البَغْدَادِىُّ أَخبرنا سُفْيَانُ بنُ
عُيَيْنَةَ عن مُحَمَّدٍ بِنِ المُفْكَدِرِ عن جَابِرٍ بِنِ عَبْدِ اللهِ عن النبيِّ صلى اللهُ
عليه وسلم تَحْوَهُ. وَفِى حَدِيثِ الفَضْلِ بنِ صَبَّاحِ كَلاَمْ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا.
٥٠٠٥ - حدثنا عَبْدُ بنُ مُخَيْدٍ أخبرنا حَبَّنُ بنُ مِلاَلٍ أخبرنا حَمّامُ
ابنُ يَحْي أخبرنا قَتَادَةُ عن أَبِى الْلِيلِ عن أَبِى عَلْقَةَ الْهَاشِىِّ عن
أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قالَ: ((لَمَّا كَانَ يَوْمُ أَوْطَاسَ أَصَبْنَاَ نِسَاءَ لَهُنَّ أَزْوَاجٌ
فَى الْمُشْرِكِينَ فَكَرِ مَهُنَّ رِجَالٌ مِنْهُمْ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَلَى ( وَلِمُحْصَفَاتُ
جابر المذكور عن صحيح البخارى من طريق هشام عن ابن جريج عن ابن المنكدر
ثم ذكر حديث جابر من طريق عبيد الله بن عمرو الرقى عن عبد الله بن محمد بن
عقيل عنه قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقالت يا رسول اللّه هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك فى يوم أحد
شهيداً الحديث أخرجه الترمذى وغيره ثم قال : والظاهر أن حديث جابر الأول
إنما نزل بسببه الآية الأخيرة من هذه السورة فإنه إنما كان له إذ ذاك أخوات
ولم يكن له بنات وإنما كان يورث كلالة ولكن ذكرنا الحديث ههنا تبعاً للبخارى
فإنه ذكره ههنا، والحديث الثانى عن جابر أشبه بنزول هذه الآية انتهى.
قوله: ( وفى حديث الفضل بن صباح كلام أكثر من هذا) أى حديث
الفضل بن صباح أطول من حديث يحيى بن آدم المذكور، وحديث الفضل بن
صباح هذا تقدم فى باب ميراث الأخوات .
قوله : ( أخبرنا قتادة ) بن دعامة (عن أبى علقمة الهاشمى) الفارسى المصرى
مولى بنى هاشم ويقال حليف الأنصار ثقه، وكان قاضى إفريقية من كبار الثالثة .
قوله: ( لما كان يوم أوطاس ) اسم موضع أو بقعة فى الطائف يصرف
. ولا يصرف ( لهن أزواج فى المشركين) صفة لنساء (فكرهين) أى كره
( ٢٤ - تحفة الأحوذي - ٨ )
٠٠٠٠

٣٧٠
مِنَ النِّسَاءِ إِلَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُ))). هذا حديثٌ حسنٌ.
وطئهن من أجل أنهن مزوجات والمزوجة لا تحل لغير زوجها ( منهم ) أى من
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وفى بعض الفسخ منا وهو الظاهر. وروى مسلم
هذا الحديث بلفظ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين بعث جيشاً إلى
أوطاس فلقوا عدواً فقاتلوهم فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا ، فكأن ناساً من
أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم تحرجوا من غشياهن من أجل أزواجمن من
المشركين ( فأنزل الله تعالى والمحصنات) بفتح الصاد باتفاق القراء وهو
معطوف على أمهاتكم، أى وحرمت عليكم المحصنات ، أى ذوات الأزواج لأنهن
أحصن فروجهن بالتزويج (إلا ما ملكت أيمانكم) أى أيمانكم: أى ما أخذتم من
نساء الكفار بالسى وزوجها فى دار الحرب لوقوع الفرقة بتباين الدارين فتحل
الغانم بملك اليمين بعد الاستبراء.
قال النووى: اعلم أن مذهب الشافعى ومن قال بقوله من العلماء أن المية
من عبدة الأوثان وغيرهم من الكفار الذين لا كتاب لهم لا يحل واؤها بملك اليمين
حتى تسلم ، فما دامت على دبنها فهى محرمة ، وهؤلاء المسبيات كن من مشركى العرب
عيدة الأوثان، فيتأول هذا الحديث وشبهه على أنهن أسلمن، وهذا التأويل لايد
منه انتهى. وقال الشركانى فى النيل فى باب استبراء الأمة إذا ملكت ما لفظه:
ظاهر أحاديث الباب أنه لا يشترط فى جواز وطه المبية الإسلام ولو كان شرط
البينة صلى الله عليه وسلم ولم يبينه ، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة وذلك
وقتها ، ولا سيما وفى المسلمين فى يوم حنين وغيره من هو حديث عهد بالإسلام
يخفى عليهم مثل هذا الحكم، وتجويز حصول الإسلام من جميع السبايا وهن فى غاية
الكثرة بعيد جداً فإن إسلام مثل عدد المسبيات فى أوطاس دفعة واحدة من غير
إكراه لا يقول بأنه يصح تجويزه عاقل . ومن أعظم المؤيدات لبقاء المسبيات على
دينهن ما ثبت من رده صلى الله عليه وسلم لهن بعد أن جاء إليه جماعة من هوازن
وسألوه أن يرد إليهم ما أخذ عليهم منهم من الغنيمة فرد إليهم السي فقط ، وقد
ذهب إلى جواز وطء المسبيات الكافرات بعد الاستبراء المشروع جماعة منهم
طاوس وهو الظاهرلما سلف انتهى .
( هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائى وابن ماجه.

٣٧١
٥٠٠٦ - حدثنا أَحَدُ بنُ مَنِعِ أخبرنا هُشَمٌْ أخبرنا عُثْمَانُ الَّىُّ
عن أبى الْلِيلِ عن أَبِى سَعِيدٍ قَالَ: ((أَصَبْنَاَ سَبَآَيَا يَوْمَ أَوْطَاسَ لَهُنْ أَزْوَاجٌ
فِى قَوْمِهِنَّ، فَذَ كَرُوا ذَلِكَ لِرَسول اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم ◌َنْزَلَتْ
(وَالْمُحْصَفَتُ مِنَ النَِّاءِ إِلَّ مَا مَلَكَتْ أَيْنَنُكُ)).
هذا حديثٌ حسنٌ. وَهَكَذَا رَوَى النَّوْرِىُّ عن عُثْمَانَ الَّىِّ عن
أَبِ الْلِيلِ عن أَبِى سَعِيدٍ الْدْرِىِّ عن النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم تَحْوَهُ»
وَلَيْسَ فِ الْحَدِيثِ عن أَبِى عَلْقَةَ، وَلاَ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَا ذْ كَرَ أَبَ عَلَقَمَةً
فِى الْدِيثِ إلَّ مَاذَ كَّرَ هَامٌ عن قَتَدَةَ. وَأَبُر الْلِيلِ اشْمُهُ صَالِحٌ
ابنُ أَنِى مَرْيَمَ.
٥٠٠٧ - حدثنا عُمَّدُ بنُ عَبدِ الْأَعْلَى الصَّنْعَانِىُّ أخبرنا خَالِدُ بنُ
الْجَارِثِ عن شُعْبَةَ أخبرنا عُبَيْدُ اللهِ بنُ أَبِى بَكْرٍ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ عن
قوله: (أخبرنا عثمان) بن مسلم ( البتى) بفتح الموحدة وكسر الفوقية المشددة
أبو عمرو البصرى، صدوق عاوا عليه الإفتاء بالرأى من الخامسة.
قوله: ( ( أصبنا سبايا) جمع السبية وهى المرأة المنهوبة فعيلة بمعنى مفعولة.
قوله: ( ولا أعلم أن أحداً ذكر أبا علقمة فى هذا الحديث إلا ماذكر همام.
عن قتادة ) كذا قال الترمذى، وقد تابع هماماً فى ذكر أبى علقمة سعيد بن أبى
عروبة عند مسلم وأبى داود والنسائ وشعبة أيضاً عند مسلم. وقد صرح بهذا
الحافظ ابن كثير فى تفسيره ( وأبو الخليل اسمه صالح بن أبى مريم) الضبعى مولاهم
البصرى ، وثقه ابن معين والنسائى، وأغرب بن عبد البر، فقال: لا يحتج به
من السادسة .

٣٧٢
النَّبِيِّصلى اللهُ عليه وسلم فِى الكَبَارِ قالَ: ((الشِّرْكُ باللهِ وَعُقُوقُ الْوَالِيْنِ
وَقَتْلُ النّفْسِ وَقَوْلُ الزُّورِ)) .
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ. وَرَوَاهُ رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ عِن شُعْبَةً
وَقَالَ عن عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِى بَكْرٍ وَلاَ يَصِحُّ .
٥٠٠٨ - حدثنا حَمَيْدُ بنُ مَسْعَدَةَ أخبرنا بِشْرُ بنُ المُفَضَّلِ أخبرنا
الْرَيْرِىُّ عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبِى بَكْرَةَ عن أَبِيهِ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ
صلى اللهُ عليه وسلم: ((أَلاَ أُحَدِّتُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَارِ؟ قَالُوا: بَلَى يَارَسُولَ
اللهِ قالَ: الْإِشْرَاكُ باللهِ وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، قالَ: وَجَلَسَ وَكَانَ مُشْكِئاً
قالَ: وَشَهَدَةُ الزُّورِ أَوْ قَوْلُ الزُّورِ، قَالَ فَمَزَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه
وسلم يَقُولُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ)) هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
قوله: ( وعقوق الوالدين ) أى قطع صلتهما ، مأخوذ من العق وهو الشق
والقطع، والمراد عقوق أحدهما . قيل هو إيذاء لا يتحمل مثله من الولد عادة ،
وقيل عقوقهما مخالفة أمرهما فيما لم يكن معصية، وفى معناهما الأجداد والجدات
(وقتل النفس ) أى بغير حق (وقول الزور )، وفى رواية الشيخين وشهادة
الزور، والمراد من الزور الكذب ، وسمى زوراً لميلانه عن جهة الحق .
قوله: ( هذا حديث حسن غريب صحيح ) وأخرجه الشيخان .
قوله: ( وقال عن عبد الله بن أبى بكر) أى بالتكبير (ولا يصح) بل الصحيح
عبيد الله بن أبى بكر بالتصغير. قال فى تهذيب التهذيب: عبيد الله بن أبى بكر عن
أنس بن مالك أبو معاذ الأنصارى، روى عن جده ، وقيل عن أبيه عن جده
وعنه شعبة وغيره. قال أحمد وابن معين وأبو داود والنسائى ثقة .
قوله: ( ألا أحدثكم بأكبر الكبائر إلخ). تقدم هذا الحديث إسناده ومتنه
فى بأب عقوق الوالدين من أبواب البر والصلة وفى الشهادات .

٣٧٣
٥٠٠٩ - حدثنا عَبْدُ بنُ مُحَيْدٍ أخبرنا يُونُسُ بنُ محُمَّدٍ أخبرنا لَيْتُ
ابنُ سَعْدٍ عن هِشَامِ بنِ سَعْدٍ عن مُحَمَّدِ بنِ زَيْدِ بنِ مُهَاَحِرٍ بِنِ فَنَفُذٍ
النِّيْىِّ عن أَبِ أُمَمَةَ الأنْصَارِيِّ عن عَبْدِ اللهِ بنِ أُنَيْسِ الْجَهَنِىِّ قَالَ: قَالَ
رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((إنَّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ الشَّرْكُ بِللهِ
وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَالْيَعِينُ الفَمُوسُ، وَمَا حَلَفَ حَالِفٌِ بِاللهِ يَمِنَ صَبْرٍ ،
قوله: ( عن محمد بن زيد بن مهاجر بن قنفذ ) بضم القاف والفاء بينهما نون
ساكنة المدنى، ثقة من الخامسة ( عن أبى أمامة الأقصارى) البكرى حليف بنى
حارثة اسمه إياس، وقيل عبد الله بن أملبة، وقيل ثعلبة بن عبدالله بن سهل
صمابي له أحاديث (عن عبد الله بن أنيس) بالتصغير الأنصارى المدنى كنيته أبو
يحي حليف الأنصار صحابى .
قوله: (إن من أكبر الكبائر الشرك بالله). أى الإشراك به ، فنفى الصانع
أولى أو المراد به مطلق الكفر، إلا أنه عبر عنه به لأنه الغالب فى الكفرة ، ومن
زائدة على مذهب من يجوزه فى الإثبات كالأخفش أو دخول من باعتبار مجموع
المعطوف والمعطوف عليه وإلا فالشرك هو أكبر الكبائر لا من جملته ( واليمين
الغموس ). قال فى النهاية: هو المين الكاذبة الفاجرة كالتى يقتطع بها الحالف
مال غيره ، سميت غموساً لأنها تغمس صاحبها فى الإثم ثم فى النار ، وفعول المبالغة
( وما حلف حالف بالله يمين صبر) فى النهاية: الحلف هو اليمين تخالف بين
اللفظين تأ كيداً . قال النووى : يمين صبر بالإضافة ، أى ألزم بها وحبس عليها،
وكانت لازمة لصاحبها من جهة الحكم، وقيل لها مصبورة وإن كان صاحبها فى
الحقيقة هو المصور لأنه إنما صبر من أجلها ، أى حبس فوصفت بالصبر وأضيفت
إليه مجازاً انتهى. وتوضيحه ما قاله ابن الملك، الصبر الحبس والمراد بيمين الصبر
أن يحبس السلطان الرجل حتى يحلف بها، وهى لازمة لصاحبها من جهة الحكم.
وقيل يمين الصبر هى التى يكون فيها متعمداً للكذب قاصداً لإذهاب مال المسلم
كأنه يصبر النفس على تلك اليمين، أى يحبسها عليها، كذا فى المرقاة . وقال فى

٣٧٤
فَأَدْخَلَ فِيهَا مِثْلَ جَفَاحِ بَعُوْضَةٍ إلَّ جُعِلَتْ فُكْتَةً فِى قَلْبِهِ إِلَى يَوْمِ
الْقِيَامَةِ)). هذا حديثٌ حسن غريبٌ وَأَبُو أَمَامَةَ الْأَنْصَارِىُّ هُوَ ابْنُ ثَعْلَةً
وَلاَ نَعْرِ فُ اسْتَهُ وَقَدْ رَوَى عن النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم أَحَادِيثَ .
٥٠١٠ - حدثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَارِ أخبرنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرِ أخبرنا
شُعْبَةُ عن فِرَاسٍ عن الشّعْبِىِّ عن عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرِ وعن النبيِّ صلى اللهُ
عليه وسلم قالَ: ((الكَبَائِرُ الإِشْرَاكُ بِلهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدِيْنِ أَوْ قَالَ الْيَدِيِنُ
الغَمُوسُ )) شَكَّ شُعْبَةً.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
المجمع: يمين صبر بالإضافة أى ألزم بها، وحبس لها شرعاً ولو حلف بغير إحلاف
لم يكن صبراً ( فأدخل ) أى الحالف (فيها ) أى فى تلك اليمين (مثل جناح بعوضة)
بفتح الجيم أى ريشها. والمراد أقل قليل . والمعنى شيئاً يسيراً من الكذب
والخيانة، ومما يخالف ظاهره باطنه لأن اليمين على نية المستحلف (إلا جعات)
أى تلك اليمين ( نكتة) أى سوداء، أى أثراً قليلا كالنقطة تشبه الوسخ فى نحر
المرأة والسيف ( إلى يوم القيامة )
قال الطيبي: معنى الانتهاء أن أثر تلك النكتة التى هى من الرين يبقى أثرها إلى
يوم القيامة ، ثم بعد ذلك يترتب عليها وبالها والعقاب عليها، فكيف إذا كان
كذباً محضاً .
قوله: ( هذا حديث حسن غريب ) وأخرجه أحمد والحاكم وابن أبى حاتم .
قوله: (عن فراس ) بكسر الفاء وبالراء هو ابن يحمي الهمدانى.
قوله: ( هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والبخارى والنسائى.
﴿تنبيه) اعلم أن هذه الأحاديث الأربعة أعنى أحاديث أنس وأبى بكرة
وعبد الله بن أنيس وعبد الله بن عمرو ذكرها الترمذى فى تفسير قوله تعالى: ((إن
تجتفيوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريماً)). وقد

٣٧٥
٥٠١١ - حدثنا ابنُ أَبِى عُمَرَ أخبرنا سُفْيَانُ عن ابنٍ أبى تجيحٍ عن
◌ُجَاهِدٍ عن أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَ قَالَتْ: ((يَغْزُو الرِّجَالُ، وَلاَ تَغْزُو النَّاءِ،
وَإِنَّا لَنَا نِصْفُ المِيرَاثِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَلَى ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَافَضَّلَ اللهُ
أطال الحافظ ابن كثير الكلام فى تفسير هذا القول . فذكر أحاديث كثيرة تتعلق به ثم
ذكر أقوال الصحابة والتابعين فى ذلك ثم قال: وقد اختلف علماء الأصول والفروع
فى حد الكبيرة ، فمن قائل هى ما عليه حد فى الشرع ، ومنهم من قال هى ما عليه
وعيد مخصوص من الكتاب والسنة ، وقيل غير ذلك : قال أبو القاسم عبد الكريم
ابن محمد الرافعى فى كتابه الشرح الكبير الشهير فى كتاب الشهادات منه: ثم اختلف
الصحابة رضى الله تعالى عنهم فمن بعدهم فى الكبائر، وفى الفرق بينها وبين الصغائر
ولبعض الأصحاب فى تفسير الكبيرة وجوه ، أحدها : أنها المعصية الموجبة للحد ،
والثانى أنها المعصية التى يلحق صاحبها الوعيد الشديد بنص كتاب أو سنة وهذا
أكثر ما يوجد لهم، وإلى الأول أميل لكن الثانى أوفق لما ذكروه عند تفسير
الكبائر، والثالث قال إمام الحرمين فى الإرشاد وغيره ، كل جريمة تفى بقلة
اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة فهى مبطلة للعدالة ، والرابع ذكر القاضى
"أبو سعيد الهروى: أن الكبيرة كل فعل فص الكتاب على تحريمه، وكل معصية
توجب فى جذسها حداً من قتل أو غيره وترك كل فريضة مأمور بها على الفور،
والكذب والشهادة والرواية واليمين ، هذا ما ذكروه على سبيل الضبط ، ثم ذكر
فى تفصيل الكبائر أفوال بعض أهل العلم .
قال الحافظ ابن كثير : وقد صنف الناس فى الكبائر مصنفات ، منها ماجمعه
شيخنا أبو عبد الله الذهبى بلغ نحواً من سبعين كبيرة. وإذا قيل إن الكبيرة
ما توعد عليها الشارع بالنار بخصوصها كما قال ابن عباس وغيره، ولا يتبع ذلك
اجتمع منه شىء كثير ، وإذا قيل كل مانهى الله عنه فكثير جداً انتهى. وقد تقدم
شىء من فى حد الكبيرة فى باب عقوق الوالدين .
قوله: ( يغزو الرجال ولا تغزو النساء )، وفى رواية أحمد فى مسنده
يارسول الله يغزو الرجال ولاتغزو النساء (فأنزل الله تبارك وتعالى ولا تتمنوا

٣٧٦
١
بِهِ بَعْضَكُمْ عَى بَعْضِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: وَأَنْزَلَ فِيهَا إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ».
وَكَنَتْ أُمّ سَلَمَةَ أَوَّلَ ظَعِيْنَةٍ قَدِمَتْ لَدِينَةَ مُهَاَ جِرَةً )) .
ما فضل الله به بعضكم على بعض) من جهة الدنيا أو الدين لئلا يؤدى إلى التحاسد
والتباغض .
قال الحافظ ابن كثير : قال على بن أبى طلحة عن ابن عباس فى الآية قال :
و لا يتمنى الرجل فيفول، لو أن لى مال فلان وأهله فنهى الله عن ذلك، ولكن
يسأل الله من فضله. وقال الحسن ومحمد بن سيرين وعطاء والضحاك نحو هذا
وهو الظاهر من الآية، ولا يرد على هذا ما ثبت فى الصحيح لاحسد إلا فى اثنتين
رجل آتاه الله مالا فسلطه على ملكته فى الحق فيقول رجل لو أن لى مثل ما لفلان
لعملت مثله فهما فى الأجر سواء، فإن هذا شىء غير ما نهت عنه الآية ، وذلك
أن الحديث حض على تمنى مثل فعمة هذا والآية نهت عن تمنى عين نعمة هذا ،
يقول: ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض، أى فى الأمور الدنيوية
وكذا الدينية .
قوله: ( قال مجاهد ) هذا موصول بالسند المتقدم ( وأنزل فيها ) أى فى
أم سلمة ( إن المسلمين والمسلمات ) تمام الآية (والمؤمنين والمؤمنات والقانتين
والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات
والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات
والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً) ورواية
مجاهد هذه مختصرة. وفى رواية الفسائى من طريق محمد بن عمرو عن أبى سلمة
عن أم سلمة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم يا في الله ما لى أسمع الرجال
يذكرون فى القرآن والنساء لا يذكرون فأنزل الله تعالى ((إن المسلمين والمسلمات
والمؤمنين والمؤمنان)) ( أو ل ظعينة) قيل المرأة ظعينة لأنها تظعن مع الزوج
حيث ما ظمن ، أو تحمل على الراحلة إذا ظعنت ، وقيل هى المرأة فى الهودج.
ثم قيل للمرأة وحدها والهودج وحده من ظعن ظعناً بالحركة والسكون إذا سار.

٢٧٧
هذا حديثٌ مَرْسَلٌ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عن ابن أَبِى نَجِحٍ عن مُجَاهِدٍ
مُرْسَلاً أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَلَتْ كَذَا وَكَذَا .
٥٠١٢ - حدثنا ابنُ أُبِى عُمَ أخبرنا سُفْيَانُ عن عَمْرِ وِ بنِ دِينَارٍ
عن رَجُلٍ مِنْ وَلَدِ أُمَّ سَلَةَ عن أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: ((يَارَسُولَ اللهِ لاَ أَنْمَعُ
اللهَ ذَكَرَ النِّسَاءَ فِى الْهِجْرَةٍ، فَأَنزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَلَى ﴿ أَنّ لاَ أُضِيعُ
◌َلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أَنْتَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾)).
قوله : ( هذا حديث مرسل ) أى منقطع وأخرجه أحمد .
قوله : (عن رجل من ولد أم سلمة) اسم هذا الرجل سلمة. قال فى تهذيب.
التهذيب : سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبى سلمة بن عبد الأسد المخزومى، روى
عن جدة أبيه أم سلمة عن جده عمر بن أبى سلمة وله صحبة ، روى عنه عطاء بن
أبى رباح فنسبه إلى جد أبيه ، فقال عن سلمة بن أبى سلمة . وعنه عمرو بن دينار
فنسبه إلى جده ، فقال عن سلمة بن عمر بن أبى سلمة . وقد روى له الترمذى فى
التفسير حديثاً ولم يسمه أخرجه عن ابن أبى عمر عن سفيان عن عمرو بن دينار
عن رجل من ولد أم سلمة عن أم سلمة أنها قالت لا أسمع اللّه ذكر النساء فى الهجرة
بشىء الحديث . وسماه الحاكم فى المستدرك فى هذا الحديث من طريق يعقوب
ابن حميد بن كاسب عن سفيان بن عيينة عن عمرو عن سلمة بن عمر بن أبى سلمة.
عن أم سلمة، وتابعه قتيبة عن سفيان بن عيينة . وقال فى التقريب فى ترجمته :
مقبول من الثالثة .
قوله: (أنى لا أضيع عمل عامل منكم) يعنى لا أحبط عملكم أيها المؤمنون بل
أثيبكم عليه ( من ذكر أو أنثى ) يعنى لا أضيع عمل عامل منكم ذكراً كان أو أنثى
(بعضكم من بعض) يعنى فى الدين والنصرة والموالاة، وقيل كلكم من آدم وحواء،
وقيل من بمعنى الكاف أى بعضكم كبعض فى الثواب على الطاعة والعقاب على
المعصية فهو كما يقال فلان منى يعنى على خاتى وسيرتى ، وقيل إن الرجال والنساء
فى الطاعة على شكل واحد كذا فى تفسير الخازن . والحديث أخرجه أيضاً سعيد

٣٧٨
٥٠١٣ - حدثنا هَذَّاهْ أخبرنا أبو الأخْوَصِ عن الأعمشِ عن إِبْرَاهِيمَ
عن عَلْقَمَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: ((أَمَرَ نِى رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم
أَنْ أَفْرَأْ عَلَيْهِ وَهُوَ عَلَى الِبْرِ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ مِنْ سُورَةِ النِّساءِ حَتَّى إِذَا
بَلَفْتُ ﴿فَكَيْفَ إِذَا حِثْنَا مِنْ كُلِّ أَمَِّ بِشَهِيدٍ وَجِثْنَا بِكَ عَلَى مَؤُلاَءِ
شَهِيداً) غَمَزَنِى رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم بِيَدِهِ فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَعَيْنَهُ
تَدْمَعَنِ)). فَكَذَا رَوَى أَبُو الأخْوَصِ عن الأعْمَشِ عْن إِبْرَاهِيمَ عن
عَلْقَمَةَ عن عَبْدِ اللهِ . وَإِنََّ هُوَ إِبْرَاهِيمُ عن عُبَيْدَةَ عن عَبْدِ اللهِ.
ابن منصور وابن جرير والحاكم فى مستدركه ثم قال صحيح على شرط البخارى
ولم يخرجاه. وقد روى ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أم سلمة قالت آخر آية نزلت
هذه الآية ( فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى
بعضكم من بعض ) إلى آخرها رواه ابن مردويه.
قوله: (أخبرنا أبو الأحوص) اسمه سلام بن سليم الحنفى ( قال عبد الله)
هو ابن مسعود رضى الله عنه ( وهو على المنبر) جملة حالية ( فكيف ) أى حال
الكفار ( إذا جئنا من كل أمة بشهيد) يشهد عليها بعملها وهو نبيها (وجئنا بك)
يا محمد (على هؤلاء ) أى أمتك (شهيداً) حال أى شاهداً على من آمن بالإيمان
وعلى من كفر بالكفر وعلى من نافق بالنفاق. ووقع فى رواية محمد بن فضالة
الظفرى أن ذلك كان وهو صلى الله عليه وسلم كان فى بنى ظفر أخرجه ابن
أبى حاتم والطبرانى وغيرهما من طريق يونس بن محمد بن فضالة عن أبيه أن
النبى صلى الله عليه وسلم أتاهم فى بنى ظفر ومعه ابن مسعود وناس من أصحابه
.فأمر قارئاً فقرأ، فأتى على هذه الآية ((فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنابك
على هؤلاء شهيداً، فبكى حتى ضرب لحياه ووجنتاه فقال يارب هذا على من أنا بين
ظهريه فكيف بمن لم أره. وأخرج ابن المبارك فى الزهد من طريق سعيد بن المسيب
قال ليس من يوم إلا يعرض على النبى صلى الله عليه وسلم أمته غدوة وعشية
فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم فلذلك يشهد عليهم ففى هذا المرسل ما يرفع الإشكال الذى

٣٧٩
٥٠١٤ - حدثنا محمُودُ بن غَيلاَنَ أخبرنا مُعَاوِيَةُ بنُ هِشَامٍ أخبرنا
سُفْيَانُ عن الأعْمَشِ عن إِبْرَاهِيمَ عن عُبَيْدَةَ عن عَبْدِ اللهِ قالَ: قَالَ لِى
رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((اقْرَأْ عَلَىَّ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ اقْرَأُ
عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قالَ: إِنّ أُحِبُّ أَنْ أَنْتَعَهُ مِنْ غَيْرِى، فَقَرَأْتُ
سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى بَلَغْتُ ﴿وَجِثْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ قَالَ: فَرَأَيْتُ
عَيْنَى النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلمْ تَهْمُلاَنٍ)).
تضمنه حديث ابن فضالة كذا فى الفتح ( غمزنى) الغمز العصر: والكبس باليد أى
أشار بالبد لأن يمتنع عن القراءة، وفى رواية الشيخين قال جسبك الآن (وعيناه
تدمعان) وفى رواية الشيخين تذر فان أى تسيلان دمعاً. قال ابن بطال: إنما بكى
صلى الله عليه وسلم عند تلاوته هذه الآية لأنه مثل لنفسه أهوال يوم القيامة وشدة
الحال الداعية له إلى شهادته لأمته بالتصديق وسؤاله الشفاعة لأهل الموقف وهو
أمر يحق له طول البكاء انتهى
قال الحافظ: والذى يظهر أنه بكى رحمة لأمته لأنه علم أنه لابد أن يشهد عليهم
بعملهم ، وعملهم قد لا يكون مستقيماً فقد يفضى إلى تعذيهم. قال الغزالى
يستحب البكاء مع القراءة وعندها وطريق تحصيله أن يحضر قلبه الحزن والخوف
بتأمل ما فيه من التهديد والوعيد الشديد والوثائق والعهود ثم ينظر تقصيره فى
ذلك فإن لم يحضره حزن فليبك على فقد ذلك وأنه من أعظم المصائب .
قوله: ( عن عبيدة) بفتح أوله هو ابن عمرو السلمانى المرادى.
قوله: ( أقرأ عليك) أى أأقرأ عليك ( إنى أحب أن أسمعه من غيرى) قال
ابن بطال: يحتمل أن يكون أحب أن يسمعه من غيره ليكون عرض القرآن سنة ،
ويحتمل أن يكون لكى يتدبره ويتفهمه وذلك أن المستمع أقوى على التدبر ونفسه
أخلى وأنشط لذلك من القارئ. لاشتغاله بالقراءة وأحكامها ، وهذا بخلاف قراءته
هو صلى الله عليه وسلم على أبي بن كعب فإنه أراد أن يعلمه كيفية أداء القراءة
- نحو ذلك (تمعلان) أى تدمعان وتفيضان. قال فى القاموس:

٣٨٠
هذا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثٍ أَبِى الأحْوَصِ.
٥٠١٥ - حدثنا سُؤَيْدُ بنُ نَصْرِ ، أخبرنا ابنُ المبارَكِ ، عن سُفْيَانَ
عن الأعَشِ نَحْوَ حَدِيثٍ مُعَاوِيَّةَ بنِ هِشَامٍ.
٥٠١٦ - حدثنا عَبْدُ بنُ ◌ُخَيْدٍ، أخبرنا عَبْدُ الرَّْحَنِ بنُ سَمْدٍ، عن
أَبِى جَعْفَرِ الرَّازِىِّ، عن عَطَاءِ بنِ السَّائِبِ عن أَبِى عَبْدِ الرَّحَنِ السَُّىِّ، عن
عَلِيِّ بنِ أبِى طَالِبٍ قَالَ: ((صَفَعَ لَنَا عَبْدُ الرَّْحَنِ بنُ عَوْفٍ طَعَمَا فَدَعَ نَا
وَسَقَنَ مِنَ الْرِ، فَأَخَذَتْ الْرُ مِنَّا وَحَضَرَتِ الصَّلاَءُ، فَقَدَّمُونِى فَقَرَأْتُ:
قُلْ يَا أَيُّهَ الكَفِرُونَ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَنَحْنُ نَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ. فَأَنْزَلَ
اللهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَمْلمُوا
مَا تَقُولُونَ)). هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ .
هملت عينه تهمل وتهمل هملا وحملاناً وهمولا: فاضت.
قوله: (هذا أصح من حديث أبي الأحوص) أى حديث سفيان عن الأعمش
عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد اللّه أصح من حديث أبى الأحوص عن الأعمش
عن إبراهيم عن علقمة عن عبد اللّه، لأن عبد الواحد وحفص بن غياث وغيرهما
قد تابعوا سفيان فى روايته عن الأعمش عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله عند
الشيخين وغيرهما. وحديث عبد الله بن مسعود هذا أخرجه أيضاً الشيخان
وأبو داود والنسائى .
قوله: ( وسقانا من الخر ) أى قبل أن تحرم كما فى رواية أبى داود (فأخذت
الخمر منا ) أى أخذت عقولنا ( لا تقربوا الصلاة ) أى لا تصلوا (وأنتم سكارى)
جمع سكران والجملة حالية ( حتى تعلموا ما تقولون ) بأن تصحوا .
قوله: ( هذا حديث حسن غريب صحيح ) وأخرجه أبو داود والنسائى .
قال المنذری : وفى إسناده عطاء بن السائب لا يعرف إلا من حديثه وقد قال يحي بن