Indexed OCR Text

Pages 421-440

- ٤٢١ -
الأول من طبقات المحدثين ، فرجع المحققون منهم بعد إحكام فن الرواية، ومعرفة
مراتب الحديث إلى الفقه ، فلم يكن عندهم من الرأى أن يجمع على تقليد رجل
ممن مضى، مع مايروون من الأحاديث والآثار المناقضة فى كل مذهب من تلك
المذاهب . فأخذوا يتبعون أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم وآثار الصحابة
والتابعين والمجتهدين ، على قواعد أحكموها فى نفوسهم ( إلى أن قال) وكان
بإزاء هؤلاء فى عصر مالك وسفيان وبعدهم قوم لا يكرهون المسائل ولا يهابون
الفتيا، ويقولون على الفقه بناء الدين ، فلابد من إشاعته ، ويهابون حديث
رسول الله صلى الله عليه وسلم والرفع إليه ، حتى قال الشعبى : على من دون
النبى صلى الله عليه وسلم أحب إلينا، فإن كان فيه زيادة أو نقصان كان على
من دون النبى صلى الله عليه وسلم: وقال إبراهيم: أقول قال عبد الله ، وقال
علقمة: أحب إلينا . وكان ابن مسعود إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم تربد وجهه ، وقال هكذا أو نحوه .
وقال عمر حين بعث رهطاً من الأنصار إلى الكوفة: إنكم تأتون الكوفة
فتأتون قوماً لهم أزيز القرآن فيأتونكم فيقولون قدم أصحاب محمد ، قدم أصحاب
محمد ، فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث، فأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم . قال ابن عون: كان الشعبى إذا جاءه شىء انقى. وكان إبراهيم
يقول ويقول أخرج هذه الآثار الدارمى ، فوقع تدوين الحديث والفقه والمسائل
من حاجتهم بموقع من وجه آخر ، وذلك أنه لم يكن عندهم من الأحاديث
والآثار ما يقدرون به على استنباط الفقه على الأصول التى اختارها أهل
الحديث، ولم تنشرح صدورهم للنظر فى أقوال علماء البلدان وجمعها، والبحث
عنها، واتهموا أنفسهم فى ذلك ، وكانوا اعتقدوا فى أئمتهم أنهم فى الدرجة
العليا من التحقيق ، وكانت قلوبهم أميل شىء إلى أصحابهم ، كما قال علقمة: هل
أحد منهم أثبت من عبد الله .

- ٤٢٢ -
وقال أبو حنيفة: إبراهيم أفقه من سالم ولولا فضل الصحبة لقلت علقمة
أفقه من ابن عمر . وكان عندهم من الفطانة والحدس وسرعة انتقال الذهن
من شىء إلى شىء، ما يقدرون به على تخريج جواب المسائل على أقوال أصحابهم
وكل ميسر لما خلق له ، وكل حزب بما لديهم فرحون . فمهدوا الفقه على قاعدة
التخريج، وذلك أن يحفظ كل أحد كتاب من هو لسان أصحابه ، وأعرفهم
بأقوال القوم ، وأصحهم نظراً فى الترجيح، فيتأمل فى كل مسألة وجه الحكم
فكلما سئل عن شىء أو احتاج إلى شىء ، رأى فيما يحفظ من تصريحات
أصحابه، فإن وجد الجواب فيها ، وإلا نظر إلى عموم كلامهم فأجراه على هذه
الصورة أو إشارة ضمنية لكلام فاستنبط منها ، وربما كان لبعض الكلام
إيماء أو اقتضاء يفهم المقصود، وربما كان للمسألة المصرح بها نظير يحمل عليها
وربما نظروا فى علة الحكم المصرح به بالتخريج أو باليسر والحذف ، فأداروا
حكمه على غير المصرح به، وربما كان له كلامان لو اجتمعا على هيئة القياس
الاقترانى أو الشرطى انتجا جواب المسألة ، وربما كان فى كلامهم ما هو معلوم
بالمثال والقسمة غير معلوم بالحد الجامع المانع، فيرجعون إلى أهل اللسان ،
ويتكلفون فى تحصيل ذاتياته وترتيب حد جامع مانع له ، وضبط مبهمه ، وتميز
مشكله، وربما كان كلامهم محتملا بوجهين ، فينظرون فى ترجيح أحد المحتملين
وربما يكون تقريب الدلائل خفياً فيبينون ذلك ، وربما استدل بعض المخرجين
من فعل أثمتهم وسكوتهم ونحو ذلك، فهذا هو التخريج ، ويقال له القول
المخرج لفلان كذا ، ويقال على مذهب فلان، أو على أصل فلان ، أو
. على قول فلان جواب المسألة كذا وكذا ، ويقال لهؤلاء المجتهدون
فى المذهب ، وعنى هذا الاجتهاد على هذا الأصل من قال من حفظ المبسوط
كان مجتهداً أى وإن لم يكن له على برواية أصلا، ولا بحديث واحد، فوقع
التخريج فى كل مذهب وكثر، فأى مذهب كان أسحابه مشهورين وسد إليهم

- ٤٢٣ -
القضاء والإفتاء، واشتهر قصانيفهم فى الناس ، ودرسوا درساً ظاهراً انتشر
فى أقطار الأرض، ولم يزل ينتشر كل حين ، وأى مذهب كان أصحابه خاملين
ولم يولوا القضاء والإفتاء ولم يرغب فيهم الناس، الدرس بعد حين انتهى.
ومنها لفظ أهل الكوفة ، وقد أ كثر استعمال لفظ أهل الكوفة فى بيان
المذاهب . قيل أراد الترمذى بهذا اللفظ أبا حنيفة رحمه الله تعالى، ولم يصرح
باسمه للتعصب. قال الشيخ سراج أحمد السرهندى الحنفى فى شرحه لجامع
الترمذى مالفظه : مر جاكه مصنف يعنى امام ترمذى لفظ بعض اهل كوفه
ذكر كرده مراد امام ابى حنيفه رحمة الله عليه باشدواين ازجهت غايت تعصب
است در جناب امام اعظم انتهى. وقال الشيخ عبد الحق الدهلوى فى شرح
سفر السعادة مالفظه: ( وبانا که این مرد العینی تراندی رابا امه اسهل قياس
واجتهاد تعصبى بود خصوصا باامام اعظم ابى حنيفه كوفى رحمة الله عليه ولهذا
ذكراین امام اجل واصحاب وىدر كتاب خودم جاكه آورده ببعض اهل
الكوفة تعبیر نموده و تصریح باسم شريف وى ورسیج جانه کرده باوجود
ذكر امثال واقران ايشال وظاهرا آنجا كه اهل كوفه می کوید ایشالرا اراده
نموده است)) انتهى بلفظه قلت . قولهما هذا ليس بصحيح. أما قول السرهندى
«هر جا كه مصنف لفظ بعض اهل كوفه ذكر كرده مرادامام ابى حنيفه باشد»
فباطل قطعاً، ألا ترى أن الترمذى روى فى باب ماجاء أنه يبدأ بمؤخر الرأس
حديث الربيع بنت معوذ: أن النبى صلى الله عليه وسلم مسح برأسه مرتين ،
بدأ بمؤخر رأسه، ثم بمقدمه إلخ . ثم قال: وقد ذهب أهل الكوفة إلى هذا
الحديث منهم وكيع بن الجراح انتهى . فقال الترمذى : ههنا لفظ بعض أهل
الكوفة وليس المراد به أبا حنيفة البتة ، فلما بطل قول السرهندى هذا ظهر
بطلان قوله (( واين ازجهت غايت تعصب است)) أيضاً .
وأما قول الشيخ الدهلوى ((مافا كه اين مردرابا أمه اهل قياس واجتهاد نعصبى
١

- ٤٢٤-
بود)) فباطل أيضاً، فإن مراد الشيخ بقوله: (( أمه اهل قياس واجتهاد)» أن
كلام الأئمة المجتهدين كالإمام الشافعى ومالك وأحمد بن حنبل وغيرهم فبطلانه
ظاهر، فإنه قد ذكر أسماءهم ومذاهبهم وإن كان مراده بهم الإمام أبا حنيفة
وأصحابه فهو أيضاً باطل ، فإِنه لم يثبت ماذكره من تعصبه بهم، وأما الظن
بذلك لأجل أنه لم يصرح باسم الإمام أبى حنيفة ، فهذا ظن السوء ، وإن
بعض الظن إثم. وأما قوله (( وتصريح باسم شريف دى درسج جانه كرده))
فغير صحيح، فإن الترمذى قد صرح باسمه الشريف فى آخر جامعه حيث قال :
حدثنا محمود بن غيلان حدثنا أبو يحيى الحمانى قال : سمعت أبا حنيفة يقول :
ما رأيت أ كذب من جابر الجعفى ولا أفضل من عطاء بن أبي رباح ، وقول
الترمذى هذا وإن لم يقع فى نسخ الترمذى المطبوعة فى الهند ، لكنه وقع فى
النسخة المصرية .
وقد صرح الحافظ ابن حجر فى تهذيب التهذيب يكون قول الترمذى هذا
فى جامعه حيث قال فيه فى ترجمة الإمام أبى حنيفه ما لفظه له فى كتاب الترمذى
من رواية عبد الحميد الحمانى عنه، قال قال: ما رأيت أ كذب من جابر الجوفى
ولا أفضل من عطاء بن أبي رباح انتهى . فقول الشيخ الدهلوى : وتصريح
باسم شريف وبى دراسيح جانه كرده باطل جداً .
قلت : الصحيح أن الترمذى أراد بأهل الكوفة من كان فيها من أهل العلم،
كالإمام أبى حنيفة والسفيانين وغيرهم ، وأراد ببعض أهل الكوفة بعضهم ولم
يرد بأهل الكوفة أو ببعض أهل الكوفة الإمام أبى حنيفة وحده ، ولم يتفرد
الترمذى بالتعبير بهذا اللفظ عنهم غير واحد من أهل العلم . قال الحازمى فى
کتاب الاعتبار فی باب تثنية الإقامة ص ٦٨ وهو قول سفيان الثوری وأبى
حنيفة وأهل الكوفة . وقال فى باب نسخ الالتفات فى الصلاة ، وإليه ذهب
عطاء ومالك وأبو حنيفة وأصحابه والأوزاعى وأهل الكوفة . وقال فى باب

- ٤٢٥ -
مرور الحمار قدام المصلى ص ٢٥، وإليه ذهب مالك وأهل المدينة والشافعى
وأصحابه، وأكثر أهل الحجاز وسفيان وأبو حنيفة وأهل الكوفة . وقد
أكثر الحازمى استعمال هذا اللفظ فى هذا الكتاب وأراد به من كان فيها
من أهل العلم واستعمالهم لفظ أهل الكوفة كاستعمالهم لفظ الكوفيين ولا فرق
بين مدلوليهما . وقد استعمل الحنفية أيضاً لفظ الكوفيين. قال العينى فى عمدة
القارى أبو حنيفة لم يتفرد بترك العمل بحديث المصراة ، بل مذهب الكوفيين
وأبى ليلى ومالك فى رواية مثل مذهب أبى حنيفة انتهى . وكذلك استعمل
العينى لفظ الكوفيين فى مواضع كثيرة من هذا الكتاب وأراد بهم من أراد
الترمذى بلفظ أهل الكوفة .
ومنها : لفظ أصحابنا ، وقد أ كثر الترمذى استعمال هذا اللفظ فى بيان
المذاهب وأراد به أهل الحديث ، قال فى باب ترك الوضوء من القبلة ، بعد
رواية حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه ثم خرج إلى
الصلاة ولم يتوضأ، ما لفظه. وهو قول سفيان الثورى وأهل الكوفة قالوا :
ليس فى القبلة وضوء. وقال مالك بن أنس والأوزاعى والشافعى وأحمد وإسحاق
فى القبلة وضوء، وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله
عليه وسلم والتابعين ، وإنما ترك أصحابنا حديث عائشة عن النبى صلى الله عليه
وسلم فى هذا لأنه لا يصح عندهم لحال الإسناد انتهى كلام الترمذى. فكلام
الترمذى هذا يدل دلالة ظاهرة على أنه أراد بقوله أصحابنا أهل الحديث كالإمام
مالك والشافعى وأحمد وإسحاق وغيرهم فإن هؤلاء كلهم من أهل الحديث ....
قال الحافظ فى الفتح فى شرح حديث أبى هريرة : لا يمنع جار جار أن يفرزه
خشبه فى جداره ، استدل به على أن الجدار إذا كان لواحد وله جار فأراد أن
يضع جذعه عليه ، جاز. سواء أذن المالك أم لا ، فإن امتنع أجبر. وبه قال
أحمد وإسحاق وغيرهما من أهل الحديث انتهى .

-٤٢٦-
قال الشيخ سراج أحمد السرهندى فى شرح قول الترمذى: إنما ترك أصحا بنا
حديث عائشة الخ مالفظه وجزين نيست كه ترك كروند أصحاب ماهل حديث
حديث عائشة الخ .
وقال أبو الطيب السندى فى شرح الترمذى قوله: وإنما ترك أصحابنا أى
من أهل الحديث أو من الشافعية ، كذا قال بعض العلماء، لكن الظاهر هو
الأول انتهى .
قلت: بل هو المتعين . وقال الترمذى فى باب ما جاء فيمن أدرك ركعة
من العصر قبل أن تغرب الشمس بعد رواية حديث أبى هريرة أن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: ((من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد
أدرك الصبح)) الخ ما لفظه .. وبه يقول أصحابنا الشافعى وأحمد وإسحاق انتهى.
وقول الترمذى هذا صريح فى أن المراد بقوله أصحابها أهل الحديث كالشافعى
وأحمد وإسحاق وغيرهم . وقال الترمذى فى باب ماجاء فى المصراة بعدرواية
حديث أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم: ((من اشترى مصراة فهو
بالخيار ثلاثة أيام)» الخ ما لفظه . والعمل على هذا الحديث عند أصحابنا منهم
الشافعى وأحمد وإسحاق انتهى. فقول الترمذى هذا أيضاً صريح فى أن المراد
بقول أصحابنا أهل الحديث . وكذلك قال فى باب ما جاء فى الرجل يسلم وعنده
عشر نسوة ، بعد رواية حديث ابن عمر ؛ أن غيلان ابن سلمة الثقفى. أسلم وله
عشر نسوة فى الجاهلية فأسلمن معه، فأمر النبى صلى الله عليه وسلم أن يتخير
منهن أربعاً مالفظه : والعمل على حديث غيلان بن سلمة عند أصحابها ، منهم
الشافعى وأحمد وإسحاق انتهى. وكذلك قال فى باب بعد باب ما جاء فى الدعاء
عند افتتاح الصلاة بالليل ، بعد رواية حديث على بن أبى طالب عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة رفع يديه حذو
منكبيه الخ ما لفظه : والعمل على هذا الحديث عند الشافعى وبعض أصحابنا

- ٤٢٧ -
انتهى . وكذلك قال فى باب الذى يصلى الفريضة ثم يؤم الناس بعد ذلك بعد
روایة حدیثجابر بن عبد الله : أن معاذ بن جبل کانیصلى مع رسول الله صلى
الله عليه وسلم المغرب ، ثم يرجع إلى قومه فيؤمهم ما لفظه: والعمل على هذا
عند أصحابنا الشافعى وأحمد وإسحاق انتهى. وقال فى باب كراهية الإسراف
فى الوضوء وخارجه ليس بالقوى عند أصحابنا انتهى . قال الطيبى أى أهل
الحديث كذا فى المرقاة .
قلت : الأمر كما قال الطيبى ، فظهر بهذا كله أن المراد بقول الترمذى
أصحابنا أهل الحديث ، وقول من قال إن المراد به الحنابلة أو الشافعية باطل
جداً، كيف ولم يكن أحد من أصحاب الكتب الستة من أصحاب التقليد ، بل
كانوا من أهل التحقيق متبعين للكتاب والسنة كما عرفت فيما تقدم .
ومنها : لفظ الفقهاء. قال الترمذى فى باب غسل الميت : الفقهاء أعلم
بمعانى الحديث ، وفهم بعض الناس منه أن المراد من الفقهاء فى كلام الترمذى
هذا الفقهاء الحنفية ، وهو غلط صريح منشؤه الجهل، بل المراد بالفقهاء فى كلامه
فقهاء المحدثين رحمهم الله تعالى كسفيان الثورى ومالك بن أنس والشافعى
وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهم ، فقد قال الترمذى فى أوائل
كتاب العلل : وماذكرنا فى هذا الكتاب من اختيار الفقهاء، فما كان فيه
من قول سفیان التوری فأ کثره ماحدثنا به محمد بن عثمان الکوفی ، حدثنا
عبيد الله بن موسى عن سفيان . وما كان من قول مالك بن أنس فأكثره
ماحدثنا به إسحاق بن موسى الأنصارى أخبرنا معن بن عيسى القزاز عن مالك
ابن أنس. وما كان فيه من قول ابن المبارك فهو ما حدثنا به أحمد بن عبدة
الأملى عن أصحاب ابن المبارك عنه . وما كان فيه من قول الشافعى فأكثره
ما أخبرنى به الحسن بن محمد الزعفرانى عن الشافعى . وما كان فيه من قول
أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، فهو ما أخبرنا به إسحاق بن منصور
عن أحمد وإسحاق انتهى كلام الترمذى مختصراً .

- ٢٢٨ -
الفصل الثانى عشر
فى ذكر تراجم فقهاء المحدثين الذين ذكرهم الترمذى فى ذكر المذاهب
وتراجم أئمة الحديث النقاد الذين ذكرهم فى بيان الجرح والتعديل
وعلل الحديث. رحمهم الله تعالى
وأنا أذكر تراجمهم على ترتيب حروف التهجى ، ملتقطاً من تهذيب
التهذيب للحافظ ابن حجر وتذكرة الحفاظ الذهبى، ووفيات الأعيان للقاضى
ابن خلكان وغيرها .
فمنهم الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيبانى المروزى ،
ثم البغدادى ، ولد سنة أربع وستين ومائة ، سمع هشيما وإبراهيم بن سعد
وسفيان بن عيينة وعباد بن عباد ويحيى بن أبى زائدة وطبقتهم . وعن البخارى
ومسلم وأبو داود وأبو زرعه ومطين وعبد الله بن أحمد وأبو القاسم البغوى
وخلق عظيم . قال القاضى ابن خلكان: خرجت أمه من مرو وهى حامل به
فولدته فى بغداد فى شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة ، وقيل إنه ولهـ
بمرو وحمل إلى بغداد وهو رضيع، وكان إمام المحدثين . صنف كتابه المسند
وجمع فيه مالم يتفق لغيره ، وقيل إنه كان يحفظ ألف ألف حديث ، وكان
من أصحاب الإمام الشافعى رضى الله تعالى عنهما وخواصه، ولم يزل مصاحبه
إلى أن ارتحل الشافعى إلى مصر. وقال فى حقه : خرجت من بغداد وماخلفت
بها أتقى وأفقه من ابن حنبل ، ودعى إلى القول بخلق القرآن فلم يجب ، فضرب
وحبس وهو مصر على الامتناع ، وكان ضربه فى العشر الأخير من شهر رمضان
سنة عشرين ومائتين ، وكان حسن الوجه ربعة، يخضب بالحناء خضباً ليس
بالقانى ، فى لحيته شعيرات سود أخذ عنه الحديث جماعة من الأماثل ، منهم :

- ٢١٩ -
محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج النيسابورى، ولم يكن فى آخر عصره مثله
فى العلم والورع . توفى ضحوة نهار الجمعة لثفتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع
الأول. وقيل بل لثلاث عشرة ليلة بقين من الشهر المذكور . وقيل من ربيع
الآخر سنة إحدى وأربعين ومائتين ببغداد، ودفن بمقبرة باب حرب . وقبر
أحمد بن حنبل مشهور بها يزار رحمه الله تعالى ، وحزر من حضر جنازته
من الرجال فكانوا ثمانمائة ألف، ومن النساء ستين ألفاً . وكان له ولدان
عالمائ وهما صالح وعبد الله ، فأما صالح فتقدمت وفاته فى شهر رمضان سنة
ست وستين ومائتين ، وكان قاضى أصبهان فمات بها ، ومولده فى سنة ثلاث
ومائتين . وأما عبد الله فإنه بقى إلى سنة تسعين ومائتين وتوفى يوم الأحد
لثمان بقين من جمادى الأولى ، وقيل الآخرة ، وله سبع وسبعون سنة ، وكنيته
أبو عبد الرحمن، وبه كان يكنى الإمام أحمد رحمهم الله تعالى أجمعين انتهى.
وقال الحافظ فى تهذيب التهذيب : قال الشافعى : خرجت من بغداد
وما خلفت بها أفقه ولا أزهد ولا أروع ولا أعلم من أحمد بن حنبل . وقال
العباس العنبرى؛ حجة . وقال ابن المدينى: ليس فى أصحابنا أحفظ منه . وقال
قتيبة : أحمد إمام الدنيا ، وقال أبو عبيد: لست أعلم فى الإسلام مثله . وقال
يحيى بن معين: لو جلسنا مجلساً بالثناء عليه، ماذكرنا فضائله بكالها . وقال
العجلى: ثقة ثبت فى الحديث ، نزه النفس، فقيه فى الحديث متبع الآثار ،
صاحب سنة وخیر . وقال العباس بن الوليد بن مزید ، قلت لأبى مسهر هل
تعرف أحداً يحفظ على هذه الأمة أمر دينها ، قال : لا إلا شاب فى ناحية
المشرق - يعنى أحمد - وقال بشر بن الحارث: أدخل الكير فرج ذهباً
أحمر ، وقال حجاج بن الشاعر: مارأيت عيناى روحاً فى جسد أفضل من أحمد
ابن حنبل . وقال أحمد الدورقى: من سمعتموه يذكر أحمد بسوء فانهموه على
الإسلام . وقال أبو زرعة الرازى: كان أحمد يحفظ ألف ألف حديث ، فقيل له

- ٤٣٠ -
وما يدريك؟ قال: أخذت عليه الأبواب . وقال هلال بن العلاء من الله على
هذه الأمة بأربعة فى زمانهم. الشافعى تفقه بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
وبأحمد ثبت فى المحنة، ولولا ذلك لكفر الناس ، وبيحيى بن معين : نفى
الكذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبأبى عبيد. فسر الغريب.
انتهى مافى تهذيب التهذيب. وقال الذهبى: سيرة أبى عبد الله - يعنى الإمام
أحمد - قد أفردها البيهقى فى مجلد، وأفردها ابن الجوزى فى مجلد، وأفردها
شيخ الإسلام الأنصارى فى مجلد لطيف انتهى. وقال الحافظ: لم يسبق المؤلف-
يعنى مصنف التهذيب - قصة المحنة ، وقد استوفاها ابن الجوزى فى مناقبه
فى مجلد ، وقبله شيخ الإسلام الهروى وترجمته فى تاريخ بغداد مستوفاة .
ومنهم إبراهيم النخعى - قال الذهبي: إبراهيم النخعى فقيه العراق ،
أبو عمران إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود الكوفى ، روى عن علقمة
ومسروق والأسود وطائفة . ودخل على أم المؤمنين عائشة وهو صبى ، أخذ
عنه حماد بن سليمان الفقيه ، وسماك بن حرب ، والحكم بن عتيبة ، وابن عون ،
والأعمش ومنصور وخلق . وكان من العلماء ذوى الإخلاص . قال مغيرة :
كما نهاب إبراهيم كمانهاب الأمير. وقال الأعمش: ربما رأيت إبراهيم يصلى
ثم يأتينا فيبقى ساعة كأنه مريض . وقال: كان إبراهيم صيرفياً فى الحديث.
وكان يتوقى الشهرة ولا يجلس إلى أسطوانة . وقال الشعبى لما بلغه موت
إبراهيم : ماخلف بعده مثله. وروى أبو حنيفة قال: بشرت إبراهيم بموت
الحجاج ، فسجد وبكى من الفرح. وقال عبد الملك بن أبى سليمان ، سمعت سعيد
ابن جبير يقول: تستفتونى وفيكم إبراهيم النخعى؟ وقالت هنيدة زوجة إبراهيم:
إنه كان يصوم يوماً ويفطر يوماً ، وجاء من وجوه عن إبراهيم أنه كان
لا يتكلم فى العلم إلا أن يسأل. مات إبراهيم فى آخر سنة خمس وتسعين كهلا
قبل الشيخوخة انتهى. وقال الحافظ : روى عن خاليه الأسود وعبد الرحمن

- ٤٣١ -
ابنى يزيد ومسروق وعلقمة وأبى معمر وهمام بن الحارث وشريح القاضى ومعهم
ابن منجاب وجماعة. وروى عن عائشة ولم يثبت سماعه منها ، روى عن
الأعمش ومنصور وابن عون وزبيد اليامى وحماد بن سليمان ومغيرة بن مقسم
الضبى وخلق . قال العجلى : رأى عائشة رؤيا. وكان مفتى أهل الكوفة ،
وكان رجلا صالحاً فقيهاً متوقياً، قليل التكلف، ومات وهو مختلف من
الحجاج ، انتهى .
قلت: قال الذهبى فى الميزان : استقر الأمر على أن إبراهيم حجة ، وأنه
إذا أرسل عن ابن مسعود وغيره فليس ذلك بحسن . وكان لا يحكم العربية ربما
لحن ، ونقموا عليه قوله لم يكن أبو هريرة فقيها .
ومنهم إسحاق بن راهويه . قال الحافظ فى تهذيب التهذيب : إسحاق بن
إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم بن مطر أبو يعقوب الحتظلى، المعروف بابن راهويه
المروزى، نزيل نيسابور، أحد الأئمة ، طاف البلاد وروى عن ابن عيينة
وابن علية وجرير وبشر بن المفضل وحفص بن غياث وسليمان بن نافع العبدى
ولأبيه رؤية ، ومعتمر بن سليمان وابن إدريس وابن المبارك وعبد الرزاق
والدراوردى وعتاب بن بشير وعيسى بن يونس وأبى معاوية وغندروبقية
وشعيب بن إسحاق وخلق ، وعنه الجماعة سوى ابن ماجه ، وبقية بن الوليد
ويحيى بن آدم وها من شيوخه . وأحمد بن حنبل وإسحاق الكوسج ومحمد بن
رافع ويحيى بن معين، وهؤلاء من أقرانه. والذهلى وزكرياء السجزى
ومحمد بن أفلح وأبو العباس السراج ، وهو آخر من حدث عنه . قال أحمد :
لا أعرف له بالعراق نظيراً. وقال مرة لما سئل عنه: إسحاق عندنا إمام من أئمة
المسلمين . وقال محمد بن أسلم الطوسى: لما مات كان أعلم الناس ، ولو عاش.
الثورى لاحتاج إلى إسحاق. وقال النسائى: إسحاق أحد الأئمة. وقال أيضاً:
ثقة مأمون . وقال أبو داود الخفاف: سمعت إسحاق يقول: لكأنى أنظر إلى

- ٤٣٢-
مائة ألف حديث فى كتبى وثلاثين ألفاً أسردها . وقال أملى علينا إسحاق أحد
عشر ألف حديث من حفظه، ثم قرأها علينا، فما زاد حرفاً ولا نقص حرفاً .
وقال أبو حاتم: ذكرت لأبى زرعة إسحاق وحفظه الأسانيد والمتون ، فقال
أبو زرعة: ما رؤى أحفظ من إسحاق . قال أبو حاتم : والعجب من إتقانه
وسلامته من الغلط مع ما رزق من الحفظ. وقال أحمد بن سلمة: قلت لأبى حاتم
إنه أملى التفسير عن ظهر قلبه ، فقال أبو حاتم: وهذا أعجب ، فإن ضبط
الأحاديث المسندة أسهل وأهون من ضبط أسانيد التفسير وألفاظهم . وقال
إبراهيم بن أبى طالب: أملى المسند كله من حفظه مرة ، وقرأه من حفظه مرة.
وقال ابن حبان فى الثقات : كان من إسحاق من سادات أهل زمانه فقهاً وعلماً
وحفظاً ، وصنف الكتب وفرع على السنن وذب عنها وقمع من خالفها انتهى
مافى تهذيب التهذيب .
وقال ابن عدى: ركب إسحاق بن راهويه دين ، خرج من مرو وجاء
نيسابور ، فكلم أصحاب الحديث يحيى بن يحيى فى أمر إسحاق ، فقال ما تريدون؟
قالوا تكتب إلى عبد الله بن طاهر رقعة ، وكان عبد الله أمير خراسان وكان
بنيسابور، فقال يحيى: ما كتبت إليه قط ، فألحوا عليه فكتب فى رقعة إلى
عبد الله بن طاهر : أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم رجل من أهل العلم والصلاح،
فحمل إسحاق الرقعة إلى عبد الله بن طاهر ، فلما جاء إلى الباب قال الحاجب :
معى رقعة يحيى بن يحيى إلى الأمير ، فدخل الحاجب ، فقال له : رجل بالباب
زعم أن معه رقعة يحيى بن يحيى إلى الأمير ، فقال يحيى بن يحيى؟ قال نعم ،
قال أدخله، فدخل إسحاق وناوله الرقعة ، فأخذها عبد الله وقبلها وأقعد إسحاق
جنبه ، وقضی دینه ثلاثين ألف درهم ، وصيره من ندمائه .
وقال ابن خلكان: جمع بين الحديث والفقه والورع ، وكان أحد أئمة
الإسلام ، ذكره الدارقطنى فيمن روى عن الشافعى رضى الله عنه، وعده
٤٠

- ٤٢٣ -
البيهقى فى أصحاب الشافعى، وكان قد ناظر الشافعى فى مسألة جواز بيع دور
مكة ، وقد استوفى الشيخ نفخر الدين الرازى صورة ذلك المجلس الذى جرى
بينهما فى كتابه الذى سماه: مناقب الإمام الشافعى رضى الله عنه. فلما عرف
فضله نسخ كتبه وجمع مصنفاته بمصر .
قال أحمد بن حنبل رضى الله عنه: إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين ،
وما عبر الجسر أفقه من إسحاق. وقال إسحاق: أحفظ سبعين ألف حديث
وأذاكر بمائة ألف حديث، وما سمعت شيئاً قط إلا حفظته، ولا حفظت شيئاً
قط فنسيته. وله مسند مشهور. وكان قد رحل إلى الحجاز والعراق واليمن
والشام، وسمع من سفيان بن عيينة ومن فى طبقته، وسمع منه البخارى ومسلم
والترمذى. وكانت ولادته سنة ١٦١ إحدى وستين ومائة وقيل سنة ١٦٣ ثلاث
وستين. وقيل سنة ١٦٦ ست وستين ومائة، وسكن فى آخر عمره نيسابور(١)، وتوفى
بها ليلة الخميس النصف من شعبان. وقيل الأحد . وقيل السبت سنة ثمان وقيل
سبع وثلاثين ومائتين . وقيل سنه ثلاثين ومائتين رحمه الله تعالى. وراهويه
بفتح الراء وبعد الألف هاء ساكنة ثم واو مفتوحة وبعدها ياء مثناة من تحتها
ساكنة وبعدها هاءساكنة، لقب أبيه أبى الحسن إبراهيم ، وإنما لقب بذلك
لأنه ولد فى طريق مكة ، والطريق بالفارسية راه وويه معناه وجد، فكأنه
وجد فى الطريق. وقيل فيه أيضًا راهويه بضم الهاء وسكون الواو وفتح الياء.
وقال إسحاق المذكور : قال لى عبد الله بن طاهر أمير خراسان ، لم قيل لك
ابن راهويه: وما معنى هذا، وهل تكره أن يقال لك هذا. قلت: اعلم
أيها الأمير أن أبى ولد فى الطريق، فقالت المراوزة راهويه، لأنه ولد فى الطريق،
وكان أبى يكره هذا، وأما أنا فلست أ كره ذلك. ومخلد بفتح الميم وسكون
الخاء المعجمة وفتح اللام وبعدها دال مهملة. والحنظلى بفتح الحاء المهملة وسكون
(١) ٢٣ ورد فى الأصل.
( ٢٨ - مقدمة تحفة الأحوذي ١ )

- ٤٣٤ -
النون وفتح الظاء المعجمة وبعدها لام ، هذه النسبة إلى حنظلة بن مالك ينسب
إليه بطن من نعيم .
ومنهم أيوب السختيانى : قال الحافظ أيوب بن أبى تميمة كيان
السختياني أبو بكر البصرى ، مولى عنزة ، ويقال مولى جهينة . رأى أنس
ابن مالك وروى عن عمرو بن سلمة الجرمى وحميد بن هلال وأبى قلابة والقاسم
ابن محمد وعبد الرحمن بن القاسم وغيرهم. وعنه الأعمش من أقرانه ، وقتادة
وهو من شيوخه ، والحمادان والسفيانان وشعبة وعبد الوارث ومالك وابن
إسحاق وسعيد بن أبى عروبة وابن علية وخلق كثير . وقال علىّ بن المدينى:
له نحو ثمان مائة حديث . وأما ابن علية فكان يقول : حديثه ألفا حديث،
فما أقل ما ذهب على منهما . وقال الجعد أبو عثمان: سمعت الحسن يقول:
أيوب سيد شباب أهل البصرة . وقال أبو الوليد عن شعبة حدثنى أيوب ،
وكان سيد الفقهاء . وقال ابن الطباع : عن حماد بن زيد : كان أيوب عندى أفضل
من جانسته وأشده اتباعاً للسنة.، وقال أبو حاتم : سئل ابن المدينى من أثبت
أصحاب نافع؟ قال: أيوب وفضله، ومالك وإتقانه، وعبيد الله وحفظه. وقال
ابن البراء عن ابن المدينى: أيوب فى ابن سيرين أثبت من خالد الحذاء. وقال
ابن سعد: كان ثقة ثبتاً فى الحديث جامعاً، كثير العلم، حجة عدلا . وقال
أبو حاتم: هو أحب إلى فى كل شىء من خالد الحذاء، وهو ثقة لا يسأل عن
مثله، وهو أكبر من سليمان . وقال النسائى: ثقة ثبت . وروى أن شعبة
سأله عن حديث فقال : أشك فيه ، فقال له شكك أحب إلى من يبين غيرك.
وقال مالك : كان من العالمين العاملين الخاشعين . وقال هشام بن عروة :
ما رأيت بالبصرة مثله . وقال الذهلى عن ابن مهدى : أبوب حجة أهل البصرة.
وقال الدار قطنى: أيوب من الحفاظ الأثبات . وقال الآجری : قيل لأبى
داود سمع أيوب من عطاء بن يسار؟ قال لا، قال أبو داود: قلت لأحمد: تقدم

- ٤٣٥ -
أیوب علی مالك ؟ فال نعم ، انتهى .
وقال الذهبى فى ترجمته عن هشام بن حسان قال: حج أيوب السختيانى
أربعين حجة . سعيد بن عامر الضبى عن سلام قال : كان أيوب السختياني
يقوم الليل كله يخفى ذلك ، فإذا كان عند الصبح رفع صوته كأنه قام تلك
الساعة . ابن مهدى أخبرنا حماد بن زين ، سمعت أيوب وقيل له مالك
لاتنظر فى هذا ، يعنى الرأى؟ قال: قيل للحمار لاتجتر؟ قال أكره مضغ
الباطل . وقال ابن عقيل فى شمائل الزهاد أخبرنا محمد بن إبراهيم أخبرنا
أبو الربيع ، سمعت أبا يعمر بالرى يقول : كان أيوب فى طريق مكة فأصاب
الناس عطش وخافوا ، فقال أيوب تكتمون على ؟ قالوا نعم ، فدور دارة
ودعا، فتبع الماء فروا ورووا الجمال، ثم أمر يده على الموضع فصار كما كان .
قال أبو الربيع : فلما رجعت إلى البصرة حدثت حماد بن زيد بهذا ، فقال: حدثنى
عبد الواحد بن زياد أنه مع أيوب فى هذه السفرة التى كان هذا فيها، عن النصر
ابن كثير السعدى ، حدثنا عبدالواحد بن زيد قال: كنت مع أبوب فعطشت
عطشاً شديداً، فقال تستر علىّ؟ فقلت نعم ، فغمز برجله على حراء فتبع الماء،
فشربت حتى رويت ، وحملت معى . مات أيوب سنة إحدى وثلاثين ومائة
فى الطاعون ، وله ثلاث وستون سنة انتهى .
قلت: وولد أيوب سنة (٦٦). وقيل سنة (٦٨).
ومنهم : جعفر بن محمد بن على بن الشهيد الحسين بن على بن أبى طالب ،
الإمام أبو عبد الله العلوى المدنى الصادق ، أحد السادة الأعلام ، وابن بنت
القاسم بن محمد وابن أمه هى أسماء بنت عبد الرحمن بن أبى بكر ، فلذلك كان
يقول ولدنى أبوبكر الصديق مرتين . حدث عن جده القاسم وعن أبيه أبى
جعفر الباقر وعبيد الله بن أبى رافع وعروة بن الزبير وعطاء ونافع وعدة ،
وعنه مالك والسفيانان وحاتم بن إسماعيل ويحيى القطان وأبو عاصم النبيل

-٤٢٦ -
وخلق كثير. قيل مولده سنةً ثمانين . الظاهر أنه رأى سهل بن سعد الساعدى.
وثقه الشافعى ويحيى بن معين ، وعن أبى حنيفة قال: مارأيت أفقه من جعفر
ابن محمد . وقال أبو حاتم: ثقة لايسأل عن مثله. وعن صالح بن أبى الأسود
سمعت جعفر بن محمد يقول: سلونى قبل أن تفقدونى، فإنه لا يحدثكم أحد
بعدى بمثل حديثى. وقال هياج بن بسطام : كان جعفر الصادق يطعم حتى
لا یبقی لمیاله شیء .
وال الذهبى : مناقب هذا السيد جمة ، ومن أحسنها رواية حفص بن غياث
أنه سمعه يقول: ما أرجو من شفاعة على شيئاً إلا وأنا أرجو من شفاعة
أبى بكر مثله، لقد ولد فى مرتين . توفى سنة ثمان وأربعين ومائة، لم يحتج به
البخارى، واحتج به سائر الأمة ، ثم ذكر بإسناده عن سفيان: دخلت على جعفر
ابن محمد وعليه جبة خز وكساء خزدخانى، فقلت : ياابن رسول الله ليس هذا
من لباس آبائك ؟ قال: كان على قدر إقتار الزمان ، وهذا زمان قد أسبل
عزاليه ، ثم حسر عن جبة صنوف تحت وقال: يا نورى لبسنا هذا ◌ُه وهذا
لكم، فما كان لله أخفيناء، وما كان لكم أبديناء انتهى.
وقال ابن خلكان: كان من سادات أهل البيت ، ولقب بالصادق لصدقه
فى مقالته، وفضله أشهر من أن يذكر . وكانت ولادته سنة ثمانين الهجرة،
وهى سنة سيل الحجاف. وقيل ولد يوم الثلاثاء قبل طلوع الشمس ثامن شهر
رمضان سنة ثلاث وثمانين . وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبى بكر
الصديق رضى الله عنهم أجمعين . وحكى كشاجم فى كتاب المصايد والمطارد أن
جعفر المذكور سأل أباحنيفة رضى الله عنهما فقال: ما تقول فى محرم كسره رباعية
ظى؟ فقال يا ابن رسول الله : ما أعلم مافيه، فقال له: أنت تتداهى ولا تعلم أن
الظبى لا يكون له رباعية وهو ثنى أبداً .
ومنهم الحسن البصرى : قال الذهبي : الحسن بن أبى الحسن يسار الإمام

-٤٢٧٠ -
شيخ الإسلام أبو سعيد البصرى ، يقال مولى زيد بن ثابت ، ويقال مولیجمیل
بن قطنة، وأمه خيرة مولاة أم سلمة . نشأ بالمدينة وحفظ كتاب الله فى خلافة
عثمان وسمعه يخطب مرات ، وكان يوم الدار ابن أربع عشر سنة ، ثم كبر
ولازم الجهاد ، ولازم العلم والعمل ، وكان أحد الشجعان الموصوفين ، يذكر
مع قطرى بن الفجاءة ، وصار كاتباً فى دولة معاوية لوالى خراسان الربيع بن زياد ،
حدث عن عثمان وعمران بن حصين والمغيرة بن شعبة وعبد الرحمن بن سمرة
وسمرة بن جندب المجلى وابن عباس وابن عمر وأبى بكرة وعمر بن تغلب
وجابر وطائفة كبيرة ، حدث عنه قتادة وأيوب وابن عون ويونس خالد الحذاء
وهشام بن حسان وحميد الطويل وجرير بن حازم وشيبان النحوى ويزيد بن
إبراهيم التسترى ومبارك بن فضالة والربيع بن صبيح وأبان العطار وقرة بن خالد
وأمم سواهم . قال ابن سعد: كان عالماً رفيعاً ثقة حجة مأموناً عابداً ناسكاً
كبير العلم ، فصيحاً جميلا وسيما، إلى أن قال: وما أرسله فليس هو بحجة ، قال
وهو مداس، فلايحتج بقوله عن من لم يدركه ، وقد يدلس عمن لقيه ، ويسقط
من بينه وبينه والله أعلم ، ولكنه حافظ علامة من بحور العلم ، فقيه النفس
كبير الشأن، عديم النظير، مليح التذكير ، بليغ الموعظة ، رأس فى أنواع الخير،
وقال: وقد كنت أفردت ترجمته فى جزء سميته الزخرف القصرى . مات سنة
عشر ومائة ، وله ثمان وثمانون سنة رحمة الله عليه انتهى .
قال الخزرجى فى الخلاصة : الحسن بن أبى الحسن البصرى أبو سعيد
الإمام أحد أئمة الهدى والسنة ، رمى بالقدر ، ولا يصح عن جندب بن عبد الله
وأنس وعبد الرحمن بن سمرة ومعقل بن يسار وأبى بكرة وسمرة . قال سعيد :
لم يسمع منه وأرسل عن خلق من الصحابة . وروى عنه أیوب وحمید ويونس
وقتادة ومطر الوراق وخلائق . قال ابن علية : مات سنة عشر ومائة ، قيل
ولد سنة إحدى وعشرين لسفتين بقيتا من خلافة عمر . قال أبوزرعة : كل شىء

- ٤٣٨ -
قال الحسن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وجدت له أصلا ملياً خلا أربعة
أحاديث انتهى. وقال الذهبى فى الميزان: كان الحسن كثير التدليس ، فإذا
قال فى حديث عن فلان ضعف احتجاجه ، ولا سيما عمن قيل إنه لم يسمع منهم
كأبى هريرة ونحوه ، فعدوا ما كان له عن أبى هريرة فى جملة المنقطع والله أعلم.
انتهى .
وفى هامش الخلاصة : قال محمد بن أحمد بن محمد بن أبى بكر المقدمى،
سمعت على بن المدینی يقول: مرسلات يحيى بن أبى کثیر شبهالريح ، ومرسلات
الحسن البصرى التى رواها عنه الثقات صحاح ما أقل ما يسقط منها . وقال يونس
ابن عبيد. سألت الحسن قلت يا أبا سعيد: إنك تقول قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم وإنك لم تدركه؟ قال يابن أخى: لقد سألتنى عن شىء ما سألنى عنه
أُحد قبلك ، ولولا منزلتك منی ماأخبرتك إنی فی زمان کماتری، و کان فىعمل
الحجاج كل شىء سمعتنى أقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو عن
على بن أبى طالب، غير أنى فى زمان لا أستطيع أن أذكر علياً انتهى .
قال الحافظ فى طبقات المدلسين: الحسن بن أبى الحسن البصرى ، الإمام
المشهور من سادات التابعين، رأى عثمان وسمع خطبته ، ورأى علياً ولم يثبت
سماعه منه ، كان مكثراً من الحديث ويرسل كثيراً عن كل أحدوصفه بتدليس.
الإسناد النسائى وغيره انتهى .
وقال ابن أبى حاتم فى كتاب المراسيل: سئل أبو زرعة عن الحسن لقى
أحداً من البدريين؟ قال: رآهم رؤية، رأى عثمان ابن عفان وعلياً ، قلت :
سمع منهما حديثاً؟ قال: لا. وكان الحسن البصرى يوم بويع لعلى رضى الله
عنه ابن أربع عشرة، ورأى علياً بالمدينة ثم خرج علىّ إلى الكوفة والبصرة،
ولم يلقه الحسن بعد ذلك . وقال الحسن : رأيت الزبير يبايع علياً رضى الله عنه
انتهى .
: .

- ٤٣٩ -
وقال فيه : سمعت أبى وأبا زرعة يقولان : لا يحتج بالمراسيل ولا يقوم
الحجة إلا بالأسانيد الصحاح المرسلة.
ومنهم سالم بن عبد الله بن عمر ؛ قال الذهبي: سالم بن عبد الله بن عمر
ابن الخطاب أبو عمر ، ويقال أبو عبد الله العدوى العمرى المدنى الفقيه الحجة ،
أحد من جمع بين العلم والعمل والزهد والشرف ، سمع أباه وعائشة وأبا هريرة
ورافع بن خديج وسفينة وسعيد بن المسيب ، وعنه عمرو بن دينار والزهرى
وعبيد الله بن عمر وصالح بن كيسان وموسى بن عقبة وحنظلة بن أبى سفيان
وخلق كثير ، وكان شديد الأدمة علج الخلق خشن العيش ، يلبس الصوف
تواضعاً ويهدأ بعيرة ومحاسنه كثيرة. قال مالك: لم يكن أحد فى زمانه أشبه منه
بمن مضى من الصالحين فى الزهد والفضل. وقال أحمد وإسحاق : أصح الطرق
الزهرى عن سالم عن أبيه ، وقيل كان سالم يشترى الثوب بدرهمين، وقال له
سليمان بن عبد الملك. أى شىء تأكل ؟ قال الخبز والزيت ، فإذا وجدت اللحم
أكلته. وعن ميمون بن مهران قال : كان سالم على سمت أبيه وعدم رفاهيته.
وقيل كان يشترى فى السوق ويتجر . وقيل إنه دخل فى ثياب رئة غليظة
على سليمان فأجلسه معه على سرير الخلافة. مات سنة ست ومائة، وقد
شاخ ، انتهى .
وقال ابن خلكان : هو أحد فقهاء المدينة من سادات التابعين وعلمائهم
وثقاتهم، روى عن أبيه وغيره ، وروى عن الزهرى ونافع. قال سالم :
دخلت على الوليد بن عبد الملك فقال: ما أحسن جسمك فما طعامك ؟ قلت :
الكعك والزيت ، قال: وتشتهيه؟ قلت أدعه حتى أشتهيه ، فإذا اشتهيته
أكلته . قال ودخل سليمان بن عبد الملك الكعبة فرآی سالماً ، فقال له سلنى
حوائجك؟ فقال : والله لاسألت فى بيت الله غير الله، انتهى. وقال الحافظ:
قال الأصمعى عن ابن أبى الزناد : كان أهل المدينة يكرهون اتخاذ أمهات الأولاد

- ٤٤٠ -
حتى نشأ فيهم القراء السادة على بن الحسين بن على بن أبى طالب والقاسم بن
محمد وسالم بن عبد الله ، ففاقوا أهل المدينة علماً وتقى وعبادة وورعاً ، فرغب
الناس حينئذ فى السرارى . وقال على بن الحسن عن ابن المبارك : كان فقهاء
أهل المدينة سبعة(١) فذكره فيهم . قال وكانوا إذا جاءتهم المسألة دخلوا فيها
جميعاً فنظروا فيها، ولا يقضى القاضى حتى يرفع إليهم ، فينظرون فيها فيصدرون
وقال مالك: كان ابن عمر يخرج إلى السوق فيشترى، وكان سالم دهره يشترى
فى الأسواق ، وكان من أفضل أهل زمانه .
وقال البخارى فى التاريخ الصغير: لا أدرى سالم عن أبى رافع صحيح أم لا .
وقال غيره : لما قدم سبى فارس على عمر كان فيه بنات يزدجرد ، فقومن
فأخذهن علىّ فأعطى واحدة لابن عمر فولدت له سالماً ، وأعطى أختها لولده
الحسين فولدت له علياً، وأعطى أختها لمحمد بن أبى بكر فولدت له القاسم.
ومنهم سعيد بن جبير بن هشام الأسدى الوالى، مولاهم أبو محمد ، ويقال
أبو عبد الله الكوفى أحد أعلام التابعين ، أخذ العلم عن عبد الله بن عباس
وعبد الله بن عمر رضى الله عنهم . قال له ابن عباس. حدث فقال: أحدث
وأنت ههنا ؟ فقال: أليس من نعمة الله عليك أن تحدث وأنا شاهد، فإن
أصبت فذاك، وإن أخطأت علمتك. وكان لا يستطيع أن يكتب مع ابن العباس
فى الفتيا، فلما عمى ابن عباس كتب، فبلغه ذلك فغضب. وعن ابن عباس
رضى الله عنهما . أخذ القراءة عرضًاً ، وسمع منه التفسير وأكثر روايته عنه .
وروى عن سعيد القراءة عرضاً المنهال بن عمرو بن العلاء. قال وفاء بن إياس:
قال لى سعيد فى رمضان أمسك على القرآن، فما قام من مجلسة حتى ختمه .
وقال سعيد: قرأت القرآن فى ركعة فى البيت الحرام .
(١) قد نظمهم القائل حيث قال :
إذا قيل من فى العلم سبعة أبحر
روايتهم ليست عن الحق خارجه
فقل ثم عبيد الله عروة قاسم
سعيد أبو بكر سليمان خارجه