Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
وَفِى الْبَابِ عن سَعْدٍ وَابٍ مُمَرَ وَجَبِرٍ وَأَنَسٍ وَعَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍ و هَذَا
حَدِيثٌ حسنٌ غَرِيبٌ محيحٌ مِنْ حَديثِ ابنِ مَسْعُودٍ . وَإَِّ نَعْرِفُهُ
مِنْ حَدِيثِ حَفْصِ بنِ غِيَاثٍ عن الْأَعْمَشِ. وَأَبُو الْأَحْوَصِ اثْمُ عَوْفُ
ابنُ مَالِكِ بنِ نَضْلَةَ الْشَمِىُّ، تَفَرَّدَ بِهِ حَفْصٌ.
٢٧٦٥ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ الرَّْنِ، أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بنُ أبى
خير لهم وكرامة . وقال ابن عملان : دوام الخير ، وقيل الجنة ، وقيل شجرة فى
الجنة . وكل هذه الأقوال محتملة فى الحديث انتهى .. كلام النووى (الغرباء) أى
المسلمين الذين فى أوله وآخره لصبرهم على الأذى ، وقيل المراد بالغرباء المهاجرون
الذين هجروا إلى الله. قال القارى: والأظهر أنهم هم الذين يصلحون ما أفسد الناس
من بعده من سنته ، كما ورد مفسراً فى حديث عمرو بن عوف يعنى حديثه
الآتى فى هذا الباب، وقد صنف الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن رجب الحنبلى
فى شرح هذا الحديث رسالة سماها كشف الكربة فى وصف حال أهل الغربة ، وقد
طبعت بمصر وشاعت .
قوله : ( وفى الباب عن سعد وابن عمر وجابر وأنس وعبد الله بن عمرو)
أما حديث سعد وهو ابن أبى وقاص فأخرجه أحمد، وأما حديث ابن عمر فأخرجه
مسلم ، وأما حديث جابر فأخرجه الطبرانى، وأما حديث أنس فأخرجه ابن ماجه
وأما حديث عبد الله بن عمرو فلينظر من أخرجه.
قوله: (هذا حديث حسن غريب صحيح من حديث ابن مسعود) وأخرجه
ابن ماجه .
قوله: ( وأبو الأحوص اسمه عوف بن مالك بن فضله الجشمى ) بضم
الجيم وفتح المعجمة الكوفى مشهور بكنيته ثقة من الثالثة قتل فى ولاية الحجاج
على العراق .
قوله: ( حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن) هو الدارى (أخبرنا إسماعيل بن

٣٨٢
أُوَيْسِ ، حدثنى كَثِيرُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عَرِو بنِ عَوْفِ بنِ زَيْدِ بنِ مِلْحَةً
عِن أَبِيهِ عن جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قالَ: ((إِنَّ الدِّينَ لِيَأْرِزُ
إلَى الْحِجَزِ كَمَا تَأْرِزُ الْخَيّةُ إِلَى جُحْرِهَا، وَلَيَعْقِلَنَّ الدِّينُ فِى الْحِجَازِ مِعْقَلَ
الْأَرْوِيِةِ مِنْ رَأْسِ الْبَلِ. إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيباً وَيَرْجِعُ غَرِيباً فَطُوبَى
أبى أويس) هو إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بنأويس بن مالك بنأبى عامر
الأصبحى أبو عبد الله بن أبى أويس المدنى، صدوق، أخطأ فى أحاديث من حفظه
من العاشرة (عن أبيه) هو عبد الله ( عن جده) هو عمرو بن عوف ، وقد
تقدم تراجم هؤلاء الثلاثة فى باب التكبير فى العيدين.
قوله: ( إن الدين ليأرز ) بفتح أوله وسكون الهمزة وكسر الراء وقد تضم
بعدها زاى . وحكى ابن التين عن بعضهم فتح الراء، وقال إن الكسر هو الصواب.
وحكى أبو الحسن بن سراج ضم الراء ومعناه ينضم ويجتمع (إلى الحجاز) وهو
اسم مكة والمدينة وحواليهما من البلاد وسميت حجازا لأنها حجزت أى منعت
وفصلت بين بلاد نجد والغور. وفى حديث ابن عمر عند مسلم: إن الإسلام بدأ
غريباً وسيعود غريباً كما بدأ وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية فى جحرها.
قال القارى: والمراد أن أهل الإيمان يفرون بإيمانهم إلى المدينة وقاية بها عليه
أو لأنها وطنه الذى ظهر وقوى بها، وهذا إخبار عن آخر الزمان حين يقل
الإسلام انتهى ( كما تأرز الحية إلى جحرها) بضم الجيم ومكون الحاء المهملة أى
ثقبها ( وليعقلن) جواب قسم محذوف أى والله ليعتصمن عطف على ليأرز، أو
على إن ومعمولها أى ليتحصن وينضم ويلتجى (الدين ) أبرزه وحقه الإضمار
إعلاماً بعظيم شرفه ومزيد خامته ومن ثم ضوعفت أدوات التأكيد وأتى بالقسم
المقدر ، يقال عقل الوعل أى امتنع بالجبال العوالى يعقل عقولا أى ليمتنعن بالحجاز
ويتخذن منه حصناً وملجأ (معقل الأروية من رأس الجبل) الأدوية بضم الهمزة
وتكسر وتشد الياء الأنثى من المعز الجبلى والمعقل: مصدر بمعنى العقل ويجوز
أن يكون اسم مكان أس كاتخاذ الأروية من رأس الجبل حصناً دون واعل لأنها
أقدر من الذكر على التمكن من الجابل الوعرة. والمعنى أن الدين فى آخر الزمان
عند ظهور الفتن واستيلاء الكفرة والظلمة على بلاد أهل الإسلام يعود إلى الحجاز

٣٨٣
لِلْغُرَبَاءِ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَأَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِى مِنْ سُنَّيِ)).
هذا حديثٌ حسنٌ .
١٤ - بابٌ فِى عَلَامَةِ المُنَفِقِ
٢٧٦٦ - حدثنا أَبُو حَفْصِ عَمْرُو بنُ عَلِىّ، أخبرنا يَحْبِى بِنُ محمدٍ
ابنِ قَيْسٍ، عن العَاءِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ عن أَبِيهِ عن أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قالَ
رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((آيَةُ الْمَنَافِقِ ثَلاَثُ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَّ
كما بدأ منه ( إن الدين بدأ) بالهمز هو الصحيح (غريباً) أى كالغريب أو حال
( ويرجع غريباً ) أى كما بدأ يعنى أهل الدين فى الأول كانوا غرباء ينكرهم الناس
ولا يخالطونهم، فكذا فى الآخر (فطوبى للغرباه) أى أولا وآخراً ( الذين يصلحون
ما أفسد الناس من بعدى من سفتى ) أى يعملون بها ويظهرونها بقدرطاقتهم.
قوله: ( هذا حديث حسن) اعلم أن الترمذى قد يحسن حديث كثير بن
عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده وقد يصححه، وكثير هذا ضعيف
عند كثير من المحدثين بل عند الأكثر بل قال ابن عبد البر إنه مجمع على ضعفه .
وقال الحافظ الذهبى فى الميزان بعد ذكر كلام المحدثين فيه ما لفظه: وأما الترمذى
فروى من حديثه: الصلح جائز بين المسلمين وصححه. فلهذا لا يعتمد العلماء على
تصحيح الترمذى ، انتهى .
( باب فى علامة المنافق )
قوله: ( أخبر نا يحيى بن محمد بن قيس ) المحاربى الضرير أبو محمد المدنى، نزيل
البصرة لقبه أبو زكير بالتصغير وصدوق يخطىء كثيراً من الثامنة .
قوله : ( آية المنافق ثلاث ) الآية العلامة وإفراد الآية إما على إرادة الجنس
أو أن العلامة إنما تحصل باجتماع الثلاث والأول هو الظاهر، وقد رواه أبو عوانة
فى صحيحه بلفظ : علامات المنافق . فإن قيل : ظاهره الحصر فى الثلاث فكيف
الجمع بين هذا الحديث وحديث عبد الله بن عمرو الآتى بلفظ: أربع من كن فيه الخ.

٣٨٤
وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ، وَإِذَا انْتُمِنَ خَانَ )). هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من
حَدِيثِ العَلَاءِ. وَقَدْ رُوِىَ مِنْ غَيْرِ وَجْهِ عن أَبِى هُرَيْرَةَ عن النَّيِّ صلى اللهُ
عليه وسلم. وَفِى الْبَابِ عن عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ وَأَنَسٍ وَجَابِرٍ.
يقال : قد أجاب القرطى باحتمال أنه استجد له صلى الله عليه وسلم من العلم
بخصالهم مالم يكن عنده. قال الحافظ فى الفتح : ليس بين الحديثين تعارض لأنه
لا يلزم من عد الخصلة المذمومة الدالة على كمال النفاق ، كونها علامة على لاحتمال
أن تكون العلامات دالات على أصل النفاق والخصلة الزائدة إذا أضيفت إلى
ذلك كمل بها خلوص النفاق ، على أن فى رواية مسلم من طريق علاء ابن
عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة ما يدل على إرادة عدم الحصر فإن لفظه : من
علامة المنافق ثلاث . وكذا أخرج الطبرانى فى الأوسط من حديث أبى سعيد
الخدرى ، وإذا أحمل اللفظ الأول على هذا لم يرد السؤال فيكون قد أخبر ببعض
العلامات فى وقت ، وببعضها فى وقت آخر انتهى (وإذا وعد) أى أخبر بخير
فى المستقبل وإذ وعد يغلب فى الخير وأوعد فى الشر، وأيضاً الخلف فى الوعيد
من مكارم الأخلاق ( أخلف ) أى جعل الوعد خلافاً بأن لم يف بوعده.
ووجه المغايرة بين هذه وما قبلها أن الإخلاف قد يكون بالفعل وهو غير الكذب
الذى هو لازم التحديث ، وليس فيه ما يدل على وجوب الوفاء بالوعد ، لأن ذم
الإخلاف إنما هو من حيث تضمينه الكذب المذموم إن عزم على الإخلاف حال
الوعد لا إن طرأ له كما هو واضح على أن علامة النفاق لا يلزم تحريمها إذ المكروه
لكونه يجر إلى الحرام يصح أن يكون علامة على المحرم ، ونظائره علامات الساعة
فإن منها ما ليس بمحرم ( وإذا اقتمن) بالبناء للمجهول أى جعل أميناً ( خان)
أى فى ما ائتمن .
قوله : ( هذا حديث حسن غريب ) وأخرجه الشيخان وابن ماجه .
قوله: ( وفى الباب عن عبد الله بن مسعود وأنس وجابر ) أما حديث
عبد الله بن مسعود وحديث جابره فلينظر من أخرجهما. وأما حديث أنس
فأخرجه أبو يعلى .

٣٨٥
٢٧٦٧ - حدثنا عَلِىُّ بنُ حُجْرٍ ، أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بنُ جَمْفَرٍ عن أبى
◌ُهَيْلٍ بنِ مَالِكٍ عن أَبِيهِ عن أَبِى هُرَيْرَةَ عنْ النَّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم
نَحْوَهُ. وَأَبُو سُهَيْلٍ هُوَ عَمْ مَالِكِ بنِ أَنَسٍ وَاسْمُهُ نَفِعُ بنُ مَالِكِ بنُ
ءَ
أَبِ عَامِرِ الْحَوْلاَئِيُّ الْأَصْبَحِىُّ.
٢٧٦٨ - حدثنا مُمُودُ بنُ غَيْلَانَ، أخبرنا عُبَيْدُ اللهِ بنُ مُوسَى عن
سُفْيَانَ عن الْأَعْمَشِ، عن عَبْدِ اللهِ بنِ مُرَّةً، عن مَسْرُوقٍ عن عَبْدِ اللهِ بنِ
عَمْرِو عن النَّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قالَ: ((أَرْبَعْ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقً
وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ خِصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النَّاقِ حَتَّى يَدَعَها:
مَنْ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ ، وَإِذَا عَاهَدَ
غَدَرَ)). هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَإِنْمَ مَعْتَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ نِفَقُ
قوله: ( عن أبيه ) هو مالك بن أبى عامر الأصبحى، سمع من عمر، ثقة من
الثانية ( واسمه نافع بن مالك بن أبى عامر الخولانى الأصبحى) بفتح الهمزة
وسكون الصاد المهملة وفتح الموحدة وبالحاء المهملة التيمى المدنى ثقة من الرابعة.
قوله: ( عن عبد الله بن مرة ) الحمدانى الخارفى بمعجمة وراء وفاء الكوفى
ثقة من الثالثة .
قوله: ( أربع ) أى خصال أربع (كان منافقاً) زاد البخارى خالصاً (حتى
يدعها ) أى يتركها (وإذا خاصم بجر) أى مال عن الحق وقال الباطل والكذب
قال أهل اللغة: أصل الفجور الميل عن القصد قاله النووى. وقال القارى : أى
معتم ورمى بالأشياء القبيحة ( وإذا عاهد غدر) أى نقض العهد ابتداء .
قوله: ( هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والشيخان وأبو داود
والنسائى .
قوله : ( وإنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل وإنما كان نفاق التكذيب
(٢٥ - تحفة الأحوذي ٧ )

٣٨٦
العَمَلَ، وَإِنَّ كَانَ نِفَقُ التَكَذِيبِ عَى عَهْدِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم .
هَكَذَا رُوِىَ عن الْحَسَنِ البَصْرِىِّ شَىْءٌ مِنْ هَذَا.
٢٧٦٩ - حدثنا الْسَنُ بنُ عَلَىِّ اخْلاَّلُ، أخبرنا عَبْدُ اللهِ بنُ نَمَيْرِ
عن الْأَعْمَشِ عن عَبْدِ اللهِ بنِ مُرّةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَخْوَهُ.
وهذَا حَدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ .
على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الخ) قال الحافظ فى الفتح النفاق لغة مخالفة
الباطن للظاهر، فإن كان فى اعتقاد الإيمان فهو نفاق الكفر وإلا فهو نفاق
العمل ، ويدخل فيه الفعل والترك وتتفاوت مراتبه. قال وقال النووى : هذا
الحديث عده جماعة من العلماء مشكلا من حيث أن هذه الخصال قدتوجد فى المسلم
المجمع على عدم الحكم بكفره ، قال: وليس فيه إشكال بل معناه صحيح: والذى
قاله المحققون أن معناه أن هذه خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافقين فى هذه الخصال
ومتخلق بأخلاقهم . قال الحافظ: ومحصل هذا الجواب الحمل فى القسمية على
المجاز أى صاحب هذه الخصال كالمنافق وهو بناء على أن المراد بالنفاق فاق الكفر ،
وقد قيل فى الجواب عنه: إن المراد بالنفاق إنفاق العمل وهذا ارتضاه القرطبى
واستدل له بقول عمر لحذيفة: هل تعلم فى شيئاً من النفاق، فإنه لم يرد بذلك نفاق
الكفر. وإنما أراد نفاق العمل، ويؤيده وصفة بالخالص فى الحديث الثانى بقوله:
كان منافقاً خالصاً وقيل المراد باطلاق النفاق الإنذار والتحذير عن ارتكاب هذه
الخصال وأن الظاهر غير مراد، وهذا ارتضاه الخطابى وذكر أيضاً أنه يحتمل
أن المتصف بذلك هو من اعتاد ذلك وصار له ديدنا. قال ويدل عليه التعبير
بإذا بإنها تدل على تكرر الفعل كذا قال . والأولى ما قال الكرمانى إن حذف
المفعول من حدث يدل على العموم أی إذا حدث فی کل شیء کذب فیه أو يصير
قاصراً، أى إذا وجد ماهية التحديث كذب ، وقيل هو محمول على من غلبت عليه
هذه الخصال وتهاون بها واستخف بأمرها، فإن من كان كذلك كان فاسد الاعتقاد
غالباً . وهذه الأجوبة كلها مبنية على أن اللام فى المنافق للجنس ، ومنهم من ادعى

٣٨٧
٢٧٧٠ - حدثنا ◌ُمَّدُ بنُ بَشَارِ، أخبرنا أَبُو عَامِرٍ، أخبرنا إِبْرَاهِيمُ
ابْنُ ◌َهْمَانَ ، عن عَلِىِّ بنِ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عن أبى السُّْمَنِ ، عن أَبِى وَقَّاصٍ ،
عن زَيْدِ بنِ أَرْقَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((إِذَا وَعَدَ
الرَّجُلُ وَيَنْوِى أَنْ كِفِىَ بِهِ فَلَمْ يَفِ بِهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ)). هذا حديثٌ
غريبٌ، وَلَيْسَ إِسْنَدُهُ بِالقَوِىِّ. عِلِىُّ بنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ثِقَةٌ. وَأَبُو النُّعْمَانِ
تَجْهُوُلٌ. وَأَبُو وَقَّاصٍ تَجْهُولٌ .
١٥ - بابُ مَاجَاءَ سِبَابُ الْمُسْلِ فُسُوقٌ
٢٧٧١ - حدثنا مُمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ بَزِيغِ، أخبرنا عَبْدُ الْحَكِيمِ
ابنُ مَنْصُورِ الْوَاسِنُّ عن عَبْدِ المَلِكِ بنِ ثُمَيْرٍ عن عَبْدِ الرَّحْنِ بنِ عَبْدِ اللهِ
أنها للعهد، فقال إنه ورد فى حق شخص معين، أو فى حق المنافقين فى عهد النبي صلى
اللّه عليه وسلم، وتمسك هؤلاء بأحاديث ضعيفة جاءت فى ذلك لو ثبت شىء منها
لتعين المصير إليه وأحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبى .
قلت : الأمر كما قال الحافظ من أن أحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبى. وقد
نقل الترمذى هذا القول عن أهل العلم مطلقاً .
قوله: (أخبرنا أبو عامر) هو العقدى اسمه عبد الملك بن عمرو (أن يفى به)
بفتح فكسر وأصله أن يوفى من الوفاء ( فلم يف به ) أى بغدر (فلا جناح عليه)
أى فلا إثم عليه . هذا دليل على أن النية الصالحة يئاب الرجل عليها وإن لم يقترن
معها المنوى ويختلف عنها .
قوله: ( هذا حديث غريب ) وأخرجه أبو داود ( وأبو النعمان مجهول
وأبو وقاص مجهول ) أما أبو النعمان فوثقه ابن حبان وأما أبو وقاص فهو مجهول
بالاتفاق ولم أر من وثقه فالحديث ضعيف .
( باب ماجاء سباب المسلم فسوق )
قوله: (أخبرنا عبد الحكيم بن منصور الواسطى ) الخزاعى أبو سهل
وأبو سفيان متروك كذبه ابن معين من السابعة ( عن عبد الرحمن بن عبد الله

٣٨٨
ابنِ مَسْعُودٍ عن أُبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((قِتَالُ
الُدْلِ أَخَاهُ كُفْرٌ وَسِبَابُهُ فُسُوقٌ )). وَفِى الْبَابِ عن سَعْدٍ وَعَبْدِ اللهِ بنِ
مُعْقَّلٍ . حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَقَدْ رُوِى عن عَبْدِ اللهِ
ابنِ مَسْعُودٍ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ.
٢٧٧٢ - حدثنا مُحمُودُ بنُ غَيْلَانَ، أخبرنا وَكِيعٌ، عن سُفْيَانَ، عن
زُبَيْدٍ ، عن أبى وَائِلٍ، عن عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى
ابن مسعود) الهدلى الكوفى ثقة من صغار الثانية ، وقد سمع عن أبيه لكن شيئاً
يسيراً كذا فى التقريب . وذكر فى تهذيب التهذيب اختلاف أئمة الحديث فى
سماعه من أبيه .
قوله: (قتال المسلم أخاه كفر) قال النووى: أما قتاله بغير حق فلا يكفر
به عند أهل الحق كفراً يخرج عن الملة إلا إذا استحله ، فإذا تقرر هذا فقيل فى
تأويل الحديث أقوال أحدها أنه فى المستحل ، والثانى أن المراد كفر الإحسان
والنعمة وأخوة الإسلام لا كفر الجحود، والثالث أنه يؤول إلى الكفر بشؤمه ،
والرابع أنه كفعل الكفار ، وقال ثم إن الظاهر من قتاله المقائلة المعروفة (وسبابه
فسوق) السب فى اللغة: الشتم والنكلم فى عرض الإنسان بما يعيبه، والفسق فى
اللغة الخروج، والمراد به فى الشرع الخروج عن الطاعة ، وأما معنى الحديث فسب
المسلم بغير حق حرام بإجماع الأمة وفاعله فاسق كما أخبربه النبي صلى الله عليه
وسلم قاله النووى .
فوله: ( وفى الباب عن سعد وعبد الله بن مغفل) أما حديث سعد وهو
ابن أبى وقاص فأخرجه ابن ماجه، وأما حديث عبد الله بن مغفل فأخرجه
الطبر انى فى الكبير .
قوله: ( حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح ) فى سند حديث ابن مسعود
هذا عبد الحكيم بن منصور الواسطى وهو متروك، وكذبه ابن معين فتصحيحه له
لمجيئه من طرق أخرى صحيحة.
قوله : (عن زبيد ) بضم الزاى وفتح الموحدة مصغراً هو ابن الحارث بن

٣٨٩
اللهُ عليه وسلم: ((سِبَابُ الْمُسْلِ فُوقٌ وَقِتَلُ كُفْرٌ)).
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ .
١٦ - بَابٌ فيَمَنْ رَمَ أَنَهُ بِكُمْرٍ
٢٧٧٣ - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِع، أخبرنا إِسْحَاقُ بنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ
عن هِشَامِ الدَّسْتَوَانِىِّ عن يحيى بنِ أَبِى كَثِيرٍ عن أبى قِلاَبَةَ عن ثَابِتِ بنِ
الضَّحَّكِ ، عن النِّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: ((لَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ نَذْرٌ فِياً
لاَ يَمْثُ، وَلاَ عِنُ المُؤْمِنِ كَقَاتِهِ ، وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنَ بِكُفْرٍ فَهُوَ كَفَتِهِ،
عبد الكريم بن عمرو بن كعب اليامى، ويقال الأيامى أبو عبد الرحمن ، ويقال
أبو عبد الله الكوفى ، ثقة ثبت عاد من السادسة .
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والشيخان والنسائى وابن ماجه.
( باب فيمن رمى اخاه بكفر )
يقال رماه بكذا عابه واتهمه به .
قوله: (حدثنا أحمد بن منيع) بن عبد الرحمن أبو جعفر البغوى نزيل بغداد
الأصم ، ثقة حافظ من العاشرة (عن ثابت بن الضحاك) بن خليفة الأشهلى صحابى
مشهور ، روى عنه أبو قلابة . مات سنة خمس وأربعين قاله الفلاس ، والصواب
سنة أربع وستين .
قوله: ( ليس على العبد نذر فيما لا يملك ) قال ابن الملك رحمه الله: كأن يقول
إن شفى الله مریضی ففلان حر وهو ليس فى ملكه. وقال الطبى رحمه الله: معناه
أنه لو نذر عتق عبد لا يملكه أو التضحى بشاة غيره أو نحو ذلك لم يلزمه الوفاء
به وإن دخل ذلك فى ملكه وفى رواية: ولا نذرفما لا يملك أى لاصحة له ولا عبرة به .
قلت : أشار الطبى إلى ما روى أبو داود والترمذى فى الطلاق عن عمرو بن
شعيب ، عن أبيه ، عن جده . قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لانذر
لابن آدم فيما لا يملك ، ولا طلاق فما لا يملك . قال الترمذى: حسن صحيح وهو
أحسن شىء روى فى هذا الباب (ولا عن المؤمن كقاله) أى لمن المؤمن كقتله

٣٩٠
وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَىْءٍ عَذَّبَهُ اللهُ بِمَ قَتَلَ بِهِ نَفْسَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) . وَفى البَابِ
عن أَبِى ذَرٍّ وَابْنٍ مُمَرَ . هذا حديثٌ حسنٌ محيحٌ .
٢٧٧٤ - حدثنا قُتَيْبَةُ، عن مَلِكِ بنِ أَنَسٍ عن عَبْدِ اللهِ بنِ دِينَرٍ،
عن ابنِ عُمَرَ، عن النَّبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قالَ: ((أَّمَ رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ
٤
كَافِرٌ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا ».
فى أصل الإثم فلاعنه كقائله. قال الطيبى رحمه الله: أى فى التحريم أو فى العقاب
(ومن قذف مؤمناً بكفر فهو كقائله ) قال الطيى: وجه التشبيه هنا أظهر لأن
النسبة إلى الكفر الموجب للقتل فالقذف بالكفر تسبب إليه والمتسبب إلى الشىء
كفاعله، والقذف فى الأصل الرمى ثم شاع عرفاً فى الرمى بالزنا، ثم استعير لكل
ما يعاب به الإنسان ويحيق به ضرره ( ومن قتل نفسه بشىء) أى من آلات
القتل أو بأكل السم أو غير ذلك .
قوله : ( وفى الباب عن أبى ذر وابن عمر ) أما حديث أبى ذر فأخرجه
البخارى عنه مرفوعاً : لايرمى رجل رجلا بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا
ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك. وأخرجه البخارى ومسلم عنه مرفوعاً:
من دما رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه. وأما حديث
ابن عمر فأخرجه الترمذى فى هذا الباب .
قوله: ( هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والشيخان وأبو داود
والنسائى وابن ماجه .
قوله: (أيما رجل قال لأخيه كافر ) بضم الراء على البناء فإنه منادى حذف
حرف ندائه كما ذكره ميرك ويؤيده ما جاء فى رواية: بالنداء، ويجوز تنوينه على
أنه خبر محذوف تقديره أنت أو هو ( فقد باء بها ) أى رجع بتلك المقالة . قال
الطيبي: لأنه إذا قال القائل لصاحبه يا كافر مثلا فإن صدق رجع إليه كلمة الكفر
الصادر منه مقتضاها، وإن كذب واعتقد بطلان دين الإسلام رجعت إليه هذه
الكلمة . قال النووي : اختلف فى تأويل هذا الرجوع ، فقيل رجع عليه الكفر
٠

٣٩١
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ .
١٧ - بابٌ فِيمَنْ يَمُوتُ وَهُوَ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ
٢٧٧٥ - حدثنا قُقَيْبَةُ، أخبرنا الَّّيْثُ عن ابنِ عَجْلَانَ، عن محمَّدٍ بِنِ
يَحْىِ بنِ حَيَّنَ عن ابنٍ مُخَيْرِيزِ عن الصُّنَبِىِّ عن عُبَدَةَ بنِ الصَّامِتِ أَنَّهُ
إن كان مستحلا وهذا بعيد من سياق الخبر ، وقيل محمول على الخوارج لأنهم
يكفرون المؤمنين ، هكذا نقله عياض عن مالك وهو ضعيف، لأن الصحيح عند
الأكثرين أن الخوارج لا يكفرون ببدعتهم . قال الحافظ: ولما قاله مالك وجه
وهو أن منهم من يكفر كثيراً من الصحابة لمن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم
بالجنة وبالإيمان فيكون تكفيرهم من حيث تكذيبهم للشهادة المذكورة لا من مجرد
صدور التكفير منهم بتأويل . والتحقيق أن الحديث سبق لزجر المسلم عن أن
يقول ذلك لأخيه المسلم وذلك قبل وجود فرقة الخوارج وغيرهم . وقيل معناه
رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره ، وهذا لابأس به . وقيل يخشى
عليه أن يؤول به ذلك إلى الكفر كما قيل المعاصى يريد الكفر فيخاف على من
أدامها وأصر عليها سوء الخاتمة وأرجح من الجميع أن من قال ذلك لمن يعرف منه
الإسلام ولم يقم له شبهة فى زعمه أنه كافر فإنه يكفر بذلك ، فمعنى الحديث : فقد
رجع عليه تكفيره فالراجع التكفير لا الكفر فكأنه كفر نفسه لكونه كفر من
هو مثله. ومن لا يكفره إلا كافر يعتقد بطلاندين الإسلام ، ويؤيده أن فى بعض
طرقه وجب الكفر على أحدهما .
قوله: ( هذا حديث صحيح ) وأخرجه أحمد والشيخان .
( باب فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله)
قوله: ( عن ابن محيريز ) اسمه عبد الله بن محيريز بضم ميم وفتح مهملة
وسكون ياءين بينهما راء مكسورة وبزاى ابن جنادة بن وهب الجمحى المكى كان
يقيماً فى حجر أبى محذورة بمكة ثم نزل بيت المقدس ثقة عابد من الثالثة.

٣٩٢
قالَ: ((دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِى الْمَوْتِ فَبَكَيْتُ فَقَالَ مَهْلَاً لِمَ تَبْكِى، فَوَاللهِ
لَئِنْ اسْتُشْهِدْتُ لِأَشْهَدَنَّ لَكَ، وَلَئِنْ شُقِّمْتُ لَأَنْفَعَنَّ لَكَ، وَلَيْنِ اسْتَطَمْتُ
لَأَنَفَعَنَّكَ، ثُمَّ قَالَ: وَاللهِ مَآَمِنْ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم لَكُمُ فِيهِ خَيْرٌ إِلَّ حَدَّ ثْتُكُمُوهُ إِلاَّ حَدِيثًا وَاحِداً وَسَأُحَدِّنْكُمُوهُ
اليَوْمَ ، وَقَدْ أُحِيطَ بِنَفْسِىَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يَقُولُ:
مَنْ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُمَّداً رَسُولُ اللهِ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ النَّارَ )).
وَفِى البَابِ عن أَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمانَ وَعَلِيّ وَطَلْحَةَ وَجَابِرٍ وَابْنٍ
◌ُمَرَ وَزَيْدٍ بِنِ خَلِدٍ. وَالصُّنَ بِىُّ هُوَ عَبْدُ الرَّْنِ بنُ عُسَيْلَةَ أَبُو عَبْدِاللهِ.
قوله: (عن الصنابحى عن عبادة بن الصامت أنه قال دخلت عليه) قال النووى :
هذا كثير يقع مثله وفيه صنعة حسنة وتقديره عن الصنابحى أنه حدث عن عبادة
بحديث قال فيه دخلت عليه ( فقال مهلا) بفتح الميم وسكون الهاء معناه انظرنى.
قال الجوهرى: يقال مهلا يا رجل بالسكون، وكذلك الاثنين والجمع والمؤنث
وهى موحدة بمعنى أمهل ( والله ما من حديث سمعته من رسول الله صلى الله
عليه وسلم لكم فيه خير إلا حدثتكموه الخ) قال القاضى عياض فيه دليل على أنه
كتم ما خشى الضرر فيه والفتنة مما لا يحتمله عقل كل أحد وذلك فيما ليس تحته
عمل ولا فيه حد من حدود الشريعة . قال ومثل هذا عن الصحابة كثير فى ترك
الحديث بما ليس تحته عمل ولا تدعو إليه ضرورة أو لا يحتمله عقول العامة أو
خشيت مضرته على قائله أو سامعه، لاسما ما يتعلق بأخبار المنافقين والإمارة،
وقعیین قوم وصفوا بأوصاف غير مستحسنة، وذم آخرين ولعنهم ، انتهى (وقد
أحبط بنفسى) معناه قربت من الموت وأيست من النجاة والحياة. قال صاحب
التحرير : أصل الكلمة فى الرجل يجتمع عليه أعداؤه فيقصدونه ويأخذون عليه
جميع الجوانب بحيث لا يبقى له فى الخلاص مطمع ، فيقال أحاطوا به أى أطافوا به
من جوانبه ومقصوده فرب موتى (حرم الله عليه النار) أى الخلود فيها كالكفار.
قوله: ( وفى الباب عن أبى بكر وعمر وعثمان الخ) أما حديث عمر وحديث
٤

٣٩٣
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ. مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
وَقَدْ رُوِىَ عن الزُّهْرِىِّ أَنَّهُ سُئِلَ عن قَوْلِ النَّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم:
((مَنْ قَالَ لاَ إِلهَ إِلَّ اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ، فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ هَذَا فِى أَوَّلِ
اْإِسْلاَمِ قَبْلَ نُزُولِ الْفَرَائِضِِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْىِ)). وَوَجْهُ هَذَا الْحَدِيث
عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلِْ، أَنَّ أَهْلَ التَّوْحِيدِ سَيَدْ خُلُونَ الْتَّةَ، وَإِنْ عُذِّبُوا
فِى النَّارِ بِذُنُوبِهِمْ فَإِنَّهُمْ لاَ يُخَلَّدُونَ فِى الَّارِ .
وَقَدْ رُوِىَ عن ابنِ مَسْعُودٍ وَأَبِى ذَرٍ وَعْرَانَ بِنِ حُصَيْنٍ وَجَابِرِ بنِ
عَبْدِ اللهِ وَابنِ عَبَّاسٍ وأبى سعيد انْدْرِىِّ وَأَنَسٍ عن النَّبِىِّ صلى اللهُ عليه وسلم
طلحة فأخرجهما أبو نعيم فى الحلية ، وأما حديث عثمان فأخرجه مسلم ، وأما
حديث جابر وحديث ابن عمر فأخرجهما الدارقطنى فى العلل ، وأما أحاديث
أبى بكر وعلى وزيد بن خالد فلينظر من أخرجها .
قوله: ( هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه مسلم .
قوله: ( فقال إنما كان هذا فى أول الإسلام قبل نزول الفرائض والأمر
والنهى ) قال القاضى عياض : حكى عن جماعة من السلف منهم ابن المسيب أن
هذا كان قبل نزول الفرائض والأمر والنهى. وقال بعضهم: هى جملة يحتاج إلى
شرح ومعناه من قال الكلمة وأدى حقها وفربضتها ، وهذا قول الحسن البصرى .
وقيل إن ذلك لمن قالها عند الندم والتوبة . ومات على ذلك ، وهذا قول
البخارى . ذكر النووى كلام القاضى هذا فى شرح مسلم ثم قال ، وما حكاه عن
ابن المسيب وغيره ضعيف بل باطل وذلك لأن راوى أحد هذه الأحاديث
أبو هريرة وهو متأخر الإسلام أسلم عام خيبر سنة سبع بالاتفاق وكانت أحكام
الشريعة مستقرة، وأكثر هذه الواجبات كانت فروضها مستقرة وكانت الصلاة
والزكاة والصيام وغيرها من الأحكام قد تقرر فرضها وكذا الحج على قول من
قال فرض سنة خمس أو ست وهما أرجح من قول من قال سنة تسع (ووجه

٣٩٤
قالَ: ((سَيَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ وَيَدْخُلُونَ الْبَةَ)).
وَهَكَذَا رُوِىَ عن سَعِيدٍ بِنِ جُبَيْرٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَمِىِّ وَغَيْرٍ وَاحِدٍ.
مِنَ التَّابِعِينَ فِى تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: (رُبَ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا
مِسْلِمِينَ) قالُوا: إِذَا أُخْرِ جَ أَهْلُ التَّوْحِيدِ مِنَالنَّارِ وَأُدْخِلُوا الْنَّةَ يَوَدُّ الَّذِينَ
كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ .
هذا الحديث عند بعض أهل العلم أن أهل التوحيد سيدخلون الجنة وإن عذبوا
فى النار بذنوبهم فإنهم لا يخلدون فى النار ) قال النووى : اعلم أن مذهب أهل
السنة وما عليه أهل الحق من السلف والخلف أن من مات موحداً دخل الجنة
قطعاً على كل حال ، فإن كان سالماً من المعاصى كالصغير والمجنون الذى اتصل
جنونه بالبلوغ ، والتائب قوبة صحيحة من الشرك أو غيره من المعاصى إذا لم
يحدث معصية بعد توبته ، والموفق الذى لم يبتل بمعصية أصلا فكل هذا الصنف
يدخلون الجنة ولا يدخلون النار أصلا، لكنهم يردونها على الخلاف المعروف فى
الورود . والصحيح أن المراد به المرور على الصراط وهو منصوب على ظهر
جهنم عافانا الله منها ومن سائر المكروه، وأما من كانت له معصية كبيرة ومات
من غير توبة فهو فى مشيئة الله تعالى فإن شاء عفا عنه وأدخله الجنة أولا وجعله
كالقسم الأول وإن شاء عذبه بالقدر الذى يريده سبحانه ثم يدخله الجنة فلا يخلد
فى النار أحد مات على التوحيد ولو عمل من المعاصى ما عمل . كما أنه لا يدخل الجنة
أحد مات على الكفر ولو عمل من أعمال البر ما عمل ، هذا مختصر جامع لمذهب
أهل الحق فى هذه المسألة. وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع من يعتد
به على هذه القاعدة وتواترت بذلك نصوص تحصل العلم القطعى ، فإذا تقررت هذه
القاعدة حمل عليها جميع ما ورد من أحاديث الباب وغيره ، فإذا ورد حديث فى
ظاهره مخالفة لها وجب تأويله عليها ليجمع بين نصوص الشرع انتهى ( عن النبى
صلى الله عليه وسلم قال: سيخرج قوم من النار من أهل التوحيد ويدخلون
الجنة) ذكر الترمذى هذا الحديث لتأييد قول بعض أهل فى العلم تفسير قول النبى
صلى الله عليه وسلم: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة (وهكذا روى عن سعيد

٣٩٥
٢٧٧٦ - حدثنا سُؤَيْدُ بنُ نَصْرِ، أخبرنا ابنُ المُبَارَكِ ، عن لَيْثِ بنِ
سَعْدٍ، حدثنى ◌َامِرُ بنُ يَحْيُ، عن أَبِى عَبْدِ الرَّْنِ المَعَافِرِيِّ ثُمَّ الْخُلُىِّ قَالَ
سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بنَ عَمْرِ و بْنِ العَاصِ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه
وسلم يَقُولُ: إِنَّاللهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِى عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ
القِيَامَةِ فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ نِسْمَةً وَتِسْعِينَ سِجِلاً، كُلُّ سِجِلِّ مِثْلُ مَدِّ الْبَصَرِ ثْمَّ
يَقُولُ: أَتُفْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ أَظَلَكَ كَتَبَتِى الْحَافِظُونَ؟ يَقُولُ لاَ
يَارَبِّ، فَقُولُ : أَفَكَ عُذْرٌ ؟ فَيَقُولُ لَآَ يَارَبِّ ، فَيَقُولُ: بَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَ
حَسَنَةً وَإِنَّهُ لاَ ظْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ، فَتُخْرَجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ
ابن جبير وإبراهيم النخعى الخ) روى الحافظ ابن جرير فى تفسيره بعض هذه
الآثار بأسانيده .
قوله : ( حدثنى عامر بن يحمي) المعافرى أبو خنيس بمعجمة ونون مصغراً
ثقة من السادسة .
قوله: ( إن الله سيخلص) بتشديد اللام أى يميز ويختار (رجلا من أمتى
على رؤوس الخلائق يوم القيامة) وفى رواية ابن ماجه: يصاح برجل من أمتى
يوم القيامة على رؤوس الخلائق (فينشر) بضم الشين المعجمة أى فيفتح (تسعة
وتسعين بولا ) بكسرتين فتشديد أى كتاباً كبيراً ( كل سجل مثل مد البصر )
أى كل كتاب منها طوله وعرضه مقدار ما يمتد إليه بصر الإنسان ( ثم يقول )
أى الله سبحانه وتعالى (أتنكر من هذا) أى المكتوب (أظلمك كتبتى) بفتحات
جمع كاتب والمراد الكرام الكاتبون ( الحافظون ) أى لأعمال بنى آدم ( فيقول
أفلك عذر ) أى فما فعلته من كونه سهواً أو خطأ أو جهلا ونحو ذلك ( فيقول
بلى ) أى لك عندنا ما يقوم مقام عذرك (إن لك عندنا حسنة) أى واحدة عظيمة
مقبولة . وفى رواية ابن ماجه : ثم يقول ألك عن ذلك حسنة فيهاب الرجل
فيقول لا. فبقول بلى إن لك عندنا حسنات ( فيخرج ) بصيغة المجهول المذكر ،

٣٩٦
اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ ◌ُمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: احْضُرْ وزْنَكَ، فَيَقُولُ يَارَبِّ
مَاهَذِهِ البِطَاقَةُ مَا هَذِهِ السِّجِلاَّتُ؟ فَقَالَ فَإِنَّكَ لاَ تُظْلَمُ. قَالَ: فَتُوْضَعُ
السِّجِلاَّتُ فِى كِفَّةٍ وَالبِطَاقَةُ فِى كِفَّةٍ فَطَشَتْ السَّجِلاَّتُ وَثَقُلَت البِطَاقَةُ ،
وَلاَ يَتْقُلُ مَعَ اسْمِ اللهِ شَىْءٍ)).
وفى رواية ابن ماجه فتخرج له ( بطاقة ) قال فى النهاية: البطاقة رقعة صغيرة
يثبت فيها مقدار ما تجعل فيه إن كان عيناً فوزنه أو عدده، وإن كان متاعاً فثمنه ،
قيل سميت بذلك لأنها تشد بطاقة من الثوب فتكون الباء حينئذ زائدة وهى كلمة
كثيرة الاستعمال بمصر . وقال فى القاموس : البطاقة ككتابة الرقعة الصغيرة
المنوطة بالثوب التى فيها رقم ثمنه سميت لأنها تشد بطاقة من هدب الثوب (فيها)
أى مكتوب فى البطاقة (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)
قال القارى: يحتمل أن الكلمة هى أول ما نطق بها . ويحتمل أن تكون غير تلك
المرة مما وقعت مقبولة عند الحضرة وهو الأظهر فى مادة الخصوص من عموم
الأمة (احضر وزنك) أى الوزن الذى لك أو وزن عملك أووقت وزنك أو آلة
وزنك وهو الميزان ليظهر لك انتفاء الظلم وظهور العدل وتحقق الفضل (فيقول
يارب ما هذه البطاقة ) أى الواحدة (مع هذه السجلات) أى الكثيرة وما قدرها
بجنبها ومقابلتها ( فقال فإنك لا تظلم ) أى لا يقع عليك الظلم لكن لابد من اعتبار
الوزن كى يظهر أن لا ظلم عليك فاحضر الوزن . قيل وجه مطابقة هذا جواباً
لقوله ماهذه البطاقة؟ أن اسم الإشارة للتحقير كأنه أنكر أن يكون مع هذا البطاقة
الحقرة موازنة لتلك السجلات ، فرد بقوله إنك لا تظلم بحقيرة ، أى لا تحقر هذه
فإنها عظيمة عنده سبحانه إذ لا يثقل مع اسم اللّه شىء ولو ثقل عليه شىء لظلمت
( قال فتوضع السجلات فى كفة ) بكسر فتشديد أى فردة من زوجى الميزان ،
ففى القاموس الكفة بالكسر من الميزان معروف ويفتح (والبطاقة) أى وتوضع
(فى كفة) أى فى أخرى (فطاشت السجلات ) أى خفت ( وثقلت البطاقة)
أى رجحت والتعبير بالمضى لتحقق وقوعه (ولا يثقل) أى ولا يرجح ولا يغلب

٣٩٧
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ .
٢٧٧٧ - حدثنا قُتَيْبَةُ، أخبرنا ابنُ لَهِيْعَةَ عن عَامِرٍ بِنٍ يَحْتَ بِهَذَا
الإِسْنَادِ تَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ . وَالْبِطَاقَةُ: القِطْعَةُ.
١٨ - بابُ افْتِرَاقِ هَذِهِ الْأُمَّةِ
٢٧٧٨ - حدثنا الْسَيْنُ بنُ حُرَيْثٍ أَبُوعَّارِ ، أخبرنا الفَضْلُ بنُ
مُوسَى، عن مُمَّدٍ بِنِ عَمْرٍو، عن أَبِى سَلَّةً عن أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رسولَ اللهِ
صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: ((تَفَرَّقَتْ الْيُهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةٌ،
أَوْ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَالنَّصَارَى مِثْلُ ذَلِكَ، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِى عَلَى ثَلَاثٍ
وَسَبْعِينَ فِرْقَةً)).
( مع اسم اللّه شىء) والمعنى لا يقاومه شىء من المعاصى بل يترجح ذكر الله تعالى
على جميع المعاصى .
فإن قيل : الأعمال أعراض لا يمكن وزنها وإنما توزن الأجسام ، أجيب بأنه
يوزن السجل الذى كتب فيه الأعمال ويختلف باختلاف الأحوال أو أن الله يجسم
الأفعال والأقوال فتوزن فتثقل الطاعات وقطيش السيئات لثقل العبادة على النفس
وخفة المعصية عليها ولذا ورد: حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات .
قوله : (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه ابن ماجه وابن حبان فى صحيحه
والحاكم والبيهقى ، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم كذا فى الترغيب .
( باب افتراق هذه الأمة )
قوله: (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أواثنتين وسبعين فرقة) شك
من الراوى ، ووقع فى حديث عبد الله بن عمرو الآتى: وإن بنى إسرائيل تفرقت
على اثنتين وسبعين ملة من غير شك (والنصارى مثل ذلك) أى أنهم أيضاً تفرقوا
على إحدى وسبعين فرقة أو ثنتين وسبعين فرقة (وتفترق أمتى على ثلاث وسبعين
فرقة) المراد من أمتى أمة الإجابة. وفى حديث عبد الله بن عمرو الآتى: كلهم

٣٩٨
وفى البابِ عنْ سَعْدٍ وَعَبْدِ اللهِ بن عَمْرِ و وَعَوْفٍ بِنِ مَالِكٍ .
حَدِيثُ أَبِى هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حسنٌ محيحٌ .
فى النار إلا ملة واحدة، وهذا من معجزاته صلى الله عليه وسلم، لأنه أخبر عن
غيب وقع . قال العلقمى قال شيخنا ألف الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر
التميمى فى شرح هذا الحديث كتاباً قال فيه: قد علم أصحاب المقالات أنه صلى الله
عليه وسلم لم يرد بالفرق المذمومة المختلفين فى فروع الفقه من أبواب الحلال
والحرام وإنما قصد بالذم من خالف أهل الحق فى أصول التوحيد وفى تقدير الخير
والشر، وفى شروط النبوة والرسالة وفى موالاة الصحابة، وماجرى مجرى هذه
الأبواب، لأن المختلفين فيها قد كفر بعضهم بعضاً، بخلاف النوع الأول فإنهم
اختلفوا فيه من غير تكفير ولا تفسيق للمخالف فيه ، فيرجع تأويل الحديث
فى افتراق الأمة إلى هذا النوع من الاختلاف. وقد حدث فى آخر أيام الصحابة
خلاف القدرية من معبد الجهنى وأتباعه ، ثم حدث الخلاف بعد ذلك شيئاً فشيئاً
إلى أن تكاملت الفرق الضالة اثنتين وسبعين فرقة والثالثة والسبعون هم أهل السنة
والجماعة وهى الفرقة الناجية ، انتهى باختصار يسير .
قوله: ( وفى الباب عن سعد وعبد الله بن عمرو وعوف بن مالك ) أما حديث
سعد فلينظر من أخرجه ، وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه الترمذى بعد
هذا الحديث، وأما حديث عوف بن مالك فأخرجه ابن ماجه مرفوعاً ولفظه :
افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة فواحدة فى الجنة وسبعون فى النار ،
وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون فى النار وواحدة
فى الجنة ، والذى نفس محمد بيده لتفترقن أمتى على ثلاث وسبعين فرقة فواحدة.
فى الجنة وثنتان وسبعون فى النار، قيل يا رسول الله من هم؟ قال الجماعة. وفى
الباب أيضاً عن معاوية بن أبى سفيان، أخرجه أحمد وأبو داود وفيه: ألا إن من
قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة ، وإن هذه الملة ستفترق
على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون فى النار وواحدة فى الجنة وهى الجماعة .
قوله: (حديث أبى هريرة حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود والنسائى
وابن ماجه والحاكم وصححه ، ونقل المنذرى تصحيح الترمذى وأقره.
١

٣٩٩
٢٧٧٩ - حدثنا ◌َمُودُ بنُ غَيْلَانَ، أخبرنا أَبُو دَاوُدَ الْفَرِىُّ، عن
سُفْيَنَ عن عَبْدِ الرَّْنِ بنِ زِيَدِ بنِ أَنْتَ الْأَفْرِيِّ، عن عَبْدِ الهِ بنِ يَزِيدَ
عن عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍ و قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((كَيَأْتِيَنَّ
عَلَى أُمَّتِى مَأَنَى عَلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ حَتَّى إِنْ كَنَ مِنْهُمْ
مَنْ أَنَى أُمَّهُ عَلَاَنِيَةٌ لَكَنَ فِى أُمَّتِى مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ. وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ
تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِى عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً
قوله: ( أخبرنا أبو داود) اسمه عمر بن سعد بن عبيد (الحفرى ) بفتح
المهملة والفاء نسبة إلى موضع بالكوفة ثقة، عابد من التاسعة (عن عبد الله بن
يزيد) المعافرى أبى عبد الرحمن الحبلى (ليأتين على أمتى) من الإنيان وهو المجىء
بسهولة ، وعدى بعلى لمعنى الغلبة المؤدية إلى الهلاك، ومنه قوله تعالى: ((ما تذر
من شىء أتت عليه)). (ما أتى على بنى إسرائيل) ماموصولة وهى مع صلتها فاعل
ليأتين ( حذو النعل بالفعل ) حذو النعل استعارة فى التساوى ، وقيل الحذو
القطع والتقدير أيضاً ، يقال حذوت الفعل بالفعل إذا قدرت كل واحدة من
طاقاتها على صاحبتها لتكونا على السواء، ونصبه على المصدر أى يحذونهم حذواً
مثل حذو النعل بالفعل أى تلك المائلة المذكورة فى غاية المطابقة والموافقة كمطابقة
الفعل بالفعل ( حتى إن كان منهم ) حتى ابتدائية والواقع بعده جملة شرطية وقوله
الآتى لكان إما جواب قسم مقدر والمجموع جواب الشرط. وإما إن بمعنى لو كما
يقع عكسه، وليست إن هذه مخففة من المثقلة كما زعم ، كذا نقله السيد جمال الدين
عن زين العرب . وفى الأزهار بكسر الهمزة وسكون النون مخففة أى حتى إنه
كذا ذكره الأبهرى . وهذا الخلاف مبنى على أنه هل يجوز حذف ضمير الشأن
من إن المكسورة، فمنعه ابن الحاجب وجوزه ابن الملك ( من أتى أمه علانية )
إتيانها كناية عن الزنا ( من يصنع) أى يفعل ( ذلك ) أى الإتيان (وإن بنى
إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة) سمى عليه الصلاة والسلام طريقة كل
واحد منهم ملة اتساعاً وهى فى الأصل ماشرع الله لعباده على ألسنة أنبيائه ليتوصلوا

٤٠٠
كُلَّهُمْ فِ النَّارِ إِلاَّ ◌ِلَّةً وَاحِدَةً، قاَلَ مَنْ هِىَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مَا أَنَا
عَلَيْهِ وَأَمْحَابى » .
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مُفَسَّرٌ، لاَ نَعْرِفُهُ مِثْلَ هَذَا إِلاَّ مِنْ
هَذَا الْوَجْهِ .
به إلى القرب من حضرته تعالى، ويستعمل فى جملة الشرائع دون آحادها ولا تكاد
توجد مضافة إلى الله تعالى ولا إلى آحاد أمة النبى، بل يقال ملة محمد صلى الله عليه
وسلم أو ملتهم كذا ثم إنها اتسعت فاستعملت فى الملل الباطلة لأنهم لما عظم
تفرقهم وتدينت كل فرقة منهم بخلاف ما تدين به غيرها كانت طريقة كل منهم
كالملة الحقيقية فى التدين فسميت باسمها مجازاً. وقيل الملة كل فعل وقول اجتمع
عليه جماعة وهو قد يكون حقاً وقد يكون باطلا ، والمعنى أنهم يفترقون فرقاً
تتدين كل واحدة منها بخلاف ما تتدين به الأخرى ( وتفترق أمتى على ثلاث
وسبعين ملة) قيل فيه إشارة لتلك المطابقة مع زيادة هؤلاء فى ارتكاب البدع
بدرجة ( إلا ملة) بالنصب أى إلا أهل ملة ( قالوا من هى) أى تلك الملة أى
أهلها الناجية ( ما أنا عليه وأصحابى) أى هى ما أنا عليه وأصحابى.
قوله: ( هذا حديث حسن غريب ) فى سنده عبد الرحمن بن زياد الإفريقى
وهو ضعيف ، فتحسين الترمذى له لاعتضاده بأحاديث الباب وحديث عبد الله
ابن عمرو هذا أخرجه أيضاً الحاكم وفيه ما أنا عليه اليوم وأصحابى (مفسر)
اسم مفعول من التفسير أى مبين بين فيه ما لم يبين فى حديث أبى هريرة المتقدم.
واعلم: أن أصول البدع كما نقل فى المواقف ثمانية : المعتزلة القائلون بأن العباد
خالقو أعمالهم وبنفى الرؤية وبوجوب الثواب والعقاب وهم عشرون فرقة ،
والشيعة المفرطون فى محبة على كرم الله وجهه وهم اثنان وعشرون فرقة، والخوارج
المفرطة المكفرة له رضى الله عنه ومن أذنب كبيرة وهم عشرون فرقة، والمرجئة
القائلة بأنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة وهى خمس فرق ،
والتجارية الموافقة لأهل السنة فى خلق الأفعال . والمعتزلة فى نفى الصفات
وحدوث الكلام وهم ثلاث فرق، والجبرية القائلة بسبب الاختيار عن العباد
: