Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
أبواب الزكاة
عن رسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم
١ - بابُ ما جَاءَ عن رسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم
فى مَنْعِ الزَّكَةِ مِنَ الَّشْدِيدِ
٦١٢ - حدثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ أخبرنا أبو مُعَاوِيَةَ عن الأعْمَشِ
عن مَعْرُورِ بنِ سُوَيْدٍ عن أبِى ذَرُّ قال : جِئْتُ إلى رسولِ اللهِ صلى الله
أبواب الزكاة
هى الركن الثالث من الأركان التى بنى الإسلام عليها . قال ابن العربى
فى عارضة الأحوذي : تطلق الزكاة على الصدفة الواجبة والمندوبة والنفقة والحق
والعفو ، وتعريفها فى الشرع: إعطاء جزء من النصاب الحولى إلى فقير ونحوه غير
هاشمى ولا مطلبى ، ثم لها ركن وهو الإخلاص . وشرط وهو السبب وهو ملك
النصاب الحولى، وشرط من تجب عليه وهو العقل والبلوغ والحرية، ولها حكم
وهو سقوط الواجب فى الدنيا ، وحصول الثواب فى الأخرى، وحكمة وهى التطهير
من الأدناس ورفع الدرجة واسترقاق الأحرار انتهى . قال الحافظ فى الفتح:
هو جيد لكن فى شرط من تجب عليه اختلاف انتهى .
باب ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
فى منع الزكاة من التشديد
قوله: (عن معرور بن سويد) ، الأسدى الكوفى يكنى بأبى أمية ثقة من .
الثانية عاش مائة وعشرين سنة ( عن أبى ذر) هو أبو ذر الغفارى الصحابى المشهور
(١٦ - تحفة الأحوذي - ٣)

٢٤٢
عليه وسلم وهُوَ جَالِسٌ فى ظِلِّ الكَعْبَةِ، قال: فَرَآنِى مُقْبِلاً فقال: مُ
الأَخَْرُونَ وَرَبِّ الكَعْبَةِ يَوْمَ القيامَةِ، قال: فَقُلْتُ مَالِى لَعَلَّهُ أُنْزِلَ
فِيَّ شَىْءٍ، قال: قُلْتُ: مَنْ هُمْ فِدَاكَ أَبِىْ وَأُمِّى ؟ فقال رسولُ اللهِ
صلى الله عليه وسلم: ◌ُ الأَكْثَرُونَ إِلَّ مَنْ قالَ هَكذَا وهكذَا، فَحَنَا
بَيْنَ يَدَيْهِ وعن يِنِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ، ثم قال: وَالَّذِى نَفْسِ بِيَدِهِ لا يَمُوتُ
رَجُلٌ فَيَدَعُ إِبِلاً أو بَقَرَاً لَمْ يُؤَدِّ زَكَهَا إِلَّ جَاءتْهُ يَوْمَ القيامة أعظم
رضى الله عنه اسمه جندب بن جنادة على الأصح وهو من أعلام الصحابة وزهادهم
أسلم قديماً بمكة يقال كان خامساً فى الاسلام ، ثم انصرف إلى قومه فأقام عندهم
إلى أن قدم المدينة على النبى صلى الله عليه وسلم بعد الخندق، ثم سكن الربذة إلى
أن مات سنة اثنتين وثلاثين فى خلافة عثمان رضى الله عنه. قال الذهبي : كان
يوازى ابن مسعود فى العلم وكان رزقه أربعمائة دينار ولا يدخر مالا .
قوله : (هم الأخسرون) هم ضمير عن غير مذكور لكن يأتى تفسيره وهو
قوله هم الأكثرون الخ (ورب الكعبة) الواو القسم (قال فقلت ) أى فى نفسى
(فداك أبى وأمى) بفتح الفاء لأنه ماض خبر بمعنى الدعاء ، ويحتمل كسر الفاء
والقصر لكثرة الاستعمال، أى يفديك أبى وأمى وهما أعز الأشياء عندى، قاله
القارى . وقال العراقى: الرواية المشهورة بفتح الفاء والقصر على أنها جملة فعلية ،
وروى بكسر الفاء والمسد على الجملة الاسمية انتهى (هم الأكثرون) ، وفى رواية
الشيخين هم الأكثرون أموالا أى الأخرون مالا، هم الأكثرون مالا (إلا من قال
هكذا وهكذا وهكذا ) أى إلا من أشار بيده من بين يدىه وعن يمينه وعن
شماله . قال الطيى: يقال قال بيده أى أشار، وقال بيده أى أخذ ، وقال برجله
أی ضرب ، وقال بالماء على يده أى صبه ، وقال شوبه أی رفعه ( خثا بين يديه
وعن يمينه وعن شماله) أى أعطى فى وجوه الخير ، قال فى القاموس: الحتى كالرمى
ما رفعت به يدك، وحثوت له أعطيته يسيراً ( فيدع) أى يترك (إبلا وبقرأً)

٢٤٣
ما كانَتْ وَأَسْمَنَهُ تَطَؤُهُ بِأَخْنَاِهَا وَتَنْطِحُهُ بِقُرُونِها كُلَّمَا نَفَدَتْ أُخْرَاهَا
عَادَتْ عليهِ أُولَهَا خَّى يُفْضَى بَيْنَ النَّاسِ .
وفى البابِ عن أبى هُرَيْرَةً مِثْلُهُ. وعن علىِّ بن أبى طَالِبٍ قال:
(( لُمِنَ مَانِعُ الصَّدَقَةِ)) وقَبِيصَةَ بنِ هُلْبٍ عن أبيهِ ، وجابرِ بنِ عبدِ اللهِ
وعبد الله بن مسعودٍ .
قال أبو عيسى : حديثُ أبِى ذَرٍّ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ .
أو للتقسيم ( أعظم ما كانت) بالنصب حال وما مصدرية (وأسمنه) أى أسمن
ما كانت (تطؤه بأخفانها) أى تدوسه بأرجلها ، وهذا راجع للإبل ، لأن الخف
مخصوص بها كما أن الظلف مخصوص بالبقر والغنم والظباء ، والحافر يختص
بالفرس والبغل والحمار ، والقدم للآدمى قاله السيوطى ( وتنطحه) أى تضربه ،
والمشهور فى الرواية بكسر الطاء قاله السيوطى ( بقرونها ) راجع البقر ( كما
فقدت) روى بكسر الفاء مع الدال المهملة من النفاد وبفتحها والذال المعجمة
من النفوذ قاله السيوطى. قوله (وفى الباب عن أبى هريرة مثله) أخرجه البخارى
ومسلم (وعن على بن أبى طالب قال: (عن مانع الزكاة) أخرجه سعيد بن منصور
والبيهقى والخطيب فى تاريخه وأبن النجار ، وفيه محمد بن سعيد البورقى كذاب
يضع الحديث ، كذا فى شرح سراج أحمد السندى ( وقبيصة بن هلب عن أبيه )
أى حلب الطائى قيل إنه بضم الهاء وإسكان اللام وآخره باء موحدة، وقيل بفتح
الهاء وكسر اللام وتشديد الباء ، قال ابن الجوزى وهو الصواب كذا فى قوت
المغتذى (وجابر بن عبد الله) أخرجه مسلم (وعبد الله بن مسعود) أخرجه
ابن ماجة والنسائى بإسناد صحيح وابن خزيمة فى صحيحه .
قوله : ( حديث أبى ذر حديث حسن صحيح) وأخرجه البخارى ومسلم

٢٤٤
واسْمُ أبِى ذَرِّ جُنْدَبُ بنُ السَّكَنِ. ويُقَالُ ابنُ جُنَادَةً .
٦١٣ - حدثنا عبدُ اللهِ بنُ مُنِيرٍ عن عُبَيْدِ اللهِ بن موسَى عن
سُفْيَانَ الثَّوْرِىِّ عن حَكِيمٍ بِنِ الدَّيْلَمِ عن الضَخَّاكِ بنِ مُزَاحِمٍ قال:
((الأَكْثَرُونَ أَصْحَابُ عَشَرَةِ آلافٍ».
(واسم أبى ذر جندب بن السكن ويقال ابن جنادة) بضم الجيم وخفة النون وإهمال
الدال ، قال العراقى: ماصدر به قول مرجوح وجعله ابن حبان وهما، والصحيح
الذى صححه المتقدمون والمتأخرون الثانى .
قوله : ( حدثنا عبد الله بن منير) بنون آخره مهملة مصغراً المروزى أبو
عبد الرحمن الزاهد الحافظ الجوال ، روى عن النضر بن شميل ووهب بن جرير
وخلق : وعنه البخارى وقال لم أر مثله والترمذى والنسائى ووثقه ، مات سنة
إحدى وأربعين ومائتين كذا فى الخلاصة ، وقد ضبط الحافظ فى التقريب لفظ
منير بضم الميم وكسر النون وكذا ضبطه فى الفتح فى باب الغسل فى المخضب ( عن
حكيم بن الديلم ) المدائنى صدوق (عن الضحاك بن مزاحم) الهلالى مولاهم
الخراسانى يكنى أبا القاسم عن أبى هريرة وابن عباس وغيرهما ، قال سعيد بن جبير
لم يلق ابن عباس ، ووثقه أحمد وابن معين وأبو زرعة ، وقال ابن حبان : فى جميع
ماروى نظر ، إنما اشتهر بالتفسير مات سنة خمس ومائة كذا فى الخلاصة ، وقال
فى التقريب: صدوق كثير الإرسال ( قال الأكثرون أصحاب عشرة آلاف) قال
القاضى أبو بكر ابن العربى: يعنى درهما ، وإنما جعله حد الكثرة لأنه قيمة
النفس المؤمنة وما دونه فى حد القلة وهو فقه بالغ ، وقد روى عن غيره وإنى
لأستحبه قولا وأصوبه رأيا انتهى كلامه . وفى حاشية النسخة الأحمدية هذا التفسير
من الضحاك لحديث آخر هو قوله صلى الله عليه وسلم: من قرأ ألف آية كتب من
المكثرين المقنطرين ، وفسر المكثرين بأصحاب عشرة آلاف درهم ، وأورد
الترمذى هذا التفسير ههنا لمناسبة ضعيفة انتهى ما فى الحاشية .

٢٤٥
٢ -- بابُ
ما جَاءَ إِذَا أَدَّيْتَ الزكاةَ فقد قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ
٦١٤ - حدثنا عُمَرُ بنُ حَنْصِ الشَّيْبَانِىُّ أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ
أخبرنا عَمْرُو بنُ الحَارِثِ عن دَرَّاجٍ عن ابنِ حُجَيْرَةَ عن أبى هُرَيْرَةَ أَنَّ
النبيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قال ((إذا أَدَّيْتَ زَكَاةَ مَالِكَ فَقَدْ قَضَيْتَ
مَاَعَلَيْكَ )).
قلت : لم أقف على من أخرج هذا الحديث بهذا اللفظ وبتفسير الضحاك هذا
والله تعالى أعلم ، وقد أخرج ابن جرير عن الضحاك فى قوله القناطير المقنطرة ،
يعنى المال الكثير من الذهب والفضة ، ذكره السيوطى فى الدر المنثور.
باب ما جاء إذا أديت الزكاة فقد قضيت ما عليك
قوله: (عن دراج) بتثقيل الراء وآخره جيم ابن سمعان أبى السمح ، قيل
اسمه عبد الرحمن ودراج لقبه ، وثقه ابن معين وضعفه الدار قطنى ، قال أبو داود:
حديثه مستقيم إلا عن أبى الهيثم (عن ابن حجيرة) بضم الحاء وفتح الجيم مصغراً
اسمه عبد الرحمن ثقة وهو ابن حجيرة الأكبر .
قوله: (إذا أديت ) أى أعطيت (زكاة مالك) الذى وجبت عليك فيه زكاة
(فقد قضيت) أى أديت ( ما عليك) من الحق الواجب فيه ولا تطالب بإخراج
شىء آخر منه . قال أبو الطيب السندى فى شرح الترمذى : قوله ماعليك أى من
حقوق المال ، وهذا يقتضى أنه ليس عليه واجب مالى غير الزكاة ، وباقى الصدقات
كلها تطوع وهو يشكل بصدقة الفطر والنفقات الواجبة ، إلا أن يقال الكلام فى
حقوق المال وليس شىء من هذه الأشياء من حقوق المال بمعنى أنه يوجبه المال
بل يوجبه أسباب أخر ، كالفطر والقرابة والزوجية وغير ذلك انتهى .

٢٤٦
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وقد رُوِىَ عن النبيِّ
صلى الله عليه وسلم مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أنَّهُ ذَ كَرَ الزكاةَ ، فقالَ رجلٌ : يارسولَ اللهِ
هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا ؟ فقال لا إلاَ أنْ تَطَوَّعَ».
وابنُ حُجَيْرَةَ هو عبدُ الرحمنِ بِنْ حُجَيْرَةَ البَصْرِىُّ.
٦١٥ - حدثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ حدثنا علىُ بنُ عبدِ الحَمِيدِ
الكُوفِيُ أخبرنا سُلَيْمَانُ بنُ المُغِيرَةِ عن ثَابِتٍ عن أَنَسٍ قال: ((كُنَّا
نَتَّى أن يَبْتَدِى الأَعْرَابِىُّ الَاقِلُ فَيَسْأَلَ النبيَّ صلى اللهُ عليه وسلم
قوله : ( هذا حديث حسن غريب ) وأخرجه ابن ماجة والحاكم فى الزكاة .
وقال الحاكم صحيح كذا فى شرح الجامع الصغير للمناوى . وقال الحافظ فى الفتح
بعد نقل تحسين الترمذى وصححه الحاكم وهو على شرط ابن حبان ، وعن أم سلمة عند
الحاكم وصححه ابن القطان أيضاً وأخرجه أبو داود ، وقال ابن عبد البر فى سنده
مقال ، وذكر شيخنا يعنى الحافظ العراقى فى شرح الترمذى: إن سنده جيد ، قال
الحافظ وفى الباب عن جابر أخرجه الحاكم بلفظ : إذا أديت زكاة مالك فقد
أذهبت عنك شره ، ورجح أبوزرعة والبيهقى وغيرهما وقفه كما عند البزار انتهى.
قوله: (حدثنا محمد بن إسماعيل) هو الإمام البخاري رحمه الله صرح به الحافظ كما ستقف
(حدثنا على بن عبدالحميد الكوفى) المعنى كو فى ثقة وكان ضريراً من العاشرة أخبرنا
( سليمان بن المغيرة ) القيسى مولاهم البصرى أبو سعيد ثقة أخرج له البخارى
مقروناً وتعليقاً من السابعة (عن ثابت ) هو ابن أسلم البنانى البصرى ثقة عابد
من الرابعة .
قوله: ( يبتدىء) أى بالسؤال ( الأعرابى العاقل) روى بالعين المهملة
والقاف وهو المشهور وبالغين المعجمة والفاء والمراد به هنا الذى لم يبلغه النهى
عن السؤال . كذا فى قوت المغتذى . قال الحافظ فى الفتح : وقع فى رواية موسى

٢٤٧
ونَحْنُ عِنْدَهُ، فَبَيْنَا نَحْنْ كَذَلِكَ إِذْ أَتَاهُ أَعْرَابٌِ فَجَنَا بَيْنَ يَدَىِ
النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم فقال: يا محمدُ إِنَّ رَسُولَكَ أَتَّانَا فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ
تَزْعُ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَكَ ، فقالَ النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم : نَعَمْ، قالَ:
فَبِالَّذِى رَفَعَ الَّمَاءَ، وبَسَطَ الأَرْضَ، ونَصَبَ الجِبَالَ اللهُ أَرْسَلَكَ؟
فقال النبيّ صلى اللهُ عليه وسلم: نَعَمْ، قال: فَإِنَّ رَسُولَكَ زَعَمَ لَنَا أَنَّكَ
تَزْعُمُ أَنَّ عَلَيْنَا ◌َخْسَ صَلَوَاتٍ فِى الَيَوْمِ واللَّيْلَةِ ، فقالَ النبيُّ صلى اللهُ
عليه وسلم: نَعَمْ ، قالَ: فَبِالَّذِى أَرْسَلَكَ الهُ أَمَرَكَ بِهَذَا ؟ قال: فإنّ
رَسُولَكَ زَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ عَلَيْنَا صَوْمَ شَهْرٍ فِى السَّنَةِ فقال النبيِّ
صلى اللهُ عليه وسلم : صَدَقَ، قَالَ: فَبِالَّذِى أَرْسَلَكَ اللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟
فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: نَعَمْ، قالَ : فَإِنَّ رَسُولَكَ زَعَمَ لَنَا
أَّكَ تَزْعُ أَنَّ عَلَيْنَا فِى أَمْوَالِنَا الزَكَةَ فَقالَ النبى صلى اللهُ عليه وسلم :
ان إسماعيل فى أول هذا الحديث عن أنس قال : نهينا فى القرآن أن نسأل النبى
صلى الله عليه وسلم، فكان يعجبنا أن يجىء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله
ونحن نسمع، جاء رجل ، وكأن أنساً أشار إلى آية المائدة ، قال: وتمنوه عاقلا
ليكون عارفا بما يسأل عنه (فبينا نحن كذلك) أى على هذه الحالة وهى حالة
التمنى ( إذ أتاه أعرابى) اسمه ضمام ابن ثعلبة (بجنا) أى جلس على ركبته ( فزعم
لنا ) أى فقال لنا، والزعم كما يطلق على القول الذى لا يوثق به كذلك يطلق على
القول المحقق أيضاً كما نقله أبو عمرو الزاهدى فى شرح فصيح شيخه ثغلب ،
وأكثر سيبويه من قوله زعم الخليل فى مقام الاحتجاج قاله الحافظ ، والمراد به
ههنا هو الأخير ( إنك تزعم ) أى تقول :
قوله : (فبالذى رفع السماء) أى أقسمك بالذى رفع السماء (الله ) بعد

٢٤٨
صَدَقَ. قالَ: فَبِالَّذِى أَرْسَلَكَ اللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا ؟ قالَ النبى صلى اللهُ
عليه وسلم: نَعَمْ ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَكَ زَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ عَلَيْنَا
الحَجَّ إلى بَيْتِ اللهِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً، فقالَ النبى صلى الله عليه وسلم:
نَعَمْ، قالَ: فَبِالَّذِى أَرْسَلَكَ اللهُ أُمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فقالَ:
والَّذِى بَكَ بالْقِّ لاَ أَدَعُ مِنْهُنَّ شَيْئاً وَلاَ أُجَاوِزُهُنَّ، ثُمَّ ◌َثَبَ ، فقالَ
النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إِنْ صَدَقَ الأَعْرَابِيْ دَخَلَ الجنَّةَ)).
قال أبو عيسى : هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِنْ هذا الوجْهِ . وقد رُوِىَ
مِنْ غَيْرِ هذا الوجْهِ عن أَنَسٍ عن النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم .
الهمزة للاستفهام كما فى قوله تعالى (آلله أذن لكم) (لا أدع) أى لا أترك
( ولا أجاوزهن) أى إلى غيرهن ؛ يعنى لا أزيد عليهن باعتقاد الافتراض ، وفى
رواية مسلم: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص (ثم وثب ) أى قام
بسرعة . .
قوله : (هذا حديث حسن غريب ) من هذا الوجه ذكر الإمام البخارى فى
صحيحه هذا الحديث معلقاً فقال بعد روايته حديث أنس بإسناده ما لفظه: رواه
موسى وعلى بن عبد الحميد عن سليمان عن ثابت عن أنس عن النبى صلى الله عليه
وسلم بهذا انتهى . قال الحافظ فى الفتح موسى هو ابن إسماعيل التبوذكى وحديثه
موصول عند أبى عوانه فى صحيحه وعند ابن مندة فى الايمان ، وإنما علقه البخارى
لأنه لم يحتج بشيخه سليمان بن المغيرة ، قال: وحديث على بن عبد الحميد موصول
عند الترمذى، أخرجه عن البخارى عنه، وكذا أخرجه الدار مى عن على بن عبد الحميد
وليس له فى البخارى سوى هذا الموضع المعلق انتهى .
قوله: ( وروى من غير هذا الوجه عن أنس الخ) رواه البخارى ومسلم

٢٤٩
سَمِعْتُ محمدَ بنَ إسماعيلَ يقولْ: قالَ بَعْضْ أهلِ الحَدِيثِ أنَّ القِرَاءَةَ
على العَالِ والعَرْضَ عليهِ جَائِزٌ مِثْلُ السَّمَاعِ. واحْتَجَّ بِأَنَّ الأَعْرَابِّ
غَضَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلمٍ فَأَفَرَّ بِهِ النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم .
٣ - بابُ مَا جَاء فى زكاةِ الذَّهَبِ والوَرِقٍ
٦١٦ - حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الَلِكِ بنِ أبى الشَّوَارِبِ أخبرنا
أبو عَوَانَةَ عن أبى إسحاقَ عن عَاصِمِ بنِ ضَمْرَةَ عن علىَّ قَالَ : قَالَ
وغيرهما ( قال بعض أهل الحديث فقه هذا الحديث ) أى الحكم المستنبط منه ،
والمراد ببعض أهل الحديث أبو سعيد الحداد أخرجه البيهقى من طريق ابن خزيمة
قال سمعت محمد ابن اسماعيل البخارى يقول : قال أبو سعيد الحداد : عندى خبر
عن النبي صلى الله عليه وسلم فى القراءة على العالم، فقيل له فقام قصة ضمام بن ثعلبة
قال آلله أمرك بهذا ، قال: نعم، كذا فى فتح البارى (أن القراءة على العالم والعرض
عليه جائز مثل السماع) أى القراءة على الشيخ جائز كما يجوز السماع من لفظ الشيخ،
وكان يقول بعض المتشددين من أهل العراق : إن القراءة على الشيخ لا تجوز ثم
انقرض الخلاف فيه واستقر الأمر على جوازه ، وأختلف فى أن أيهما أرفع
رتبة ، والمشهور الذى عليه الجمهور أن السماع من لفظ الشيخ أرفع رقبة من
القراءة عليه ما لم يعرض عارض يصير القراءة عليه أولى ، ومن ثم كان السماع
من لفظه فى إملاء أرفع الدرجات لما يلزم منه من تحرز الشيخ والطالب كذا
فى الفتح .
باب ماجاء فى زكاة الذهب والورق
أى الفضة ، يقال ورق بفتح الواو وكسرها وبكسر الراء وسكونها .
قوله : ( عن عاصم بن ضمرة) السلولى الكوفى، قال فى التقريب صدوق ،
وقال فى الخلاصة وثقه ابن المدينى وابن معين وتكلم فيه غيرهما .

٢٥٠
رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم ((قَدْ عَفَوْتُ عن صَدَقَةِ الَخَيْلٍ والرَّقِيقِ
فَهَاتُوا صَدَقَةَ الرِّقَةِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَاَ دِرْهَمْ. وَلَيْسَ لى فى تِسْعِينَ
ومائةٍ شىءٍ فإذا بَلَغَتْ مائتينٍ فَفِيها ◌َخْسَةُ دَرَاهِمَ » .
وفى البابِ عن أِ بَكْرِ الصَِّّقِ وَِرْو بنٍ حَزْمٍ .
قال أبو عيسى: رَوَى هذا الحَدِيثَ الأَعْمَشُ وأبو عَوَانَةَ وَغَيْرٌ مهماَ
عن أبى إسحاقَ عن عَاصِمٍ بنِ ضَمْرَةً عن علىِّ. وَرَوَى سُفيانُ الثَّوْرِىُّ
قوله: ( قد عفوت عن صدقة الخيل والرقيق ) أى إذا لم يكونا للتجارة ،
وفى الخيل السائمة اختلاف وسیجی بیانه وتحقيق الحق فيه فى باب ماجاء ليس
فى الخيل والرقيق صدقة . قال الطيبي: قوله (( عفوت )) مشعر بسبق ذنب عن
إمساك المال عن الإنفاق أى تركت وجاوزت عن أخذ زكاتهما مشيراً إلى أن
الأصل فى كل مال أن تؤخذ منه الزكاة ( فهاتوا صدقة الرقة ) أى زكاة الفضة ،
والرقة بكسر الراء وتخفيف القاف أى الدراهم المضروبة أصله ورق وهو الفضة
حذف منه الواو وعوض عنها التاء كما فى عدة ودية ، قاله القارى فى المرقاة ، وقال
الحافظ فى الفتح : الرقة الفضة الخالصة سواء كانت مضروبة أو غير مضروبة
(وليس لى فى تسعين ومائة شىء) إنما ذكر التسعين لأنه آخر عقد قبل المائة ،
والحساب إذا جاوز الآحاد كان تركيبه بالعقود كالعشرات والمئين والألوف،
فذكر التسعين ليدل على أن لا صدقة فيما نقص عن المائتين ، ويدل عليه قوله ( فإذا
بلغت ) أى الرقة ( ما تتين ففيها خمسة دراهم) أى الواجب فيها خمسة دراهم بعد
حولان الحول .
قوله : (وفى الباب عن أبى بكر الصديق وعمرو بن حزم) أما حديث الصديق
فأخرجه البخارى وأحمد ، وأما حديث عمرو بن حزم فأخرجه الطبرانى والحاكم
والبيهقى .

٢٥١
وابنُ مَُيْنَةَ وَغَيْرُ واحِدٍ عن أَبِى إسحاقَ عن الحارِثِ عن علىَّ . قال :
وسألْتُ محمدَ بنَ إسماعيلَ عن هذا الحَدِيثِ فقالَ كِلاَهُاَ عِنْدِى صحيحٌ عن
أَبِىِ إسحاقَ ، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَنْهُما جَمِيعاً .
٤ - بابُ ما جّاءَ فى زكاةِ الإِبِلِ والغَثْمَ
٦١٧ - حدثنا زِيَادُ بنُ أَيُوبَ البَغْدَادِىُ وإِبرَاهِيمُ بنُ عبدِ اللهِ
الهِرَوِىُ ومحمدُ بنُ كَامِلِ الَرْ وَزِىُّ - المعْنَى وَاحِدٌ - قالُوا: أخبرنا عََّادُ
ابنُ العَوَّامِ عن سُفيانَ بنِ حُسَينٍ عن الزُّهْرِىِّ عن سَالٍِ عن أبيهِ أَنَّ
قوله: ( يحتمل أن يكون ) أن هذا الحديث (عنهما جميعاً) أى عن عاصم
بن ضمرة والحارث كليهما فروى أبو إسحاق عنهما ، قال الحافظ فى الفتح بعد ذكر
حديث على هذا . أخرجه أبو داود وغيره وإسناده حسن انتهى .
باب ماجاء فى زكاة الإبل والغنم
قوله : ( حدثنا زياد بن أيوب البغدادى ) الطوسى الأصل أبو هاشم
يلقب دلويه وكان يغضب منها ولقبه أحمد شعبة الصغير ثقة حافظ ، وروى عنه
البخارى وأبو داود والترمذى والنسائى ( وابراهيم بن عبد اللّه الهروى) أبو
عبد الله نزيل بغداد ، قال الدار قطنى ثقة ثبت، وضعفه أبو داود وغيره لوقفه
فى القرآن ( ومحمد بن كامل المروزى) ثقة من صغار العاشرة (المعنى واحد) أى
ألفاظهم مختلفة والمعنى واحد ( أخبرنا عباد بن العوام ) بن عمر الكلابى مولاهم
أبو سهل الواسطى ثقة من الثامنة ( عن سفيان بن حسين ) الواسطى ثقة فى غير
الزهرى بإتفاقهم كذا فى التقريب ، وقال فى الميزان : قال عثمان بن سعيد: سألت
يحى عنه فقال ثقة وهو ضعيف الحديث عن الزهرى ، وقال ابن عدى : سمعت
أبّ يعلى يقول : قيل لابن معين حدث سفيان بن حسين عن الزهرى عن سالم عن

٢٥٢
رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم كَتَبَ كِتَابَ الصََّقَةِ فَلَمْ يُخْرِجْهُ إلى
◌ُعَلِ حتى قُبِضَ فَرَنَهُ بِسَيْفِهِ، فَلَّا قُبِضَ عَلَ بهِ أبو بَكْرٍ حَّى قُرْضَ،
وُرُ حَّى قُبِضَ، وَكَانَ فِيهِ (( فى ◌َخْسٍ مِنَ الإِلِ شَاةٌ ، وفى عَشْرٍ شَاتَانٍ،
وفى ◌َخْسَ عَشْرَةَ ثلاثُ شِيَاهِ ، وفى عِشِرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهِ ، وفى ◌َخْسٍ
وعِشْرِينَ بِنْتُ ◌َخَاضٍ إلى خْسٍ وثلاثينَ ، فإذا زَادَتْ فَفِهَا بِنْتُ
لَبُونٍ إلى خْسٍ وَأَرْبَعِنَ، فإذا زَادَتْ فَفِيهَا حِقَّةٌ إلى سِتِينَ ، فإذا
أبيه فى الصدقات فقال لم يتابعه عليه أحد ليس يصح انتهى . قلت : بل تابعه عليه
سليمان بن كثير كما سنقف عليه فى كلام المنذرى .
قوله : (فقرنه بسيفه) أى كتب كتاب الصدقة فقرنه بسيفه لارادة أن يخرجه
إلى عماله فلم يخرجه حتى قبض ، ففى العبارة تقديم وتأخير ، قال أبو الطيب السندى:
وفيه إشارة إلى أن من منع ما فى هذا يقاتل بالسيف ، وقد وقع المنع والقتال فى
خلافة الصديق رضى اللّه تعالى عنه وثباته على القتال مع مدافعة الصحابة أو لا يشير
إلى أنه فهم الاشارة ، قال هذا من فوائد بعض المشائخ انتهى ( وكان فيه ) أى
فى كتاب الصدقة ( ثلاث شياء) جمع شاة ( وفى خمس وعشرين بنت مخاض إلى
خمس وثلاثين ) استدل به على أنه لا يجب فيما بين العدد شىء غير بنت مخاض خلافاً
لمن قال كالحنفية تستأنف الفريضة فيجب فى كل خمس من الإبل شاة مضافة إلى
بنت المخاض قاله الحافظ فى الفتح . قلت : لعله أراد بالحنفية بعضهم ، وإلا ففى
الهداية وشرح الوقاية وغيرهما من كتب الفقه الحنفي المعتبرة مصرح بخلافه موافقاً
لما فى الحديث . وبنت مخاض بفتح الميم والمعجمة الخفيفة وآخره معجمة ، هى التى
أتى علها حول ودخلت فى الثانى وحملت أمها ، والماخض الحامل أى دخل وقتها
وإن لم تحل (ففيها بنت لبون) بفتح اللام هى التى تمت لها سنتان ودخلت فى الثالثة
سميت بها لأن أمها تكون لبوناً أى ذات لبن ترضع به أخرى غالباً ( ففيها حقة)
بكسر الحاء وتشديد القاف هى التى أتت عليها ثلاث سنين ودخلت فى الرابعة سميت

٢٥٣
زَادَتْ فَفِهَا جَذَعَةُ إِلى ◌َخْسٍ وسَبْعِينَ، فإذا زَادَتْ فِيهَا ابْنَتَا لَبُونٍ
إلى تِسْعِينَ ، فإِذا زَادَتْ فَفِها حِقْتَانِ إلى عشرِينَ ومائَةٍ، فإذا زَادَتْ
على عِشْرِينَ وماتَةٍ فَنِى كُلُّ ◌َخْسِينَ حِنَّةُ ، وفِى كُلِّ أَرْبَيِنَ ابْنَةُ لَبُونٍ ،
وفى الشَّاءِ فِى كُلِّ أَرْ بَعِينَ شَاةَ شَاةُ إلى عِشْرِبِنَ ومائَةٍ ، فإِذا زَادَتْ فَشَاتَانِ
إلى مائَتَيْنِ، فإذا زَادَتْ فثلاَثُ شِيَاهٍ إلى ثلاثماءَةٍ شَاةٍ فإذا زَادَتْ على
ثلاثمائةِ شَاةٍ فَفِى كُلِّ مِائَةٍ شَاةٍ شَاةٌ، ثم لَيْسَ فيها شَىءٌ حتى تَبْلُغَ
أَرْبَائِةٍ ولا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ ولا يُغَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمَعٍَ ◌َافَةَ الصََّقَةِ
بها لأنها استحقت أن تركب وتحمل ويطرقها الجمل ( ففيها جذعة) بفتح الجيم
والذال المعجمة هى التى أتت عليها أربع سنين ودخلت فى الخامسة سميت بها لأنها
تجذع أى تقلع أسنان اللبن ( فإذا زادت على عشرين ومائة ففى كل خمسين حقة
وفى كل أربعين ابنة لبون) فواجب مائة وثلاثين بنتالبون وحقة ، وواجب
مائة وأربعين بنت لبون وحقتان وهكذا . قال فى المرقاة : قال القاضى : دل
الحديث على استقراء الحساب بعد ما جاوز العدد المذكور يعنى أنه إذا زاد الإبل على
مائة وعشرين لم تستأنف الفريضة. وهو مذهب أكثر أهل العلم، وقال النخعى
والثورى وأبو حنيفة: تستأنف فإذا زادت على المائة والعشرين خمس لزم حقتان
وشاة، وهكذا إلى بنت مخاض وبنت لبون على الترتيب السابق انتهى (وفى الشاء
فى كل أربعين شاة شاة) قال أبو الطيب السندى: المراد عموم الحكم لكل أربعين
شاة بالنظر إلى الأشخاص أى فى أربعين شاة شاة كائنة لمن كان ، وأما بالنظر
إلى شخص واحد ففى أربعين شاة ، ولا شىء بعد ذلك حتى تزيد على عشرين ومائة
انتهى ( ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع مخافة الصدقة ) بالنصب على
أنه مفعول لأجله والفعلان على بناء المفعول، وفى رواية البخارى خشية الصدقة .
قال الحافظ فى الفتح : قال مالك فى الموطأ : معنى هذا الحديث أن يكون النفر
الثلاثة لكل واحد منهم أربعون شاة وجبت فيه الزكاة فيجمعونها حتى لا تجب
عليهم كلهم فيها إلا شاة واحدة ، أو يكون للخليطين مائنا شاة وشاتان فيكون

٢٥٤
ومَا كَانَ مِنْ خَلِيَطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بِالسَّوِيَةِ، ولا يُؤْخَذُ فى الصَّدَقَةِ
هَرِمَةٌ ولا ذَاتُ عَيْبٍ ».
وقال الزُّهْرِىُ: إِذَا جَاءَ الْمُصَدِّقُ قَسَّمَ الشَّاءِ أثْلَاثً: ثُلُثُ خِيَارٌ ،
عليهما فيها ثلاث شياه فيفرقونها حتى لا يكون على كل واحد إلا شاة واحدة .
وقال الشافعى : هو خطاب لرب المال من جهة ، وللساعی من جهة ، فأمر كل واحد
منهم أن لا يحدث شيئاً من الجمع والتفريق خشية الصدقة ، فرب المال يخشى أن
تكثر الصدقة فيجمع أو يفرق لتقل ، والساعى يخشى أن تقل الصدقة فيجمع
أو يفرق لتكثر ، فمعنى قوله (( خشية الصدقة ، أى خشية أن تكثر الصدقة
أو خشية أن تقل الصدقة ، فلما كان محتملا الأمرين، لم يكن الحمل على أحدهما بأولى
من الآخر ، حمل عليهما معا، لكن الذى يظهر أن حمله على المالك أظهر. والله أعلم
انتهى. ( وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية ) يريد أن المصدق
إذا أخذ من أحد الخليطين ما وجب أو بعضه من مال أحدهما، فإنه يرجع المخالط
الذى أخذ منه الواجب أو بعضه بقدر حصته الذى خالطه من مجموع المالين مثلا
فى المثلى كالثمار أو الحبوب، وقيمته فى المقوم كالإبل والبقر والغنم ، فلو كان
لكل منهما عشرون شاة رجع الخليط على خليطه بقيمة نصف شاه لا بنصف شاة
لأنها غير مثلية ، ولو كان لأحدهما مائة وللآخر مائة ، فأخذ الساعى الشاتين
الواجبتين من صاحب المائة رجع بثلث قيمتها أو من صاحب الخمسين ، رجع
بثلثى قيمتهما ، أو من كل واحد شاة رجع صاحب المائة بثلث قيمة شاته ،
وصاحب الخمسين بثلثى قيمة شاته . كذا فى إرشاد السارى للقسطلانى ( ولا يؤخذ
فى الصدقة هرمة) بفتح الهاء وكسر الراء ، الكبيرة التى سقطت أسنانها (ولا ذات
عيب) أى معيبة، واختلف فى ضبطه ، فالأكثر على أنه ما يثبت به الرد فى البيع،
وقيل ما يمنع الإجزاء فى الأضحية ، ويدخل فى المعيب المريض والذكورة بالنسبة
إلى الأنوثة ، والصغير سناً بالنسبة إلى سن أكبر منه ، قاله الحافظ (إذا جاء
المصدق ) بتخفيف الصاد وكسر الدال المشددة عامل الصدقة ، أى إذا جاء العامل
عند أرباب المال لأخذ الصدقة .

٢٥٥
وثُلُثٌ أَوْسَاطُ وَثُلُثُ شِرَارٌ. وأَخَذَ الْمُصَدِّقُ مِنَ الوَسَطِ، ولم يَذْ كُرُ
الزُّهْرِىُّ البَقَرَ .
وفى البابِ عن أبى بَكْرِ الصِّقِ وَهُزِْ بنِ حَكِيمٍ عن أبيهِ عن جَدِّهِ
وأبِى ذَرِّ وأَنَسٍ .
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عُمَرَ حديثٌ حسنٌ . والعملُ على هذا
الحديثِ عند ◌َّةِ الفَقَهَاءِ . وقد رَوَى يونسُ بنُ يَزِيدَ وغيرُ واحِدٍ عن
عن الزُّهْرِىِّ عن سَالٍ هذا الحديثَ ولم يَرْفَعُوهُ وإِنَّمَا رَفَعَهُ سُفْيَانِ بِنْ
حُسَيْنِ .
قوله : (وفى هذا الباب عن أبى بكر الصديق) أخرجه البخارى وأحمد بطوله
(وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده) أخرجه أحمد فى مسنده .
قوله : (وإنما رفعه سفيان بن حسين) قال الحافظ فى الفتح: وسفيان بن حسين
ضعيف فى الزهرى وقد خالفه من هو أحفظ منه فى الزهرى فأرسله انتهى .
وقال المنذرى وسفيان بن حسين أخرج له مسلم ، واستشهد به البخارى . إلا أن
حديثه عن الزهرى فيه مقال ، وقد تابع سفيان بن حسين على رفعه سليمان بن كثير
وهو من اتفق البخارى ومسلم على الاحتجاج بحديثه . وقال الترمذى فى كتاب
العلل : سألت محمد بن اسماعيل عن هذا الحديث فقال أرجو أن يكون محفوظاً
وسفيان بن حسين صدوق انتهى .

٢٥٦
٥ - بابُ ماجَاء، فى زَكَاةِ البَقَّرِ
٦١٨ - حدثنا محمدُ بنُ عُبَيْدٍ الْحَارِبِئْ وَأَبُو سَعِيدِ الأَشَجُ قالا:
أخبرنا عبدُ السَّلاَمِ بنُ حَرْبٍ عن خُصَيْفٍ عن أبى ◌َُبَيْدَةَ عن عبدِ اللهِ
ابنِ مسعودٍ عن النبيِّصلى الله عليه وسلم قال: ((فِيِ ثلاثينَ مِنَ الَقَرِ تَبِيْعٌ
أو تَبِيْعَةٌ. وفى كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَةٌ)).
وفى البابِ عن مُمَاذٍ بِنِ جَبَلٍ .
قال أبو عيسى : هَكَذَا رَوَى عبدُ السَّلاَمِ بنُ حَرْبٍ عن خصَيٍْ .
وعبدُ السَّلاَمِ ثِقَةٌ حَافِظٌ .
باب ما جاء فى زكاة البقر
قوله : (عن خصيف) بالصاد المهملة مصغراً ابن عبد الرحمن الجزرى
صدوق سيء الحفظ خلط بآخره من الخامسة (عن أبى عبيدة) هو ابن عبد الله
ابن مسعود مشهور بكنيته والأشهر أنه لا إسم له غيرها ويقال اسمه عامر كوفى
فى ثقة من كبار الثلاثة . والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه كذا فى التقريب .
قوله: ( فى كل ثلاثين من البقر تبيع) أى ما كمل له سنة ودخل فى الثانية ،
وسمى به لأنه يتبع أمه بعد والأنثى تبيعة (وفى كل أربعين سنة) أى ما كمل
له سنتان، وطلع سنها ودخل فى الثالثة. وأخرج الطبرانى عن ابن عباس مرفوعاً:
وفى كل أربعين مسنة أو مسن ، والحديث دليل على وجوب الزكاة فى البقر
· وأن نصابها ما ذكر. قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أن السنة فى زكاة
البقر على ما فى حديث معاذ .
قوله ( وفى الباب عن معاذ بن جبل) أخرجه الترمذى فى هذا الباب وأخرجه
أبو داود والنسائى وابن ماجة .

٢٥٧
وَرَوَى شَرِيكُ هذا الحديثَ عن خْصَيْفٍ عن أبى عُبَيْدَةَ عن أبيهِ
عن عبدِ اللهِ. وأبو عُبَيْدَةَ بنُ عبدِ اللهِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ .
٦١٩ - حدثنا محمودُ بن غَيْلاَنَ أخبرنا عبدُ الرَّزَّاقِ أخبرنا سُفْيَانُ
عن الأَعْمَشَِ عن أبى وَائِلٍ عن مَسْرُوقٍ عن مُعَاذِ بنِ جَلٍ قال: (( بَشَّنِى
النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم إلى اليَمَنِ، فَأَمَرَنِى أَنْ آَخُذَ مِنْ كُلِّ ثلاثِينَ
بَقَرَةَ تَبِيعاً أو تَبِعَةٌ، ومِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، ومِنْ كُلِّ حَالٍ دِينَاراً
أو عَدْلَهُ مَعَافِرَ )).
قوله ( وروى شريك هذا الحديث عن خصيف عن أبى عبيدة عن أبيه عن
عبد الله) فزاد شريك لفظ (( عن أبيه)) بين لفظ عن أبى عبيدة وبين لفظ عن
عبد الله، وشريك هذا هو ابن عبد الله الكوفى الفاضى يخطىء كثيرا، تغير حفظه
منذ ولى القضاء بالكوفة فزيادته لفظ ((عن أبيه، منكرة، ورواية عبد السلام
ابن حرب بحذف هذه الزيادة ، هى محفوظة فإنه ثقة حافظ ، وقيل عن عبد الله
بدل من عن أبيه .
قوله ( أن أخذ من كل ثلاثين بقرة ) قال ابن الهمام: البقر من بقر إذا شق سمى
به لأنه يشق الأرض وهو اسم جنس ، والتاء فى بقرة للوحدة فيقع على الذكر
والأنثى لا للتأنيث .
قوله ( ومن كل حالم دينارا ) أراد بالحالم من بلغ الحلم وجرى عليه حكم
الرجال سواء احتلم أم لا، والمراد به أخذ الحرية من لم يسلم ( أو عدله ) قال
الخطابى: عدله أى ما يعادل قيمته من الثياب. قال الفراء: هذا عدل الشىء بكسر
العين أى مثله فى الصورة، وهذا عدله بفتح العين إذا كان مثله فى القيمة . وفى
النهاية العدل بالكسر وبالفتح وهما بمعنى المثل (معافر) على وزن مساجد حى
(١٧ - تحفة الأحوذي - ٣)

٢٥٨
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ.
وَرَوَى بعضُهُمْ هذا الحديثَ عن سُفْيَانَ عن الأَعْمَشِ عن أبى وَائِلٍ
عن مَسْرُقٍ ((أنَّالنبيَّ صلى اللهُ عليه وسلم بَعَثَ مُمَاذَاً إلى اليَمَنِ فَأَمَرَهُ أَنْ
يَأْخُذَ )) وهذا أصحُ .
٦٢٠ - حدثنا محمدُ بن بَشَّارِ أخبرنا محمدُ بنُ جَعْفَرِ أخبرنا شُعْبَةُ
عن عَمْرِوِ بنِ مُرَّةَ قال: سَأَلْتُ أبا عُبَيْدَةَ هل تَذْ كُرُ مِنْ عبدِ اللهِ شيئً؟
قال : لا .
من همدان لاينصرف لما فيه من صيغة منتهى الجموع وإليهم تنسب الثياب
المعافرية ، والمراد هنا الثياب المعافرية كما فسره بذلك أبو داود .
قوله ( هذا حديث حسن ) وزعم ابن بطال أن حديث معاذ هذا متصل
صميح قال الحافظ: وفى الحمنكم بصحته نظر لأن مسروقا لم يلق معاذا وإنما حسنه
الترمذى لشواهده ، ففى الموطأ من طريق طاؤس عن معاذ نحوه ، وطاؤس عن
معاذ منقطع أيضا ، وفى الباب عن على عند أبى داود .
قوله ( وروى بعضهم هذا الحديث عن سفيان الخ) أى رواه بعضهم مرسلا
بغير ذكر معاذ، وهذا المرسل أخرجه ابن شيبة بسنده عن مسروق قال : بعث
رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن فذكره كذا فى نصب الراية.

٢٥٩
٦ - بابُ
ما جَاءَ فِى كَرَاهِيَةِ أَخْذِ خِيَارِ المالِ فِى الصََّقَةِ
٦٢١ - حدثنا أبو كُرَيْبٍ أخبرنا وَكِعٌ أَخبرنازَ كَرِيا بنُ
إِسْحَاقَ الَكِّىُّ أخبرنا يَحْبِى بنُ عبدِ اللهِ بن صَيْفِيَّ عن أَبِى مَعْبَدٍ عن ابنِ
عباسٍ (( أنَّ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم بَعَثَ مُعَاذَاً إلى اليَمَنِ فقال:
إِنَّكَ تَأْتِى قَوْماً أَهْلَ كِتَابٍ فَادْعُهُمْ إلى شَهَادَةِ أَنْ لَّ إلهَ إلاَّ اللهُ وأَنِّى
رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِهُمُ أنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمِ نَخْسَ
صَلَوَاتٍ فِى الْيَوْمِ وَالَلَيْلَةِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْدِهُمْ أَنَّ اللهَ
افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةَ أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُ على فَقَرَائِمْ ،
باب ماجاء فى كراهية أخذ خيار المال فى الصدقة
قوله أخبرنا يحيى بن عبد الله بن صيفى) هو يحي بن عبد الله بن محمد بن يحيى
ابن صيفى المكى ثقة من السادسة كذا فى التقريب .
قوله ( بعث معاذاً إلى اليمن ) أى أرسله إليه أميرا أو قاضيا (فإن هم أطاعوا
لذلك) أى إنقادوا للإسلام وهو من قبيل حذف عامله على شريطة التفسير كقوله
تعالى (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره ) (فأعلهم ) من الإعلام
( تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم) قال البخارى فى صحيحه : باب أخذ
الصدقة من الأغنياء وترد فى الفقراء حيث كانوا ، ثم ذكر هذا الحديث ، قال
الحافظ : ظاهر الحديث أن الصدقة ترد على فقراء من أخذت من أغنيائهم ، وقال
ابن المنير: اختار البخارى جواز نقل الزكاة من بلد المال لعموم قوله (( فترد فى
فقرائهم، لأن الضمير يعود على المسلمين ، فأى فقير منهم ردت فيه الصدقة فى أى
جهة كان، فقد وافق عموم الحديث انتهى . والذى يتبادر إلى الذهن من هذا
الحديث عدم النقل وأن الضمير يعود على المخاطبين فيختص بذلك فقراؤهم ، لكن

٢٦٠
فإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَإِيَّكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ. واتٍّ دَعْوَةَ المَظْلُومِ
فإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ )) .
رجح ابن دقيق العيد الأول. قال: إنه وإن لم يكن الأظهر إلا أنه يقويه أن أعيان
الأشخاص المخاطبين فى قواعد الشرع الكلية لاتعتبر فى الزكاة كما لا تعتبر فى الصلاة
فلا يختص بهم الحكم وإن اختص بهم خطاب المواجهة انتهى . وقد اختلف
العطباء فى هذه المسألة فأجاز النقل الليث وأبو حنيفة وأصحابهما، ونقله ابن المنذر
عن الشافعى واختاره ، والأصح عند الشافعية والمالكية والجمهور وترك النقل ،
فلو خالف ونقل أجزأ عند المالكية على الأصح ، ولم يجزىء عند الشافعية على
الأصح إلا إذا فقد المستحقون لها ، ولا يبعد أنه اختيار البخارى لأن قوله
حيث كانوا يشعر بأنه لا ينقل عن بلد وفيه من هو متصف بصفة الاستحقاق
انتهى كلام الحافظ .
قلت : والظاهر عندى عدم النقل إلا إذا فقد المستحقون لها أو يكون فى
النقل مصلحة أنفع وأهم من عدمه والله تعالى أعلم .
قال الحافظ: وفيه إيجاب الزكاة فى مال الصى والمجنون لعموم قوله ((من
أغنيائهم ، قاله عياض وفيه بحث ، وأن الزكاة لا تدفع إلى الكافر لعود الضمير فى
فقرائهم إلى المسلمين سواء قلنا بخصوص البلد أو العموم انتهى ( فإياك وكراثم
أموالهم) جمع كريمة وهى خيار المال وأفضله ، أى احترز من أخذ خيار أموالهم
(وانق دعوة المظلوم ) أى اتق الظلم خشية أن يدعو عليك المظلوم ( فانها ليس
بينها وبين الله حجاب) مانع بل هى معروضة عليه تعالى. قال السيوطى: أى
ليس لها ما يصرفها ولو كان المظلوم فيه ما يقتضى أنه لا يستجاب لمثله من كون
مطعمه حراما أو نحو ذلك ، حتى ورد فى بعض طرقه ( وإن کان کافرا) رواه
أحمد من حديث أنس قال ابن العربى: ليس بين الله وبين شىء حجاب عن قدرته
وعله وإرادته وسمعه وبصره ولا يخفى عليه شيء ، وإذا أخبر عن شىء أن بينه
وبينه حجابا فإنما يريد منعه انتهى .