Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
يَا رَسُولَ اللهِ: وَهَلْ ذَرَى رَبََّا؟ قَالَ: نَعَمْ، هَلْ تَتَرَوْنَ فِى رُؤْيَةٍ
الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟ قُلْنَا لاَ، قَالَ : كَذَلِكَ لاَ تَتَمَرَوْنَ فِى رُؤْيَةٍ
رَبِّكُ، وَلاَ يَمْقَى فِى ذَلِكَ المَجْلِسِ رَجُلٌ إِلاَّ حَاضَرَهُ اللهُ مُحَضَرَةً حَتَّى
يَقُولَ لِلِرَّجُلِ مِنْهُمْ يَا فُلاَنَ بِنَ فُلانٍ، أَمَذْ كُرُ بَوْمَ قُلْتَ كَذَا وَكَذَا
فَيُّذَ كَّرُهُ بِبَعْضٍ غَدَرَاتِهِ فى الدُّنْيَا، فَيَقُولُ يَرَبِّ أَفَلَمْ تَغْفِرْ لِ؟ فَيَقُولُ
بَلَىَ فَبِسَعَةٍ مَغْفِرَنِ بَلَغْتَ مَنْزِلَتَكَ هَذَهِ، فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ غَشِيَتْهُمْ
الحزن ، بل إنهم واقفون فى مقام الرضا ومتلذذون مجال التسليم بما جرى القضاء
( هل تتمارون ) تفاعل من المرية بمعنى الشك أى هل تشكون (من رؤية الشمس)
وفى بعض النسخ فى رؤية الشمس أى فى رؤيتكم الشمس (والامر ) أى وفى رؤية
القمر ( ليلة البدر) واحترز عن الهلال وعن القمر فى غير ليالى البدر فإنه لم يكن
حينئذ فى نهاية النور (قلنا لا) أى لانشك فى رؤية الشمس والقمر (إلا حاضرة
اللّه محاضرة) قال التور بشتى رحمه الله: الكلمتان بالحاء المهملة والضاد المعجمة
والمراد من ذلك كشف الحجاب والمقاولة مع العبد من غير حجاب ولا ترجمان ،
وبينه الحديث : ما منكم من أحد إلا ويكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان
الحديث. والمعنى خاطبه الله مخاطبة وحاوره محاورة (يافلان) بالفتح والعضم
( بن فلان ) بنصب ابن وصرف فلان وهما كنايتان عن اسمه واسم أبيه . وروى
أحمد وأبو داود عن أبى الدراداء مرفوعاً: إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم
وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم ( أتذكر يوم قلت كذا وكذا ) أى مما لا يجوز
فى الشرع فكأنه يتوقف الرجل فيه ويتأمل فيما ارتكبه من معاصيه ( فيذكره)
بتشديد الكاف أى فيعلمه الله ( بعض غدراته) بفتح الغين المعجمة والدال
المهملة . جمع غدرة بالسكون بمعنى الغدر وهو ترك الوفاء والمراد معاصيه لأنه لم
يف بتركها الذى عهد الله إليه فى الدنيا (أفلم تغفر لى) أى أدخلتنى الجنة فلم تغفر
لى ما صدر لى من المعصية ( فيقول بلى) أى غفرت لك فبسعة مغفرتى بفتح
السين ويكسر (بلغت) أى وصلت ( منزلتك هذه) قال الطبى: عطف على مقدر

٢٦٢
سَحَابَةٌ مِنْ فَوْقِهِمْ فَأَمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ طِبً لَمْ يَجِئُوا مِثْلَ رِيحِ شَيْئًا قَطُ ،
وَيَقُولُ رَبْنَ قُومُوا إِلَى مَا أَعْدَدْتُ لَكُ مِنَ السَكَرَامَةِ فَخُذُوا مَا اشْتَهَيْتُمْ
فَنَأْنِى سُوقَا قَدْ حَقَّتْ بِهِ المَائِكَةُ فِيهِ مَالَمْ تَنْظُرْ العُيُونُ إِلَى مِثْلِهِ وَلَمْ نَسْمَعْ
الْآذَانُ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى الْقُلُوبِ، فَيُحْمَلَ إِلَيْنَ مَا اشْتَهَيْفَاَ لَيْسَ يُبَاعُ فِيهاَ
وَلاَ يُشْتَرَى وَفِى ذَلِكَ السُّوقِ يَذْقَى أَهْلُ الْجَنَّةِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. قَلَ فَيُقْبِلُ
الرَّجُلُ ذُوْ لَنْزِلَةِ الَرْتَفِعَةِ فَيَلْفَى مَنْ هُوَ دُونَهُ وَمَا فِيهِمْ دَنِيٌّ فَيَّرُوعُهُ
مَا يَرَى عَلَيْهِ مِنَ اللََّاسِ فَمَا يَنْقَضِى آخِرُ حَدِيثِهِ حَتَّى يَتَخَيَّلَ عَلَيْهِ مَا هُوَ
أى غفرت لك فبلغت بسعة رحمتى هذه المنزلة الرفيعة والتقديم دل على التخصيص
أى بلوغك تلك المنزلة كائن بسعة رحمتى لا بعملك ( فبينما) وفى بعض النسخ فبينما
وفى بعض النسخ فبينا (هم) أى على أهل الجنة (على ذلك) أى على ماذكر من المحاضرة
والمحاورة (غشيتهم) أى غطتهم (فأمطرت عليهم طيباً) أى عظيما (قد حفت) بتشديد
الفاء أى أحاطت (( مالم تنظر العيون إلى مثله)) قال المظهر: ما وصولة والموصول
مع صلته يحتمل أن يكون منصوباً بدلا من الضمير المنصوب المقدر العائد إلى ما فى
قوله ما أعددت ، ويحتمل أن يكون فى محل الرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف أى
المعد لكم وقيل أو هو مبتدأ خبره محذوف أى فيها . وقال الطيبى رحمه الله: الوجه
أن يكون ماموصوفه بدلا من سوقاً انتهى وفى بعض النسخ فيه ، مالم تنظر العيون
إلى مثله وهو ظاهر (ولم تسمع الآذان) بمد الهمزة جمع الأذن أى ومالم تسمعه بمثله
(ولم يخطر) بضم الطاء أى وما لم يمر مثله على القلوب (فيحمل إلينا) أى إلى قصورنا
(وليس يباع فيها ولا يشترى) الجملة حال من ما فى اشتهينا وهو المحمول والضمير
فى يباع عائد إليه (وفى ذلك السوق) هو يذكر ويؤنث فأنثه تارة وذكره أخرى
والتأنيث أكثر وأشهر ( باقى) أى يرى ( قال ) أى النبى صلى الله عليه وسلم
وأبو هريرة مرفوعاً حقيقة أو موقوفاً فى حكم المرفوع ( فيقبل ) من الإقبال أى
فيجىء ويتوجه ( من هو دونه) أى فى الرتبة والمنزلة (فيروعه ) بضم الراء
( مايرى) أى يبصره (عليه من اللباس) بيان ماقال الطيبي: الضمير المجرور يحتمل

٢٦٣
أَحْسَنُ مِنْهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ لاَ يَذْبَغِى لِأَحَدٍ أَنْ يَحْزَنَ فِيهَا، ثُمَّ نَنْصَرِفُ إِلَى
مَنَازِلِنَ فَتَتَّقَّافَ أَزْوَاجُنَ فَيَقُلْنَ مَرْحَباً وَأَهْلاً لَقَدْ حِثْتَ وَإِنَّ لَكَ مِنَ الْجِعَلِ
أَفْضَلَ مَّا فَارَفْتَنَا عَلَيْهِ ، فَيَقُولُ : إِنَّ جَالَسْنَا الْيَوْمَ رَبَّنَ الْجَبَّارَ، وَيَحِقُ لَنَا
أَنْ نَتَقْلِبَ بِمِثْلِ مَا انْفَلَبْنَاَ)).
هذا حديثٌ غريبٌ، لاَ نَعْرِفُه إلاَّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
أن يرجع إلى من فيكون الروع مجازاً عن الكراهة مما هو عليه من اللباس وأن يرجع
إلى الرجل ذى المنزلة ، فالروع بمعنى الإعجاب أى يعجبه حسنه فيدخل فى روعه
ما يتمنى مثل ذلك لنفسه ، ويدل عليه قوله ( فا ينقضى آخر حديثه ) أى ما ألق
فى روعه من الحديث وضمير المفعول فيه عائد إلى من (حتى يتخيل عليه ) بصيغة
الفاعل . وفى نسخة يعنى من المشكاة بالبناء المفعول أى حتى يتصور له ( ما هو
أحسن منه) أى يظهر عليه أن لباسه أحسن من لباس صاحبه (وذلك ) أى
سبب ما ذكر من التخيل ( أنه ) أى الشأن (أن يحزن ) بفتح الزاى يغتم (فيها)
أى فى الجنة، خزن هنا لازم من حزن بالكسر لا من باب أصر فإنه متعد غير
ملائم للمقام ( فتتلقانا) من التلقى أى تستقبلنا (أزواجنا) أى من نساء الدنيا
ومن الحور العين (ويحق لنا) قال القارى: بكسر الحاء وتشديد القاف وفى نسخة
يعنى من المشكاة بضم الحاء ، ففى المصباح. حق الشىء كضرب ونصر إذا ثبت.
وفى القاموس حق الشىء وجب ووقع بلا شك ، وحقه أوجبه لازم ومتعد.
فالمعنى يوجبنا ولزمنا ، ويمكن أن يكون من باب الحذف والإيصال أى يحق لا
ويليق بنا ( أن تنقلب بمثل ما انقلبنا) أى من الانقلاب بمعنى الانصراف .
قوله: ( هذا حديث غريب ) قال المنذرى فى الترغيب بعد ذكر هذا
الحديث : رواه الترمذى وابن ماجه كلاهما من رواية عبد الحميد بن حبيب بن
أبى العشرين عن الأوزاعى عن حسان بن عطية عن سعيد . وقال الترمذى
حديث غريب لانعرفه إلا من هذا الوجه . قال وعبد الحميد هو كاتب الأوزاعى
مختلف فيه وبقية رواة الإسناد ثقات ، وقد رواه ابن أبى الدنيا عن هقل بن زياد

٢٦٤
٢٦٧٤ - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعِ وَهَنَّادٌ، قَالاَ أخبرنا أَبُو مُعَاوِيَةً،
حدثنا عَبْدُ الرَّحْنِ بنُ إِسْحَاقَ، عن النُّعْمَانِ بنِ سَمْدٍ ، عن عَلِىّ قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((إِنَّ فِى الْجَّةِ لَسُوقً مَا فِيهَاَ شِرَى وَلاَ بَيْحِ
إِلاَّ الُّوَرَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَإِذَا اشْتَهَى الرَّجُلُ صُورَةً دَخَلَ فِيهَاَ )).
كانب الأوزاعى أيضاً واسمه محمد ، وقيل عبد الله وهو ثقة ثبت احتج به مسلم
وغيره عن الأوزاعى قال : نبئت أن سعيد بن المسيب أقى أبا هريرة ، فذكر
الحديث انتهى .
قوله: ( حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق ) أبو شيبة الكوفى ( عن النعمان بن
سعد ) الأنصارى الكوفى. قال الحافظ فى تهذيب التهذيب فى ترجمته: روى
عن على وغيره وعنه ابن أخته أبو شية عبد الرحمن بن إسحاق الكوفى ولم يرو
عنه غیرہ فیما قال أبو حاتم انتهى .
قوله: (إن فى الجنة لسوقاً) أى مجتمعاً (ما فيها) أى ليس فى تلك السوق
(شرى) بالكسر والقصر، أى اشتراء (ولا بيع) والمعنى ليس فيها تجارة
(إلا الصور) بالنصب والرفع أى التماثيل المختلفة (فإذا اشتهى الرجل صورة
دخل فيها) أى تشكل بها . قال القارى فى المرقاة : قال الطبى: الاستثناء منقطع
ويجوز أن يكون متصلا بأن يجعل تبديل الهيئات من جنس البيع والشرى كقوله
تعالى: ((يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم)» يعنى على وجه ،
وإلا فالمعتمد أن استثناءه منقطع. ثم قيل يحتمل الحديث معنيين: أحدهما أن
يكون معناه عرض الصور المستحسنة عليه فإذا اشتهى وتمنى تلك الصورة المعروضة
عليه صوره الله سبحانه بشكل تلك الصورة بقدرته، وثانيهما أن المراد من الصورة
الزينة التى يتزين الشخص بها فى تلك السوق ويتلبس بها ويختار لنفسه من الحلى
والحلل والتاج، يقال لفلان صورة حسنة ، أى هيئة مليحة ، يعنى فإذا رغب فى
شىء منها أعطيه ، ويكون المراد من الدخول فيها التزين بها ، وعلى كلا المعنيين
التغير فى الصفة لا فى الذات . قال الطيى: ويمكن أن يجمع بينهما ليوافق حديث

٢٦٥
هذَا حديثٌ حسنٌ غريبٌ .
١٦ - بابُ ماجاء فى رُؤْيَةِ الرَّبِّ تَبَرَكَ وَلَعَلَى
٢٦٧٥ - حدثنا هَفَّادٌ، أخبرنا وَكِيعٌ ، عن إِسْمَاعِيلَ بنِ أبِى خَالِدٍ ،
أنس: فتهب ريح الشمال فتحنو فى وجوههم وثيابهم فيزدادون حسناً
وجمالا ، الحديث .
قوله: ( هذا حديث حسن غريب) فى سنده عبد الرحمن بن إسحاق أبو شيبة
وهو ضعيف . والحديث أخرجه أيضاً ابن أبى الدنيا
( باب ما جاء فى رؤية الرب تبارك وتعالى )
من باب إضافة المصدر إلى مفعوله. قال ابن بطال : ذهب أهل السنة وجمهور
الأمة إلى جواز رؤية الله فى الآخرة ، ومنع الخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة
وتمسكوا بأن الرؤية توجب كون المرقى محدثاً وحالا فى مكان، وأولوا قوله
(ناظرة) يعنى فى قوله تعالى: ((وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة)) بمنتظرة
وهو خطأ لأنه لا يتعدى بإلى. ثم قال: وما تمسكوا به فاسد لقيام الأدلة على أن
الله تعالى موجود والرؤية فى تعلقها بالمرقى بمنزلة العلم فى تعلقه بالمعلوم، فإذا كان
تعلق العلم بالمعلوم لا يوجب حدوثه وكذلك المرئى ، قال : وتعلقوا بقوله تعالى :
(((لا تدركه الأبصار، وبقوله تعالى لموسى ((ان ترانى)) والجواب عن الأول أنه
لا تدركه الأبصار فى الدنيا جماً بين دليلى الآيتين ، وبأن نى الإدراك لا يستلزم
نفى الرؤية لإمكان رؤية الشىء من غير إحاطة بحقيقته، وعن الثانى المراد أن
ترانى فى الدنيا جمعاً أيضاً ولأن فى الشىء لا يقتضى إحالته مع ما جاء من الأحاديث
الثابتة على وفق الآية ، وقد تلقاها المسلمون بالقبول من لدن الصحابة والتابعين
حتى حدث من أنكر الرؤية وخالف السلف . وقال القرطى : اشترط النفاة فى
الرؤية شروطاً عقلية تخبط بهم المخصوصة والمقابلة واتصال الأشعة وزوال المواقع
كالبعد والحجب فى تخيط بهم وتحكم، وأهل السنة لا يشتر طون شيئاً من ذلك سوى
وجود المرئى وأن الرؤية إدراك يخلقه الله تعالى للرائى فيرى المرئى وتقترن بها
أحوال يجوز تبدلها والعلم عند الله تعالى.
:

٢٦٦
عن قَيْسٍ بِنٍ أَبِى ◌َازِمٍ، عن جَرِير بنِ عَبْدِ اللهِ البَجَلِّ قَالَ: كُنَّا جُلُوساً
عِنْدَ النَِّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَقَالَ: (( إِنَّكُمُ
سَتُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّكُمُ فَرَوْنَهُ كَمَ تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لاَ نُضَامُونَ فِى رُؤْيَتِهِ،
فإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمِْ وَصَلاَةٍ قَبْلَ غُرُوِهاَ
ذَفَعُوا. ثمَّ فَرَأَ: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمِْ وَقَبْلَ الغُرُوبِ» .
قوله: (كنا جلوساً) أى جالسين (كما ترون هذا القمر) أى المحسوس المشاهد
المرئى (لاتضاءون) بضم التاء وتخفيف الميم من الضيم وهو الظلم. قال الحافظ
وهو الأكثر أى لاينالكم ضم وظلم فى رؤيته فيراه بعض دون بعض ، وروى
بفتح التاء وتشديد الميم من التضام بمعنى التزاحم ، وبالضم والتشديد من المضامة
وهى المزاحمة ، وهو حينئذ يحتمل كونه الفاعل والمفعول. وحاصل معنى الكل
لا تشكون ( فى رؤيته ) أى فى رؤية القمر ليلة البدر . قال فى جامع الأصول:
قد يخيل إلى بعض السامعين أن الكاف فى قوله كما ترون كما فى التشبيه المرئى وإنما
هو كاف التشبيه للرؤية وهو فعل الرائى ، ومعناه رون ربكم رؤية ينزاح معها
الشك كرؤيتكم القمر ليلة البدر لاترتابون ولا تمترون (فإن استطعتم أن لا تغلبوا)
بصيغة المجهول أى لا قصيروا مغلوبين ( فافعلوا) أى ما ذكر من الاستطاعة أو
عدم المغلوبية . قال القاضى : ترتيب قوله إن استطعتم على قوله سترون بالفاء يدل
على أن المواظب على إقامة الصلوات والمحافظة عليها خليق بأن يرى ربه ، وقوله
لاتغلبوا معناه لا قصيروا مغلوبين بالاشتغال عن صلاتى الصبح والعصر، وإنما
خصهما بالحث لما فى الصبح من ميل النفس إلى الاستراحة والنوم ، وفى العصر
من قيام الأسواق واشتغال الناس بالمعاملات ، فمن لم يلحقه فترة فى الصلاتين مع
ما لهما من قوة المانع فبالحرى أن لا تلحقه فى غيرهما (ثم قرأ) أى النبى صلى الله
عليه وسلم أو جرير ( فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس الخ) أى وصل فى
هذين الوقتين ، وعبر عن الكل بالجزء وهو التسبيح المراد به الثناء فى الافتتاح
المقرون بحمد الرب المشتمل عليه سورة الفاتحة ، أو المراد بالتسبيح تنزيه الرب
عن الشريك ونحوه من صفات النقصان والزوال .

٢٦٧
هذا حديثٌ صحيحٌ .
٢٦٧٦ - حدثنا محمَّدُ بنُ بَشَّارِ، أخبرنا عَبْدُ الرَّْنِ بنُ مَهْدِيٍّ ،
أخبرنا حَّادُ بنُ سَلْمَةَ عن ثَبِتِ البُنَنِىِّ، عَنْ عَبْدِ الرْمَنِ بنِ أَبِىِ أَعْلَى، عن
صُهَيْبٍ عن الذَّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم فى قَوْلِهِ ( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)
قالَ: (( إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْنَّةَ، نَادَى مُنَدٍ إِنَّ لَكُمُ عِنْدَ اللهِ مَوْعِداً ،
قَالُوا أَلَمْ يُبَيِّضْ وُجُوهَنَا وَيُنَجَِّ مِنَ النَّارِ وَيُدْخِلْنَ الْتَّةَ؟ قَالُوا
بَلَى، فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ، قَالَ: فَوَاللهِ مَا أَعْطَاهُمْ شَيْئً أَحَبَّ إِلَيْهِمْ
مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ)) .
قوله: ( هذا حديث صحيح ) وأخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائى
وابن ماجه .
قوله: ( الذين أحسنوا) أى الذين أجادوا الأعمال الصالحة فى الدنيا وقربوها
بالإخلاص (الحسنى ) أى المثوبة الحسنى وهى الجنة (وزيادة ) أى النظر لوجهه
الكريم ، وذكرها لتفيد ضرباً من التفخيم والتعظيم بحيث لا يعرف قدرها
ولا يكتنه كنها ( نادى مناد إن لكم عند الله موعداً) أى بقى شىء زائد ما وعده
الله لكم من النعم ، وفى رواية مسلم يقول الله تبارك وتعالى تريدون شيئاً أزيدكم
( وينجنا) بتشديد الجيم ويخفف (من النار) أى دخولها وخلودها. قال الطبي:
تقرير وتعجيب من أنه كيف يمكن الزيادة على ما أعطاهم الله تعالى من سعة
فضله وكرمه ( قالوا بلى ) كذا فى النسخ الموجودة قالوا بصيغة الجمع والظاهر أن
يكون قال بصيغة الإفراد لأن الضمير يرجع إلى مناد ( فيكشف الحجاب ) وزاد
مسلم : فينظرون إلى وجه الله، والظاهر أن المراد بالحجاب حجاب النور الذى وقع
فى حديث أبى موسى عند مسلم ولفظه: حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات
وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه قال الطبى فى شرح حديث أبى موسى هذا:
إن فيه إشارة إلى أن حجابه خلاف الحجب المعهودة فهو محتجب عن الخلق بأنوار

٢٦٨
هذا حديثٌ إِماَ أَسْنَدَهُ حَّادُ بنُ سَلْمَةَ وَرَفَعَهُ. وَرَوَى سُلَيمَانُ بنُ
المُغِيرَةِ هَذَا الْحَدِيثَ عن ثَابِثِ الْبُنَابِيِّ عن عَبْدِ الرَّحَنِ بنِ أَبِى لَبْلَى قَوْلَه.
٢٦٧٧ - حدثنا عَبْدُ بنَُيْدٍ، أخبرنى شَبَابَةُ بنُ سَوَّارٍ ، عن
عزه وجلا له وأشعة عظمته وكبريائه ، وذلك هو الحجاب الذى تدهش دونه
العقول وتبهت الأبصار وتتحير البصائر فلو كشفه فتجلى لما وراءه بحقائق الصفات
وعظمة الذات لم يق مخلوق إلا احترق ولا منظور إلا اضمحل . وأصل الحجاب
الستر الحائل بين الرائى والمرئى والمراد به هنا منع الأبصار من الرؤية له بما ذكر
فقام ذلك المنع مقام الستر الحائل فعبر به عنه ، وقد ظهر من نصوص الكتاب
والسنة أن الحالة المشار إليها فى هذا الحديث هى فى دار الدنيا المعدة للفناء دون
دار الآخرة المعدة للبقاء . والحجاب فى هذا الحديث وغيره يرجع إلى الخلق
لأنهم هم المحجوبون عنه . وحديث صهيب هذا أخرجه أيضاً مسلم والنسائى
وابن خزيمة وابن حبان .
قوله: ( هذا حديث إنما أسنده حماد بن سلمة ورفعه الخ) قال النووي : هذا
الحديث هكذا رواه الترمذى والنسائى وابن ماجه وغيرهم من رواية حماد بن
سلمة عن ثابت عن ابن أبى ليلى عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال
أبو عيسى الترمذى وأبو مسعود الدمشقى وغيرهما: لم يروه هكذا مرفوعاً عن
ثابت غير حماد بن سلمة ورواه سليمان بن المغيرة وحماد بن زيد وحماد بن واقد
عن ثابت عن ابن أبى ليلى من قوله ليس فيه ذكر النبى صلى الله عليه وسلم
ولا ذكر صهيب ، وهذا الذى قال هؤلاء ليس بقادح فى صحة الحديث فقد قدمنا
فى الفصول أن المذهب الصحيح المختار الذى ذهب إليه الفقهاء وأصحاب الأصول
والمحققون من المحدثين وصححه الخطيب البغدادى أن الحديث إذا رواه بعض
الثقات متصلا وبعضهم مرسلا وبعضهم مرفوعاً وبعضهم موقوفاً حكم بالمتصل
وبالمرفوع لأنهما زيادة ثقة ، وهى مقبولة عند الجماهير من كل الطوائف ، انتهى
كلام النووى ..

٢٦٩
إِسْرَائِيلَ عن ثَوَيْرِ ، قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم: ((إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجُنّةِ مَنْزِلَةٌ لَمَنْ يَنْظُرُ إِلَى جِفَانِهِ وَزَوْجَتِهِ
وَسِدٍ وَخَدَمِهِ وَسُرُرِهِ مَسِيرَةً أَلْفِ سَنَةٍ، وَأَكُرَمُهُمْ عَى اللهِ مَنْ مَنْظُرُ
إِلَى وَجْهِهِ غُدْوَةٌ وَعَشِيَّةً، ثمَّ قَرَأْ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: (( وُجُوهٌ
يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَاَ نَظِرَةٌ)). وَقَدْ رُوِى هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهِ
قوله : ( عن ثوير) بضم المثلثة مصغراً، ابن أبى فاختة، سعيد بن علاقة
الكوفى ، ضعيف رمى بالرفض من الرابعة .
قوله: ( لمن ينظر إلى جنانه) بكسر الجيم جمع جنة أى بساتينه (وزوجاته)
أى نسائه وحوره (ونعيمه) أى ما يتنعم به ( وخدمه ) بفتحتين جمع خادم أى
من الولدان ( وسرره) بضمتين جمع سرير ( مسيرة ألف سنة ) أى حال كون
جنانه وما عطف عليه كائنة فى مسافة ألف سنة. والمعنى أن ملكه مقدار تلك
المسافة ، وفى التركيب تقديم وتأخير إذ جعل الاسم وهو قوله لمن ينظر خبراً
والخبر وهو أدنى منزلة اسماً اعتناء بشأن المقدم لأن المطلوب بيان ثواب أهل
الجنة وسعتها وأن أدناهم منزلة من يكون ملكه كذا (وأكرمهم ) بالنصب عطفاً
على أدنى ويجوز الرفع عطفاً على مجموع اسم إن ، وخبرها أى أكثرهم كرامة على
الله وأعلاهم منزلة وأقربهم رتبة عنده سبحانه ( غدوة ) بضم العين (وعشية)
أى صباحاً ومساء، ولهذا وصى بالمحافظة على صلاتى طر فى النهار كما مر ( وجوه
يومئذ ناضرة) أى ناعمة غضة حسنة، والمراد بالوجوه الذوات وخصت لشرفها
ولظهور أثر النعمة عليها ( إلى ربها ناظرة ) قال الطبى: قدم صلة ناظرة إما
لرعاية الفاصلة وهى ناضرة باسرة فاقرة؛ وإما لأن الناظر يستغرق عند رفع الحجاب
بحيث لا يلتفت إلى ما سواه وحديث ابن عمر هذا أخرجه أيضاً أحمد وأبو يعلى
والطبرانى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والدارقطنى
والحاكم وابن مردوبه والبيهقى. وأخرج الترمذى هذا الحديث فى تفسير سورة
القيامة أيضاً .

٢٧٠
عن إِسْرَائِيلَ، عن ثُوَيْرٍ عن ابنٍ مُمَرَ مَرْفُوعًا. وَرَوَاهُ عَبْدُ الَّكِ بِنُ أَنْجَرَ
عن ثُوَيْرٍ ، عن ابنِ مُمَرَ مَوْقُوفًا. وَرَوَاهُ عُبَيْدُ اللهِ الْأَشْجَمِىُّ عن سُفْيَانَ
عن ثُوَيْرِ عن يُجَاهِدٍ عن ابنِ مُمَرَ قَوْلَهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ .
٢٦٧٨ - حدثنا بِذَلِكَ أَبُو كُرَيْبٍ محُمَّدُ بنُ الْعَلَاءِ، أخبرنا عُبَيْدُ اللهِ
الْأُشْجَمِىُّ عن سُفْيَنَ عن ثُوَيْرٍ عن مُجَاهِدِهِن ابْنِ عُمَ نَحْوَهُ وَلَمْ يَرْفَمُهُ .
٢٦٧٩ - حدثنا ◌ُمَّدُ بنُ طَرِيفِ الكُونِىُّ، حدثنا جَائِرُ بنُ نُوحٍ
الْأَعْمَشُ عن أَبِى صَالحِ عن أَبِى حُرَيْرَةَ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه
وسلم: (( تُضَامُونَ فِى رُؤْيَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟ تُضَامُونَ فِى رُؤْيَةِ الشَّمْسِ؟
قَالُوا لَ ، قَالَ: فَإِنَّكُمُ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمُ كَمَا تَرَوْنَ القَمَّرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ،
لاتُضَامُونَ فِى رُؤْيَتِهِ )). هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وَهَكَذَا رَوَى يَخْبِى
ابنُ عِيسَى الرَّمْلِىُّ، وَغَيْرُ واحِدٍ عن الْأَعْمَشِ عن أبى صالحٍ عن أَبِى هُرَيْرَةَ
قوله: ( ورواه عبد الملك ) بن سعيد بن حيان (بن أبحر ) بالموحدة والجيم
الكوفى، ثقة عابد من السابعة (ورواه عبيد الله) بن عبيد الرحمن الأشجعى
أبو عبد الرحمن الكوفى ثقة مأمون أثبت الناس كتاباً فى الثورى من كبار التاسعة .
قوله: ( حدثنا محمد بن طريف ) ن خليفة البجلى أبو جعفر الكوفى ، من
صغار العاشرة صدوق ( حدثنا جابر بن نوح ) الحمانى أبو بشر الكوفى ضعيف
من الناسعة .
قوله : ( تضاءون ) بتقدير حمزة الاستفهام ، وقد تقدم ضبطه ومعناه
فی شرح أول أحاديث الباب .
قوله : (هذا حديث حسن غريب ) وأخرجه الشيخان عن أبى هريرة مطولا
من وجه آخر ..
قوله: ( وهكذا روى يحي بن عيسى الرملى) التميمى النهشلى الفافورى

٢٧١
عن النَّبِىِّ صلى اللهُ عليه وسلم. وَرَوَى عَبْدُ اللهِ بنُ إِدْرِيسَ عن الأعْمَشِ.
عن أبى صالحٍ ، عن أبى سَعِيدٍ، عن النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم. وَحَدِيثُ
ابنُ إِدْرِيسَ عن الأعْمَشِ غَيْرُ تَخْفُوظٍ . وَحَدِيثُ أبى صالحٍ عن أبي هُرَيْرَةَ
عن الذَّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم أَصَحُّ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ سُهَيْلُ بنُ أَبِى صَالحِ عن أَبِيِهِ عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّيِّ
صلى اللهُ عليه وسلم ، وَقَدْ رُوِىَ عَنْ أَبِ سَعِيدٍ عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ مِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ حَدِيثٌ صحيحٌ أَيْضًا .
١٧ - بابٌ
٢٦٨٠ - حدثنا سُوَيْدُ بنُ نَصْرٍ، أخبرنا عَبْدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ ، أخبرنا
مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عن زَيْدٍ بِنِ أَسْلَمَ عن ◌َعَطَاءِ بنِ يَسَارِ ، عن أَبِ سَعِدٍ الْخُذْرِىِّ
قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((إِنَّ اللهَ يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ
يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيُمْ؟
فَيَقُولُونَ: مَالَفَ لاَ نَرْضَى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَ مَلَمْ تُعْطِ أَحَداً مِنْ خَلْفِكَ ، فَيَقُولُ
الجوار الكوفى صدوق يخطىء ورمى بالتشيع من التاسعة (وقد روى عن أبى سعيد)
عن النبى صلى الله عليه وسلم من غير وجه ) وفى بعض النسخ من غير هذا الوجه
وهو الظاهر يعنى من غير طريق عبد الله بن إدريس عن الأعمش (وهو حديث
صحيح أيضاً) أخرجه الشيخان من طريق عطاء بن يسار عن أبى سعيد مطولا .
( باب)
قوله : (فيقولون لبيك ربنا) أى يا ربنا وتقدم تفسير لبيك وسعديك
فى باب التلبية من أبواب الحج ( فيقول هل رضيتم ) أى عن ربكم ( فيقولون
ما لنا لانرضى) الاستفهام للتقرير. والمعنى أى شىء مانع لنا من أن لاترضى عنك

٢٧٢
أَنَا أُعْطِيكُمُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالُوا: وَأَىُّ شَىْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ :
أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِ فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ أَبَداً » .
هذَا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ .
١٨ - بابُ ماجاءَ فى تَرَائِى أَهْلِ الجَنَّةِ فِى الْغُرَفِ
٢٦٨١ - حدثنا سُؤَيْدُ بنُ نَصْرِ، أخبرنا عبدُ اللهِ، أخبرنا فَلَيْحُ
ابْنُالْأَنَ عنِ هِلاَلٍ بِنِ عَلِيّ عن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عن أَبِى هُرَيْرَةَ عن النّبِىِّ
صلى اللهُ عليه وسلم قال: ((إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَ وْنَ فِى الْغُرْفَةِ كَمَا يَتَرَاءُوْنَ
( وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلفك ) الجملة حالية ( أنا أعطيكم) وفى
رواية للبخارى: فأنا أعطيكم وفى أخرى له: ألا أعطيكم (أفضل من ذلك) أى من
عطائكم هذا ( وأى شىء أفضل من ذلك ) أى من عطائك هذا ( أحل ) بضم
الهمزة وكسر الحاء المهملة أى أنزل (رضوانى) بكسر الراء ويضم أى دوام
رضوانى فإنه لا يلزم من كثرة العطاء دوام الرضا ولذا قال ( فلا أسخط ) بفتح
الخاء المعجمة أى لاأغضب؛ قال الطبى: الحديث مأخوذ من قوله تعالى:
(وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها
ومساكن طيبة فى جنات عدن ورضوان من الله أكبر، وقال الحافظ: فيه
تلميح بقوله تعالى: (ورضوان من الله أكبر) لأن رضاه سبب كل فوز وسعادة
وكل من علم أن سيده راض عنه وكان أقر لعينه وأطيب لقاه من كل نسيم لما
فى ذلك من التعظيم والتكريم . وفى هذا الحديث أن النعيم الذى حصل لأهل
الجنة لا مزيد عليه انتهى .
قوله: ( هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والشيخان .
( باب ما جاء فى تراثى أهل الجنة فى الغرف )
قوله: (عن هلال بن على ) بن أسامة العامرى المدنى وينسب إلى جده ثقة
من الخامسة .
قوله : ( إن أهل الجنة ليتراءون فى الغرفة) كذا فى حديث أبى هريرة هذا،

٢٧٣
الْكَوْكَبَ الشَّرْقِيَّ أَوْ الْكَوْ كَبَ الْغَرْبِيَّ الْغَارِبَ فى الْأَفْقِ أَوْ الطَّالِحَ
فى تَفَاضُلِ الدَّرَجَاتِ، فقالوا: يارسولَ اللهِ ، أُولَئِكَ النَّبِيُّونَ؟ قال: بَلَى
وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، وَأَقْوَامٌ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَصَدَّقُوا المُرْسَلِينَ)).
هذَا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ .
والمعنى أن أهل الجنة يتراءون أهل الغرفة. وفى حديث أبى سعيد عند الشيخين
إن أهل الجنة ليتراءرن أهل الغرف من فوقهم، والغرفة بضم الغين وسكون الراء
وهى بات يبنى فوق الدار، والمراد هنا القصور العالية فى الجنة. والمعنى أن أهل
الجنة تتفاوت منازلهم بحسب درجاتهم فى الفضل حتى أن أهل الدرجات العلى
ليراهم من هو أسفل منهم كالنجوم وقد بين ذلك فى الحديث بقوله فى تفاضل
الدرجات (كما يتراءون ) أى فى الدنيا ( الغارب فى الأفق ) بضمتين جمع الآفاق
أى فى أطراف السماء (فى تفاضل الدرجات) وفى حديث أبى سعيد عند الشيخين
لتفاضل ما بينهم. قال القارى علة للتراثى. والمعنى إنما ذلك لتزايد مراقب ما بين
سائر أهل الجنة العالية ، وما بين أرباب أهل الغرف العالية انتهى ( فقالوا
يا رسول الله أولئك النبيون) بحذف حرف الاستفهام أى أهم يعنى أهل الغرف
النبيون وتلك الغرف منازلهم ( قال بلى) أى دعم ( وأقرام) أى غير النبيين
(آمنوا بالله ورسوله وصدقوا المرسلين) أى حق تصديقهم وإلا لكان كل من
آمن بالله وصدق رسله وصل إلى تلك الدرجة وليس كذلك. ويحتمل أن يكون
التفكير فى قواء وأقوام يشير إلى ناس مخصوصين موصوفين بالصفة المذكورة ،
ولا يلزم أن يكون كل من وصف بها كذلك لاحتمال أن يكون لمن بلغ تلك.
المنازل صفة أخرى ، وكأنه سكت عن الصفة التى اقتضت لهم ذلك، والسر فى
ذلك أنه قد يبلغها من له عمل مخصوص ومن لاعمل له ، كأن بلوغها إنما هو
برحمة الله تعالى.
قوله: ( هذا حديث صحيح) وأخرجه أحمد كما فى الفتح.
(١٨ - تحفة الأحوذي ٧ )

٢٧٤
١٩ - بابُ ماجاء فى خُلُود أَهْلِ الجَّةِ وَأُهْلِ النَّارِ
٢٦٨٢ - حدثنا قُتَيْبَةُ، أخبرنا عبدُ الْعَزِيزِ بنُ محَمَّدٍ، عن الْعَلَاءِ بِنِ
عبدِ الرَّحْمنِ عن أَبِيهِ عن أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قال : .
((يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِى صَعِيدٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَطْلَعُ عَلَيْهِمْ رَبُ
الْعَالَمِينَ فَيَقُولُ: أَلاَ يَذْبَعُ كُلُّ إِنْسَانِ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، فَيُمَثَلُ لِصَاحِبٍ
الصَّلِيبِ صَلِبُهُ، وَلِصَاحِبِ التَّصَارِيرِ تَصَاوِيْرُهُ، وَلِصَاحِبِ النَّارِ نَارُهُ،
فَيَذْبَعُونَ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، وَيَبْقَى الْمُسْلِمُونَ فَيَطْلُعُ عَلَيْهِمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ
فَيَقُولُ: أَ تَنْبَعُونَ النَّاسَ؟ فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، نَعُوذُ باللهِ مِنْكَءَ
اللهُ رَبُّنَا، وَهَذَا مَكَنُنَ حَتَّى ذَرَى رَبَّنَ، وَهُوَ يَأْمُرُهُمْ وَيُذَبَّتُهُمْ،
قَالُوا: وَهَلْ نَرَاهُ يارسولَ اللهِ؟ قال: وَهَلْ تُضَارُونَ فِى رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ
( باب ما جاء فى خلود أهل الجنة وأهل النار)
قوله: (فى صعيد واحد) الصعيد الأرض الواسعة المستوية ( ثم يطلع عليهم
رب العالمين) قال فى القاموس: طلع فلان علينا كمنع ونصر أنانا كاطلع انتهى
(فيمثل لصاحب الصليب صليبه ولصاحب التصاوير تصاويره ولصاحب النار
ناره ) قال ابن العربى: يحتمل أن يكون التمثيل تلبيساً عليهم، ويحتمل أن يكون
التمثيل لمن لا يستحق التعذيب. وأما من سواهم فيحضرون - قيقة لقوله تعالى:
((إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم))، (أعوذ بالله منك) وعند الشيخين
وتبقى هذه الأمة فيها منافقونا فيأتيهم اللّه فى صورة غير صورته التى يعرفون ،
فيقول أنا ربكم فيقولون أعوذ بالله منك. قال ابن العربى: إنما استعاذوا منه
أولا لأنهم اعتقدوا أن ذلك الكلام استدراج، لأن الله لا يأمر بالفحشاء، ومن
الفحشاء اتباع الباطل وأهله ، ولهذا وقع فى الصحيح فيأتيهم الله فى صور : أى
بصورة لا يعرفونها وهى الأمر باتباع أهل الباطل فلذلك يقولون (( إذا جاء ربنا

١٧٥
الْبَدْر؟ قالُوا: لا يارسولَ اللهِ، قال: فَإِذَّكمُ لا تُضَارُّونَ فِى رُؤْيَتِهِ
◌ِْكَ السَّاعَةَ، ثُمَّ يَتَوَارَى ثُمَّ يَطْلُعُ فَيُهُرِّفُهُمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يقولُ: أَنَا
رَبُّكُمُ فَتَّبِعُونِى، فَيَقُومُ الْمُسْلِمُونَ وَ يُوضَعُ الصِّرَاطُ فَيَعُرُّ عَلَيْهٍ مِثْلُ
جِيَادِ الْخَيْلِ وَالرِّ كَابٍ وَقَوْلِمْ عَيْهِ سَلِّمْ سَلِمْ، وَيَبْقَى أَهْلُ النَّارِ فَيُطْرَحُ
عرفناه أى إذا جاءنا بما عهدناه منه من قول الحق (ثم يتوارى) أى يستتر (وهل
تضارون ) قال النووي: روى تضارون بتشديد الراء وتخفيفها والتاء مضمومة
فيهما ومعنى المشدد هل تضارون غيركم فى حالة الرؤية بزحمة أو مخالفة فى الرؤية
أو غيرها لخفائه كما تفعلون أول ليلة من الشهر، ومعنى المخفف هل يلحقك فى رؤيته
ضير وهو الضرر . وقال الحافظ : بضم أوله وبالضاد المعجمة وتشديد الراء بصيغة
المفاعلة من الضرر وأصله تضاررون بكسر الراء وبفتحها أى لا تضرون أحداً ولا
يضركم بمنازعة ولا مجادلة ولا مضايقة وجاء تخفيف الراء من الضير وهو لغة فى
الضر، أى لا يخالف بعض بعضاً فيكذبه وينازعه فيضيره بذلك يقال ضاره يضيره
(ثم يطلع فيعرفهم نفسه) أى يلقى فى قلوبهم علماً قطعياً يعرفون به أنه ربهم سبحانه
وتعالى (أنا ربكم فاتبعونى) وعند الشيخين أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه .
فال النووى : معناه يتبعون أمره إياهم بذهابهم إلى الجنة ، أو يتبعون ملائكته
الذين يذهبون بهم إلى الجنة (ويوضع الصراط) وعند مسلم ويضرب الصراط بين
ظهرافى جهنم ( فيمر عليه) أى فيمر المسلمون على الصراط (مثل جياد الخيل).
قال فى القاموس : فرس جواد بين الجودة بالضم رائع والجمع جياد وقد ، جاد
فى عدوه جودة انتهى، وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف (والركاب) بكسر
الراء عطف على الخيل، والمراد بها الإبل ولا واحد له من لفظه ( وقولهم ) أى
قول المرسل والأنبياء ( عليه) أى على الصراط (سلم سلم) أمر بخاطب أى
يقول كل فى اللهم سلم أمتى من ضرر الصراط اللهم اجعلهم سالمين من آفاته آمنين
من مخافانه وتكراره مرتين المراد به الكثرة أو باعتبار كل واحد من أهل الشفاعة
أو الإلحاح فى الدعاء كما هو من آدابه . وفى رواية البخارى: ودعاء الرسل يومئذ
اللهم سلم سلم .

٣٧٦
مِنْهُمْ فِيهَا فَوْجٌ، فَيَقَالُ: هَلِ امْتَلاَتٍ، فَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ ثمَّ يُطْرَحُ
فِيهَا فَوْجٌ فَيْقَالُ: هَلِ امْتَأْتِ ، فَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ؟ حَتَّى إِذَا أُوْ عِبُوا
فِيهَا وَضَعَ الرَّْنُ قَدَمَهُ فِيهَا ، وَأَزْوِيّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ قَالَ : قَطٍ ،
قال الحافظ فى رواية شعيب : ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل ، وفى رواية
إبراهيم بن سعد: ولا يكلمه إلا الأنبياء وحدوى الرسل يومئذ اللهم سلم سلم.
ووقع فى رواية العلاء وقولهم اللهم سلم سلم، والترمذى من حديث المغيرة
شعار المؤمنين على الصراط رب سلم سلم، والضمير فى الأول للرسل ، ولا يلزم
من كون هذا الكلام شعار المؤمنين أن ينطقوا به ، بل تنطق به الرسل يدعون
للمؤمنين بالسلامة ، فسمى ذلك شعاراً لهم ، فهذا تجتمع الأخبار ، ويؤيده قوله
فى رواية سهيل: فعند ذلك حلت الشفاعة اللهم سلم سلم انتهى (ثم يطرح فيها
فوج) أى من أهل النار ( فتقول هل من مزيد) أى من زيادة (حتى إذا
أوعبوا فيها) من الإيعاب، وهو الاستقصاء فى كل شىء (وضع الرحمن
قدمه فيها ) .
وفى رواية لمسلم رجله. قال القارى مذهب السلف التسليم والتفويض مع
التنزيه وأرباب التأويل من الخلف، يقولون المراد بالقدم قدم بعض مخلوقاته
فيعود الضمير فى قدمه إلى ذلك المخلوق المعلوم أو قوم قدمهم الله للنار من أهلها،
وتقدم فى سابق حكمه أنهم لاحقوها فتمتلىء منهم جهنم، والعرب تقول كل شىء
قدمته من خير أو شر فهو قدم، ومنه قوله تعالى: ((أن لهم قدم صدق عند
ربهم ، أى ما قدموه من الأعمال الصالحة : الدالة على صدقهم فى تصديقهم ،
والمراد بالرجل الجماعة من الجراد وهو وإن كان موضوعاً لجماعة كثيرة من الجراد
لكن استعارته لجماعة الناس غير بعيد. أو أخطأ الراوى فى نقله الحديث بالمعنى،
وظن أن الرجل سد مسد القدم ، هذا: وقد قبل وضع القدم على الشىء مثل
للردع والقمح، فكأنه قال يأتيها أمر الله فيكفها من طلب المزيد ، وقيل أريد
به تسكين فورتها كما يقال للأمر يراد إبطاله وضعته تحت قدمى ذكره فى النهاية.
ـفى شرح السنة : القدم والرجل المذكوران فى هذا الحديث من صفات الله

٢٧٧
قالت: قَطِ قَطٍ، فَإِذَا أَدْخَلَ اللهُ تَعَالَى أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلَ النّارِ النَّارَ
أُنِىَ بِلَوْتِ مُلَبًَّا فَيُوقَفُ عَلَى الشُّورِ الَّذِىِ بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ ،
ثُمَّ يُقَالُ: ياأَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَظْلُمُونَ خَائِفِينَ، ثم يُقَالُ: يَا أَهْلَ النّارِ ،
فَطْلُونَ مُسْتَبْشِرِ ينَ يَرْجُونَ الشَّفَاعَةَ، فَيُقَلُ لِأَهْلِ الْنَّةِ وَلِأَهْلِ النَّارِ:
هَلْ تَعْرِ فُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ: قَدْ عَرَفْنَاهُ هُوَ الَوْتُ الَّذِى
وُكِّلَ بِنَا، فَيُضْجَعُ فَيُذْبَحُ ذَبْجاً عَلَى السُّورِ، ثُمَّ يُقالُ: يَا أَهْلَ الْنّةِ خُلُودٌ
المنزهة عن التكييف والتشبيه ، وكذلك كل ما جاء من هذا القبيل فى الكتاب
أو السنة، كاليد والأصبع والعين والمجىء والإتيان والنزول. فالإيمان بها فرض
والامتناع عن الخوض فيها واجب . فالمهتدى من سلك فها طريق التسليم،
والخائض فيها زائغ والمنكر معطل والمكيف مشبه، تعالى الله عن ذلك علواً
كبيراً، ليس كمثله شىء وهو السميع البصير انتهى .
قال القارى: وهو الموافق لمذهب الإمام مالك رحمه الله واطريق إمامنه
الأعظم على ما أشار إليه فى الفقه الأكبر، فالتسليم أسلم والله تعالى أعلم انتهى.
قلت : الأمر كما قال القارى ، فلا شك أن التسليم والتف ويض هو الأسلم بل
هو المتعين ( وأزوى بعضها إلى بعض ) بصيغة المجهول ، وفى رواية يزوى أى
يضم بعضها إلى بعض فتجتمع وتلتقى على من فيها ( قالت ) أى النار ( قط قط )
قال النووى : معنى قط حسبى أى يكفينى هذا وفيه ثلاث لغات قط قط إسكان
الطاء فيهما وبكسرها منونة وغير منونة انتهى والتكرار للتأكيد ( أتى بالموت )
أى أحضر به كهيئة كبش أملح كما فى حديث أبى سعبد الآتى ( ماياً) فى القاموس
ليبه تلبيباً جمع ثيابه عند نحره فى الخصومة ثم جره ( فيطلعون خائفين ) أى أن
يخرجوا من مكانهم الذى هم فيه ( فيطعلون مستبشرين يرجون الشفاعة ) أى
يرجون أن يشفع لهم فيخرجوا من النار. وفى رواية ابن ماجه : مستبشرين
فرحين أن يخرجوا من مكانهم الذى هم فيه ( يا أهل الجنة خلود) أى هذا الحال

٢٧٨
لا مَوْتَ، ويا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ لامَوْتَ)). هَذَا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٢٦٨٣ - حدثنا سُفْيَانُ بنُ وَكِيحِ، أخبرنا أَبِى عن فُضَيْلِ بنِ مَرْزُوقٍ
عن عَطِّةً عن أَبِى سَعِيدٍ يَرْفَعُهُ قال: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَنِىَ بِالمَوْتِ
كَالْكَبْشِ الْأُمْلَجِ فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيُذْبَحُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ، فَلَوْ أَنَّ
أَحَداً مَتَ فَرَحَاً لَمَتَ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَلَوْ أَنَّْ أَحَداً مَتَ حُزْنَاً لَمَاتَ
أَهْلُ النَّارِ)).
مستمر ويحتمل أن يكون جمع خالد أى أنتم خالدون فى الجنة ( لاموت ) بفتح
التاء المئداة أى لاموت فى الجنة .
قوله: ( هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه ابن ماجه وابن حبان فى
صحيحه مختصراً.
قوله : (كالكبش الأملح ) قال القرطبى: الحكمة فى الإتيان بالموت هكذا
الإشارة إلى أنهم حصل لهم الفداء به كما فدى ولد إبراهيم بالكبش، وفى الأملح
إشارة إلى صفتى أهل الجنة والنار. لأن الأملح ما فيه بياض وسواد. وقال
ابن العربى: استشكل هذا الحديث لكونه يخالف صريح العقل، لأن الموت عرض
والعرض لايقلب جسماً، فكيف يذبح، فأنكرت طائعة صحة هذا الحديث، ودفعته
وتأولته طائفة فقالوا هذا تمثيل ولا ذبح هناك حقيقة ، وقالت طائفة :
بل الذبح على حقيقته والمذبوح متولى الموت وكلهم يعرفه لأنه الذى تولى قبض
أرواحهم. وقال المازرى : الموت عندنا عرض من الأعراض ، وعند المعتزلة
ليس بمعنى بل معناه عدم الحياة وهذا خطأ لقوله تعالى: ((خلق الموت والحياة))
فأثبت الموت مخلوقاً وعلى المذهبين لا يصح أن يكون كبشاً ولا جسماً وأن المراد
بهذا التمثيل والتشبيه ثم قال: وقد يخلق الله تعالى هذا الجسم ثم يذبح ثم يجعل
مثالا لأن الموت لايطرأ على أهل الآخرة. وقال القرطبى فى التذكرة: الموت
معنى، والمعانى لا تنقلب جوهراً، وإنما يخلق الله أشخاصاً من ثواب الأعمال وكذا
الموت يخلق الله كبشاً يسميه الموت ويلق فى قلوب الفريقين أن هذا الموت يكون

٢٧٩
هذَا حَدِيثٌ حسنٌ .
وقد رُوِىَ عن الَّذِّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم رِوَايَتُ كَثِرَةٌ مِثْلُ هَذَا
مَايَذْ كُرُ فِيهِ أَمْرَ الرُؤْيَةِ أَنَّ النَّاسَ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ وَذِكْرُ الْقَدَمِ وَمَا أَشْبَةَ
هَذِهِ الْأَشْيَاءَ. وَالَذْهَبُ فى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِمِنَ الأَْمَّةِ مِثْلٍ سُفْيَانَ
التَّوْرِىِّ وَمَلِكِ بنِ أَنَسٍ وَسُفْيَنَ بنِ عُيَيْنَةَ وَابنِ المَبَارَكِ وَوَكِيمٍ وَغَيْرِهِمْ
أَنَّهُمْ رَوَوْا هَذِهِ الأشْيَاءِ وَقَالُوا: تُرْوَى هَذِهِ الأحادِيثُ وَنُؤْمِنُ بِهِاَ ولا يُقَالُ
كَيْفَ ، وهذا الَّذِى اخْتَرَهُ أهلُ الحديثِ أن يَرْوُوا هذه الأشْيَاءَ كَمَا جاءتْ
وَيُؤْمَنُ بِها ولا تُفَسَّرُ ولا يُتَوَّهُ ولا يَقَالُ كَيْفَ، وَهَذَا أَمْرُ أهلِ العِ
الذى اخْتَرُوهُ وَذَهَبُوا إِلَيْهِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ فى الحديثِ: فُيُرِّفُهُمْ نَفْسَهُ يَعْفِى
يَجَلَّى لَهُمْ .
ذبحه دليلا على الخلود فى الدارين. وقال غيره: لا مانع أن ينشىء الله من
الأعراض أجساداً بجعلها مادة لها كما ثبت فى مسلم، فى حديث أن البقرة وآل عمران
يحيكان كأنهما غمامتان ونحو ذلك من الأحاديث انتهى .
قلت : هذا القول الأخير هو المعتمد .
قوله : ( هذا حديث حسن) وأخرجه الشيخان والفسائى.
قوله: ( وهذا أمر أهل العلم الذى اختاروه وذهبوا إليه) وهو الحق
والثواب، وهو مذهب السلف رضى الله عنهم أجمعين، وهو مذهب الأئمة الأربعة
رحمهم الله تعالى ، وقد تقدم الكلام فى هذه المسألة فى باب: فضل الصدقة
من أبواب الزكاة .

٢٨٠
١٩ - بابُ مَاجَاء حُقَّتِ الْجَنَّهُ بِالْمَكَارِهِ
وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ
٢٦٨٤ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ الرَّحَمْنِ، أخبرنا عَمْرُ وبِنُ عَاصِمٍ .
أخبرنا حَّدُ بنُ سَةَ عن مَُيْدٍ وَثَابِتٍ عن أَنَسٍ أَنَّرَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه
وسلم قَالَ: ((حُفَّتِ الْنَّهُ بِالْتَكَرِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَهَوَاتِ» .
( باب ما جاء حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات )
قوله: ( حفت ) بصيغة المجهول من الحفاف، وهو ما يحيط بالشىء حتى
لا يتوصل إليه إلا بتخطيه أى أحيطت ، ووقع فى صحيح البخارى حجبت
(بالمكاره) أى بما أمر المكلف بمجاهدة نفسه فيه فعلا وتركا، وأطلق عليها
المكاره لمشقتها على العامل وصعوبتها عليه (وحفت النار بالشهوات ) أى
ما يستلذ من أمور الدنيا مما منع الشرع من تعاطيه إما بالأصالة وإما لكون فعله ..
يستلزم ترك شىء من المأمورات . قال النووى فى شرح مسلم: قال العلماء هذا
من بديع الكلام وفصيحه وجوامعه التى أوتيها صلى الله عليه وسلم من التمثيل
الحسن ومعناه لا يوصل إلى الجنة إلا بارتكاب المشقات المعبر عنها بالمكروهات
ولا إلى النار إلا بتعاطى الشهوات ، وكذلك هما محجوبتان بهما ، فمن متك
الحجاب وصل إلى المحجوب فهنك حجاب الجنة باقتحام المكاره وهتك حجاب
النار بارتكاب الشهوات . فأما المكاره فيدخل فيها الاجتهاد فى العبادات
والمواظبة عليها والصبر على مشاقها وكظم الغيظ والعفو والحلم والصدقة والإحسان
إلى المسىء والصبر على الشهوات ونحو ذلك . وأما الشهوات التى النار محفوفة
بها، فالظاهر أنها الشهوات المحرمة كالخمر والزنا والنظر إلى الأجنبية والغيبة
واستعمال الملاهى ونحو ذلك. وأما للشهوات المباحة فلا تدخل فى هذه، لكن
يكره الاكثار منها مخافة أن يجر إلى المحرمة أو يقسى القلب أو يشغل عن الطاعات
ونحو ذلك انتهى .