Indexed OCR Text

Pages 401-420

- ٤٠١ -
وإذا عرفت هذا كله، ظهر لك أن قول الترمذى: هذا أصح من ذاك.
لا يستلزم أن يكون هذا صحيحاً عنده.
ومنها قوله: هذا الحديث أصح شىء فى هذا الباب وأحمن ، ليس معناه
أن كل ماورد فى هذا الباب فهو صحيح ، وهذا الحديث أصح من الكل ، بل
معناه أن هذا الحديث أرجح من کل ما ورد فى هذا الباب ، سواء كان كل
ماورد فيه صحيحاً أو ضعيفاً ، فإن كان كل ماورد فى الباب صحيحاً فهذا الحديث
أرجح فى الصحة من الكل وإن كان كله ضعيفاً فهذا الحديث أرجح من الكل
أى أقل ضعفاً من الكل . قال السيوطى فى التدريب فى بيان أصح الأسانيد
مما يناسب هذه المسألة: أصح الأحاديث المقيدة كقولهم: أصح شىء فى الباب
كذا، وهذا يوجد فى جامع الترمذى كثيراً. وفى تاريخ البخارى: وقال المصنف
( يعنى النووى) وفى الأذكار: لا يلزم من هذه العبارة صحة الحديث ، فإنهم
يقولون هذا أصح ماجاء فى الباب وإن كان ضعيفاً، ومرادهم أرجحه أو أقله
ضعفاً ، ذكر ذلك عقب قول الدار قطنى: أصح شىء فى فضائل السور فضل قل
هو الله أحد. وأصح شىء فى فضائل الصلوات فضل صلاة التسبيح انتهى.
ومنها قوله: هذا حديث فيه اضطراب. وهذا حديث مضطرب . الحديث
المضطرب : هو الذى يروى على أوجه مختلفة من راو واحد مرتين أو أكثر،
ومن راو ثان أو رواة متقاربة ، فإن رجحت إحدى الروايتين أو الروايات
يحفظ راويها مثلا ، أو كثرة صحبة المروى عنه ، أو غير ذلك من وجوه
الترجيحات ، فالحكم الراجحبة ولا يكون الحديث مضطرباً لا الرواية الراجحة
كما هو ظاهر ولا المرجوحة؛ بل هى شاذة أو مفكرة . والاضطراب موجب
ضعف الحديث لإشعاره بعدم الضبط من رواته الذى هو شرط فى الصحة
والحسن، ويقع الاضطراب فى الإسناد نارة ، وفى المتن أخرى ، ويقع فيهما
معاً من راو واحد أو راوبين أو جماعة ، كذا فى تدريب الراوى.
(٢٦ - مقدمة تحفة الأحوذي - ١)

- ٤٠٢ -
ومنها قوله : هذا حديث غير محفوظ . قال الحافظ فى شرح النخبة : فإن
خولف (أى راوى الحسن أو الصحيح ) بأرجح منه لمزيد ضبط أو كثرة عدد
أو غير ذلك من وجوه الترجيحات. فالراجح يقال له المحفوظ، ومقابله وهو
المرجوح يقال له الشاذ .
مثال ذلك مارواه الترمذى والنسائى وابن ماجه من طريق ابن عيينة عن
عمرو بن دينار عن عوسجة عن ابن عباس أن رجلا توفى على عهد رسول الله
صلى الله عليه وسلم ولم يدع وارثًا إلا مولى هو أعتقه الحديث. وتابع ابن عيينة
على وصله ابن جريج وغيره ، وخالفه حماد بن زيد ، فرواه عن عمرو بن دينار
عن عوسجة ولم يذكر ابن عباس . قال أبو حاتم : المحفوظ حديث بن عيينة
انتهى كلامه. فماد بن زيد من أهل العدالة والضبط ، ومع ذلك رجح أبو حاتم
رواية من هم أكثر عدداً منه وعرف من هذا التقرير أن الشاذ مارواه المقبول
مخالفاً لمن هو أولى منه، وهذا هو المعتمد فى تعريف الشاذ بحسب الاصطلاح
انتهى كلام الحافظ .
قلت : فالمراد بقول الترمذى : هذا الحديث غير محفوظ ، أى شاذ، ثم
قال الحافظ : وإن وقعت المخالفة مع الضعف ، فالراجح يقال له المعروف ،
ومقابله يقال له المنكر .
مثاله مارواه ابن أبى حاتم من طريق حبيب بن حبيب ، وهو أخو حمزة
ابن حبيب الزيات المقرى عن أبى إسحاق عن العيزار بن حريث عن ابن عباس
عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((من أقام الصلاة وآتى الزكاة وحج البيت
وصام وقرى الضيف دخل الجنة)). قال أبو حاتم: هو منكر لأن غيره من
الثقات رواه عن أبى إسحاق موقوفاً ، وهو المعروف . وعرف بهذا أن بين
الشاذ والمفكر عموماً وخصوصاً من وجه ، لأن بينهما اجتماعاً فى اشتراط
المخالفة، وافتراقاً فى أن الشاذ رواية ثقة أو صدوق، والمفكر رواية ضعيف.

- ٤٠٣ -
وقد غفل من سوی بينهما انتهى كلامه .
﴿تنبيه) اعلم أن الشاذ يطلق على معنيين :
الأول - ما عرفت فى كلام الحافظ المذكور.
الثانى - ما يتفرد به ثقة حافظ من غير مخالفة. فالشاذ بالمعنى الأول غير
مقبول ، والشاذ بالمعنى الثانى مقبول . قال الحافظ ابن الصلاح فى علوم الحديث
بعد ذكر معانى الشاذ ما لفظه: إذ انفرد الراوى بشىء نظر فيه ، فإن كان
ما انفرد به مخالفاً لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط ، كان ما انفرد
به شاذاً مردوداً ، وإن لم يكن فيه مخالفة لما رواه غيره . وإنما هو أمر رواه
هو ولم يروه غيره ، فينظر فى هذا الراوى المنفرد، فإن كان عدلا حافظً موثوقاً
بإتقانه وضبطه ، قبل ما انفرد به ولم يقدح الانفراد فيه، وإن لم يكن ممن يوثق
بحفظه وإتقانه لذلك الذى انفرد به، كان انفراده به خارماً له من حزحاً له
عن حيز الصحيح انتهى كلامه .
ومنها قوله : هذا حديث حسن ، وقوله هذا حديث صحيح ، وقوله هذا
حديث ضعيف . أما الحديث الحسن والحديث الصحيح : فقال الحافظ فى
تعريفهما فى شرح النخبة ما لفظه: وخبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط متصل
السند غير معلل ولا شاذ، هو الصحيح لذاته . وهذا أول تقسيم القبول إلى
أربعة أنواع، لأنه إما أن يشتمل من صفات المقبول على أعلاها أول الأول
الصحيح لذاته ، والثانى إن وجد ما يجبر ذلك القصور ككثرة الطرق فهو
الصحيح أيضاً لكن لذاته، وحيث لاجبران فهو الحسن لذاته ، وإن قامت
قرينة ترجح جانب قبول ما يتوقف فيه فهو الحسن أيضاً . لكن لا لذاته .
وقدم الكلام على الصحيح لالذاته لملو رتبته . والمراد بالعدل منله ملكة تحمله
على التقوى والمروءة، والمراد بالتقوى اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق
أو بدعة. والضبط ضبطان: ضبط صدر : وهو أن يثبت ماسمعه بحيث يتمكن

- ٤٠٤ -
من استحضاره متى شاء، وضبط كتاب: وهو صيانته لديه منذسمع فيه وصححه
إلى أن يؤديه منه وقيده بالتام إشارة إلى الرتبة العليا فى ذلك، والمتصل: ماسلم
إسناده من سقوط فيه بحيث يكون كل من رجاله سمع ذلك المروى من شيخه ،
والمعلل لغة: مافيه علة . واصطلاحاً : مافيه علة خفية قادحة، والشاذ لغة :
الفرد . واصطلاحاً : ما يخالف فيه الراوى من هو أرجح منه .
قال: فإن خف الضبط أى قد يقال خف القوم خفوفاً قلوا ، والمراد مع
بقية الشروط المتقدمة فى حد الصحيح فهو الحسن لذاته لا لشىء خارج وهو
الذى يكون حسنه بسبب الاعتضاد، نحو حديث المستور إذا تعددت طرقه ،
وخرج باشتراط باقى الأوصاف الضعيف انتهى . وأما الحديث الضعيف :
فهو مالم يجمع صفة الحسن .
﴿ تنبيه): تعريف الحسن المذكور هو عند غير الترمذى، وأما تعريفه
عند الترمذى، فهو ماذكره فى كتابه ((العلل الصغير)) بقوله: وما ذكرنا
فى هذا الكتاب حديث حسن ، فإنما أردنا حسن إسناده عندنا . كل حديث
لايروى لا يكون فى إسناده من يتهم بالكذب ، ولا يكون الحديث شاذاً
ویروی من غير وجه نحو ذاك ، فهو عندنا حديث حسن .
( تنبيه آخر): قال ابن الصلاح فى علوم الحديث: كتاب أبى عيسى
الترمذى أصل فى معرفة الحديث الحسن ، وهو الذى نوه باسمه وأكثر من
ذكره فى جامعه ، ويوجد فى متفرقات من كلام بعض مشايخه والطبقة التى قبله
لأحمد بن حنبل والبخارى وغيرها ، ويختلف النسخ من كلام الترمذى فى قوله:
هذا حديث حسن، وهذا حديث حسن صحيح، ونحو ذلك . فينبغى أن تصحح
أصلك بجماعة أصول ، وتعتمد ما اتفقت عليه .
وقال الحافظ ابن حجر فى نكته على ابن الصلاح: قد أكثر على ابن

- ٤٠٥ -
المدينى من وصف الأحاديث بالصحة وبالحسن فى مسنده، وفى علله، وكأنه
الإمام السابق لهذا الاصطلاح ، وعنه أخذ البخارى ، ويعقوب بن شيبة ،
وغير واحد . وعن البخارى أخذ الترمذى فاستمداد الترمذى لذلك إنما هو
من البخارى ، ولكن الترمذى أكثر منه، وأثار بذكره وأظهر الاصطلاح
فیه ، وصار أشهر به من غيره .
ومنها قوله : هذا حديث حسن صحيح . وقوله : هذا حديث حسن
غريب . وقوله: هذا حديث حسن غريب صحيح .
قال الشيخ عبدالحق الدهلوى فى مقدمة شرحه المشكاة : من عادة الترمذى
أن يقول فى جامعة حديث حسن صحيح ، حديث غريب حسن ، حديث حسن
غريب صحيح . ولاشبهة فى جواز اجتماع الحسن والصحة بأن يكون حسناً
لذاته صحيحاً لغيره . وكذلك فى اجتماع الغرابة والصحة كما أسلفنا، وأما اجتماع
الغرابة والحسن فيستشكلونه بأن الترمذى اعتبر فى الحسن تعدد الطرق ،
فكيف يكون غريباً . ويجيبون بأن اعتبار تعدد الطرق فى الحسن ليس على
الإطلاق بل فى قسم منه، وحيث حكم باجتماع الحسن والغرابة المراد قسم آخر.
وقال بعضهم : أشار بذلك إلى اختلاف الطرق بأن جاء فى بعض الطرق غريباً
وفى بعضها حسناً . وقيل: الواو بمعنى أو بأنه يشك ويتردد فى أنه غريب أو
حسن لعدم معرفته جزماً . وقيل: المراد بالحسن ههنا ليس معناه الاصطلاحى
بل اللغوى ، بمعنى ما يميل إليه الطبع، وهذا القول بعيد جداً انتهى .
وقال ابن الصلاح: قول الترمذى وغيره هذا حديث حسن صحيح فيه
إشكال، لأن الحسن قاصر عن الصحيح ، ففى الجمع بينهما فى حديث واحد، جمع
بين نفى ذلك القصور وإثباته . قال: وجوابه أن ذلك راجع إلى الإسناد ،
فإذا روى الحديث الواحد بإستادين أحدهما إسناد حسن والآخر إسناد صحيح
استقام أن يقال فيه إنه حديث حسن صحيح ، أى إنه حسن بالنسبة إلى إسناد

- ٤٠٦ -
صحيح بالنسبة إلى إسناد آخر ، على أنه غير مستنكر أن يكون بعض من قال
ذلك أراد بالحسن معناه اللغوى، وهو ماتميل إليه النفس ولا يأباه القلب،
دون المعنى الاصطلاحى الذى نحن بصدده انتهى .
وقال ابن دقيق العيد فى الاقتراح: يرد على الجواب الأول : الأحاديث
التى قيل فيها حسن صحيح ، مع أنه ليس لها إلا مخرج واحد .
قال: وفى كلام الترمذى فى مواضع يقول: هذا حديث حسن صحيح ،
لا تعرف إلا من هذا الوجه .
قال: والذى أقول فى جواب هذا السؤال إنه لا يشترط فى الحسن قيد
القصور عن الصحيح ، وإنما يجيئه القصور ويفهم ذلك فيه إذا اقتصر على قوله
حسن . فالقصور يأتيه من قيد الاقتصار لا من حيث حقيقته وذاته ، وشرح
ذلك وبيانه أن ههنا صفات للرواة تقتضى قبول الرواية ، ولتلك الصفات
درجات بعضها فوق بعض، كالتيقظ والحفظ والإتقان مثلا ؛ فوجود الدرجة
الدنيا كالصدق وعدم النهمة بالكذب لاينافيه وجود ما هو أعلى منه كالحفظ
والإتقان . فإذا وجدت الدرجة العليا لم يناف ذلك وجود الدنيا كالحفظ مع
الصدق ، فيصح أن يقال فى هذا إنه حسن باعتبار وجود الصفة الدنيا وهى .
الصدق مثلا ، صحيح باعتبار الصفة العليا وهى الحفظ والإتقان ، ويلزم
على هذا أن يكون كل صحيح حسناً ، وبؤيده ورود قولهم : هذا حديث حسن
فى الأحاديث الصحيحة ، وهذا موجود فى كلام المتقدمين انتهى .
وقال الحافظ عماد الدين بن كثير : أصل هذا السؤال غير متجه ، لأن
الجمع بين الحسن والصحة فى حديث واحد رتبة متوسطة بين الصحيح والحسن.
قال: فالمقبول ثلاث مراتب : الصحيح أعلاها ، والحسن أدناها ،
والثالثة ما يتسرب من كل منهما ، فإن كل ما كان فيه شبه من شيئين ولم
بتمحض لأحدهما ، اختص برتبة مفردة ، كقولهم للمز ، وهو ما فيه حلاوة

''
-٤٠٧-
وحموضة، هذا حلو حامض ، أى من .
قال : فعلى هذا يكون ما يقول فيه حسن صحيح أعلى رتبة عنده من الحسن.
ويكون حكمه بالصحة المحضة أقوى من حكمه عليه بالصحة مع الحسن .
قال الحافظ أبو الفضل العراقى فى نكته على ابن الصلاح: وهذا الذى قاله
ابن كثير تحكم لادليل عليه، وهو بعيد من فهمهم معنى كلام الترمذى.
وقال الإمام بدر الدين الزركشى والحافظ أبو الفضل ابن حجر : كلاهما
فى النكت على ابن الصلاح : هذا يقتضى إثبات قسم ثالث ولا قائل به ،
وعبارة الزركشى وهو خرق لإجماعهم ، ثم إنه يلزم عليه أن لا يكون فى
كتاب الترمذى حديث صحيح إلا قليلا ، لقلة اقتصاره على قوله هذا حديث
صحيح، مع أن الذى يعبر فيه بالصحة والحسن أكثره موجود فى الصحيحين .
وقال الشيخ سراج الدين البلقينى فى محلسن الاصطلاح أيضاً : فى هذا
الجواب نظر، لكن جزم به الإمام شمس الدين بن الجزرى فى الهداية ، فقال:
والذى قال فيه الترمذى حسن صحيح أراد به ماشابه الصحة والحسن ، فهو إذن
دون الصحيح معنى .
وقال الزركشى: فإن قلت فما عندك فى رفع هذا الإشكال ؟ قلت :
يحتمل أن يريد بقوله حسن صحيح فى هذه الصورة الخاصة الترادف ، واستعمال
هذا قليلا دليل على جوازه . كما استعمله بعضهم ، حيث وصف الحسن بالصحة
على قول من أدرج الحسن فى قسم الصحيح، ويجوزان يريد حقيقتهما فى إسناد
واحد ، باعتبار حالين وزمانين . فيجوز أن يكون سمع هذا الحديث من رجل
مرة فى حال كونه مستوراً أو مشهوراً بالصدق والأمانة ، ثم ارتقى وارتفع
حاله إلى درجة العدالة ، فسمعه منه مرة أخرى فأخبر بالوصفين . وقد روى
عن غير واحد أنه سمع الحديث الواحد على شيخ واحد غير مرة .
قال: وهذا الاحتمال وإن كان بعيداً فهو أشبه ما يقال . قال : ويحتمل أن

- ٤٠٨ -
يكون الترمذى أدى اجتهاده إلى حسنه، وأدى اجتهاده إلى محته أو بالعكس.
وأن الحديث فى أعلى درجات الحسن وأول درجات الصحيح، فجمعهما باعتبار
مذهبين . وأنت إذا تأملت تصرف الترمذى لعلك تسكن إلى أن هذا قصده
انتهى كلام الزركشی .
وقال الحافظ ابن حجر فى النكت: قد أجاب بعض المتأخرين عن أصل
الإشكال بأنه باعتبار صدق الوصفين على الحديث بالنسبة إلى أحوال رواته
عند أئمة الحديث ، فإذا كان فيهم من يكون حديثه صحيحاً عند قوم وحسناً
عند قوم ، يقال فيه ذلك . قال: ويتعقب هذا بأنه لو أراد ذلك لأتى بالواو
التى للجمع، فيقول حسن وصحيح . قال: ثم إن الذى يتبادر إليه الفهم ،
أن الترمذى إنما يحكم على الحديث بالنسبة إلى ما عنده، لا بالنسبة إلى غيره ،
فهذا يقدح فى الجواب . ويتوقف أيضًا على اعتبار الأحاديث التى جمع
الترمذى فيها بين الوصفين ، فإن كان فى بعضها ما لا اختلاف فيه عند جميعهم
فى صحته قدح فى الجواب أيضاً ، لكن لو سلم هذا الجواب لكان أقرب إذاً
من غيره . قال: وإنى لأميل إليه وأرتضيه، والجواب عما يرد عليه ممكن.
قال وقيل : يجوز أن يكون مراده أن ذلك باعتبار وصفين مختلفين ، وما
الإسناد والحكم، فيجوز أن يكون قوله حسن أى باعتبار إسناده صحيح،
أى باعتبار حكمه ، لأنه من قبل المقبول وكل مقبول يجوز أن يطلق عليه اسم
الصحة ، وهذا يمشى على قول ، من لا يفرد الحسن من الصحیح ، بل يسى
الكل صحيحاً ، لكن يرد عليه ما أوردناه أولا من أن الترمذى أكثر
من الحكم بذلك على الأحاديث الصحيحة الإسناد .
قال : وأجاب بعض المتأخرين بأنه أراد حسن على طريقة من يفرق بين
النوعين لقصور رتبة راويه عن درجة الصحة المصطلحة ، صحيح على طريقة
من لا يفرق . قال: ويرد عليه ما أوردناه فيما سبق: قال: واختار بعض
:

- ٤٠٩-
من أدركناه أن اللفظين عنده مترادفان، ويكون إتيانه باللفظ الثانى بعد
الأول على سبيل التأكيد له ، كما يقال صحيح ثابت أو جيد قوى أو غير ذلك.
قال : وهذا قد يقدح فيه القاعدة فإن الحمل على التأسيس خير من الحمل على
التأكيد، لأن الأصل عدم التأكيد، لكن قد يندفع القدح بوجود القرينة
الدالة على ذلك ، وقد وجدنا فى عبارة غير واحد كالدارقطنى هذا حديث
صحيح ثابت . قال: وفى الجملة أقوى الأجوبة ما أجاب به ابن دقيق العيد.
انتهى كلام الحافظ ابن حجر فى النكت .
وقال فى شرح النخبة : إذا اجتمع الصحيح والحسن فى وصف واحد فلتردر
الحاصل من المجتهد فى الناقل هل اجتمعت فيه شروط الصحة أو قصر عنها ؟
وهذا حيث يحصل منه التفرد بتلك الرواية . قال: ومحصل الجواب أن تردد
أئمة الحديث فى ناقليه اقتضى للمجتهد أن لا يصفه بأحد الوصفين ، فيقال فيه
حسن باعتبار وصفه عند قوم ، صحيح باعتبار وصفه عند قوم ، وغاية ما فيه أنه
حذف منه حرف التردد ، لأن حقه أن يقول حسن أو مسحیح، وهذا كما حذف
حرف العطف من الذى بعده . وعلى هذا فما قيل فیه حسن صحيح دون ما قيل.
فيه صحيح، لأن الجزم أقوى من التردد وهذا حيث التفرد، وإلا إذا لم يحصل
التفرد فإطلاق الوصفين معاً على الحديث يكون باعتبار إسنادين، أحده) صحيح.
والآخر حسن . وعلى هذا فما قيل فيه حسن صحيح فوق ما قيل فيه صحيح فقط
إذا كان فرداً ، لأن كثرة الطرق تقوى ، فإن قيل قد صرح الترمذى بأن
شرط الحسن أن يروى من غير وجه ، فكيف يقول فى بعض الأحاديث
حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه . فالجواب أن الترمذى لم يعرف
الحسن مطلقاً، وإنما عرف بنوع خاص منه وقع فى كتابه ، وهو ما يقول فيه
حسن من غير صفة أخرى ، وذلك أنه يقول فى بعض الأحاديث حسن صحيح
غريب ، وتعريفه إنما وقع على الأول فقط ، وعبارته ترشد إلى ذلك حيث

- ٤١٠-
قال فى أواخر كتابه : وما قلنا فى كتابنا حديث حسن فإنما أردنا به حسن
إسناده عندنا، کل حدیث یروی لا یکون راويه متهما بكذب ، ویروی
من غير وجه نحو ذلك ولا یکون شاذاً ، فهو عندنا حديث حسن يعرف بهذا
إنه إنما عرف الذى يقول فيه حسن فقط. أما ما يقول فيه حسن صحيح
أو حسن غريب ، أو حسن صحيح غريب ، فلم يعرج على تعريف ما يقول فيه
صحيح فقط، أو غريب فقط . وكأنه تركه استغناء بشهرته عندأهل الفن واقتصر
على تعريف ما يقول فيه فى كتابه حسن فقط إما لغموضه، وإما لأنه اصطلاح
جديد . ولذلك قيد بقوله عندنا ولم ينسبه إلى أهل الحديث كما فعل الخطابى.
وبهذا التقرير يندفع كثير من الإيرادات التى طال البحث فيها، ولم يستقر وجه
توجيها فلله الحمد على ما ألهم وعلم
قلت : وظهر لى توجيهان آخران أحدهما أن المراد حسن لذاته صحيح لغيره
والآخر : أن المراد حسن باعتبار إسناده صحيح ، أى أنه أصح شىء ورد فى
الباب ، فإنه يقال أصح ماورد كذا وإن كان حسناً أو ضعيفاً ، فالمراد أرجحه
أو أقله ضعفاً ، ثم إن الترمذى لم ينفرد بهذا المصطلح بل سبقه إليه شيخه
البخارى ، كما نقله ابن الصلاح فى غير مختصره والزركشى وابن حجر
فی نکتهما .
قال الزركشى : واعلم أن هذا السؤال يرد بعينه فى قول الترمذى هذا
حديث حسن غريب ، لأن من شرط الحسن أن يكون معروفاً من غير وجه ،
والغريب ما انفرد به أحد رواته وبينهما تناف ، قال : وجوابه أن الغريب
يطلق على أقسام غريب من جهة المتن ، وغريب من جهة الإسناد، والمراد هنا
الثانى دون الأول ، لأن هذا الغريب معروف عن جماعة من الصحابة لكن
تفرد بعضهم بروايته عن صحابى ، فبحسب المتن حسن ، وبحسب الإسناد
غريب، لأنه لم يروه من تلك الجماعة إلا واحد ، ولا منافاة بين الغريب بهذا

- ٤١١ -
المعنى وبين الحسن ، بخلاف سائر الغرائب فإنها تنافى الحسن .
وقال الحافظ أبو العباس أحمد بن عبدالمحسن القرافى فى كتابه معتمد النبيه:
قول أبى عيسى هذا حديث حسن صحيح غريب ، وهذا حديث حسن غريب
إنما يريد به ضيق المخرج أنه لم يخرج إلا من جهة واحدة، ولم تتعدد طرق
خروجه ، إلا أن راويه ثقة فلا يضر ذلك ، فيستغربه هو لقلة المتابعة، وهؤلاء
الأئمة شروطهم عجيبة . وقد يخرج الشيخان أحاديث يقول أبوعيسى فيها هذا
حديث حسن ، وتارة حسن غریب کما قال فی حديث أبى بكر : قلت يارسول
الله علنى دعاء أدعو به فى صلانى . الحديث. فهذا حديث حسن مع أنه متفق
عليه انتهى. كذا فى قوت المغتذى .
ومن الألفاظ التى استعملها الترمذى فى هذا الكتاب لفظ : الكراهة
والكراهية . فقال: باب كراهية الاستنجاء باليمين . وقال: باب ماجاء فى كراهية
البول فى المغتسل . وقال: باب ماجاء فى كراهية النوم قبل العشاء. وقال : باب
فى كراهية الصلاة بعد العصر وبعد الفجر . وقال: باب ماجاء فى كراهيةالأذان
بغير وضوء. وقال: باب ماجاء فى كراهية أن يبادر الإمام فى الركوع والسجود،
وهكذا قدأ كثر استعمال هذا اللفظ فى تراجم الأبواب. فاعلم أن الإمام الترمذى
لم يرد بهذا اللفظ ما هو المشهور ، أعنى التنزيه وترك الأولى، بل أراد بهذا
اللفظ معنى عاماً شاملا للتنزيه والحرمة . وقد جاء هذا اللفظ فى كلام السلف
بمعنى الحرمة كثيراً .
قال العينى فى عمدة القارى ص ٣٨٧ ج ٣: المتقدمون بطلقون الكراهة
ویریدون كراهة التحريم انتهى . وقال صاحب الدين الخالص فى شرح حديث
ابن مسعود: الطيرة شرك . هذا صريح فى تحريم الطيرة وأنها من الشرك لما فيها
من تعلق القلب على غير الله. ومن قال إنها تكره، فالكراهة فى اصطلاح

- ٤١٢-
السلف بمعنى الحرام، انتهى . ولنا أن نذكر كلام الحافظ ابن القيم فى هذا الباب
فإنه نافع جداً ، قال فى إعلام الموقعين . وقد حرم الله سبحانه وتعالى القول
عليه بغير علم فى الفتيا والقضاء فقال تعالى: ((قل إنما حرم ربى الفواحش ماظهر
منها وما بطن والإثم والبغى بغير الحق وأن تشركوا بالله مالم ينزل به سلطاناً
وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون)). وهذا يعم القول عليه سبحانه بلا علم فى
أسمائه وصفاته وأفعاله، وفى دينه وشرعه، وقال تعالى: ((ولا تقولوا لما تصف
ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين
يفترون على الله الكذب لا يفلحون . متاع قليل ولهم عذاب أليم)).
فتقدم إليهم سبحانه بالوعيد على الكذب عليه فى أحكامه وقولهم لما لم
يحرمه : هذا حرام ؛ ولما لم يحله هذا حلال ، وهذا بيان منه سبحانه أن لا يجوز
للعبد أن يقول هذا حلال وهذا حرام إلا بما على أن الله سبحانه أحله وحرمه.
فلا ينبغى أن يقول لما لا يعلم ورود الوحى المبين بتحليله وتحريمه ، أحله الله
وحرمه الله لمجرد التقليد أو بالتأويل. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم فى
الحديث الصحيح أميره بريدة أن ينزل عدوه إذا حاصرهم على حكم الله ، وقال:
فإنك لاندرى أنصيب حكم الله فيهم أم لا، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم
أصحابك. فتأمل كيف فرق بين حكم الله وحكم الأمير المجتهد . ونهى أن يسمى
حكم المجتهدين حكم الله . ومن هذا لما كتب الكاتب بين يدى أمير المؤمنين
عمر بن الخطاب رضى الله عنه حكماً حكم به فقال : هذا ما أرى الله أمير المؤمنين
عمر . فقال : لاتقل هكذا ، ولكن قل: هذا ما رأى أمير المؤمنين
عمر ابن الخطاب .
وقال ابن وهب: سمعت مالكاً يقول : لم يكن من أمر الناس ، ولا من
مضى من سلفنا، ولا أدركت أحداً أقتدى به ، يقول فى شىء هذا حلال
وهذا حرام، ما كانوا يجترئون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: نكره كذا

- ٤١٣ -
ونرى هذا حسناً فينبغى هذا ولا نرى هذا. ورواه عنه عتيق بن يعقوب وزاد:
ولا يقولون حلال ولا حرام. أما سمعت قول الله تعالى: ((قل أفرأيتم ما أنزل الله
لكم من رزق نجماتم منه حراماً وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون)).
الحلال ما أحله الله ورسوله ، والحرام ما حرمه الله ورسوله .
قال الحافظ ابن القيم: وقد غلط كثير من المتأخرين من أتباع الأئمة على
أئمتهم بسبب ذلك حيث تورع الأئمة عن إطلاق لفظ التحريم، وأطلقوا لفظ
الكراهة، فنفى المتأخرون التحريم عما أطلق عليه الأئمة الكراهة ، ثم سهل
عليهم لفظ الكراهة وخفت مؤنته عليهم ، فحمله بعضهم على التنزيه وتجاوز
به آخرون إلى كراهة ترك الأولى، وهذا كثير جداً فى تصرفاتهم ، فحصل
بسببه غلط عظيم على الشريعة وعلى الأئمة .
وقد قال الإمام أحمد فى الجمع بين الأختين بملك اليمين: أكرهه ولا
أقول هو حرام، ومذهبه تحريمه ، وإنما تورع عن إطلاق لفظ التحريم
لأجل قول عثمان .
وقال فى رواية أبى داود: يستحب ألا يدخل الحمام إلا بمئزر له ، وهذا
استحباب وجوب .
وقال فى رواية إسحاق بن منصور: إذا كان أكثر مال الرجل حراماً ،
فلا يعجبنى أن يؤكل ماله، وهذا على سبيل التحريم .
وقال فى رواية ابنه عبدالله : لا يعجبنى أ كل ماذمح للزهرة والكواكب
ولا الكنيسة، وكل شىء ذيح لغير الله. قال الله عز وجل: (( حرمت عليكم
الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به)) فتأمل كيف قال لا يعجبنى فى
ما نص الله سبحانه على تحريمه، واحتج هو أيضاً بتحريم الله له فى كتابه.
وقال فى رواية الأثرم : أكره لحوم الجلالة وألبانها، وقد صرح بالتحريم
فى رواية حنبل وغيره .

- ٤١٤ -
وقال فى رواية ابنه عبد الله: أكره أكل لحم الحية والعقرب ، لأن الحية
لها ناب والعقرب لها حمة . ولا يختلف مذهبه فى تحريمه .
وقال فى رواية حرب : إذا صاد الكلب من غير أن يرسل فلا يعجبنى ،
لأن النبى صلى الله عليه وسلم قال : إذا أرسلت كلبك وسميت ، فقد أطلق لفظ
لا يعجبنى على ما هو حرام عنده .
وقال فى رواية جعفر بن محمد النسائى: لا يعجبنى المكحلة والمرود ، يعنى
من الفضة. وقد صرح فى التحريم فى عدة مواضع وهو مذهبه بلا خلاف .
وقال جعفر بن محمد أيضاً: سمعت أبا عبدالله سئل عن رجل قال لامر أته:
كل امرأة أنزوجها أو جارية أشتريها الوطء . وأنت حية ، فالجارية حرة
- والمرأة طالق . قال: إن تزوج لم آمره أن يفارقها، والعتق أخشى أن يلزمه
لأنه مخالف للطلاق . قيل يهب رجل جارية ، قال هذا على طريق الحيلة ،
وكرهه، مع أن مذهبه تحريم الحيل وأنها لا تخلص من الأيمان .
ونص على كراهة البطة من جلود الحمر وقال: تكون ذكية، ولا يختلف
مذهبه فى التحريم .
وسئل عن شعر الخنزير فقال : لا يعجبنى ، وهذا على التحريم .
وقال : يكره القدر من جلود الحمير ذكيًا وغير ذكى . لأنه لا يكون ذكياً
وأ كرهه لمن يعمل وللمستعمل .
وسئل عن رجل حلف لا ينتفع بكذا فباعه واشترى به غيره ، فكره
ذلك، وهذا عنده لا يجوز .
وسئل عن ألبان الأتن ، فكره وهو حرام عنده .
وسئل عن المر يتخذ خلا فقال : لا يعجبنى ، وهذا على التحريم عنده .
وسئل عن بيع الماء فكرهه ، وهذا فى أجوبته أكثر من أن يستقصى
وكذلك غيره من الأئمة .

- ٤١٥-
وقد نص محمد بن الحسن أن كل مكروه فهو حرام إلا أنه لما لم يجد فيه
نصاً قاطعاً لم يطلق عليه لفظ الحرام. وروى محمد أبضاً عن أبى حنيفة وأبى
يوسف أنه إلى الحرام أقرب . وقد قال فى الجامع الكبير: يكره الشرب فى
آنية الذهب والفضة للرجال والنساء ومراده التحريم .
وكذلك قال أبويوسف ومحمد: يكره النوم على فرش الحرير والتوسد
على وسائده، ومرادهما التحريم . وقال أبو حنيفة وصاحباه : يكره أن يلبس
الذكور من الصبيان الذهب والحرير ، وقد صرح الأصحاب أنه حرام، وقالوا:
إن التحريم لما ثبت فى حق الذكور وتحريم اللبس يحرم الإلباس ، كالخر لما
حرم شربها حرم سقيها .
وكذلك قالوا : يكره منديل الحرير الذى يتمخط فيه ويتمسح من الوضوء،
ومرادهم التحريم.
وقالوا: بكره بيع العذرة ، ومرادهم التحريم.
وقالوا: يكره الاحتكار فى أقوات الآدميين والبهائم إذا أضربهم وضيق
عليهم ، ومرادهم التحريم .
وقالوا : يكره بيع السلاح فى أيام الفتنة ، ومرادهم التحريم .
وقال أبو حنيفة: يكره بيع أرض مكة ، ومراده التحريم عندهم .
قالوا : ويكره اللعب بالشطرنج ، وهو حرام عندهم .
قالوا: ويكره أن يجعل الرجل فى عنق عبده أو غيره طوق الحديد الذى
يمنعه من التحرك وهو الغل ، وهو حرام . وهذا كثير فى كلامهم جداً .
وأما أصحاب مالك: فالمكروه عندهم مرتبة بين الحرام والمباح، ولا يطلقون
عليه اسم الجواز، ويقولون إن أكل كل ذى ناب من السبع مكروه غير مباح .
وقد قال مالك : فى كثير من أجوبته أكره كذا وهو حرام
فمنها: أن مالكاً نص على كراهة الشطرنج ، وهذا عندأ كثر أصحابه

-٣١٦ -
على التحريم ، وحمله بعضهم على الكراهة التى هى دون التحريم .
كال الشافعى فى اللعب بالشطرنج : إنه لهو شبه الباطل، أكرهه ولا يتبين
لى تحريمه ، فقد نص على كراهته وتوقف فى تحريمه ، فلا يجوز أن ينسب إليه
وإلى مذهبه أن اللعب بها جائز، وأنه مباح، فإنه لم يقل هذا ولا يدل عليه.
والحق أن يقال إنه كرهها وتوقف فى تحريمها . فأين هذا من أن يقال إن مذهبه
جواز اللعب بها وإباحته .
ومن هذا أيضاً أنه نص على كراهة تزوج الرجل من بنته من ماء الزنا، ولم
يقل قط إنه مباح ولا جائز، والذى يليق بجلالته وإمامته ومنصبه الذى أجله
الله به من الدين، أن هذه الكراهة منه على وجه التحريم ، وأطلق لفظ
الكراهة ، لأن الحرام يكرهه الله ورسوله، وقد قال تعالى عقيب ذكر.
ما حرمه من المحرمات من عند قوله: (( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه -
إلى قوله - ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما - إلى قوله - ولا تقتلوا أولادكم
خشية إملاق - إلى قوله - ولا تقربوا الرنا - إلى قوله - ولا تقتلوا
النفس التى حرم الله إلا بالحق - إلى قوله - ولا تقربوا مال اليتيم - إلى
قوله - ولا تقف ماليس لك به علم)) إلى آخر الآيات، ثم قال: ((كل
ذلك كان سيئه عند ربك مكروها)) . وفى الصحيح : أن الله عز وجل كره
لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال.
فالسلف كانوا يستعملون الكراهة فى معناها الذى استعمل فيه كلام الله
ورسوله ، ولكن المتأخرون اصطلحوا على تخصيص الكراهه بما ليس بمحرم،
وتركه أرجح من فعله. ثم حمل من منهم كلام الأئمة على الاصطلاح الحادث،
فغلط فى ذلك . وأقبح غلطاً منه من حمل لفظ الكراهة أو لفظ لا ينبغى فى
كلام الله ورسوله على المعنى الاصطلاحى الحادث. وقد اطرد فى كلام الله

- ٤١٧ -
ورسوله استعمال لا ينبغى فى المحظور شرعاً وقدراً ، وفى المستحيل الممتنع كقوله
تعالى: ((وما ينبغى للرحمن أن يتخذ ولداً)) وقوله: ((وما علمناه الشعر
وما ينبغى له)) وقوله: (( وما تنزلت به الشياطين وما ينبغى لهم)) وقوله على
لسان نبيه « كذبنى ابن آدم وما ينبغى له، وشتمنى ابن آدم وما ينبغى له)).
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( إن الله لا ينام ، ولا ينبغى له أن ينام))
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم فى لباس الحرير: ((ولا ينبغى هذا للمتقين)).
وأمثال ذلك، انتهى كلام الحافظ ابن القيم .
ومنها لفظ أهل الرأى: قال الترمذى فى باب إشعار البدن ، سمعت يوسف
ابن عيسى يقول، سمعت وكيما يقول حين روى هذا الحديث فقال: لا تنظروا
إلى قول أهل الرأى فى هذا ، فإن الإشعار سنة وقولهم بدعة . فعليك أن تعلم
أن أهل الرأى من هم ، ولم يقال لهم أهل الرأى؟ فاعلم أن أهل الرأى هم العلماء
الحنفية. وأما وجه تسميتهم بذلك فادعى بعض الحنفية أنهم إنما سموا بذلك
فرقة رأيهم وحذاقة عقلهم. قال القارى فى المرقاة : تحت حديث عبد الله بن
عمر، إن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يمنعن رجل أهله أن يأتوا المساجد»
فقال ابن لعبد الله بن عمر: فإنا نمنعهن ، فقال عبد الله : أحدثك عن رسول
له صلى الله عليه وسلم وتقول هذا، فما كله عبد الله حتى مات .
قال الطيبى : مجبت ممن يتسمى بالسنی إذا سمع من سنة رسول الله صلى الله
عليه وسلم وله رأى، رجح رأيه عليها ، وأى فرق بينه وبين المبتدع ، أما
سمع: ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)) وها هو ابن
عمر وهو من أكابر الصحابة وفقهائهم ، كيف غضب الله ورسوله، ومجر فلذة
كبده لتلك المنة عبرة لأولى الألباب .
قال القارى معترضاً على كلام الطيبى مالفظه: يشم من كلام الطيبى رائحة
( ٢٧ - مقدمة تحفة الأحوذي - ١ )

-٤١٨ -
الكناية الاعتراضية على العلماء الحنفية، ظناً منه أنهم يقدمون الراى على
الحديث ، ولذا يسمون أصحاب الرأى، ولم يدر أنهم إنماسموا بذلك لاقة
رأيهم وحذاقة عقلهم انتهى .
وقال الجزرى فى النهاية فى مادة الراء: والمحدثون يسمون أصحاب القياس
أصحاب الرأى يعنون أنهم يأخذون برأيهم فيما يشكل من الحديث ، أو مالم
بات فیه حدیث ولا أثر ، انتهى.
وقال الذهبى فى التذكرة فى ترجمة ربيعة بن أبى عبد الرحمن المعروف بربيعة
الرأى. وكان إماماً حافظاً فقيها مجتهداً بصيراً بالرأى، ولذلك يقال له ربيعة
الرأى انتهى .
وقال ابن خلدون فى مقدمته : انقسم الفقه إلى طريقتين : طريقة أهل
الرأى والقياس . وهم أهل العراق ، وطريقة أهل الحديث: وهم أهل الحجاز
و کان الحدیث قلیلا فی أهل العراق لما قدمنا ، فاستكثروا من القیاس ومهروا
فيه ، فلذلك يقال لهم أهل الرأى .
وقال الشاه ولى الله المحدث الدهلوى فى حجة الله البالغة : اعلم أنه كان
من العلماء فى عصر سعيد بن المسيب وإبراهيم والزهرى وفى عصر مالك
وسفيان، وبعد ذلك قوم يكرهون الخوض بالرأى، ويهابون الفتيا والاستنباط
إلا لضرورة لا يجدون منها بداً، وكان أكبرهمهم، رواية حديث رسول الله
صلى الله عليه وسلم .
سئل عبد الله بن مسعود عن شىء فقال: إنى لأكره أن أحل لك شيئاً
حرمه الله عليك ، أو أحرم ما أحله الله لك .
وقال معاذ بن جبل . ياأيها الناس لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله ، فإنه لم

- ٤١٩ -
ينفك المسلمون أن يكون فيهم من إذا سئل سرد. وروى محو ذلك عن عمر
وعلى وابن عباس وابن مسعود فى كراهة التكلم فيما لم ينزل . وقال ابن عمر
لجابر بن زيد: إنك من فقهاء البصرة، فلا تفت إلا بقرآن ناطق أو سنة
ماضية ، فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت .
وقال أبو النصر: لما قدم أبو سلمة البصرة أتيته أنا والحسن ، فقال الحسن
أنت الحسن ، ما كان أحد بالبصرة أحب إلى لقاء منك ، وذلك أنه بلغنى أنك
تفتى برأيك ، فلا تفت برأيك إلا أن يكون سنة عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم أو كتاب منزل .
وقال ابن المنكدر إن العالم يدخل فيما بين الله وبين عباده ، فليطلب لنفسه
المخرج. وسئل الشعبى: كهف كنتم تصنعون إذا سئلتم؟ قال: على الخبير وقعت؛
كان إذا سئل الرجل قال لصاحبه أفتهم ، فلا يزال حتى يرجع إلى الأول .
وقال الشعبى : ماحدثوك هؤلاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خذ به،
وما قالوه برأيهم فألقه فى الحش .
أخرج هذه الآثار عن آخرها الدارمى ، فوقع شيوع تدوين الحديث
والأثر فى بلدان الإسلام، وكتابة الصحف والنسخ، حتى قل من يكون أهل
الرواية إلا كان له تدوين أو سحيقة أو نسخة من حاجتهم لموقع عظيم ، فطاف
من أدرك من عظمائهم ذلك الزمان بلاد الحجاز والشام والعراق ومصر واليمن
وخراسان، وجمعوا الكتب وتتبعوا النسخ وأمعنوا فى الفحص عن غريب
الحديث ونوادر الأثر، فاجتمع باهتمام أولئك من الحديث والآثار ما لم يجتمع
لأحد قبلهم ، وتيسر لهم ما لم يتيسر لأحد قبلهم ، وخلص إليهم من طرق
الأحاديث شىء كثير حتى كان يكثر من الأحاديث عندهم مائة طريق فما فوقها
فكشف بعض الطرق ما استتر فى بعضها الآخر ، وعرفوا محل كل حديث
من الغرابة والاستفاضة ، وأمكن لهم النظر فى المتابعات والشواهد، وظهر عليهم

- ٤٢٠-
أحاديث صحيحة كثيرة لم تظهر على أهل الفتوى من قبل. قال الشافعى لأحمد:
أنتم أعلم بالأخبار الصحيحة منا ، فإذا كان خبر صحيح فأعلمونى حتى أذهب
إليه كوفياً كان أو بصرياً أو شامياً. حكاه ابن الهمام، وذلك لأنه كرمن حديث
صحيح لا يرويه إلا أهل بلد خاصة ، كأفراد الشاميين والعراقيين ، أو أهل بيت
خاصة كنسخة بريد عن أبى بردة عن أبى موسى، ونسخة عمرو بن شعيب
عن أبيه عن جده ، أو كان الصحابى مقلا خاملا لم يحمل عنه إلا شرذمة قليلون،
فمثل هذه الأحاديث يغفل عنها عامة أهل الفتوى ، واجتمعت عندهم آثار
فقهاء كل بلد من الصحابة والتابعين .
وكان الرجل فيما قبلهم لا يتمكن إلا من جمع حديث بلده وأصحابه . وكان
من قبلهم يعتمدون فى معرفة أسماء الرجال ومراتب عدالتهم على ما يخلص إليهم
من مشاهدة الحال وتتبع القرائن ، وأمعن هذه الطبقة فى هذا الفن وجعلوه
شيئاً مستقلا بالتدوين والبحث، وناظروا فى الحكم بالصحة وغيرها ، فانكشف
عليهم بهذا التدوين والمناظرة ما كان خافياً حال الانصال والانقطاع. وكان
سفيان ووكيع وأمثالهما يجتهدون غابة الاجتهاد فلا يتمكنون من الحديث المرفوع
المتصل إلا من دون ألف حديث، كماذكره أبو داود السجستانى فى رسالته
إلى أهل مكة . وكان أهل هذه الطبقة يروون أربعين ألف حديث فما يقرب
منها، بل صح عن البخارى أنه اختصر صحيحه من ستة آلاف حديث.
وعن أبى داود: أنه اختصر سننه من خمسة آلاف حديث ، وجعل أحمد
مسنده میزانا یعرف به حديث رسول اللهصلى الله عليه وسلم، فما وجد فيه ولو
بطريق واحد منه فله أصل وإلا فلا أصل له . فكان رؤوس هؤلاء: عبد الرحمن
ابن مهدى، ويحيى بن سعيد القطان ، ويزيد بن هرون ، وعبد الرزاق ،
وأبو بكر بن أبى شيبة ، ومسدد ، وهناد، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن
راهويه ، والفضل بن دكين ، وعلى المدينى وأقرانه . وهذه الطبقة فى الطراز