Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
قال أبو عيسى : حديثُ ابنِ عُمَرَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ .
قوله ( حديث ابن عمر حديث حسن صحيح) وأخرجه البخارى مختصراً
ومسلم مطولا .
فائدة : اعلم أن صلاة المرأة فى بيتها أفضل من صلاتها فى المسجد ، ومع هذا
لو استأذنت للصلاة إلى المسجد لا تمنع بل تؤذن لكن لا مطلقاً بل بشروط قد
وردت فى الأحاديث. قال النووى فى شرح مسلم : قوله صلى الله عليه وسلم
لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، هذا وشبهه من أحاديث الباب ظاهر فى أنها لا تمنع
المسجد لكن بشروط ذكرها العلماء مأخوذة من الأحاديث وهى أن لاتكون
مطيبة ولا متزينة ، ولا ذات خلاخل يسمع صوتها ولا ثياب فاخرة ، ولا مختلطة
بالرجال ، ولا شابة ونحوها ممن يفتتن بها ، وأن لايكون فى الطريق ما يخاف به
مفسدة ونحوها . وهذا النهى عن منعهن من الخروج محمول على التنزيه إذا كانت
المرأة ذات زوج أو سيد ووجدت الشروط المذكورة ، فإن لم يكن لها زوج ولا
سيد حرم المنع إذا وجدت الشروط . انتهى كلام النووى .
وقال الحافظ فى الفتح : قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث عام فى النساء إلا
أن الفقهاء خصوه بشروط منها أن لاتطيب وهو فى بعض الروايات : وليخرجن
تفلات، أى غير متطيبات، ولمسلم من حديث زينب امرأة ابن مسعود: إذا شهدت
إحداكن المسجد فلا تمس طيباً، قال ويلحق بالطيب ما فى معناه لأن سبب المنع
منه مافيه من تحريك داعية الشهوة كحسن الملبس والحلى الذى يظهر والزينة
الفاخره وكذا الاختلاط بالرجال. وفرق كثير من الفقهاء المالكية وغيرهم بين
الشابة وغيرها وفيه نظر إلا إن أخذ الخوف عليها من جهتها لأنها إذا عريت مما
ذكر وكانت مستقرة حصل الأمن علها ولا سيما إذا كان ذلك بالليل . وقد ورد
فى بعض طرق هذا الحديث وغيره ما يدل على أن صلاة المرأة فى بيتها أفضل من
صلاتها فى المسجد . فعند أبى داود عن ابن عمر: لا تمنعوا نساءكم المساجد
وبيوتهن خير لهن، وصححه ابن خزيمة، وعند أحمد والطبرانى عن أم حميد
(١١ - تحفة الأحوذي - ٣)

١٦٢
٣٩٦ - بابُ فى كراهيةِ البُزَاقِ فى المسْجِدِ
٥٦٨ - حدثنا محمدُ بن بُثَّارٍ أخبرنا يحيى بنُ سَعيد عن سُفيانَ عن
مَنْصورٍ عن رِبْعِىِّ بن حِرَاشٍ عن طارقِ بنِ عبدِ اللهِ المُحَارِبِيِّ قال : قال
رسولُ الله صلى الله عليه وسلم (( إذا كنتَ فى الصلاةِ فلا تَبْزُقْ عن يمينِكَ،
ولكن خَلْفَكَ أو تِلْقَاءَ شِمَالِكَ، أو تَحْتَ قَدَمِكَ اليُسرى)».
الساعدية أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يارسول الله إنى
أحب الصلاة معك ، قال : قد علمت وصلاتك فى بيتك خير لك من صلاتك فى
حجر تك وصلاتك فى حجر تك خير من صلاتك فى دارك ، وصلاتك في دارك
خير من صلاتك فى مسجد قومك ، وصلاتك فى مسجد قومك خير من صلاتك
فى مسجد الجماعة ، وإسناد أحمد حسن انتهى ما فى الفتح مختصراً ..
باب فى كراهية البزاق فى المسجد
قوله (أخبرنا يحيى بن سعيد) هو القطان (عن سفيان) هو الثورى (عن
منصور) هو ابن المعتمر الكوفى ثقة ثبت (عن ربعى) بكسر الراء وسكون
الموحدة ( بن حراش) بكسر المهملة وآخره معجمة الكوفى ثقة عابد مخضرم .
قوله (إذا كنت فى الصلاة فلا تبزق عن يمينك ) وفى حديث أبى هريرة عند
البخارى وغيره : إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه فإنما يناجى الله مادام
فى مصلاه، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكا (ولكن خلفك) أى إذا لم يكن
خلفك أحد يصلى ( أو تلقاء شمالك ) أى جانب شمالك . قال الخطابي إن كان عن
يساره أحد فلا يبزق فى واحد من الجهتين لكن تحت قدمه أو ثوبه . قال الحافظ
فى الفتح : وفی حدیث طارق المحاربی عند أبى داود ما یرشد لذلك فإنه قال فيه أو
تلقاء شمالك إن كان فارغاً وإلا فهكذا وبزق تحت رجله ودلك ، ولعبد الرزاق من
طريق عطاء عن أبى هريرة نحوه ، ولو كان تحت رجلة مثلاشىء مبسوط أو نحوه
تعين الثوب انتهى (أو تحت قدمك اليسرى) وفى حديث أبى هريرة عند البخارى

١
١٦٣
وفى البابِ عن أبى سعيدٍ وابنِ عُمَرَ وأنسٍ وأَبِى هَيْرَةً .
قال أبو عيسى : حديثُ طارقٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، والعملُ على
هذا عندَ أهلِ العلمِ.
وَسَمِعْتُ الْجَارُوُدَ يقولُ: سَمِعْتُ وَكيماً يقولُ: لَمْ يَكذِبْ رِبْعِى
ابنُ حِرَاشٍ فى الإسلامِ كَذْبَةٌ .
وقال عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِىِّ: أَثْبَتُ أهلِ الكوفَةِ منصورُ ابنُ
المُعْثَمِرِ .
أو تحت قدمه فيدفنه . قال النووى فى الرياض: المراد بدفنها ما إذا كان المسجد
ترابياً أو رمليا ، وأما إذا كان مبلطاً مثلا فدلكها عليه بشىء مثلا فليس ذلك
بدفن بل زيادة فى التقدير انتهى . قال الحافظ فى الفتح: لكن إذا لم يبق لها أثر
البتة فلا مانع، وعليه يحمل قوله فى حديث عبد الله بن الشخير: ثم دلكه بنعله انتهى.
قوله ( وفى الباب عن أبى سعيد وابن عمر وأنس وأبى هريرة) أما حديث
. أبى سعيد فأخرجه الشيخان عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى نخامة
فى جدار المسجد فتناول حصاة فتها وقال : إذا تنخم أحدكم فلا يتنخمن قبل وجهه
ولا عن يمينه وليبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى. وأما حديث ابن عمر
فأخرجه البخارى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى بصاقاً فى جدار
القبلة لفحكه ثم أقبل على الناس فقال : إذا كان أحدكم يصلى فلا يبصق قبل وجهه فإن
اللّه سبحانه قبل وجهه إذا صلى . وأما حديث أنس فأخرجه الشيخان مرفوعاً:
البزاق فى المسجد خطيئة وكفارتها دفنها . وأما حديث أبى هريرة فأخرجه أيضاً
الشيخان مرفوعاً: إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه فإنما يناجى الله
مادام فى مصلاه ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكا وليبصق عن يساره أو تحت
قدمه فيدقها .
قوله ( حديث طارق حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود وسكت عنه،
ونقل المنذرى تصحيح الترمذى وأقره وأخرجه أيضاً النسائى وابن ماجة.

١٦٤
٥٦٩ - حدثنا قُتَيْبَةُ أخبرنا أبو عَوَانَةً عن قَتَادَةً عن أنسٍ بن
مالك قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ((البُزَاقُ فى المسْجِدِ خَطِيئَةٌ
وَكَفَّارَتُهَا دَفْسُها)).
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ .
قوله (البزاق فى المسجد خطيئة) قال النووى: اعلم أن البزاق فى المسجد خطيئة
مطلقاً سواء احتاج إلى البزاق أو لم يحتج بل يبزق فى ثوبه فإن برق فى المسجد فقد
ارتكب الخطيئة وعليه أن يكفر هذه الخطيئة بدفن البزاق ، هذا هو الصواب:
أن البزاق خطيئة كما صرح به رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاله العلماء، والقاضى
عياض فيه كلام باطل حاصله أن البزاق ليس بخطيئة إلا فى حق من لم يدفنه، وأما
من أراد دفنه فليس بخطيئة ، واستدل له بأشياء باطلة فقوله هذا غلط صريح
مخالف لنفس الحديث انتهى .
قال الحافظ فى الفتح: حاصل النزاع أن ههنا عمومين تعارضا وهما قوله البزاق
فى المسجد خطيئة، وقوله وليبصق عن يساره أو تحت قدمه ، فالنووى يجعل
الأول عاماً ويخص الثانى بما إذا لم يكن فى المسجد ، والقاضى بخلافه يجعل الثانى
عاماً ويخص الأول بمن لم يرد دفنها، وقد وافق القاضى جماعة منهم ابن مكى
فى التنقيب والقرطى فى المفهم وغيرهما، ويشهد لهم مارواه أحمد والطبرانى بإسناد
حسن من حديث أبى أمامة مرفوعاً قال : من تنخم فى المسجد فلم يدفنه فسيئة وإن
دفنه حسنة فلم يجعله سيئة إلا بقيد عدم الدفن. ونحوه حديث أبى ذر عند مسلم
مرفوعا قال: وجدت فى مساوىء أعمال أمتى النخامة فى المسجد لاتدفن ، قال
القرطبي: فلم يثبت لها حكم السيئة بمجرد إيقاعها فى المسجد بل به ويتركها غير
مدفونة انتهى ، قال وتوسط بعضهم حمل الجواز على ما إذا كان له عذر كأن
لم يتمكن من الخروج من المسجد ، والمنع على ما إذا لم يكن له عذر وهو تفصيل
حسن انتهى .
قوله ( وكفارتها دفنها) قال النووى: معناه إن ارتكب هذه الخطيئة فعليه
تكفيرها كما أن الزنا والخر وقتل الصيد فى الإحرام محرمات وخطايا وإذا

١٦٥
٣٩٧ - بابٌ فى السَّجْدةِ
فى إذا السَّمَاءِ انْثَقَّتْ واقرأ باسمِ رَّكَ الذِى خَلَقَ
٥٧٠ - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سعيدٍ أخبرنا سُفيانُ بن عُيَيْنَةَ عن أيوبَ
ابنِ موسى عن عَطاءِ بن مِيْناء عن أبى هريرةَ قال (( سَجَدْنَا مع رسولِ الله
صلى الله عليه وسلم فى اقرأ باسمِ رَبِّكَ، وإذا السَّمَاءِ الشَّقَّتْ)).
٥٧١ - حدثنا قُتَيْبَةَ أخبر ناسفيانُ عن يحيى بن سعيدٍ عن أبى بكرٍ
ابن محمدٍ بن عَمْرٍو بن حَزْمٍ عن ◌ُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ عن أبى بكرِ بنٍ
عبد الرحمنِ بنِ الحارثِ بن ◌ِهِشَامٍ عن أبى هريرة عن النبيِّ صلى الله عليه
وسلم مِثْلَه.
ارتكبها فعليه عقوبتها . واختلف العلماء فى المراد بدفنها ، فالجمهور قالوا المراد
دفنها فى تراب المسجد ورمله وحصاته إن كان فيه تراب أو رمل أو حصاة ونحوها
وإلا فيخرجها انتهى .
تنبيه : كان الترمذى أن يورد باب خروج النساء إلى المساجد ، وباب كراهية
البزاق فى المسجد قبل أبواب سجود القرآن أو بعدها ، وأما إيرادهما فى أثنائها
فليس ما ينبغى .
باب ماجاء فى السجدة فى إذا الستماء انشقت الخ
قوله (عن عطاء بن ميناء) بكسر الميم وسكون التحتية وبنون وبمد ويقصر
كذا فى المغنى قال الحافظ صدوق من الثالثة ( سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم فى اقرأ باسم ربك وإذا السماء انشقت) هما من المفصل فالحديث حجة على
مالك رحمه الله.

١٦٦
وفى الحديثِ أَرْبعة مِنَ النَّابِينَ بعضُهم عن بعضٍ .
قال أبو عيسى: حديثُ أبى هريرةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ . والعملُ
على هذا عندَ أكثرَ أهلِ العلمِ يَرَوْنَ السُّجودَ فى إذا السُّماءِ انْشَقَّتْ واقرأً
بِاسْمِ رَبِّكَ .
٣٩٨ - بابٌ مَا جَاءَ فى السَّجْدَةِ فِى النَّجْمِ
٥٧٢ - حدثنا هارونُ بن عبدِ اللهِ البرّازُ أخبرنا عبدُ الصَّمَدِ بنُ عَبدِ
الَوَارِثِ أَخبر نا أبى عن أيوبَ عن عِكْرَمَةَ عن ابنِ عباسٍ قال (( سَجَدَ رسولُ اللهِ
صلى الله عليه وسلم فيها يَعْنِيِ النجْمَ والمسلمونَ والمشركُونَ والجِنِّ والإنسُ)).
قوله ( وفى الحديث) أى فى اسناده ( أربعة من التابعين ) من يحي بن سعيد
إلى أبى بكر بن عبد الرحمن .
قوله ( حديث أبى هريرة حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا البخارى.
قوله ( والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم يرون السجود فى إذا السماء
انشقت واقرأ باسم ربك) وهذا هو الحق والصواب يدل عليه حديث الباب
وحديث عمرو بن العاص المتقدم .
باب ما جاء فى السجدة فى النجم
قوله ( حدثنا هارون بن عبد الله البزاز) بالموحدة والزايين المنقوطتين الحال
أبو موسى ثقة من العاشرة ( أخبرنا أبى) أى عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان
العنبرى مولاهم أبو عبيدة التنورى ثقة ثبت ، قال الذهى أجمع المسلمون على
الإحتجاج به ( عن أبوب) هو السختيانى .
قوله (سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها يعنى النجم والمسلمون والمشركون
والجن والإنس) هذه اللامات فى هذه الأربعة العهد أى الذين كانوا عنده وهذا
كان بمكة فى المسجد الحرام. كذا فى المرقاة نقلا عن ميرك . وقال النووى فى شرح

١٦٧
وفى البابِ عن ابنِ مسعودٍ وأبى هريرة رضى الله عنه .
قال أبو عيسى : حديثُ ابن عباسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ . والعملُ
على هذا عندَ بعضِ أهلِ العلمِ يَّرَوْنَ السجودَ فى سُورةِ النَّجْمِ.
وقال بعضُ أهلِ العلمِ مِن أصحابٍ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وغيرهم:
ليسَ فى المَفَصَّلِ سَجْدَةٌ. وهو قولُ مالك بن أنسٍ . والقولُ الأولُ أَصَحُ.
وبه يقولُ الثورىُ وابنُ المبارَكِ والشافعىُ وأحمدُ وإسحاقُ .
مسلم : قال القاضى عياض رحمه الله وكان سبب سجودهم فيما قال ابن مسعود رضى
الله عنه أنها أول سجدة نزلت، قال القاضى: وأما ما يرويه الإخباريون والمفسرون
أن سبب ذلك ماجرى على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الثناء على آلهة
المشركين فى سورة النجم فباطل لايصح فيه شىء لا من جهة النقل ولا من جهة
العقل لأن مدح إله غير اللّه تعالى كفر ولا يصح نسبة ذلك إلى لسان رسول الله
صلى الله عليه وسلم ولا أن يقوله الشيطان على لسانه ، ولا يصح تسليط الشيطان
على ذلك انتهى .
وقال الحافظ فى فتح البارى : قال الكرمانى: سجد المشركون مع المسلمين
لأنها أول سجدة نزلت فأرادوا معارضة المسلمين بالسجود لمعبودهم، أو وقع ذلك
منهم بلا قصد ، أو خافوا فى ذلك المجلس من مخالفتهم . انتهى كلام الكرمانى .
قال الحافظ: والاحتمالات الثلاثة فيها نظر ، والأول منها لعياض ، والثانى يخالفه
سياق ابن مسعود حيث زاد فيه: إن الذى استثناء منهم أخذ كفاً من حصى فوضع
جهته عليه فإن ذلك ظاهر فى القصد، والثالث أبعد إذ المسلمون حينئذ هم الذين
كانوا خائفين من المشركين لا العكس ، انتهى كلام الحافظ . قال الكرمانى: وما
قيل من أن ذلك بسبب إلقاء الشيطان فى أثناء قراءة رسول الله صلى الله عليه
وسلم لا صحة له عقلا ولا نقلا انتهى كلام الكرمانى . قال الحافظ: ومن تأمل
ما أوردته من ذلك فى تفسير سورة الحج عرف وجه الصواب فى هذه المسألة
بحمد الله تعالى انتهى .

١٦٨
قلت : قال الله تعالى فى سورة الحج: ( وما أرسلنا من قبلك من رسول
ولا فى إلا إذا تمى ألقى الشيطان فى أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم
الله آياته والله عليم حكيم. ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة الذين فى قلوبهم مرض والقاسية
قلوبهم وإن الظالمين لفى شقاق بعيد) ، قال الإمام البخارى فى صحيحه : قال ابن
عباس فى أمنيته إذا حدث ألقى الشيطان فى حديثه فيبطل الله ما يلقى الشيطان
ويحكم آياته ، ويقال أمنيته قراءته الأمانى يقرأون ولا يكتبون . قال الحافظ
فى الفتح : وعلى تأويل ابن عباس هذا يحمل ماجاء عن سعيد بن جبير وقد أخرجه
ابن أبى حاتم والطبرى وابن المنذر من طرق عن شعبة عن أبى بشر عنه قال : قرأ
رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة والنجم فلما بلغ أفرأيتم اللات والعزى ومناة
الثالثة الأخرى ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لتر تجى،
فقال المشركون : ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم ، فسجد وسجدوا فنزلت هذه الآية.
ثم ذكر الحافظ طرقاً عديدة لهذا الحديث ثم قال: وكلها سوى طريق سعيد بن جبير
إما ضعيف وإما منقطع لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلا مع أن لهما
طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط الصحيحين : أحدهما: ما أخرجه الطبرى
من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب حدثنى أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث
بن هشام فذكر نحوه ، والثانى ما أخرجه أيضاً من طريق المعتمر بن سلمان وحماد
من سلمة فرقهما عن داود بن أبى هند عن أبى العالية ، ثم رد الحافظ على من قال
إن هذه القصة لا أصل لها ، وأن كل ماروى فيها فهو باطل، ثم قال إن الطرق إذا
كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلا . قال وقد ذكرت أن ثلاثة
أسانيد منها على شرط الصحيح وهى مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل وكذا
من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض. قال وإذا تقرر ذلك تعين تأويل ما وقع
فيها مما يستنكر وهو قوله : ألقى الشيطان على لسانه : تلك الغرانيق العلى وإن
شفاعتهن لترتجى؛ فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره لأنه يستحيل عليه صلى الله
عليه وسلم أن يزيد فى القرآن عمداً ما ليس منه وكذا سهواً إذا كان مغايراً لما جاء
به من التوحيد لمكان عصمته .
ثم ذكر تأويلات للعلماء ورد على كل واحد منها إلا تأويلا واحداً فأقر.
وجعله أحسن الوجوه فقال وقد سلك العلماء فى ذلك مسالك ، فقيل : جرى ذلك

١٦٩
على لسانه حين أصابته سنة وهو لا يشعر ، فلما علم ذلك أحكم الله آياته. قال ورده
عياض بأنه لا يصح لكونه لا يجوز على النبى صلى الله عليه وسلم ذلك ولا ولاية
للشيطان عليه فى النوم .
وقيل إن الشيطان ألجأه إلى أن قال ذلك بغير اختياره ، ورده ابن العربى
بقوله تعالى حكاية عن الشيطان : ( وما كان لى عليكم من سلطان ) الآية ، قال :
فلو كان للشيطان قوة على ذلك لما بقى لأحد قوة فى طاعة ، وهكذا ذكر الحافظ
تأويلات أخر ورد عليها ثم قال : وقيل: كان صلى الله عليه وسلم يرتل القرآن
فارتصده الشيطان فى سكتة من السكتات ونطق بتلك الكلمات محاكياً فغمته بحيث
سمعه من دنا إليه فظنها من قوله وأشاعها ، قال وهذا أحسن الوجوه انتهى كلام
الحافظ ملخصاً .
قلت: فى هذا التأويل أيضاً كلام كما لا يخفى على المتأمل. وأما قوله إن الطرق
إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك أن لها أصلا ففيه أن هذا ليس قانوناً كليا.
قال الزيلعى فى نصب الراية : وكم من حديث کثرت رواته وتعددت طرقه وهو
حديث ضعيف كحديث الطير ، وحديث الحاجم والمحجوم ، وحديث من كنت
مولاه فعلى مولاه ، بل قد لا يزيد الحديث كثرة الطرق إلا ضعفاً ، انتهى كلام
الزيلعى فتأمل وتفكر .
تنبيه : الغرانيق بفتح الغين المعجمة طيور الماء ، شبهت الأصنام المعتقدون
فيها أنها تشفع لهم بالطيور تعلو فى السماء وترتفع ، وقال العينى فى شرح البخارى:
وقد فسر الكلى فى روايتهاالغرانيق العلى بالملائكة لا بآلهة المشركين كما يقولون:
إن الملائكة بنات اللّه وكذبوا على الله ورد الله ذلك عليهم بقوله (ألكم الذكر وله
الأنثى) فعلى هذا فلعله كان قرآناً ثم نسخ لتوهم المشركين بذلك مدح آلهتهم ،
انتهى كلام العينى .
قلت : قوله فعلى هذا فلعله كان قرآناً ثم نسخ فيه نظر ، فإن الروايات المروية
فى هذه القصة صريحة فى أن هذه الكلمات ألقاها الشيطان على لسان النبي صلى الله
عليه وسلم ، ولو سلم أن قوله تعالى: ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نى
إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته )، نزل فى هذه القصة فقوله تعالى هذا أيضاً

١٧٠
٣٩٩ - بابُ ما جَاءٍ مَنْ لم يسْجُدْ فيهِ
٥٧٣ - حدثنا يحيى بنُ موسى أخبرنا وكيعٌ عن ابنِ أبی ذِئبٍ عن
يَزِيدَ بنِ عبدِ اللهِ بن قُسَيْطٍ عن عطاء بن يَسَارٍ عن زيدِن ثابتٍ قال ((قرأْتُ
على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم النَّجْمَ فَ يَسْجُدْ فيها)).
صريح فى أن ملقى هذه الكلمات على لسان النبي صلى الله عليه وسلم هو الشيطان
قال العينى فى شرح البخارى : فأخبر الله فى هذه الآية أن سنته فى رسله إذا قالوا
قولا زاد الشيطان فيه من قبل نفسه ؛ فهذا نص فى أن الشيطان زاده فى قول النبى
صلى الله عليه وسلم لا أن النبى صلى الله عليه وسلم قاله انتهى كلام العينى. فكيف
يصح أن يقال إن هذه الكلمات أعنى تلك الغرانيق العلى الخ . كانت قرآناً ثم
نسخت فتأمل .
تنبيه آخر : قال صاحب العرف الشذى: التحقيق أن النبى صلى الله عليه وسلم
تسكلم بهذا اللفظ يعنى تلك الغرانيق العلى الخ بطوعه وأنه آية من القرآن نسخ
تلاوتها قال : والمشار إليه بتلك الغرانيق الملائكة قال: وأتى العينى والحافظ
بروايتين صحيحتين مرفوعتين على هذا القول الصحيح انتهى كلامه.
قلت : كلامه هذا مردود عليه ، فإنه لم يثبت برواية مرفوعة صحيحة أن النبى
صلى الله عليه وسلم تكلم بهذا اللفظ بطوعه وأنه آية من القرآن نسخ تلاوتها.
وأما قوله: وأتى العينى والحافظ بروايتين صحيحتين مرفوعتين على هذا القول
الصحيح :خطأ فاحش ووهم قبيح، فإنه لم يأت العينى ولا الحافظ برواية مرفوعة
صحيحة على هذا القول فضلا عن روايتين مرفوعتين صحيحتين .
باب ما جاء من لم يسجد فيه
أى فى النجم .
قوله: (عن ابن أبي ذئب ) هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث
ابن أبى ذنب القرشى المدنى ثقة فقيه فاضل (عن يزيد بن عبد الله بن قسيط) بقاف
مضمومة وسين مهملة مصغراً وآخره طاء مهملة ثقة من الرابعة .
قوله: (قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم النجم فلم يسجد فيها) احتج

١٧١
قال أبو عيسى : حديثُ زيدٍ بن ثابتٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ .
وتَأَوَّلَ بعضُ أهلِ العلمِ. هذا الحديثَ فقالَ إِنْمَا تَرَكَ النبى صلى الله
عليه وسلم السُّجُودَ لأَنَّ زيدَ بنَ ثابتٍ حينَ قَرَأْ فَ يَسْجُدْ لَمْ يَسْجُدِ النبى
صلى الله عليه وسلم .
بهذا من قال إن المفصل ليس فيه سجدة كالمالكية أو أن النجم بخصوصها لا سجود
فيها كأبى ثور . قال الحافظ فى الفتح: ترك السجود فيها فى هذه الحالة لا يدل
على تركه مطلقاً لاحتمال أن يكون السبب فى الترك إذ ذاك إما لكونه كان بلا وضوء
أو لكون الوقت كان وقت كراهة أو لكون القارىء كان لم يسجد ، أو ترك
حينئذ لبيان الجواز وهذا أرجحالاحتمالات وبه جزم الشافعى لأنه لو كان واجباً
لأمره بالسجود ولو بعد ذلك انتهى كلام الحافظ .
قوله: ( حديث زيد بن ثابت حسن صحيح) وأخرجه البخارى .
قوله : ( وتأول بعض أهل العلم هذا الحديث قال إنما ترك النبى صلى الله
عليه وسلم السجود لأن زيد بن ثابت حين قرأ فلم يسجد لم يسجد النبي صلى الله
عليه وسلم) يعنى أن القارئ. إمام السامع ، فلما لم يسجد زيد لم يسجد النبى
صلى الله عليه وسلم اتباعاً لزيد، ويدل على كون القارى إماماً للسامع قول
ابن مسعود لتميم بن حذلم وهو غلام فقرأ عليه سجدة فقال اسجد فإنك إمامنا فيها ،
ذكره البخارى تعليقاً ، قال الحافظ فى الفتح: وصله سعيد بن منصور من رواية
مغيرة عن ابراهيم قال: قال تميم بن حذلم قرأت القرآن على عبد الله وأنا غلام
فررت بسجدة فقال عبد الله أنت إمامنا فيها . وقد روى مرفوعاً أخرجه ابن أبى
شيبة من رواية ابن عجلان عن زيد بن أسلم: أن غلاما قرأ عند النبي صلى الله
عليه وسلم السجدة فانتظر الغلام النبي صلى الله عليه وسلم أن يسجد فلما لم يسجد
قال يا رسول الله أليس فى هذه السجدة سجود؟ قال بلى ولكنك كنت إمامنا فيها
ولو سجدت لسجدنا . رجاله ثقات إلا أنه مرسل ، وقد روى عن زيد بن أسلم عن
عطاء بن يسار قال بلغنى فذكر نحوه أخرجه البيهقى من رواية ابن وهب عن هشام

١٧٢
وقالوا: السَّجْدُ واجبة على من سَمِعَهَا ولم يُرَخِّصُوا فى تركِمَا .
وقالوا إِن سَمِعَ الرجُلُ وهو على غَيْرِ وضوءٍ فَإِذَا توضَّأْ سَجَدَ . وهَوَ
قولُ سفيانَ وأهلِ الكُوفةِ . وبه يقولُ إسحاقُ .
ابن سعد وحفص بن ميسرة معا عن زيد بن أسلم به انتهى كلام الحافظ. ( وقالوا
السجدة واجبة على من سمعها ولم يرخصوا فى تركها ، وقالوا إن سمع الرجل وهو
على غير وضوء فإذا توضأ سجد وهو قول سميان وأهل الكوفة وبه يقول إسماق)،
وبه قال أبو حنيفة. قال العينى فى عمدة القارى .: إستدل صاحب الهداية على الوجوب
بقوله صلى الله عليه وسلم السجدة على من سمعها السجدة على من تلاها ، ثم قال كلة
على الإيجاب، والحديث غير مقيد بالقصد . قال العينى : هذا غريب لم يثبت
وإنما روى ابن أبى شيبة فى مصنفه عن ابن عمر رضى الله عنه، أنه قال السجدة
على من سمعها ، وفى البخارى قال عثمان: إنما السجود على من استمع ، قال :
واستدل أيضاً بالآيات (فما لهم لا يؤمنون. وإذا قرى. عليهم القرآن لا يسجدون)
(فاسجدوا لله واعبدوا) (واسجد واقترب)، وقالوا: الذم لا يتعلق إلا بترك واجب،
والأمر فى الآيتين للوجوب انتهى كلام العينى. واستدل أيضاً بحديث أبى هريرة:
إذا قرأ ابن آدم السجدة اعتزل الشيطان يبكى يقول يا ويله أمر ابن آدم بالسجود
فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلى النار ، أخرجه مسلم .
قلت: قول ابن عمر رضى الله عنه السجدة على من سمعها، وقول عثمان إنما السجود
على من استمع ، لو سلم أنهما يدلان على وجوب سجدة التلاوة فهو قولها وليس
بمرفوع، وقولهما هذا مخالف لإجماع الصحابة رضى الله عنهم أجمعين كما ستقف
عليه . وأما قوله تعالى: (وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون) فعناه لا يسجدون
إباءاً وإنكاراً كما قال الشيطان أمرت بالسجود فأبيت ، فالذم متعلق بترك
السجود إباءاً وإنكاراً . قال ابن قدامة فى المغنى: أما الآية فإنه ذمهم لترك
السجود غير معتقدين فضله ولا مشروعيته انتهى . وأما الاستدلال على وجوب
سجدة التلاوة بقوله تعالى: (فاسجدوا لله واعبدوا) ، وقوله (واسجد واقترب)
فوقوف على أن يكون الأمر فيهما للوجوب وعلى أن يكون المراد بالسجود سجدة

١٧٣
وقالَ بعضُ أهلِ العلمِ إِنَّا السَّجْدَةُ على مَنْ أرادَ أن يَسْجُدَ فيها
والْتَمْسَ فَضْلَهَا، ورَخَّصُوا فِى تَركِها قالوا إنْ أرادَ ذلكَ. واحْتَجْوا بالحدِيثِ
المرفوعِ، حديثٍ زيدٍ بن ثابتٍ قال « قَرأْتُ على النبيُّ صلى الله عليه وسلم
النَّجْمَ فلم يَسْجُدْ )) فقالوا: لو كانتْ السَّجْدَةُ واجبةٌ لَمْ يَتْرُكِ النبيِّ صلى اعه عليه وسلم
زيداً حتّى كَانَ يَسْجُدُ ويَسْجُدُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم .
التلاوة وهما ممنوعان . قال الإمام البخارى فى صحيحه: باب من رأى أن الله
عز وجل لم يوجب السجود ، قال الحافظ فى الفتح : أى وحمل الأمر فى قوله :
(اسجدوا) على الندب أو على أن المراد به سجود الصلاة أو فى الصلاة المكتوبة
على الوجوب ، وفى سجود التلاوة على الندب على قاعدة الشافعى ومن تابعه فى حمل
المشترك على معنفيه . ومن الأدلة على أن سجود التلاوة ليس بواجب ما أشار إليه
الطحاوى من أن الآيات التى فى سجود التلاوة منها ما هو بصيغة الخبر ومنها ماهو
بصيغة الأمر ، وقد وقع الخلاف فى التى بصيغة الأمر هل هى فيها مجود أولا ،
وهى ثانية الحج وخاتمة النجم واقرأ ، فلو كان سجود التلاوة واجباً لكان ماورد
بصيغة الأمر أولى أن يتفق على السجود فيه مما ورد بصيغة الخبر انتهى .
وقال بعض أهل العلم إنما السجدة على من أراد أن يسجد يها والتمس فضلها
ورخصوا فى تركها قالوا إن أراد ذلك) ، وهو قول الشافعى ومالك فى أحد قوليه
وأحمد وإسحاق والأوزاعى وداود ، قالوا إنها سنة ، وهو قول عمر وسلمان وابن
عباس وعمران بن حصين وبه قال الليث كذا فى عمدة القارى (واحتجوابالحديث
المرفوع حديث زيد ثابت قال قرأت على النبى صلى الله عليه وسلم النجم فلم يسجد
فقالوا لو كانت السجدة واجبة لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم زيداً حتى كان
يسجد ويسجد النبى صلى الله عليه وسلم ) ، أجاب العينى وغيره عن حديث زيد
ابن ثابت هذا بأن معناه أنه لم يسجد على الفور ولا يلزم منه أنه ليس فى النجم
سجدة ولا فيه نفى الوجوب انتهى . وقد عرفت فى كلام الحافظ أن فى ترك السجود
فيها فى هذه الحالة احتمالات ، وأرجح الاحتمالات أنه ترك حينئذ لبيان الجواز

١٧٤
واحْتَجْوا بحديثٍ مُمَرَ أنهُ قَرَأْ سَجْدَةٌ على المِنْبَرِ فَنَزَلَ فِجَدَ ،
ثم قَرَأَهَا فى الجمعةِ الثانيةِ قَتَهَيَّأَ النَّاسُ للسُجودِ ، فقال إنها لم تُكْتَبْ علينا
إلا أن نَشَاءَ فلم يَسْجُدْ ولم يسْجُدُوا. وذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ إلى هَذَا وهَوَ
قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وأحْمَدَ
(واحتجوا بحديث ابن عمر أنه قرأ سجدة على المنبر فنزل فسجدثم قرأها فى الجمعة الثانية
فتهيأ الناس للسجود فقال إنها لم تكتب علينا إلا أن نشاء فلم يسجد ولم يسجدوا)،
أخرجه البخارى بلفظ : قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل حتى إذا جاء
السجده نزل فسجد وسجد الناس ، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها حتى إذا
جاءت السجدة قال: يا أيها الناس إنما نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب ومن لم
يسجد فلا إثم عليه، ولم يسجد عمر، وزاد نافع عن ابن عمر: أن الله لم يفرض
السجود إلا أن نشاء انتهى. واستدل بقوله لم يفرض على عدم وجوب سجود
التلاوه وأجاب بعض الحنفية على قاعدتهم فى التفرقة بين الفرض والواجب بأن
نفى الفرض لا يستلزم نفى الوجوب .
وتعقب بأنه اصطلاح لهم حادث وما كان الصحابة يفرقون بينهما ، ويغنى
عن هذا قول عمر: ومن لم يسجد فلا إثم عليه ، واستدل بقوله إلا أن نشاء على
أن المراد مخير فى السجود فيكون ليس بواجب .
وأجاب من أوجبه بأن المعنى: إلا أن نشاء قراءتها فيجب ، ولا يخفى بعده
ويرده تصريح عمر بقوله : ومن لم يسجد فلا إثم عليه ، بأن انتفاء الإثم عمن ترك
الفعل مختاراً يدل على عدم وجوبه . كذا فى فتح البارى .
تنبيه : قال العينى فى شرح البخارى : واحتجوا أى القائلون بعدم وجوب
سجدة التلاوة ) بحديث عمر رضى الله عنه أن الله لم يكتب علينا السجود إلا أن
نشاء وهذا ينفى الوجوب . قالوا: قال عمر هذا القول والصحابة حاضرون، والإجماع
السكونى عندهم حجة انتهى كلام العينى . وأجاب هو عن هذا بأن ما روى عن
عمر رضى الله عنه فوقوف وهو ليس بحجة عندهم انتهى .
قلت : العجب من العينى أنه لم يجب عن الإجماع السكوتى بل سكت عنه وهو
حجة عنده وعند أصحابه الحنفية ، قال هو فى رد حديث القلتين ما لفظة : حديث

١٧٥
القلتين خبر آحاد ورد مخالفاً لإجماع الصحابة فيرد بيانه أن ابن عباس وابن الزبير
أفتيا فى زنجى وقع فى بئر زمزم بنزح الماء كله ولم يظهر أثره وكان الماء من قلتين.
وذلك بمحضر من الصحابة رضى الله عنهما ولم ينكر عليهما أحد منهم فكان إجماعاً،
وخبر الواحد إذا ورد مخالفاً للإجماع يرد. انتهى كلامه . فللقائلين بعدم وجوب
سجدة التلاوة أن يقولوا نحن لا نحتج بمجرد قول عمر رضى الله عنه بل بإجماع
الصحابة رضى الله عنهم، فإن عمر رضى الله عنه قال هذا القول بمحضر من الصحابة
ولم ينكر عليه أحد منهم. والحق أن هذا الاحتجاج احتجاج صحيح ليس عند
الحنفية جواب شاف عن هذا الاحتجاج. وقد أنصف بعض الحنفية فى تعليقاته على
جامع الّ مذى حيث قال: قوله واحتجوا بحديث عمر الخ ليس هذا مرفوعاً بل أثر
عمرو هذا تمسك الحجازيين . وأما الجواب من جانب الأحناف بأنه موقوف
ومذهب عمر رضى الله عنه فلا يفيد ، فإنه بمحضر جماعة من الصحابة فيمكن
الشافعية قول إنه إجماع جمهور الصحابة ، فما أجاب أحد جواباً شافياً انتهى . ثم
قال هذا البعض راداً على العينى ما لفظه: وقال العينى بحذف المستثنى المتصل لأنه
أصل فيكون المعنى: أنها لم تكتب علينا إلا أن نشاء مكتوبيتها . وقال أيضاً: إن
المشيئة يتعلق بالتلاؤة لا بالسجدة . وقال الحافظ إنها تتعلق بالسجدة . أقول
تأويل العينى فيه أنا إذا قلنا إن المستثنى منه الوجوب والمستثنى هو التطوع يكون
الاستثناء أيضاً متصلا، وليس حد المتصل والمنفصل ما هو مشهور على الألسنة
بل تفصيله مذكور فى قطر الندى وشرح الشيخ السيد محمود الألوسى على المقدمة
الأندلسية، وأيضاً يخالف قول العينى لفظ الباب فلم يسجد ولم يسجدوا الخ فإنه
تحقق التلاوة فى واقعة الباب . وأما قول إنه تأخير السجدة لأن الأداء لا يجب فى
الفور فبعيد لأنه لا عذر ولا نكتة لترك السجدة الآن بخلاف مامر من واقعة
النبى صلى الله عليه وسلم فلم أر جواباً شافياً انتهى كلام بعض الحنفية فى تعليقه
المسمى بالعرف الشذى .
قلت : قول عمر رضى الله عنه ومن لم يسجد فلا إثم عليه دليل صريح على
عدم وجوب سجدة التلاوة كما عرفت فى كلام الحافظ ، وأما تأويل العينى بأن
معناه من لم يسجد فلا إثم عليه فى تأخيره عن وقت السماع فباطل مردود عليه فإنه
لا دليل على هذا التأويل .

١٧٦
٤٠٠ -- باب ماجاء فى السَّجدةِ فی ص
٥٧٤ - حدثنا ابنُ أبي عمرَ أخبرنا سفيانُ عن أيوبَ عن ◌ِكرمةً عن
ابن عباسٍ قال «رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يسجدُ فى ص. قال
ابن عباسٍ: وليستْ مِن عَزَائِ السُّجودِ» .
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ ..
واختلفَ أهلُ العلمِ من أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم وغيرِ هم فىهذا ،
فرِأَى بعضُ أهلِ العلم أن يَسْجُدَ فيها . وهو قولُ سفيانَ وابن المباركِ
والشافعيّ وأحمدَ وإسحاقَ. وقال بعضُهم: إنها تَرْبَةُ نبِىُّ وَلَمْ يَرْوِ السجودَ
فيها ..
باب ما جاء فی سجدة فی ص
قوله : (عن أيوب ) هو السختيانى .
قوله: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فى ص)، هذا دليل
صريح على ثبوت السجدة فى ص ( قال ابن عباس وليست من عزائم السجود )،
المراد بالعزائم ما وردت العزيمة على فعله كصيغة الأمر مثلا بناء على أن بعض
المندوبات آكد من بعض عند من لا يقول بالوجوب . وقد روى ابن المنذر
وغيره عن على بن أبى طالب بإسناد حسن أن العزائم حم ، والنجم ، واقرأ ،
وألم تنزيل ، وكذا ثبت عن ابن عباس فى الثلاثة الآخر ، وقيل الأعراف ،
وسبحان، وحم ، وألم، أخرجه ابن أبى شيبة كذا فى فتح البارى .
قوله : (هذا حديث حسن صحيح) ، وأخرجه البخارى وأبو داود
والنسائى .
قوله : ( فرأى بعض أهل العلم أن يسجد فيها وهو قول سفيان وابن المبارك
والشافعى وأحمد وإسحاق) وهو قول أبى حنيفة رحمه الله وقد عد الترمذى الشافعى

١٧٧
من القائلين بسجود التلاوة فى صلاته ، وقوله المشهور أنه لا يسجد فيها فى الصلاة
ويسجد خارج الصلاة ، قال السجدة فيها ليست سجدة تلاوة بل سجدة شكر
وسجود الشاكر لا يشرع فى الصلاة . قال العينى فى شرح البخارى : لا خلاف بين
الحنفية والشافعية فى أن صلاته فيها سجدة تفعل ، وهو أيضاً مذهب سفيان
وابن المبارك وأحمد وإسحاق ، غير أن الخلاف فى كونها من العزائم أم لا ، فعنه
الشافعى ليست من العزائم وإنما هو سجدة شكر تستحب فى غير الصلاة وتحرم
فيها الصحيح، وهذا هو المنصوص عنده ، وبه قطع جمهور الشافعية ، وعند أبى
حنيفة وأصحابه هى من العزائم ، وبه قال ابن شرح وأبو إسحاق المروزى ، وهو
قول مالك أيضاً . وعن أحمد كالمذهبين والمشهور منهما كقول الشافعى ( وقال
بعضهم إنها توبة فى ولم يرو السجود فيها ، قال العينى : قال داود : عن ابن مسعود
لا سجود فيها وقال هى توبة فى ، وروى مثله عن عطاء وعلقمة. قال واحتج
الشافعى ومن معه بحديث ابن عباس هذا يعنى المذكور فى الباب ، ولابن عباس
حديث آخر فى سجوده فى صلاته أخرجه النسائى من روایة عمر بن أبى ذر عن
أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم سجد فى
صلاته فقال سجدها داود عليه السلام توبة ونسجدها شكراً . وله حديث آخر
أخرجه البخارى والنسائى أيضاً فى الكبرى فى التفسير ولفظه: رأيت النبي
صلى الله عليه وسلم يسجد فى ص ( أولئك الذين هدى الله فيهداهم اقتده) قال
العينى : هذا كله حجة لنا، والعمل يفعل النبى صلى الله عليه وسلم أولى من العمل
بقول ابن عباس ، وكونها توبة لا ينافى كونها عزيمة ، وسجدها داود توبة
ونحن نسجدها شكراً لما أنعم الله على داود عليه السلام بالغفران والوعد بالزلفي
وحسن مآب ، ولهذا لا يسجد عندنا عقيب قوله (وأناب ) بل عقيب قوله
(وحسن مآب) وهذه نعمة عظيمة فى حقنا فكانت سجدة تلاوة لأن سجدة
التلاوة ما كان سبب وجو بها إلا التلاوة ، وسبب وجوب هذه السجدة تلاوة هذه
الآية التى فيها الإخبار عن هذه النعم على داود عليه السلام وإطماعنا فى نيل مثله
انتهى كلام العينى.
(١٢ - تحفة الأحوذي - ٣)

١٧٨
٤٠١ - بابٌ فى السجدةِ فى الحَجِّ
٥٧٥ - حدثنا قُتَيْبَةُ أخبرنا ابن طِعَةَ عن مِشْرَحٍ بن هاعَانَ عن
عُقبةَ بن عامر قال: ((قلتُ يارسولَ اللهِ فُضِّلَتْ سورةُ الحِجِّ بأنَّ فيها
٤
سَجْدَ تَبْنٍ؟ قال: نَّمْ، ومَنْ لَمْ يَسْجُدُهُمَا فَلاَ يَقْرَ أُهُمَا)).
قلت : لا منافاة بين العمل بفعل النبى صلى الله عليه وسلم وبين العمل بقول
ابن عباس رضى الله عنه ، فالأولى بل المتعين أن يسجد فى ص اتباعاً النبى
صلى الله عليه وسلم فى الصلاة وخارج الصلاة، ويرى أن هذه السجدة ليست
من عزائم السجود كما قال ابن عباس رضى الله عنهما ، وقول ابن عباس هذا مقدم
على قول أبى حنيفة ومن تبعه أنها من عزائم السجود هذا ما عندى والله
تعالى أعلم .
وفى الباب عن أبى سعيد وأبى هريرة ، أما حديث أبى سعيد فأخرجه أبو
داود قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر ص فلما بلغ السجدة
نزل فسجد . وأما حديث أبى هريرة فأخرجه الطبرانى فى الأوسط بلفظ : أن
النبى صلى الله عليه وسلم سجد فى ص وراه الدار قطنى أيضاً .
باب فى السجدة فى الحج
قوله: (أخبرنا ابن لهيعة) هو عبد الله بن لهيعة ضعيف (عن مشرح)
كتير ( بن ماعان) بالهاء والعين بينهما ألف ثم ألف ونون كذا فى نسخ الترمذى
وكذا فى التقريب والخلاصة ، وقال فى القاموس : ومشرح كنبر ابن عامان
التابعى انتهى ، وكذلك فى المغنى لصاحب مجمع البحار فلعله يقال لوالد مشرح
عامان بتقديم العين على الهاء أيضاً : قال الحافظ فى التقريب فى ترجمته مقبول ،
وقال الذهبي فى الميزان مشرح بن هاعان المصرى عن عقبة بن عامر صدوق لينه
ابن حبان ، وقال عثمان بن سعيد عن ابن معين ثقة ، قال ابن حبان يكنى أبا
مصعب يروى عن عقبة منا كير لا يتابع عليها فالصواب ترك ما انفرد به انتهى.
قوله : (فضلت سورة الحج ) بتقدير همزة الاستفهام ( بأن فيها سجدتين)

١٧٩
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ ليسَ إسنادُهُ بالقَوَىِّ .
واختلفَ أهلُ العلمِ فى هذَا. فَرُوِىَ عن عُمَرَ ابن الخطابِ وابن عُمَر
أولاهما عند قوله تعالى ( اللّه يفعل ما يشاء) وهى متفق عليها والثانية عند قوله
تعالى ( وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) (ومن لم يسجدهما) أى السجدتين ( فلا
يقرأهما ) قال القارى فى المرقاة أى آيتى السجدة حتى لا يأثم بترك السجدة ، وهو
يؤيد وجوب سجدة التلاوة . ووجه النهى أن السجدة شرعت فى حق التالى
بتلاوته والإتيان بها من حق التلاوة ، فإذا كان بصدد التضييع فالأولى به تركها
لأنها إما واجبة فيأثم بتركها أو سنة فيتضرر بالتهاون بها ، كذا ذكر الطيبى.
قال ابن الهمام : والسجدة الثانية فى الحج عندنا لأنها مقرونة بالأمر بالركوع ،
والمعهود فى مثله من القرآن كونه من أوامر ما هو ركن الصلاة بالاستقراء نحو
( اسجدى واركعى مع الراكعين ) انتهى ما فى المرقاة .
قلت : حديث الباب هذا ضعيف لكنه معتضد بحديث عمرو بن العاص
وقد تقدم تخريجه وبرواية مرسلة وبآثار الصحابة رضى الله تعالى عنهم كما
ستعرف ، فهو مقدم على الاستقراء الذى ذكره ابن الحمام ، فالقول الراجح
المعول عليه أن فى سورة الحج سجدتين والله تعالى أعلم .
قوله: (هذا حديث ليس إسناده بالقوى) وأخرجه أحمد وأبو داود . قال
ميرك: يريد أن فى إسناده عبد الله بن لهيعة ومشرح بن هاعان وفيهما كلام، لكن
الحديث صحيح أخرجه الحاكم فى مستدركه من غير طريقهما يعنى من غير طريق
أبى داود والترمذى ، وأقره الذهبي على تصحيحه قاله الشيخ الجزرى . کذا فى
المرقاة . وقال الحافظ فى التلخيص بعد ذكر حديث الباب ما لفظه : وفيه ابن
لطبيعة وهو ضعيف ، وقد ذكر الحاكم أنه تفرد به وأكده الحاكم بأن الرواية
هحت فیه من قول عمر وابنه وابن مسعود وابن عباس وأبى الدرداء وأبى موسى
وعمار ثم ساقها موقوفة عنهم ، وأكده البيهقى بما رواه فى المعرفة من طريق
خالد بن معدان مرسلا انتهى .
قلت : وفى الباب عن عمرو بن العاص وقد تقدم تخريجه .

١٨٠
أنهما قالا: فُضِّلَتْ سورةُ الحِجِّ بأنَّ فيها سَجْدَ تَيْنِ . وبه يقولُ ابنُ المبارك
والشافعى وأحمدُ وإسحاقُ .
ورَأى بعضُهم فيها سَجْدَةً وهو قولُ سفيانَ الثورىِّ ومالِكٍ وأهلِ
الكُوفةِ .
قوله : ( واختلف أهل العلم فى هذا فروى عن عمر بن الخطاب وابن عمر
أنهما قالا : فضلت سورة الحج بأن فيها سجدتين ، أخرج مالك فى الموطأ عن
نافع مولى ابن عمر: أن رجلا من أهل مصر أخبره أن عمر بن الخطاب قرأ
سورة الحج فسجد فيها سجدتين ثم قال إن هذه السورة فضلت بسجدتين ،
وأخرج عن عبد الله بن دينار أنه قال : رأيت عبد الله بن عمر سجد فى سورة
الحج سجدتين ، وروى الطحاوى عن أبى الدرداء وأبى موسى الأشعرى أنهما
سجدا فى الحج سجدتين ، وروى الحاكم على ما ذكره الحافظ فى التلخيص
والزيلعى فى نصب الراية عن هؤلاء الأربعة وابن عباس وابن مسعود وعمار
ابن ياسر: أنهم سجدوا فيه سجدتين (وبه يقول ابن المبارك والشافعى وأحمد
وإسحاق) قال بعض العلماء الحنفية فى تعليقه على الموطأ للإمام محمد: والحق
فى هذا الباب هو ماذهب إليه عمر رضى الله عنه وابن عمر رضى الله عنه انتهى.
قلت : الأمر قال (ورأى بعضهم فيها سجدة ) أى واحدة وهى السجدة
الأولى، قال الإمام محمد فى الموطأ: وكان ابن عباس لايرى فى الحج إلا سجدة
واحدة الأولى انتهى . قال الطحاوى فى شرح معانى الآثار بعد رواية أثر ابن
عباس هذا : فبقول ابن عباس نأخذ انتهى .
قلت : روى ابن أبى شيبة عن على وأبى الدرداء وابن عباس أنهم سجدوا
فيه سجدتین ، کذا فى المحلى ، وقد تقدم أن الحا کم روى عن ابن عباس أنه سجد
فيه سجدتين (وهو قول سفيان الثورى ومالك وأهل الكوفة) وهو قول
أبى حنيفة رحمه الله .