Indexed OCR Text
Pages 381-400
- ٣٨١ - البخارى ومقدمته ، والمشتبه ، والتهذيب ، ولسان الميزان ، وروى عنه فى موضع آخر أنه أثنى على شرح البخارى والتعليق والنخبة . ولا ريب أن أجل مصنفاته ((فتح البارى)) وكان شروعه فى تصنيفه سنة ٨١٧ على طريق الإملاء ، ثم صار يكتب من خطه يداوله بين الطابة شيئاً فشيئاً والاجتماع فى يوم من الأسبوع للمقابلة والمباحثة إلى أن انتهى فى أول يوم من رجب سنة ٨٤٢ سوى ما ألحق فيه بعد ذلك وجاء بخطه فى ثلاثة عشر سفراً وبيض فى عشرة وعشرين وثلاثين وأقل وأكثر: وقد سبقه إلى هذه التسمية شيخه صاحب القاموس ، فإنه وجد له فى أسماء مصنفاته أن من جملتها ((فتح البارى فى شرح صحيح البخارى)) وأنه كمل ربعه فى عشرين مجلداً، وله مؤلفات فى الفقه وأصوله، والعروض، والآداب سردها السخاوى . وقال بعد ذلك إنها تهادت تصانيفه الملوك بسؤال علمائهم لهم فى ذلك حتى ورد كتاب فى سنة ٨٣٣ من شاه رخ بن تيمور ملك الشرق، يستدعى من السلطان الأشرف برسباى هدايا من جملتها فتح البارى نجهز له صاحب الترجمة ثلاث مجلدات من أوائله، ثم أعاد الطلب فى سنة ٨٣٩ ولم يتفق أن الكتاب قد كمل فأرسل إليه أيضاً قطعة أخرى ، ثم فى زمن الظاهر جقمق جهزت له نسخة أخرى كاملة . وكذا وقع لسلطان المغرب أبى فارس عبد العزيز الحقصى ، فإنه أرسل يستدعيه ، فيهز له ما كمل من الكتاب، وكان يجهز لكتبه الشرح ولجماعة مجلس الإملاء ذهباً يفرق عليهم، هذا ومصنفه حى رحمه الله. ولما أكمل من شرح البخارى تصنيفاً وقراءة عمل مصنفه رحمه الله وليمة عظيمة بالمكان الذى بناه المؤيد خارج القاهرة فى يوم السبت ثامن شعبان سنة ٨٤٢، وقرأ المجلس الأخير هنالك ، وجلس المصنف على الكرسى ، قال تلميذه السخاوى : وكان يوماً مشهوداً لم يعهد أهل العصر مثله بمحضر من العلماء والقضاة والرؤساء - ٣٨٢ - والفضلاء ، وقال الشعراء فى ذلك فأكثروا وفرق عليهم الذهب ، وكان المستغرق فى الوليمة المذكورة نحو خمسمائة دينار . قال: وقد درس بمواطن متعددة، واشتهر ذكره وبعد صيته، وارتحل إليه العلماء، وتبجح الأعيان بلقائه والأخذ عنه ، وأخذ الناس عنه طبقة بعد طبقة ، وألحق الأصاغر بالأ كابر، وامتدحه الكبار وتبجح فحول الشعراء بمطارحته، واستمر على طريقته حتى مات فى أواخر ذى الحجة سنة ٨٥٢ اثنتين وخمسين وثمان مائة وكان له مشهد لم ير مثله من حضره من الشيوخ فضلا عمن دونهم ، وشهده أمير المؤمنين والسلطان فمن دونهما، وقدم الخليفة للصلاة عليه ، ودفن تجاه تربة الديلمى بالقرافة ، وتزاحم الأمراء والكبراء على حمل نعشه انتهى . ومنها شرح الحافظ عمر بن رسلان البلقينى: قال ((صاحب كشف الظنون)) ومن شروح الترمذى شرح سراج الدين عمر بن رسلان البلقيني الشافعى ، المتوفى سنة خمس وثمان مائة ، كتب منه قطعة ولم يكمله وسماه ((العرف الشذى على جامع الترمذى)) انتهى. وقال الشوكانى فى البدر الطالع ص ٥٠٦ ج ١: عمر بن رسلان بن بصير بن صالح بن شهاب بن عبد الخالق ابن عبد الحق السراج البلقيني ، ثم القاهرى الشافعى . ولد فى ليلة الجمعة سنة أربع وعشرين وسبعمائة ببلقيفة ، فحفظ بها القرآن وهو ابن سبع ، والشاطبية والمجرر والكافية والشافية والمختصر الأصلى، ثم أقدمه أبوه القاهرة وهو ابن النتى عشرة سنة، فعرض محافيظه على جماعة : كالتقى السبكى، والجلال القزويني ، وفاق بذكائه وكثرة محفوظاته وسرعة فهمه ، ثم رجع به أبوه ثم عاد معه وقد ناهز الاحتلام ، فاستوطن القاهرة وقرأ على أعيان العلماء فى الفنون كالشيخين المتقدمين والعز بن جماعة وابن عدلان ، وسمع من خلق ، وأجازله الأكابر وله تصانيف كثيرة لم تم لأنه يبتدىء كتاباً فيصنف منه قطعة ثم يتركه وقد ذكر الشوكانى ترجمته طويلة من شاء الوقوف عليها فليراجع البدرى . - ٣٨٣ - ومنها شرح الحافظ السيوطى سماه ((قوت المغتذى على جامع الترمذى)» والحافظ السيوطى هذا اسمه جلال الدين عبد الرحمن بن الكمال أبى بكر بن محمد بن سابق السيوطى؛ ولد بعد المغرب ليلة الأحد مستهل رجب سنة تسع وأربعين وثمان مائة أخذ العلوم عن علم الدين البلقيني وشرف الدين المناوى وتقى الدين الشمنى ومحى الدين الكافيجى، وجلال الدين المحلى، والقاضى عز الدين أحمد بن إبراهيم. قال صاحب الترجمة الأولى فى ((حسن المحاضرة)): بلغت مؤلفاتى إلى الآن ثلاثمائة كتاب سوى ماغسلته ورجعت عنه ، وسافرت بحمد الله تعالى إلى بلاد الشام والحجاز واليمن والهند والمغرب، ولما حججت شربت من ماء زمزم الأمور ؛ منها : أن أصل فى الفقه إلى رتبة الشيخ سراج الدين البلقيني ، وفى الحديث إلى رتبة الحافظ ابن حجر، ورزقت التبحر فى سبعة علوم: الحديث والتفسير والفقه والنحو والمعانى والبيان والبديع على طريقة العرب والبلغاء ، لا على طريقة العجم وأهل الفلسفة . والذى أعتقده أن الذى وصلت إليه من هذه العلوم الستة سوى الفقه والنقول التى اطلعت عليها فيها ، لم يصل إليه أحد من أشياخى ، فضلا عمن دونهم ، وقد كملت عندى الآن آلات الاجتهاد بحمد الله تعالى ، أقول ذلك تحديثاً بنعمة الله تعالى لانفراً، انتهى بتاخيضه . وله مؤلفات جليلة فى العلوم السبعة ، ولنكتف على بعضها . ففى التفسير: ((الدر المنثور)) و((الإتقان)) و((تكملة الشيخ جلال الدين المحلى)» و(مفحمات الأقران)) و((الإكليل)) وغير ذلك. وفى فن الحديث: ((كشف المغلى فى شرح الموطا)) و(تنوير الحوالك على موطإ مالك)) و((وإسعاف المبطا فى رجال الموطا)) و((مرقاة الصعود حاشية سنن أبى داود)) و((زهر الربى على سنن المجتبى)) و((التوشيح على الجامع الصحيح))، و((الديباج على مسلم بن الحجاج)) و((مصباح الزجاجة على سنن ابن ماجه)) و ((قوت المغتذى على جامع الترمذى))، و((اللآلى المصنوعة فى الأحاديث الموضوعة)» - ٣٨٤ - و ((الجامع الصغير)) وغير ذلك مما هو مذكور فى ((حسن المحاضرة فى أخبار مصر والقاهرة)). وتوفى الشيخ يوم الجمعة إحدى عشرة بعد تسع مائة وقت العصر تاسع جمادى الأولى . ومنها شرح العلامة محمد طاهر صاحب مجمع البحار قال فيتوفى تعليقى للترمذى عن شرحه الأحوذى ، خص الخلاء بالاستعاذة لكونه مئنة للوحدة وخلوه عن الذكر للقذر، ولذا يستغفر إذا خرج انتهى. قلت: لم أقف على حال تعليقه، ولا علم لى أنه أتمه أم لا. ومحمد طاهر هذا هو شيخ الإسلام ، حجة الأمام جمال، الدين الشيخ محمد بن طاهر بن على الصديقى الفتنى. ولد فى بلدة نهر واله سنة أربع عشرة وتسع مائة ، وحصل الفنون من عظماء الدهر ، مثل أستاذ الزمان مهته ، ومولانا الشيخ النا كورى ومولانا برهان الدين السمهودى ، ومولانا يد الله السوهى . فسافر بعده سنة أربع وأربعين وتسع مائة إلى زيارة الحرمين الشريفين، وحج واعتمر وزار الروضة الشريفة، وأخذ علوم الحديث من فضلاء تلك الأمكنة الشريفة ، كالشيخ أبى عبيد الله الزبيدى، والسيد عبد الله العدنى، والشيخ عبيد الله الحضرمى ، والشيخ جار الله المبكى، والشيخ ابن حجر المصرى ثم المكى، والشيخ على المدنى ، والشيخ برخور دار السندى ، والشيخ على بن حسام الدين المتقى، والشيخ أبى الحسن البكرى، وغيرهم ، فنشره فى البلاد الكجراتية، وصنف تصانيف رائقة معجبة، وكان عالماً عاملا فاضلا آمراً بالمعروف، وناهياً عن المنكر ، مجاهداً فى سبيل الله. استشهد مسافراً لابتغاء مرضاة الله فى بلاد مالوه عند أُجَّيْن بأيدى القرامطة ، وكان وصاله فى سنة ست وثمانين وتسعمائة ، تقبل الله ماسعى. وقال الشيخ عبد الحق الدهلوى فى ((أخبار الأخيار)) ميال محمد طاهر هردریین کې ات بوده ازقوم بو بهیرہ که درال دیاراندحق سبحانه و تعالى أورا -- ٣٨٥ - علم وفضل دار الرين شريفين رفت ومشائخ آل ديار شريف رادريافت تحصيل وتكميل علم حديث نمور بأشيخ على متقی رحمة الله عليه محبت داشت ومريد شددر على حديث تواليف مفيده جمع كرده أزال جمله كتا بيست كه متكفل شرح محاح است مسمى لجمع البحار ورسالة ديكر مختصر مسمى بمغنى كه تصحيح اسماء رجال كرده بی تعرض به بيان أحوال بغايت مختصر ومفيد ورخطيهاى أين كتب مدح شيخ على متقى بسيار كرده وولى بوصيت شيخ سياسى لجبهت إمداد طلبه راست هى كردودروقت ورس فيزبحل كردن مشغول مى بودقادست فيز در کار باشد وبإزالة بدع وآسهل بدع كه درال ديار بودند تقصير نكروه وآخرهم بدست آل جماعة درسنه بهفت وثمانين وتسع مائة بشهادت رسيد شكر الله سعيه وجزاه الله عن المسلمين خيراً انتهى . ومنها شرح أبى الطيب السندى . ومنها شرح الشيخ سراج أحمد السر هندى وهو بالفارسية ، قد طبع قطعة منه ومن شرح أبى الطيب السندى فى المطبعة النظامية فى الهند . ومنها: شرح أبى الحسن بن عبد الهادى السندى المدنى المتوفى سنة ١١٣٩ تسع وثلاثين ومائة وألف بالحرم النبوى، وهو شرح لطيف بالقول كذا فى كشف الظنون . قلت : قد طبع هذا الشرح مع جامع الترمذى بمصر . (فائدة) ا علم أن للصحيحين ولسنن أبى داود مختصرات عديدة اختصرها أهل العلم، فتتبعت هل لجامع التر مذى مختصر أم لا ؟ فوقفت على ثلاث مختصرات له ذكرها صاحب كشف الظنون ص ٣٧٦ ج ١ حيث قال: له أى لجامع الترمذى مختصرات : منها مختصر الجامع لنجم الدين محمد بن عقيل البالسى الشافعى ، المتوفى سنة تسع وعشرين وسبعمائة ، ومختصر الجامع أيضاً لنجم الدين سليمان بن عبد القوى الطوفى الحنبلى المتوفى سنة عشرة وسبعمائة ، ومائة حديث ( ٢٥ - مقدمة تحفة الأحوذي ) - ٣٨٦ - منتقاة منه عوالى للحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدى العلائى انتهى . ووقفت على مستخرج على جامع الترمذى ، قال السيوطى فى التدريب : لا يختص المستخرج بالصحيحين ، فقد استخرج محمد بن عبد الملك بن أيمن على سنن أبي داود ، وأبو على الطوسى على الترمذى ، وأبو نعيم على التوحيد لابن خزيمة . وأملى الحافظ أبو الفضل العراقى على المستدرك مستخرجاً لم يكمل انتهى. وقد عرفت معنى المستخرج فى الباب الأول . الفِعْلْ الفَاشير فى بيان بعص عادات الترمذى فى جامعه فمنها : أنه يترجم الباب الذى فيه حديث مشهور عن صحابى قد صح الطريق إليه ، وأخرج حديثه فى الكتب الصحاح ، فيورد فى الباب ذلك الحكم من حديث صحابى آخر لم يخرجوه من حديثه ، ولا يكون الطريق إليه كالطريق إلى الأول ، إلا أن الحكم صحيح ، ثم يتبعه بأن يقول : وفى الباب عن فلان وفلان ويعد جماعة ، منهم الصحابى الذى أخرج ذلك الحكم من حديثه كذا فى قوت المغتذى . قلت : فى اختيار الترمذى هذا الصنيع فوائد . منها . أن يطلع الناس على هذا الحديث الغير المشهور . ومنها إظهار ما فى سنده من علة، ومنها بيان لما فى هذا الحديث من زيادة أو شىء آخر . ومنها أنه يعقد الباب أولا ثم يروى حديثاً واحداً أو أكثر، ثم إن كان فيه كلام يتكلم ثم يقول وفى الباب عن فلان وفلان . قال السيوطى فى تدريب الراوى : لا يريد ذلك الحديث المعين بل يريد أحاديث أخر يصح أن تكتب فى الباب . قال العراقى: وهو عمل صحيح إلا - ٣٨٧ - أن كثيراً من الناس يفهمون من ذلك أن من سمى من الصحابة يروون ذلك الحديث بعينه وليس كذلك، بل قد يكون كذلك ، وقد يكون حديثاً آخر يصح إيراده فى ذلك الباب انتهى . ومنها أنه يقول وفى الباب عن فلان وفلان ، أى يذكر أسماء الصحابة، وقد يقول عن فلان عن أبيه أى يذكر اسم ابن الصحابى الراوى ، كما قال فى باب لاتقبل صلاة بغير طهور . وفى الباب عن أبى المليح عن أبيه ، فصنيعه هذا الأمور: منها أن من الصحابة من يتفرد ابنه برواية عنه ولا يروى عنه غيره، كأبى المليح، فأبوه هو أسامة بن عمير الهذلى البصرى يروى عنه أبو المليح فقط . وكما قال فى باب ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى منع الزكاة من التشديد . وفى الباب عن قبيصة بن هلب عن أبيه ، فهلب هذا هو الطائى لا يروى عنه إلا ابنه . ومنها الاختلاف فى اسم الصحابى مثلا يقول فى باب سهم الخيل . وفى الباب عن أبى عمرة عن أبيه ، فأبو عمرة هذا صحابى أنصارى نجارى ، يروى عنه ابنه فقط. واختلفوا فى اسمه. قال الحافظ فى ((تهذيب التهذيب)) فى ترجمة ابنه عبد الرحمن : واسم أبى عمرة عمرو بن محصن ، وقيل ثعلبة بن عمرو بن محصن ، وقيل أسيد ابن مالك ، وقيل يسير بن عمرو بن محصن بن عتيك بن عمرو بن مبذول بن مالك بن النجار ، قاله ابن سعد. وقال فى ترجمته : قال ابن عبد البر : يقال اسمه رشيد وقال العسكرى يقال إنه أبى عمرة بن عمرو بن محصن ويقال أسامة بن مالك . ومنها : الاختلاف فى اسم والد ذلك الصحابى أو نسبته أو غير ذلك مثلا، يقول فى باب كان إذا أراد الحاجة أبعد فى المذهب . وفى الباب عن يحيى بن. عبيد عن أبيه، فعبيد والد يحيى هذا اختفلوا فيه ، فقال بعضهم : عبيد رحى بالراء والحاء المهملتين مصغراً ويقال فى اسم أبيه دحى بالدال بدل الراء . ومنهم. من قال فى أبيه صيفى . وأما فى نسبته فقيل الجهضمى وقيل الجهنى. وأخرج -٣٨٨- ابن قانع والحارث بن أبى أسامة وابن منده وغيرهم بسندهم عن يحيى بن عبيد ابن دحى عن أبيه قال : كان النبى صلى الله عليه وسلم يتبوأ لبوله كما يتبوأ لمنزله . قال الحافظ : وفى رواية إبراهيم الحربى صيفى بدل رحى. وعند ابن عبد البر: دحى بالدال . وعند ابن منده الجهنى بدل الجهضمى . وقال ابن أبى حاتم فى المراسيل : سمعت أبا زرعة يقول: ليس لوالد يحيى صحبة ، إلى قوله فذكر حديثاً فأحب الترمذى أن لا يذكر اسم ذلك الصحابى ، لأن فى ذكر اسمه من غير ذكر أبيه مظنة الالتباس بالآخر الذى هو سميه . وما طاب نفسه بذكر اسم والد ذلك الصحابى لأجل عدم التيقن ، فأزاح بذكر ولده ، لأن والدذلك الصحابى لم يختلفوا فى اسمه ، ولكن هذه قاعدة ليست بمطردة فى جميع المواضع بل فى بعض المواضع ما يخالفه . ومنها : عدم شهرة اسم ذلك الصحابى إلا بذكر ولده . ومنها: أنه إذا روى حديثاً عن صحابى فى باب فلا يعيد ذكر ذلك الصحابى بعد قوله . وفى الباب مثلا إذا روى فى باب حديثا عن أبى هريرة ، فلا يقول بعد روايته وفى الباب عن أبى هريرة إلا أنه خالف عادته هذه فى عدة أبواب منها باب صفة شجر الجنة ، فقد روى فيه عن أبى سعيد الخدرى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( فى الجنة شجرة يسير الراكب فى ظلها مائة عام)) الحديث ، ثم قال الترمذى: وفى الباب عن أبى سعيد. فالظاهر أنه أراد حديثاً آخر لأبى سعيد غير الحديث الذى قدمه وهو مارواه ابن حبان فى صحيحه عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال له رجل : يارسول الله ما طوبى ؟ قال: (( شجرة مسيرة مائة سنة)) الحديث . ومنها باب كراهية خاتم الذهب ، فقد روى فيه عن على بن أبى طالب قال: (( نهانى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التختم بالذهب، وعن لباس القبى)) الحديث. ثم روى حديث عمران بن حصين قال نهى: ((رسول - ٣٨٩ - الله صلى الله عليه وسلم عن التختم بالذهب )) ثم قال : وفى الباب عن على وابن عمر الخ. فالظاهر أنه أشار إلى حديث آخر لعلى سوى ماتقدم ، وهو ماروى عنه أحمد وأبو داود والنسائى أن النبى صلى الله عليه وسلم أخذ حريراً فجعله فى يمينه وأخذ ذهبا فجعله فى شماله ثم قال: ((إن هذين حرام على ذكور أمتى )» ومنها باب الركعتين: إذا جاء الرجل والإمام يخطب ، فإنه روى فى هذا الباب عن جابر بن عبد الله قال: (( بينما النبى صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فقال النبى صلى الله عليه وسلم أصليت )) الحديث . ثم قال الترمذى: وفى الباب عن جابر. قال الحافظ العراقى: لعله أراد حديثاً آخر لجابر غير الحديث الذى قدمه، وهو ما رواه الطبرانى من طريق الأعمش عن أبى سفيان عن جابر قال: (( دخل النعمان بن نوفل ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يخطب يوم الجمعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلى ركعتين الحديث)) انتهى كلام العراقى . قلت ما قاله الحافظ العراقى من أن الترمذى يريد حديثاً آخر إذلك الصحابى غير الحديث الذى يقدمه هو المعتمد . ومنها : أنه يترجم الباب ثم يقول بعد إيراد الحديث : وفى الباب عن فلان أى يذكر اسم صحابى ، ثم يروى عن ذلك الصحابى الذى أشار إلى حديثه بقوله . وفى الباب عن فلان ، والظاهر من صنيعه هذا أنه يريد بحديث ذلك الصحابى المشار إليه حديثه الذى يروى عنه بعد مثلا قال فى باب زكاة البقر بعد رواية حديث ابن مسعود مرفوعاً فى ((ثلاثين من البقر تبيع)) الحديث. وفى الباب عن معاذ بن جبل ، ثم روى عنه أنه قال: « بعثنی النبى صلى الله علية وسلم إلى اليمن ، فأمرنى أن آخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعاً)) الحديث . وقال فى باب الأربع قبل العصر بعد رواية حديث على : وفى الباب عن ابن عمر، ثم ذكر مذاهب الأئمة ثم روى عنه مرفوعاً: ((رحم امهاً صلى قبل العصر أربعاً )). - ٣٩٠ - ومنها : أنه قد يقول فى باب واحد، وفى الباب مرتین کما فى باب استكمال الإيمان والزيادة والنقصان قال فإن قال فيه بعد إيراد حديث عائشة مرفوعاً ((إن من أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً)) الحديث وفى الباب عن أبى هريرة وأنس ، ثم أورد فى هذا الباب حديث أبى هريرة وقال بعده : وفى الباب عن أبى سعيد وابن عمرو كما فى باب أكل لحوم الجلالة وألبانها فإنه أورد فيه أولا حديث ابن عمر ، ثم قال وفى الباب عن ابن عباس ، ثم روى عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن المجسمة وعن لبن الجلالة الحديث، ثم قال بعد تحسين حديثه وتصحيحه : وفى الباب عن عبد الله بن عمرو والظاهر أنه يريد بقوله وفى الباب الثانى : أى فى معنى الحديث الذى قبله ، فأشار بحديث عبد الله بن عمرو وإلى ما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائى والحاكم والدار قطنى والبيهقى عنه قال: (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية وعن الجلالة عن ركوبها ولحومها )). ومنها : أنه قد يعقد باباً بغير ترجمة ، ثم يورد فيه حديثاً ثم يقول : وفى .الباب عن فلان فيشير بقوله وفى الباب إلى حديث يكون فى معنى الحديث الذى ذكره فى هذا الباب كما فى أوائل القدر، فإنه عقد باباً بغير ترجمة ، وأورد فيه حديث أبى هريرة مرفوعاً: أحتج آدم وموسى - الحديث . ثم قال : وفى الباب عن عمرو وجندب وكما فى أواخر الفتن فى عدة أبواب . ومنها : أنه إذا اختصر بعض الأحاديث يشير إلى أنه مطول بقوله وفيه قصة أو فيه كلام أكثر من هذا أو نحوه . ومنها: أنه يبين الفرق بين الأسماء المشتركة : كيزيد الفارسى ويزيد الرقاشى، أو الكنى المشتركة، كأبى حازم الزاهد وهو مدينى، واسمه سلمة ابن دينار ، وأبى حازم الأشجعى وهو كوفى ، واسمه سلمان . ومنها : أنه قد يعقد باباً ويورد فيه حديثاً اختلف فى رفعه ووقفه ويكون - ٣٩١- فی الباب حديث مرفوع صحیح لم يختلف فى رفعه ووقفه ، فلا یورده فيه ، بل يشير إليه وكذلك يورد فى باب حديثاً ضعيفاً وفيه حديث صحيح فلا يورد الحديث الصحيح فيه بل يشير إليه بعد قوله : وفى الباب . فأما صنيعه الأول: فقيل فى توجيهه أنه أخرج المختلف فيه واستشهد بما لم يختلف فيه ، لأن الاستشهاد لا يحسن بالمختلف فيه ، وأما صنيعه الثانى : فلينبه على ذلك الحديث الضعيف، ويبين مافيه من الكلام ويستشهد بالصحيح . ومنها . أنه قد يحسن الحديث الضعيف الذى يكون ضعفه ظاهراً لجهالة بعض رواته أو لضعفه أو للانقطاع أو لغير ذلك من وجوه الضعف . فأما تحسينه مافی إسناده مجهول فيحتمل أن الترمذى عرفه . قال ابن الملقن فى شرح المنهاج جواباً على من أنكر على الترمذى تحسين الحديث يعنى حديث زيد بن ثابت : إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل: لعله إنما حسنه لأنه عرف عبد الله بن يعقوب الذى فى إسناده ، أى عرف حاله انتهى . وروى الترمذى حديثاً عن رجل من الأنصار أن النبى صلى الله عليه وسلم باع حلساً - الحديث. وفى سنده أبو بكر الحنفى وهو مجهول. قال ابن القطان : والحديث معلول بأبى بكر الحنفى فإنى لاأعرف نقل عدالتهفهو مجهول الحال وإنما حسن الترمذى حديثه على عادته فى قبول المشاهير كذا فى نصب الرواية . وأما تحسينه مافى إسناده ضعيف أو انقطاع فمجيئه من وجه آخر ولشواهده. قال السيوطى فى التدريب: إذا روى الحديث من وجوه ضعيفة لا يلزم أن يحصل من مجموعها إنه حسن بل ما كان ضعفه لضعف رواية الصدوق الأمين زال بمجيئه من وجه آخر وعرفنا بذلك أنه قد حفظه ولم يختل فيه ضبطه . وصار الحديث حسنا بذلك كما رواه الترمذى وحسنه من طريق شعبة عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه أن امرأة من بنى فزارة تزوجت على فعلين ، فقال رسول الله صلى الله عليه - ٣٩٢ - وسلم: أرضيت من نفسك ومالك بنعلين ؟ قالت : نعم ، فأجاز . قال الترمذى : وفى الباب عن عمر وأبى هريرة وعائشة وأبى حدرد فعاصم ضعيف لسوء حفظه وقد حسن له الترمذى هذا الحديث لمجيئه من غير وجه ، وكذا إذا كان ضعفها لإرسال أو تدليس أو جهالة رجال كما زاده شيخ الإسلام زال بمجيئه من وجه آخر وكان دون الحسن لذاته . مثال الأول يأتى فى نوع المرسل . ومثال الثانى مارواه الترمذى وحسنه من طريق هشيم عن يزيد بن أبى زياد عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن البراء بن عازب مرفوعاً: إن حقاً على المسلمين أن يغتسلوا يوم الجمعة ويمس أحدهم من طيب أهله، فإن لم يجد فالماء له طيب . فهشيم موصوف بالتدليس لكن لما تابعه عند الترمذى أبو يحيى التيمى وكان للمتن شواهد من حديث أبى سعيد الخدرى وغيره حسنه انتهى . وقال الحافظ فى التلخيص : وأما رواية عمران بن حصين فرواها أبو داود والترمذى والبيهقى من حديث على بن زيد بن جدعان عن أبى نضرة عن عمران ابن حصين قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدت معه الفتح فأقام ثمانى عشرة - الحديث حسنه الترمذى . وعلى ضعيف وإنما حسن الترمذى حديثه لشواهده ولم يعتبر الاختلاف فى المدة كما عرف من عادة المحدثين من اعتبارهم الاتفاق على الأسانيد دون السياق انتهى . قلت : والظاهر أن الترمذى إنما حسنه لأن على بن زيد بن جدعان ليس بضعیف عنده بل هو عندهصدوق کاصرح به الترمذى نفسه حيث قال فى باب الأخذ بالسنة واجتناب البدعة من أبواب العلم بعد رواية حديث أنس من طريق على بن زيد عن سعيد بن المسيب عنه مالفظه : هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه . قال : وعلى بن زيد صدوق إلا أنه يرفع الشىء الذی یوقفه غيره انتهى . قلت : ولأجل ذلك محح حديثه فى موضع آخر من كتابه الجامع حيث قال: - ٣٩٣ - وفى باب التسليم إذا دخل بينه بعد رواية حديث أنس من طريق على بن زيد عن سعيد بن المسيب عنه مرفوعاً: يابنى إذا دخلت على أهلك فسلم تكون بركة عليك وعلى أهلك. هذا حديث حسن صحيح غريب انتهى . وقال الحافظ فى الفتح : زعم ابن بطال أن حديث معاذ المرفوع : إن فى كل ثلاثين بقرة تبيعاً ، وفى كل أربعين مسنة. متصل صحيح وفى كلامه نظر فإن حديث معاذ أخرجه أصحاب السنن ، ( يعنى من طريق أبى وائل عن مسروق عن معاذ) وقال الترمذى حسن وأخرجه الحاكم فى المستدرك وفى الحكم بصحته نظر، لأن مسروقاً لم يلق معاذاً وإنما حسنه الترمذى لشواهده انتهى. ومنها: أنه يقول فى أكثر الأبواب بعدرواية الحديث والحكم عليه بالصحة أو الحسن: والعمل على هذا عند أهل العلم وأكثر أهل العلم، أو عند بعض أهل العلم، وهذا من عادته المستمرة ، فهل يشترط عمل أهل العلم فى صحة الحديث أو فى حسنه أم لا ؟ قال صاحب دراسات اللبيب فى الدراسة السابعة : وأما ما استمر عليه دأب. الإمام الجليل أبى عيسى بن عيسى بن سورة الترمذى فى أكثر الأحاديث من قوله (( والعمل على هذا عند أهل العلم)) أو أكثره أو بعضه يأتى به بعد الفراغ من الحكم على الحديث بالصحة أو الحسن ، أو بهما ، أو غير ذلك مما يحكم به على اصطلاحه فهو ليس عنده مما يشترط فى صلب ماحكم به ولا شك فى أن كون الحديث معمولا به عند الصحابة ومن بعدهم من العلماء مما يؤيد أمر ثبوته ، وليس الكلام فى ذلك وإنما الكلام فى أنه ليس مما يشترط فى الحسن والصحة. حتى إذا لم يأخذ به أجلة القوم منهم يعد بذلك معلولا ، وإن كان الترمذى يرى ذلك فهو مما يختص به على خلاف جماهير العلماء قال : ومما ينقل على هذا العبد الضعيف من صنيعه فى سننه أن ربما يسند الحديث ويحكم عليه بالحسن أو الصحة ثم يقول: ولم يأخذ به أهل العلم أو بعض أهل العلم ، فيذكر - ٣٩٤ - قولهم الخلف بالحديث ثم ربما يذكر حديثاً تمسكوا به خلاف هذا الحديث ولا انتقاد عليه فى ذلك فإنه من باب ترجيح أحد الحديثين. وربما يسكت من متمسكهم من الحديث فيقع قولهم العزبة أى الخالى عن تمسك معارضاً بالحديث فينتقض به إن شاء الله تعالى ظهر من ذوقنا فى كتابنا هذا ذوقة إذ لامعارضة لأحد كائنا(١) من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأهل التأديب بحضرة القدس العلية يحترزون كل التحزر فى أقوالهم وأعمالهم عما يتضمن صورة المعارضة ، وإن لم يكن فى الواقع من العلماء معارضة لفوزهم بحديث هو إمامهم فيما ذهبوا إليه من خلاف هذا الحديث ، ولم يذكره الترمذى أيضًا إلا بهذا اللحاظ ، لكنه حسن ظن إليهم على جواز أن لا يبلغهم هذا الحديث رأساً ، فلا يمهد عذراً فى هذا الصنيع والله تعالى أعلم انتهى كلامه. وقال فى أول هذه الدراسة : اعلم سددك الله سبحانه إلى سواء السبيل ، وأذاقك حلاوة صفوة الدليل ، أنك إذا عرفت ما قدمنا فى المباحث السابقة من أنه حجة لأحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وترسخ عندك أساس ما بيناه من الدلائل علمت أنه كما يجب ترك قول إمام واحد مخالف بالحديث ، كذلك يجب ترك قول مائة إمام مثلا إذا كان مخالفاً بالحديث الصحيح. فلو وجدنا حديثاً صحيحاً خالفه الأئمة الأربعة ، وجب علينا ترك أقوالهم فوراً بعين ماذكرنا ، من الدراسات المتقدمة ، إلى أن يظهر له عندنا معارضة منهم لهذا الحديث بحديث آخر رجحوه عليه أو جواب يتسترون به عن ورود الحديث حجة عليهم ، واحتمال أنه لم يبلغهم الحديث كائن ههنا أيضاً ولو على ضعف لاستيفاء المذاهب الأربعة أكثر ماثبت من السنة الصحيحة . فكذلك احتمال أن واحداً منهم أو أكثر أخذ بهذا الحديث بعد العلم به فى قوله الجديد ورجع عما خالفه لم يرتفع بعدم نقله إلينا بل ولا بعد وصول ذلك إلى أتباعه (٢) أى الصريحة المحضة ٠٠ - ٣٩٥ - جميعاً . والشافعى لا يتحقق لقوله خلاف بالحديث الصحيح بعد ماقال وصح عنه: إذا وجد الحديث الصحيح فهو مذهبى. وبهذا القول اتخذ أصحابه فينسبون إليه ما ثبت فى الصحيح أنه مذهبه وذلك فى عدة مواضع وكذا الأمة الثلاثة صح عنهم ماصح عن الشافعى . لكن أتباعه قد خصوا من بين أتباعهم بإقرار ذلك وترك ماخالف الحديث من أقواله . وعلى كل حال أعتقد أن الأئمة الأربعة أعذاراً موجهة عن هذا الحديث، وذلك مما أوجب حسن الظن إليهم لا ترك الحديث لقولهم ، فيعمل بالحديث ويترك قولهم . وذلك لو تحققت الأمر على ماهو عليه تركت أقوالهم بقولهم عند صحة الحديث أنه يجب ترك قولهم وخلاف الأئمة الأربعة ليس مما عد دليلا على علة خفية فى الحديث ، بل ولا خلاف أكثير منهم من العلماء ، ولا عدم أخذه الحديث إذا ثبت من حذاق الفن الحكم عليه بالصحة أو بالحسن ، وليس أحد من المحدثين يلتفت فى صحة الحديث وحسنه إلى اشتراط أخذ أهل العلم له انتهى . ومنها : أنه قد يقول بعد رواية الحديث : هذا حديث حسن ، وقد يقول هذا حديث صحيح ، وقد يجمع بين هذين اللفظين ويقول : هذا حديث حسن صحيح ؛ فتتبعت فوجدت أنه إذا كان الحديث مروياً فى الصحيحين أو فى أحدهما ، فيقول بعد روايته : هذا حديث حسن صحيح بجمع اللفظين ، هذا هو الغالب من عادته ، وقد يخالفه . ومنها : أن الحديث إذا يكون عنده حسناً مع الغرابة فيقول : هذا حديث حسن غريب ، فيقدم وصف الحسن على الغرابة ، وقد عكس هذا فى بعض المواضع كما قال فى باب ماجاء فى الأربع قبل العصر بعد رواية حديث ابن عمر مرفوعاً : رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعاً . هذا حديث غريب حسن ، كذا وقع فى بعض النسخ . قال العراقى : جرت عادة المصنف أن يقدم الوصف بالحسن على الغرابة ، وقدم ههنا غريب على الحسن . والظاهر أنه يقدم الوصف - ٣٩٦ - الغالب على الحديث ، فإن غلب عليه الحسن قدمه ، وإن غلبت عليه الغرابة قدمها . وهذا الحديث بهذا اللفظ لا يعرف إلا من هذا الوجه وانتفت فيه وجوه المتابعات والشواهد ، فغلب عليه وصف الغرابة انتهى كلامه. قلت (١) .. ومنها : أنه يقول حديث حسن صحيح . حديث غريب حسن . حديث حسن غريب صحيح . وسيأتى الكلام مفصلا فى الفصل الذى يليه فى بحث اجتماع الحسن والغرابة والصحة . الفصل الحادى عشر فى شرح بعض الألفاظ التى استعملها الترمذى فى هذا الكتاب فيما يتعلق بتصحيح الأحاديث وتضعيفها والجرح والتعديل وفی بیان المذاهب وغير ذلك فمنها قوله : فيه مقال . أو فى إسناده مقال . معناه أن فيه موضع قول للمحدثين ، أى تكلموا فيه وطعنوا فى صحته . ومنها قوله : ذاهب الحديث . قال الطيبي : أى ذاهب حديثه، غير حافظ للحديث . ومنها قوله : هو مقارب الحديث . قال القاضى أبو بكر بن العربى فى شرح الترمذى : يروى بفتح الراء وكسرها وبفتحها قرأته ، فمن فتح أراد غيره يقاربه فى الحفظ ، ومن كسر أراد أنه يقارب غيره ، فهو فى الأول مفعول ، وفى الثانى فاعل ، والمعنى واحد انتهى. وقال الحافظ السيوطى فى تدريب الراوى: قولهم مقارب الحديث . قال العراقى : ضبط فى الأصول الصحيحة بكسر الراء ، وقيل أن ابن السيد حكى فيه الفتح والكسر ، وأن (١) ههنا بياض فى الأصل - ٣٩٧ - الكسر من ألفاظ التعديل ، والفتح من ألفاظ التجريح ، قال وليس ذلك بصحيح ، بل الفتح والكسر معروفان . حكاهما ابن العربى فى شرح الترمذى وهما على كل حال من ألفاظ التعديل، وممن ذكر ذلك الذهبى. قال: وكأن قائل ذلك فهم من فتح الراء أن الشىء المقارب هو الردىء، وهذا من كلام العوام وليس معروفاً فى اللغة ، وإنما هو على الوجهين من قوله صلى الله عليه وسلم: ((سددوا وقاربوا)) فمن كسر قال: إن معناه حديثه مقارب لحديث غيره ، ومن فتح قال : معناه إن حديثه يقاربه حديث غيره ، ومادة فاعل تقتضى المشاركة انتهى . ومن جزم بأن الفتح تجريح ، البلقينى فى محاسن الاصطلاح قال : حکی ثعلب هو مقارب ، أی ردی. انتهى . ومنها قوله فى الحارث بن وجيه: هو شيخ ليس بذاك. قال الطيبي : أى شيخ كبير غلب عليه النسيان ليس بذاك المقام الذى يوثق به ، أى روايته ليست بقوية انتهى . وقال القارى فى المرقاة شرح المشكاة : وظاهره يقتضى أن قوله : هوشيخ للجرح ، وهو مخالف لما عليه عامة أصحاب الجرح والتعديل من أن قولهم: هو شيخ ، من ألفاظ مراتب التعديل. فعلى هذا يجىء إشكال آخر فى قول الترمذى ، لأن قولهم ليس بذاك من ألفاظ الجرح اتفاقاً . فالجمع بينهما فى شخص واحد جمع بين المتنافيين . فالصواب أن يحمل قوله: وهو شيخ على الجرح بقرينة مقارنته بقوله: ليس بذاك. وإن كان من ألفاظ التعديل ، ولإشعاره بالجرح، لأنهم وإن عدوه فى ألفاظ التعديل صرحوا أيضاً بإشعاره بالقرب من التجريح ، أو نقول لا بد فى كون الشخص ثقة من شيئين : العدالة والضبط كما بين فى موضعه. فإذا وجد فى الشخص العدالة دون الضبط يجوز أن يعدل باعتبار الصفة الأولى، ويجوز أن يجرح باعتبار الصفة الثانية ، فإذا كان كذلك لا يكون الجمع بينهما جمعاً بين المتنافيين ، كذا فى السيد جمال الدين رحمه الله تعالى ، انتهى كلام القارى - ٣٩٨ - قلت : الظاهر أن مراد الترمذى بقوله هو شيخ : معناه اللغوى لا معناه المصطلح عند المحدثين ، وإليه أشار الطبى بقوله : أى شيخ كبير غلب عليه النسيان ، فلا إشكال. وأما قول السيد جمال الدين: فإذا وجد فى الشخص العدالة دون الضبط، يجوز أن يعدل الخ صحيح . وقال الترمذى فى كتاب العلل الصغير : قد تكلم بعض أهل الحديث فى قوم من أجلة أهل العلم وضعفوم من قبل حفظهم، ووثقهم آخرون بجلالتهم وصدقهم انتهى . ومنها قوله : إسناده ليس بذاك . أى بذاك القوى . قال الطيبي: المشار إليه بذاك ما فى ذهن من يعتنى بعلم الحديث ويعتد بالإسناد القوى انتهى. ومنها قوله : هذا حديث غريب إسناداً ، أى لا متناً، والمراد به حديث يعرف متنه عن جماعة من الصحابة ، وانفرد واحد بروايته عن صحابى آخر . قال فى تدريب الراوى: وينقسم (أى الغريب) أيضاً إلى غريب متناً وإسناداً، كما لوانفرد متنه راو واحد، وإلى غريب إسناداً لامتناً ، كحديث معروف، روی متنه جماعةمن الصحابةانفرد واحد بروايته عن صحابى آخر ، وفيه يقول الترمذى غريب من هذا الوجه انتهى . ومنها قوله : هذا حديث غريب من هذا الوجه ، أى من هذا الإسناد ، وأراد به ماأراد بقوله : هذا حديث غريب إسناداً. قال ابن الصلاح: الحديث الذى يتفرد به بعض الرواة يوصف بالغريب ، وكذلك الحديث الذى يتفرد فيه بعضهم بأمر لا يذكره فيه غيره، إما فى متنه وإما فى إسناده. ثم إن الغريب ينقسم إلى صحيح كالأفراد المخرجة فى الصحيح، وإلى غير صحيح ، وذلك هو الغالب على الغرائب. وينقسم الغريب أيضاً من وجه آخر ، فمنه ما هو غريب متداً وإسناداً ، وهو الحديث الصحيح الذى تفرد برواية متنه راو واحد ، ومنه ماهو غريب إسناداً لامتناً كالحديث الذى متنه معروف مروى عن جماعة من الصحابة ، إذا انفرد بعضهم بروايته عن صحابى آخر كان غريباً من ذلك - ٣٩٩ - الوجه ، مع أن متنه غير غريب : ومن ذلك غرائب الشيخ فى أسانيد المتون الصحيحة ، وهذا الذى يقول فيه الترمذى غريب من هذا الوجه ، ولا أرى هذا النوع ينعكس ، فلا يوجد إذاً ما هو غريب متفاً لا إسناداً، إلا إذا اشتهر الحديث الفرد عمن تفرد به فرواه عدد كثيرون، فإنه غريباً مشهوراً، وغريباً متناً، وغير غريب إسناداً. لكن بالنظر إلى أحد طرفى الإسناد ، فإن إسناده متصف بالغرابة فى طرفه الأول ، متصف بالشهرة فى طرفه الآخر حديث ((إنما الأعمال بالنيات)). وكسائر الغرائب التي اشتملت عليها التصانيف المشتهرة انتهى. ومنها قوله : هذا حديث مر سل . الحديث المرسل هو الحديث الذى رواه التابعى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذكر الصحابى، واستعمل الترمذى لفظ المرسل بمعنى المنقطع فى كثير من المواضع ، وكذلك غيره من المحدثين قد استعملوا المرسل بمعنى المنقطع . ومنها قوله : هذا حديث جيد . قال الحافظ السيوطى فى التدريب : قال شيخ الإسلام فى الكلام على أصح الأسانيد: كما حكى ابن الصلاح عن أحمد ابن حنبل أن أصحها الزهرى عن سالم عن أبيه عبارة أحمد أجود الأسانيد ، كذا أخرجه عنه الحاكم، قال: وهذا يدل على أن ابن الصلاح يرى النسوية بين الجيد والصحيح . ولذا قال البلقينى بعد أن نقل ذلك : من ذلك يعلم أن الجودة يعبر بها عن الصحة . وفى جامع الترمذى فى الطب : هذا حديث جيد حسن . وكذا قال غيره لامغايرة بين جيد وصحيح عندهم ، إلا أن الجهبذ منهم لا يعدل عن صحيح إلى جيد إلا النكتة ، كأن يرتقى الحديث عنده عن الحسن لذاته ، ويتردد فى بلوغه الصحيح . فالوصف به أنزل رتبة من الوصف بصحيح ، و کذا القوى انتهى . ومنها قوله: بعد ذكر الحديثين أو القولين: هذا أصح من ذلك . ظاهر معناه أن الحديثين أو القولين كليهما صحيحان . لكن هذا أقوى وأثبت من - ٤٠٠ - ذاك ، لكن الترمذى قد يستعمل أصح فى قوله هذا أصح من ذاك فى هذا المعنى، وهو معناه الأصلى، أعنى التفضيل. وقد يستعمل هذا اللفظ فى معنى الصحيح . فمعنى قوله هذا أصح من ذاك أى هذا صحيح بالنسبة إلى ذاك فهو غير صحيح ، كما قال البخارى فى صحيحه. وكره ابن سيرين أن يقول فائتنا الصلاة ولیقل لم ندرك ، وقول النبى صلى الله عليه وسلم أصح قال الحافظ ابن حجر فى فتح البارى: قوله أصح: معناه صحيح ، أى بالنسبة إلى قول ابن سيرين ، فإنه غير صحيح لثبوت النص بخلافه انتهى . قال العينى فى عمدة القارى: ليس المراد منه أفعل التفضيل ، لأنه إذا أريد به التفضيل يلزم أن يكون قول ابن سيرين صحيحاً، وقول النبي صلى الله عليه وسلم أصح منه وليس كذلك ، وإنما المراد بالأصح الصحيح ، لأنه قد يذكر أفعل ويراد به التوضيح لا التفضيل انتهى . وقد يستعمله فى معنى أرجح ، وذلك فيما إذا كان الحديثان أو القولان ضعيفين ، لكن هذا أرجح وأقل ضعفاً من ذاك . فمعنى قوله : هذا أصح من ذاك ، أى هذا أقل ضعفاً من ذاك . كما قال أبو داود فى سننه فى كتاب الطلاق فى باب البتة بعد رواية حديث ركانة : إنه طلق امرأته البتة إلخ ما نفظه . قال أبو داود : وهذا اصح من حديث ابن جريح أن ركانة طلق امرأته ثلاثاً انتهى . قال الحافظ ابن القيم فى حاشية السنن: إن أبا داود لم يحكم بصحته، وإنما قال بعد روايته هذا أصح من حديث ابن جريج إنه طلق امراته ثلاثاً . وهذا لا يدل على ان الحديث عنده صحيح ، فإن حديث ابن جريج ضعيف ، وهذا ضعيف ايضاً ، فهو أصح الضعيفين عنده . وكثيراً ما يطلق أهل الحديث هذه العبارة على أرجح الحديثين الضعيفين، وهو كثير من كلام المتقدمين، ولو لم يكن اصطلاحاً لهم لم تدل اللغة على إطلاق الصحة عليه، فإنك تقول لأحد المريضين: هذا أصح من هذا ، ولا يدل أنه صحيح مطلقاً، انتهى كلام ابن القيم.