Indexed OCR Text
Pages 161-180
- ١٦١ - وقال كثير من المحدثين: إن ما انفرد الحاكم بتصحيحه يبحث عنه ويحكم عليه بما يقضى به حاله من الصحة أو الحسن أو الضعف ، والذى حمل ابن الصلاح على ما قال، هو ما ذهب إليه من أن أمر التصحيح قد انقطع ولم يبق له أهل، والصحيح أنه لم ينقطع، وأنه سائغ لمن كملت عنده أدواته وكان قادراً عليه . انتهى . ومن الكتب الصحاح (( المختارة)) للحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسى الحنبلى ، التزم فيه الصحة ، فصحح فيه أحاديث لم يسبق إلى تصحيحها . قال ابن كثير: وهذا الكتاب لم يتم ، وكان بعض الحفاظ من مشايخنا يرجحه على مستدرك الحاكم. كذا فى الشواذ الفياح ذكره صاحب الكشف . وضياء الدين المقدسى هذا هو الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد السعدى المقدسى ، ثم الدمشقى الصالحى الحنبلى صاحب التصانيف النافعة ، ولد سنة تسع وستين وخمسمائة ، وأجاز له السلفى وشهده ، وسمع من أبى المعالى بن صابر، وأبى المجد البانياسى، وأحمد بن الموازبنى، وعمر بن على الجوينى، ويحيي الثقفى وطبقتهم بدمشق، وأبى القاسم البوصيرى وطبقته بمصر، والمبارك ابن المعطوس ، وابن الجوزى وطبقتهما ببغداد، وأبى جعفر الصيدلانى وطبقته بأصبهان ، وعبد الباقى بن عثمان بهمدان ، والمؤيد الطوسى وطبقته بنيسابور، وعبد المعزبن محمد المزار بهراة، وأبى مظفر بن السمعانى بمرو. ورحل مرتين إلى أصبهان وسمع بها مالا يوصف كثرة، وحصل أصولا كثيرة، ونسخ وصنف وصحح ولين وجرح وعدل ، وكان المرجوع إليه فى هذا الشأن . قال تلميذه عمر ابن الحاجب : شيخنا أبو عبد الله شيخ وقته ونسيج وحده علماً وحفظاً وثقةً وديناً من العلماء الربانيين ، وهو أكثرمن أن يدخل عليه مثل . كان شديد التحرى فى الرواية ، مجتهداً فى العبادة، كثير الذكر ، منقطعاً متواضعاً، سهل العارية. رأيت جماعة من الحدثين ذكروه فأطنبوا فى فقهه ومدحوه بالحفظ (١١- مقدمة تحفة الأحوذي ١) - ١٦٢ - والزهد . سألت الزكى البرزالى عنه فقال: ثقة جبل حافظ دين . قال ابن النجار: حافظ متقن حجة عالم بالرجال ، ورع تقى مارأيت مثله فى نباهته وعفته وحسن طريقته . وقال الشرف بن النابلسى: مارأيت مثل شيخنا الضياء. ذكره الذهبى فى التذكرة وقال: قد استوفيت سيرته وتواليفه فى التاريخ الكبير. عاش أربعاً وسبعين سنة، وتوفى إلى رضوان الله تعالى فى جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وستمائة . انتهى . (فائدة) اعلم أن نسخة قلمية من كتاب المختارة للحافظ ضياء الدين المقدسى هذا موجودة فى خزانة الكتب الجرمنية ، مكتوبة بخط الحافظ ابن كثير . ونسخة صحيحة قلمية من كتاب صحيح المستدرك الحاكم موجودة فيها ، مكتوبة بخط الحافظ الذهبى ، وعلى هامش هذه النسخة تلخيص الحافظ الذهبى بخطه أيضاً . ونسخة قلمية من كتاب تلخيص المستدرك للذهبى أيضاً موجودة فيها . ونسخة قلمية من المستدرك. ونسخة قلمية من تلخيص الذهبى موجودة أيضاً فى خزانة الكتب المحمودية بالمدينة المنورة . وقد طبع الآن المستدرك مع تلخيص الذهبى فى مطبعة دائرة المعارف ببلدة حيدر أباد الدكن . الفصل الثَالِةِ والعشرون فى ذكر كتب الأحاديث المعزوة إلى الأئمة الأربعة الذين هم أصحاب المذاهب المتبوعة وذكر تراجمهم قال صاحب كشف الظنون : مسند الإمام الأعظم أبى حنيفة نعمان بن ثابت الکوفی المتوفى سنة ١٥٠ خمسین ومائة ، رواه حسن بن زياد اللؤلؤی، ورتب المسند المذكور الشيخ قاسم بن قطلوبنا الحنفى برواية الحارثى على أبواب الفقه ، وله عليه الأمالى فى مجلدين ، ومختصر المسند المسمى بالمعتمد لجمال الدين محمود بن أحمد القونوى الدمشقى المتوفى سنة ٧٧٠ سبعين وسبعمائة ، ثم شرحه وسماه - ١٦٣ - المستند، وجمع زوائده أبو المؤيد محمد بن محمود الخوارزمى المتوفى سنة ٦٦٥ خمس وستين وستمائة . أوله : الحمد لله الذى سقانا بطوله من أصفى شرائع الشرائع. إلخ . قال : وقد سمعت فى الشام عن بعض أهلين بمقداره ما ينقصه ويستصغره ويستعظم غيره، وينسبه إلى قلة رواية الحديث ، ويستدل على ذلك بمسند الشافعى وموطإ مالك . وزعم أنه ليس لأبى حنيفة مسند ، وكان لایروی إلا عدة أحاديث ، فلحقتنى حمية دينية ، فأردت أن أجمع بين خمسة عشر من مسانيده التى جمعها له حول علماء الحديث :- الأول : الإمام الحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد بن يعقوب الحارثى البخارى المعروف بعبد الله الأستاذ . الثانى: الإمام الحافظ أبو القاسم طلحة بن محمد بن جعفر الشاهد العدل. الثالث : الإمام أبو الحسن محمد بن المطهر بن موسى بن عيسى بن محمد . الرابع : الإمام الحافظ أبو نعيم الأصبهانى الشافعى . الخامس: الشيخ أبو بكر محمد بن عبد الباقى بن محمد الأنصارى . السادس : الإمام أبو أحمد عبد الله بن عدى الجرجانى . السابع : الإمام الحافظ عمر بن حسن الشيبانى . الثامن : أبو بكر أحمد بن محمد بن خالد الكلاعى . التاسع: الإمام أبو يوسف القاضى يعقوب بن إبراهيم الأنصارى ، والمروى عنه يسمى بنسخة أبى يوسف . العاشر : الإمام محمد بن حسن الشيبانى، والمروى عنه يسمى بنسخة محمد . الحادى عشر : ابنه الإمام حماد، ورواه عن أبى حنيفة . الثانى عشر: الإمام محمد أيضاً، وروى معظمه عن التابعين ، وما رواه يسمى الآثار . الثالث عشر: الإمام الحافظ أبو القاسم عبد الله بن أبى العوام السعدى . - ١٦٤ - الرابع عشر: الإمام الحافظ أبو عبد الله حسين بن محمد بن خسرو البلخى المتوفى سنة ٥٢٣ ثلاث وعشرين وخمسمائة ، وقد خرجه تخريجاً حسناً ولم يحدث إلا بالیسیر ، وهو فى مجلدین . الخامس عشر : الإمام الماوردى . فجمعتها على ترتيب أبواب الفقه بحذف المعاد وترك تكرير الإسناد ، واختصره الإمام شرف الدين إسماعيل بن عيسى بن دولة الأوغانى المكى، وسماه (( اختيار اعتماد المسانيد فى اختصار أسماء بعض رجال الأسانيد)) وتوفى سنة ٨٩٢ اثنين وتسعين وثمانمائة ، ذكر فيه نبذة من مناقب الإمام ، واختصره أيضاً الإمام أبو البقاء أحمد بن أبى الضياء محمد القرشى العدوى المالكى . أوله : الحمد لله رب العالمين. إلخ. فهذا مختصر مسند الإمام الأعظم الذى جمعه الإمام أبو المؤيد الخوارزمى ، حذفت الأسانيد منه وما كان مكرراً عنه ، وسميته (( المستند فى مختصر المسند)) واختصره محمد بن عباد الخلاطی المتوفى سنة ٦٥٢ اثنتين وخمسين وستمائة وسماه ((مقصد المسند)) واختصره أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الحنفى، وجمع زوائده أيضاً حافظ الدين محمد بن محمد الكردرى المعروف بابن البزار المتوفى سنة ٨٢٧ سبع وعشرين وثمانمائة ، وشرحه جلال الدين السيوطى المتوفى سنة ٩١١ إحدى عشرة وتسعمائة ، سماه ((التعليقة المنيفة على مسند أبى حنيفة)) واختصره بعضهم، أوله: الحمد لله الذى أكمل ديننا . إلخ. قال لما رأى المسند الكبير لأبى المؤيد الخوارزمى ووجده مطولا بالأسانيد فذفه، ثم وجد مختصرين من المسند الكبير ، أحدهما للإمام جمال الدين محمود بن أبى العباس القونوى ، والثانى للإمام أبى البقاء بن أحمد الضياء المكى ، ورأى أن الأول ماوفى المقصود ، والثانی أتی به لکله ماحذف الحديث المكرر . انتهى . وقال العلامة الشاه عبد العزيز المحدث الدهلوى فى البستان مالفظه: -١٦٥ - (فائدة) مهمه بايد دانست كه از تصانيف أئمة أربع رحمهم الله در علم حديث أمر وزدردست مردم غير اذ موطأ موجود لميست ومسانيد أثّمه ديكر که درعالم مشهوراست خودایشال به تصفيف آل نپرداخته اندبلكه ديگران بعد ایشال آمده مرویات راجمع نموده اندو مسند فلانى مسمی کرده ويربهر عاقل بوشيده نى ماندكه مرويات شخص ازمهر رطب ويابس مجموع ومخلوط مى باشدنا وقيتكه خودال شخص كه اعتقاد بزركى وفضيلت أوداريم آل مخلوط رامتميزنه كندوباريها بنظرا معان وتعمق مطالعة تنايد وشاكردان خودرا تعليم نكند محل اعتقادجه قسم تواندبو وتفصيل ايل وجمال آنكه مسند حضرت امام أعظم كه بالفعل مشهورست تأليف قاضى القضاة أبو المؤيد محمد ابن محمود ابن محمد الخوارزمى ست كه درسن ششصد وبنقاد وجار آنرا رائح ساخنة مسانيد إمام أعظم راكه علمائى سابق برواخة بودنددريل مسند جمع کرده بزعم خودبیهج جیزرا ازمرويات امام أعظم ترکثنه كرده وقبل ازوى برجند مسانيد بسياربراتى مرويات امام أعظم ساخنت بودند جناتجه خودش درخطبه ايل مسند نام آنبا ومصنفين آنبا وسند خود بآن مصنفين بيان نموذه أما بیشتر رائج ومشهور دومسند بودوتا حالموجود ومتداول ست أولمسند حافظ الحديث محمد بن يعقوب الحارثى دوم مسند حافظ الوقت حسين بن محمد بن خسرو رحمة الله عليه جناتجه أجازت ايل برسه مسند براقم الحروف نيزاز شيوخ خودر سيده بس ايل مسندرا نسبت بحضرت امام أعظم كردن أزال باب ست كه مسندأبى بكررا مثلااز مسند إمام أحمد نسبت بحضرت أبو بكر صديق نمائيم واز تصانیف ایشال انگاريم وآل مغلطه بیش نيست انتهى. قال فى تهذيب التهذيب : النعمان بن ثابت التيمى أبو حنيفة الكوفى مولى بنی تیم الله بن ثعلبة ، وقيل إنه من أبناء فارس ، رأى أنساً ، وروى عن عطاء ابن أبى رباح، وعاصم بن أبي النجود، وعلقمة بن مرتد، وحماد بن أبى سليمان - ١٦٦ - والحكمبن عتيبة، وسلمة بن كهيل، وأبى جعفر محمد بن على، وعلى بن الأقر ، وزياد بن علاقة، وسعيد بن مسروق الثورى ، وعدى بن ثابت الأنصارى ، وعطية بن سعد العوفى ، وأبى سفيان السعدى، وعبد الكريم أبى أمية، ويحيى ابن سعيد الأنصارى، وهشام بن عروة فى آخرين. وعنه ابنه حماد وإبراهيم ابن طهمان، وحمزة بن حبيب الزيات ، وزفر بن الهذيل ، وأبو يوسف القاضى ، وأبو یحیی الحمائى ، وعیسی بن یونس ، وو کیع ویزید بن زريع ، وأسد بن عمرو البجلى، وحكام بن يعلى بن سلم الرازى ، وخارجة بن مصعب ، وعبد المجيد بن أبى رواد، وعلى بن مسهر ، ومحمد بن بشر العبدى ، وعبد الرزاق ومحمد بن الحسن الشيبانى ، ومصعب بن المقدام ويحيى بن يمان ، وأبو عصمة نوح بن أبى مريم ، وأبو عبد الرحمن المقرى ، وأبو نعيم وأبو عاصم وآخرون . قال العجلى : أبو حنيفة كوفى تيمى ، من رهط حمزة الزيات ، كان خزازاً يبيع الخز ويروى عن إسماعيل بن حماد بن أبى حنيفة قال: نحن ما أبناء فارس الأحرار . ولد جدى النعمان سنة ثمانين ، وذهب جدى ثابت إلى على وهو صغير فدعا له بالبركة فية وفى ذريته . وقال محمد بن سعد العوفى : سمعت ابن معين يقول: كان أبو حنيفة ثقة لا يحدث بالحديث إلا بما يحفظه ، ولا يحدث بما لا يحفظ. وقال صالح بن محمد الأسدى عن ابن معين: كان أبو حنيفة ثقة فى الحديث . وقال أبو وهب محمد بن مزاحم: سمعت ابن المبارك يقول: أفقه الناس أبو حنيفة. ما رأيت فى الفقه مثله. وقال أيضاً: لولا أن الله تعالى أغاثنى بأبى حنيفة وسفيان كنت كسائر الناس . وقال ابن أبى خيثمة حدثنا سلمان ابن أبى شيخ قال: كان أبو حنيفة ورعاً سخياً. وعن ابن عيسى بن الطباع سمعت روح بن عبادة يقول : كنت عند ابن جريج سنة خمسين ومائة فأتاهموت أبى حنيفة فاسترجع وتوجع وقال أى علم ذهب. - ١٦٧ - وقال أبو نعيم : كان أبو حنيفة صاحب غوص فى المسائل . وقال أحمد بن على بن سعيد القاضى سمعت يحيى بن معين يقول : سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول : لا نكذب الله ما سمعنا أحسن من رأى أبى حنيفة وقد أخذنا بأكثر أقواله . وقال الربيع وحرملة : سمعنا الشافعى يقول : الناس عيال فى الفقه على أبى حنيفة . ويروى عن أبى يوسف قال: بينما أنا أمشى مع أبى حنيفة إذ سمعت رجلاً يقول لرجل : هذا أبو حنيفة لا ينام الليل ، فقال أبو حنيفة : لا يتحدث عنى بما لم أفعل ، وكان يحيى الليل، يعنى بعد ذلك . وقال إسماعيل بن حماد بن أبى حنيفة عن أبيه قال: لما مات أبى سألنا الحسن بن عمارة أن يتولى غسوله ففعل ، فلما غسله قال : رحمك الله تعالى وغفر لك ، لم تفطر منذ ثلاثين سنة ، ولم تتوسد يمينك بالليل منذ أربعين سنة، وقد أتعبت من بعدك، وفضحت القراء . وقال على بن معبد: حدثنا عبيد الله بن عمرو الرقى قال : كلم ابن هبيرة أبا حنيفة أن على قضاء الكوفة ، فأبى عليه ، فضربه مائة سوط وعشرة أسواط وهو على الامتناع ، فلما رأى ذلك خلى سبيله . وقال ابن أبى داود عن نصر بن على: سمعت ابن داود - يعنى الحريبى - يقول : الناس فى أبى حنيفة حاسد وجاهل . وقال أحمد بن عبدة قاضى الرى عن أبيه: كنا عند ابن عائشة فذكر حديثاً لأبى حنيفة ثم قال : أما إنكم لو رأيتموه الأردتموه، فما مثله ومثلكم إلا كما قيل: أقلوا عليهم ويلكم لا أبالكم من اللوم أو سدوا المكان الذى سدوا وقال الصغانى عن ابن معين: سمعت عبيد بن أبى قرة يقول : سمعت يحيى ابن الضريس يقول: شهدت سفيان وأتاه رجل فقال: ما تنقم على أبى حنيفة ؟ قال وماله ، قال سمعته يقول : آخذ بكتاب الله ، فإن لم أجد فبسنة رسول الله ، فإن لم أجد فبقول الصحابة ، آخذ بقول من شئت منهم ولا أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم. فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبى وابن سيرين وعطاء، - ١٦٨ - فقوم اجتهدوا ، فأجتهد كما اجتهدوا . قال أبو نعيم وجماعة : مات سنة خمسين ومائة . وقال أبو بكر بن أبى خيثمة عن ابن معين : مات سنة إحدى وخمسين . له فى كتاب الترمذى من رواية عبد الحميد الحمانى عنه قال: مارأيت أ كذب من جابر الجعفى ولا أفضل من عطاء بن أبى رباح. وفى كتاب النسائى حديثه عن ابن أبى ذر عن ابن عباس قال: ليس على من أتى بهيمة حد . قلت : وفى رواية أبى على الأسيوطى والمغاربة عن النسائى قال حدثنا على ابن حجر حدثنا عيسى هو ابن يونس عن النعمان عن عاصم ، فذكره ولم ينسب النعمان وفى رواية ابن الأحمر - يعنى أباحنيفة - أورد عقيب حديثالدراوردى عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً: من وجد تموه يعمل عمل قوم لوط " فاقتلوا الفاعل والمفعول به ، الحديث . وليس هذا الحديث فى رواية حمزة بن السنى ولا ابن حيوة عن النسائى وقد تابع النعمان عليه عن عاصم سفيان الثورى. ومناقب الإمام أبى حنيفة كثيرة جداً ، فرضى الله تعالى عنه، وأسكنه الفردوس آمين . اخفى . وقال الذهبى فى التذكرة : رأى أنس بن مالك غير مرة لما قدم عليهم الكوفة . ورواه ابن سعد عن سيف بن جابر أنه سمع أباحنيفة بقوله . وتفقه به زفر بن الهذيل ، وداود الطائى ، والقاضى أبو يوسف، ومحمد بن الحسن ، وأسد ابن عمرو، والحسن بن زياد اللؤلؤى، ونوح الجامع ، وأبو مطيع البلخى، وغدة. وكان قد تفقه بحماد بن أبى سليمان وغيره . كان إماماً ورعاً عالماً عاملاً متعبداً كبير الشأن ، لا يقبل جوائز السلطان ، بل يتجر ويتكسب . قال ضرار ابن صرد : سئل يزيد بن هارون أيما أفقه الثورى أو أبو حنيفة ؟ فقال أبو حنيفة أفقه ، وسفيان أحفظ للحديث . وقال يزيد: مارأيت أحداً أورع ولا أعقل من أبى حنيفة . وروى أحمد بن محمد بن القاسم بن محرز عن يحيى بن معين قال : لا بأس به ، لم يكن يتهم ، ولقد ضربه يزيد بن عمر بن هبيرة على القضاء - ١٦٩ - فأبى أن يكون قاضياً . انتهى . قال ابن خلدون : اعلم أن الأئمة المجتهدين تفاوتوا فى الإكثار من هذه الصناعة والإقلال. فأبو حنيفة يقال بلغت روايته إلى سبعة عشر حديثاً أو نحوها ، ومالك إنماصح عنده مافى كتاب الموطإ وغايتها ثلاثمائة حديث ونحوها ، وأحمد ابن حنبل فى مسنده خمسون ألف حديث ، ولكل ما أداء ما اجتهاده فى ذلك . وقد تقوّل بعض المبغضين المتعسفين إلى أن منهم من كان قليل البضاعة فى الحديث ، فلهذا قلّت روايته، ولاسبيل إلى هذا المعتقد فى كبار الأئمة ، لأن الشريعة إنما تؤخذ من الكتاب والسنة ، ومن كان قليل البضاعة من الحديث فيتعين عليه طلبه وروايته والجد والتشمير فى ذلك ، ليأخذ الدين عن أصول صحيحة ، ويتلقى الأحكام عن صاحبها المبلغ لها ؛ وإنما قلل منهم من قلل الرواية لأجل المطاعن التى تعترضه فيها ، والعلل التى تعترض فى طرقها ، سيما والجرح مقدم عند الأكثر ، فيؤديه الاجتهاد إلى ترك الأخذ بما يعرض مثل ذلك فيه من الأحاديث وطرق الأسانيد. ويكثر ذلك فتقل روايته لضعف فى الطرق . هذا مع أن أهل الحجاز أكثر رواية للحديث من أهل العراق لأن المدينة دار الهجرة ومأوی الصحابة ، ومن انتقل منهم إلى العراق کان شغلهم بالجهاد أ کثر. والإمام أبو حنيفة إنما قلت روايته لما شدد فى شروط الرواية والتحمل وضعف رواية الحديث اليقينى إذا عارضها الفعل النفسى ، وقلّت من أجلها روايته فقل حديثه لا أنه ترك رواية الحديث متعمداً فحاشاه من ذلك . ويدل على أنه من كبار المجتهدين فى علم الحديث اعتماد مذهبه بينهم ، والتعويل عليه، واعتباره رداً وقبولاً . وأما غيره من المحدثين وهم الجمهور ، فتوسعوا فى الشروط وكثر حديثهم، والكل عن اجتهاد . وقد توسع أصحابه من بعده فى الشروط وكثرت رواياتهم . وروى الطحاوى فأكثروكتب مسنده وهو جليل القدر ، إلا أنه لا يعدل الصحيحين ، لأن الشروط التى - ١٧٠ - اعتمدها البخارى ومسلم فى كتابيهما مجمع عليها بين الأمة كما قالوه . وشروط الطحاوى غير متفق عليها كالرواية عن المستور الحال وغيره ، فإذا قدم الصحيحان بل وكتب السنن المرفوعة عليه لتأخر شرطه عن شروطهم ، ومن أجل هذا قيل فى الصحيحين بالإجماع على قبولها من جهة الإجماع على صحة ما فيهما من الشروط المتفق عليها ، فلا تأخذك ريبة فى ذلك ، فالقوم أحق الناس بالظن الجميل بهم ، والتماس المخارج الصحيحة لهم. والله سبحانه وتعالى أعلم بحقائق الأمور . انتهى كلام ابن خلدون . وقال الجلال السيوطى: وقفت على فتيا رفعت إلى الحافظ الولى العراقى صورتها : هل روى أبو حنيفة عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهل يعد فى التابعين أم لا؟ فأجاب بما نصه: الإمام أبو حنيفة لم تصح روايته عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد رأى أنس بن مالك، فمن يكتفى فى التابعى بمجرد رؤية الصحابة يجعله تابعياً، ومن لا يكتفى بذلك لا يعده تابعياً . ورفع هذا السؤال إلى الحافظ ابن حجر العسقلانى فأجاب بما نصه : أدرك الإمام أبو حنيفة جماعة من الصحابة لأنه ولد بالكوفة سنة ثمانين من الهجرة، وبها يومئذ من الصحابة عبد الله بن أبى أوفى، فإنه مات بعد ذلك بالاتفاق ، وبالبصرة يومئذ أنس بن مالك ، ومات سنة تسعين أو بعدها . وقد أورد ابن سعد بسند لا بأس به : أن أبا حنيفة رأى أنسا وكان غير هذين من الصحابة أحياء فى البلاد . وقد جمع بعضهم جزءاً فيما ورد من رواية أبى حنيفة عن الصحابة ، لكن لا يخلو إسناده من ضعف؛ والمعتمد على إدراكه ماتقدم ، وعلى رؤيته لبعض الصحابة ما أورده ابن سعد فى الطبقات ، فهو بهذا الاعتبار من طبقة التابعين ، ولم يثبت ذلك لأحد من أئمة الأمصار المعاصرين له ، كالأوزاعى بالشام ، والحمادين بالبصرة ، والثورى بالكوفة ، ومالك بالمدينة ، ومسلم بن خالد الزنجى بمكة ، والليث بن سعد بمصر. انتهى . - ١٧١ - وقال السخاوى فى شرحه الألفية العراقى: المعتمد أنه لارواية له عن أحد من الصحابة لصغره فى زمن إدراكه إياهم . انتهى . وقال ابن حجر المكى فى شرح المشكاة : أخذ الفقه عن حماد بن أبى سليمان وأدرك أربعة من الصحابة ، بل ثمانية ، منهم أنس، وعبد الله بن أبى أوفى، وسهل بن سعد، وأبو الطفيل انتهى. قيل: ولم يلق أحداً منهم. قلت: لكن من حفظ حجة على من لم يحفظ، والمثبت مقدم على النافى . انتهى . وقال ابن خلكان: أدرك أبو حنيفة أربعة من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ، وهم ؛ أنس بن مالك ، وعبد الله ابن أبى أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد الساعدى بالمدينة ، وأبو الطفيل عامر ابن واثلة بمكة ، ولم يلق أحداً منهم ولا أخذ عنه، وأصحابه يقولون لقى جماعة من الصحابة وروى عنهم ، ولم يثبت ذلك عند أهل النقل . انتهى . وقال النووى فى تهذيب الأسماء : قال الشيخ أبو إسحاق فى الطبقات : هو النعمان بن ثابت بن زوطى بن ماه ، مولى قيم الله بن ثعلبة ، ولد سنة ثمانين من الهجرة وتوفى ببغداد سنة خمسين ومائة وهو ابن سبعين سنة . أخذ الفقه عن حماد بن أبى سليمان ، وكان فى زمنه أربعة من الصحابة: أنس بن مالك، وعبد الله بن أبى أوفى، وسهل بن سعد، وأبو الطفيل، ولم يأخذ عن أحد منهم. انتهى . وقال الحافظ فى التقريب : النعمان بن ثابت الكوفى أبو حنيفة الإمام ، يقال أصله من فارس، ويقال مولى بني تميم، فقيه مشهور من السادسة. انتهى. وقال الحافظ فى أول التقريب: السادسة طبقته ... وعاصر الخامسة لكن لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة كابن جريج. انتهى. فظهر من كلام هؤلاء العلماء المحققين المعتبرين أن الإمام أبا حنيفة لم يلق أحداً من الصحابة ولا أخذ عن أحد منهم. وللإمام مالك فى الحديث كتاب مشهور بالموطإ. قال السيوطى فى تنوير - ١٧٢ - الحوالك : قال القاضى أبو بكر بن العربى فى شرح الترمذى: الموطأ هو الأصل الأول واللباب ، وكتاب البخارى هو الأصل الثانى فى هذا الباب ، وعليهما بنى الجميع كمسلم والترمذى . وذكر ابن الهباب أن مالكاً روى مائة ألف حديث جمع منه فى الموطإ عشرة آلاف ، ثم لم يزل يعرضها على الكتاب والسنة ويختبرها بالآثار والأخبار حتى رجعت إلى خمسمائة . وقال الكيا الهراسى فى تعليقه فى الأصول: إن موطأ مالك كان اشتمل على تسعة آلاف حديث ، ثم لم يزل ينتقى حتى رجع إلى سبعمائة . وأخرج أبو الحسن بن فهر فى فضائل مالك عن عتيق بن يعقوب قال : وضع مالك على نحو من عشرة آلاف حديث ، فلم يزل ينظر فيه فى كل سنة ويسقط منه حتى بقى هذا. وأخرج ابن عبد البر عن عمربن عبد الواحد صاحب الأوزاعى قال : عرضنا على مالك الموطأ فى أربعين يوماً، فقال : كتاب ألفته فى أربعين سنة أخذتوه فى أربعين يوماً ؟ ما أقل ما تفقهون فيه . وقال أبو عبدالله محمد بن إبراهيم الكنانى الأصفهانى : قلت لأبى حاتم الرازى: لم سمى موطأ مالك بالموطإ؟ فقال: شىء قد صنفه ووطأه للعاس حتى قيل موطأ مالك كما قيل جامع سفيان. وقال أبو الحسن بن فهر : أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن فراس، سمعت أبى يقول ، سمعت على بن أحمد الخلنجى يقول، سمعت بعض المشايخ يقول قال مالك : عرضت كتابى هذا على سبعين فقيهاً من فقهاء المدينة ، فكلهم واطأنى، فسميته الموطأ . قال ابن فهر: لم يسبق مالكًا أحد على هذه التسمية ، فإن من ألف فى زمانه سمى بعضهم بالجامع ، وبعضهم بالمصنف ، وبعضهم بالمؤلف . والموطأ المعهد المنقح . وأخرج ابن عبد البر عن المفضل بن محمد بن حرب المدنی قال : أول من عمل كتاباً بالمدينة على معنى الموطأ من ذكر ما اجتمع عليه أهل المدينة عبد العزيز ابن عبد الله بن أبى سلمة الماجشون ، وعمل ذلك كتاباً بغير حديث ، فأتى به ٠٠١١٠ -١٧٣ - مالك فنظر فيه فقال: ما أحسن ماعمل هذا ، ولو كنت أنا الذى عملت ابتدأت بالآثار، ثم شددت ذلك بالكلام. ثم إنه عزم على تصنيف الموطإ فصنفه، فعمل من كان بالمدينة يومئذ من العلماء الموطآت ، فقيل لمالك : شغلت بفك بعمل هذا الكتاب وقد شركك فيه الناس وعملوا أمثاله ، فقال: انتونى بما عملوا به، فأتى، فنظر فى ذلك ثم نبذه وقال: لتعلمن إنه لا يرتفع إلا ما أريد به وجه الله. قال فكأ بما ألقيت تلك الكتب فى الآبار . وقال الشافعى: ما على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك ، أخرجه ابن فهر من طريق يونس بن عبد الأعلى عنه . وفى لفظ ماوضع على الأرض كتاب هو أقرب إلى القرآن من كتاب مالك . وفى لفظ : ما فى الأرض بعد كتاب الله أكثر ثواباً من موطإ مالك . وفى لفظ : ما بعد كتاب الله أنفع من الموطإ. وقال الحافظ مغلطائى: أول من صنف الصحيح مالك. وقال فى كشف الظنون: الموطأ للإمام مالك بن أنس الحميرى الأصبحى المدنى إمام دار الهجرة، المتوفى سنة ١٧٩ ( تسع وسبعين ومائة )، وهو كتاب قديم مبارك ، شرحه أبو محمد عبد الله بن محمد النحوى البطليوسى المتوفى سنة ٥٢١ (إحدى وعشرين وخمسمائة)، وأبو مروان بن عبد الملك بن حبيب المالكى المتوفى سنة ٢٣٩ (تسع وثلاثين ومائتين )، والشيخ جلال الدين عبد الرحمن بن أبى بكر السيوطى، وسماه ((كشف المغطا فى شرح الموطا))، وله تنوير الحوالك على موطإ الإمام مالك، وجرد أحاديثه فى كتاب أيضاً ، وله كتاب آخر وهو المسمى بإسعاف المبطا فى رجال الموطا ، وتوفى سنة ٩١١ ( إحدى عشرة وتسعمائة). وصنف الحافظ أبو عمر بن عبد البر يوسف بن عبد الله القرطبى كتاباً سماه ((التغطا بحديث الموطإ))، وتوفى سنة ٤٦٣ ( ثلاث وستين وأربعمائة) .. وله كتاب التمهيد لما فى الموطإ من المعانى والأسانيد. قال ابن حزم: وهو كتاب فى الفقه والحديث ولا أعلم نظيره، واختصره وسماه الاستذكار ، واختصره - ١٧٤ - أبو الوليد سليمان بن خلف الباجى المتوفى سنة ٤٧٤ (أربع وسبعين وأربعمائة) سماه المنتقى . والشيخ زين الدين عمر بن أحمد الشماع الحلبى ، انتقاء أيضاً . وابن رَشِيق القيروانى المتوفى سنة ٤٥٦ (ست وخمسين وأربعمائة). ولإبراهيم ابن محمد الأسلمى المتوفى سنة ٧٨٤ (أربع وثمانين وسبعمائة) موطأ أضعاف موطأ مالك، وشرح موطأ الإمام مالك القاضى الحافظ أبو بكر محمد بن العربى المغربى المتوفى سنة ٥٤٦ (ست وأربعين وخمسمائة) وسماه القبس . قال القاضى أبو بكر فيه: هذا أول كتاب ألف فى شرائع الإسلام وهو آخره ، لأنه لم يؤلف مثله، "إذ بناه مالك رحمه الله على تمهيد الأصول للفروع، ونبه فيه على معظم أصول الفقه التى يرجع إليها فى مسائله وفروعه ، وانتخبه الإمام الخطابى أبو سليمان أحمد بن محمد البستى المتوفى سنة ٣٨٨ (ثمان وثمانين وثلثمائة)، ولخصه أبو الحسن على بن محمد بن خلف القابسى ، وهو المشهور بملخص الموطإ، مشتمل على خمسمائة وعشرين حديثاً متصل الإسناد ، واقتصر على رواية أبى عبد الله عبدالرحمن بن القاسم المصرى من رواية أبى سعيد سحنون بن سعيد عنه قال : وهى عندى آثر الروايات بالتقديم ، لأن ابن القاسم امتاز بالاختصاص فى صحبة مالك مع طولها ، وحسن العنايات بمتابعته مع ما كان فيه من الفهم والعلم والورع، وسلامته من التكثر فى النقل عن غير مالك. إلخ . قال أبو القاسم بن محمد بن حسين الشافعى : الموطآت المعروفة عن مالك أحد عشر معناها متقارب ، والمستعمل منها أربعة: موطأ يحيى بن يحيى ، وموطأ ابن بكير ، وموطأ أبى مصعب، وهو أبو مصعب أحمد بن أبى بكر الزهرى ، وموطأ ابن وهب، ثم ضعف الاستعمال إلا فى موطإ يحيى ثم فى موطا ابن بكير . وفى تقديم الأبواب وتأخيرها اختلاف فى النسخ ، وأكثر مايوجد فيها ترتيب الباجى، وهو أن يعقب الصلاة بالجنائز، ثم الزكاة ، ثم الصيام، ثم اتفقت النسخ إلى الحج، ثم اختلفت بعد ذلك . - ١٧٥ - وروى أبو نعيم فى الخلية عن مالك بن أنس أنه قال : شاورنى هارون الرشيد فى أن يعلق الموطأ فى الكعبة ويحمل الناس على ما فيه ، فقلت : لاتفعل فإن أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم اختلفوا فى الفروع وتفرقوا فى البلدان وكل مصيب ، فقال : وفقك الله تعالى يا أبا عبد الله . وروى ابن سعد فى الطبقات عن مالك بن أنس قال : لما حج المنصور قال لى : قد عزمت على أن آمر بكتبك هذه التى وضعتها فتنسخ ، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة وآمرهم أن يعملوا بما فيها ولا يتعدوه إلى غيره ، فقلت : يا أمير المؤمنين لا تفعل هذا، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل ، وسمعوا أحاديث ، ورووا روايات ، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم ودانوا به ، فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم . كذا فى عقود الجمان. وشرحه - أعنى موطأ مالك - خاتمة المحدثين محمد بن عبد الباقى بن يوسف بن أحمد بن علوان الزرقانى المصرى المالكى المتوفى سنة اثنتين وعشرين ومائة . وألف شرحاً بسيطاً فى ثلاث مجلدات . انتهى ما فى الكشف . وقال القاضى عياض فى المدارك : لم يعتن بكتاب من كتب الحديث والعلم اعتناء الناس بالموطإ. وقال ابن فرحون: أما من اعتنى بالكلام على حديثه ورجاله والتصنيف فى ذلك ، فعدد كثير من المالكيين وغيرهم ، وعد القاضى منهم نحواً من تسعين رجلا . انتهى. وذكر السيوطى فى تنوير الحوالك وابن فرحون أسماء كثير ممن شرح الموطأ . قلت : وقد شرح موطأ الإمام مالك الشيخ سلام الله الحنفى ، من أولاد الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوى ، سماه المحلى بأسرار الموطإ. وللعلامة الشيخ الأجل الشاه ولى الله الحدث الدهلوى على موطإ الإمام مالك شرحان : أحدهما بالفارسية سماه المصفى : جرد فيه الأحاديث والآثار ، وحذف أقوال مالك وبعض بلاغاته ، وتكلم فيه ككلام المجتهدين . - ١٧٦ - وثانيهما بالعربية، وسماه المسوى: اكتفى فيه على ذكر اختلاف المذاهب وعلى قدر من شرح الغريب وغيره مما لابد منه . وأما الإمام مالك : فهو ابن أنس بن مالك بن أبى عامر بن عمرو بن الحارث الحافظ، فقيه الأمة شيخ الإسلام ، أبو عبد الله الأصبحى المدنى الفقيه إمام دار الهجرة . وهم حلفاء عثمان بن عبد الله التيمى أخى طلحة رضى الله عنهما حدث عن نافع ، والمقبرى ، ونعيم المجمر ، والزهرى ، وعامر بن عبد الله بن الزبير، وابن المنكدر، وعبد الله بن دينار، وخلق كثير . حدث عنه أمم لا يكادون يحصون ، منهم ابن المبارك ، والقطان ، وابن مهدى ، وابن وهب ، وابن القاسم ، والقعنى ، وعبد الله بن يوسف ، وسعيد بن منصور ، ويحيى بن يحي النيسابورى، ويحيى بن يحيى الأندلسى ، ويحيى بن بكير ، وقتيبة ، وأبو مصعب الزبيرى، وخاتمة أصحابه أبو حذافة السهمى . وقد رأى مالك عطاء بن أبى رباح لما قدم المدينة . قال عبد الله بن أحمد قلت لأبى: من أثبت أصحاب الزهرى ؟ قال: مالك أثبت فى كل شىء. وقال عبد الرزاق فى حديث: (( يوشك الناس أن يضربوا أكباد الإبل فى طلب العلم فلا يجدون عائماً أعلم من عالم المدينة)»، فكنا نرى أنه مالك . وكان عبد الرحمن بن مهدى لا يقدم على مالك أحداً . وقال الشافعى: إذا ذكر العلماء فمالك النجم . قال ابن مهدى: مالك أفقه من الحكم وحماد. وقال الشافعى: لولامالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز وقال ابن وهب: لولا مالك والليث لضللنا . وقال شعبة: قدمت المدينة بعد موت نافع بسنة فإذا لمالك حلقة ، قال أبو مصعب سمعت مالكاً يقول : ما أفتيت حتى شهد لى سبعون أنى أهل لذلك. وقال أشهب: كان مالك إذا اعتم جعل منها تحت ذقنه ويسدل طرفها بين كتفيه. وقال مصعب: كان مالك يلبس الثياب العدنية الجياد ويتطيب . وقال القعنى: كنت عند ابن عيينة - ١٧٧ - فبلغه نعى مالك فحزن ، وقال: ما ترك على ظهر الأرض مثله . قال عبد الرحمن ابن واقد : قد رأيت باب مالك بالمدينة كأنه باب الأمير . وقال ابن معين : مالك أحب إلى فى نافع من أيوب وعبيد الله . وقال وهيب: إمام أهل الحديث مالك . قال أحمد بن الخليل ، سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول : إذا اجتمع الثورى ومالك والأوزاعى على أمر فهو سنة، وإن لم يكن فيه نص . قال أحمد بن حنبل أخبرنا شريح بن النعمان عن عبد الله بن نافع قال : قال مالك رحمه الله : الله فى السماء ، وعلمه فى كل مكان . وصح أيضاً عن مالك أنه قال : الاستواء معلوم ، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة . وروى سعيد بن أبى مريم ، عن أشهب بن عبد العزيز قال : رأيت أبا حقيقة بين يدى مالك كالصبى بين يدى أبيه. قال الذهبي : فهذا يدل على حسن أدب أبى حنيفة وتواضعه مع كونه أسن من مالك بثلاث عشر سنة . قال إسماعيل القاضى ، حدثنا أبو مصعب ، سمعت مالكاً يقول : دخلت على أبى جعفر أمير المؤمنين وهو على فراشه وإذا جاء صبى يخرج ثم يرجع ، فقال لى : أتدرى من هذا؟ فقلت : لا ، قال ابنى ، وإنما يفزع من هيبتك . ثم سألنى عن أشياء منها حلال ومنها حرام ، ثم قال لى : أنت والله أعقل الناس وأعلم الناس ، قلت لا والله يا أمير المؤمنين ، قال بلى، ولكنك تكتم لئن بقيت لأ كتبن قولك كما يكتب ، ولأبعتن به إلى الآفاق فأحملهم عليه . قال الحاكم: أخبرنا على بن عيسى الحيرى أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم العبدى ، أخبرنا قتيبة ، سمعت معن بن عيسى يقول : قدم هارون أمير المؤمنين المدينة ليحج ومعه أبو يوسف ، فأتى مالك أمير المؤمنين فقربه وأكرمه، فلما جلس أقبل عليه أبو يوسف ، فسأله عن مسألة فلم يجبه، ثم عاد فسأله فلم يجبه ، قال أمير المؤمنين : ياأبا عبد الله هذا قاضينا يعقوب يسألك ، فأقبل عليه مالك : ( ١٢ - مقدمة تحفة الأحوذي ١). - ١٧٨ - فقال : يا هذا إذا رأيتنى جلست لأهل الباطل فتعال أجبك معهم، كذا فى التذكرة. وقال ابن خلكان : كان مالك إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر فراشه وسرح لحيته ، وتمكن فى جلوسه بوقار وهيبة ، ثم حدث ، فقيل له فى ذلك فقال : أحب أن أعظم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحدث به إلا متمكناً على طهارة . وكان يكره أن يحدث على الطريق أو قائماً أو مستعجلا ويقول : أحب أن أتفهم ماأحدث به عن رسولالله صلى الله عليه وسلم ، وكان لا يركب فى المدينة مع ضعفه وكبر سنه ، ويقول : لا أركب فى مدينة فيها جثة رسول الله صلى الله عليه وسلم مدفونة . وقال الشافعى : قال لى محمد بن الحسن : أيهما أعلى صاحبنا أم صاحبكم ؟ يعنى أبا حنيفة ومالكاً رضى الله عنهما ، قال قلت : على الإنصاف ؟ قال نعم. قال قلت ناشدتك الله من أعلم بالقرآن صاحبنا أم صاحبكم، قال: اللهم صاحبكم ، قال قلت : ناشدتك الله من أعلم بالسنة صاحبنا أم صاحبكم؟ قال : اللهم صاحبكم ، قال قلت : ناشدتك الله من أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المتقدمين صاحبنا أم صاحبكم ؟ قال : اللهم صاحبكم ، قال الشافعى : فلم يبق إلا القياس ، والقياس لا يكون إلا على هذه الأشياء ، فعلى أى شىء نقيس انتهى. قال عبد الله بن المبارك: کنت عندمالك وهو يحدثنا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلدغته عقرب ست عشرة مرة ، وهو يتغير لونه ويصفر وجهه ولا يقطع الحديث ، فلما تفرق الناس عنه قلت له : لقد رأيت اليوم منك عجباً ، فقال: صبرت إجلالا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الذهبي: عاش ستاً وثمانين سنة ، وقيل ولد سنة ست وتسعين . وقال أبوداود : سنة اثنتين وتسعين. وأما يحيى بن بكير فقال سمعته يقول : ولدت سنة ثلاث وتسعين ، فهذا أصح الأقوال . وأما وفاته فقال أبو مصعب : لعشر مضت لربيع الأول ، وكذلك قال ابن وهب . وقال ابن سحنون : فى حادى عشر ربيع - ١٧٩ - الأول ، وكذلك قال ابن أبى أويس فى بكرة أربعة عشرة منه . وقال مصعب الزبيرى : فى صفر ، وكلهم قالوا فى سنة تسعة وسبعين ومائة . ومسند الإمام الشافعى: رتبه الأمير سنجر بن عبد الله على الدين الجاولى ، وشرحه جماعة ، منهما: أبو السعادات المبارك بن محمد المعروف بابن الأثير الجزرى ، المتوفى سنة ست وستمائة ، وسماه كتاب الشافعى العينى فى شرح مسند الشافعى، وهو فى خمسة مجلدات ، وانتخبه الشيخ زين الدين عمر بن أحمد الشماع الحلبى ، وسماه المنتخب المرضى من مسند الشافعى . وجمع مسنده أبو عبد الله بن يعقوب بن يوسف الأصم الشافعى ، المتوفى سنة ست وأربعين ومائتين وشرحه الإمام أبو القاسم عبد الكريم بن محمد القزويني الرافعى عقيب الشرح الكبير ، وابتدأ فى رجب سنة اثنتى عشرة وستمائة وهو فى مجلدين ، وتوفى سنة ثلاث وعشرين وستمائة . وصنف السيوطى كتاباً سماه أيضاً الشافى العينى على مسند الشافعى . وتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة ، كذا فى كشف الظنون . وقال الشاه عبد العزيز المحدث الدهلوى فى البستان مسند حضرت إمام شافعى عبارت ست از أحاديث مرفوعه كه إمام شافعى آنرابه حضور شاكردان خود بسند بیان می فرمودوروایت می نمود وآ مجه ازیر احاديث در مسموعات أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ازربيع بن سليمان درضمن كتاب اللام ومبسوط واقع شده آنرايك جاجمع نموده مسند إمام شافعى نام كرده ورییع بن سلیمان بی واسطه شا کر دامام شافعى ست وهمه احاديث را ازامام شافعی شفیده گرجیار حديث ازجزواول که بواسطه بويطى ازامام شافعى روایتعی کند وجامع وملقط آل احادیث شخصی ازنیشابور ست که اورابو جعفر محمد بن طركونيد وازابواب ام ومبسوط آل احاديث را التقاط كرده جد انوشته وجول اين همه بفرموده أبو العباس اصم بودمؤلف مسند شافعى أواانکارند وبعضی کونید که خود بوالعباس انتخاب آل حدیث کرده ست - ١٨٠ - محمد بن مطر کاتب محض بودحال آل مسندنه برمسانيد ترتيب يافته است ونه برابواب بلكه كيف ما اتفق النقاط نموده جدا نوشته است ولهذا تكرار بسیاردرا کثر مواضع درال يافته مى شود انتهى . وقال السيوطى فى التدريب ص ٥٧ : مسند الشافعى ليس من تصنيفه وإنما لقطه بعض الحفاظ النيسابوريين من مسموع الأصم من الأم وسمعه عليه، فإنه كان سمع الأم أو غالبها على الربيع عن الشافعى . وعمرو كان آخر من روى عنه وحصل له صم ، وكان فى السماع عليه مشقة انتهى . وأما ترجمة الإمام الشافعى: فهو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس ابن عثمان بن شافع بن السايب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصى بن كلاب القرشى المطلبى المكى ، نسيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وناصر سنته . ولد سنة خمسين ومائة بغزة ، حمل إلى مكة لما فطم فنشأ بها ، وأقبل على العلوم فتفقه بمسلم الزنجى وغيره. حدث عن عمه محمد بن على، وعبد العزيز الماجشون ، ومالك الإمام وإسماعيل بن جعفر ، وإبراهيم بن أبى يحيى وخلق . وعنه أحمد والحميدى وأبو عبيد والبويطى وأبو ثور والربيع المرادى والزعفرانى وأمم سواهم ، وكان من أحذق قريش بالرمى كان يصيب من العشرة عشرة. وكان أولا قد برع فى ذلك وفى الشعر واللغة وأيام العرب ثم أقبل على الفقه والحديث، وجود القرآن على إسماعيل بن قسطنطين مقرى مكة ، وكان يختم فى رمضان ستين مرة ثم حفظ الموطأ وعرضه على مالك وأذن له مسلم بن خالد بالفتوى وهو ابن عشرين سنة أو دونها. وكتب عن محمد بن الحسن الفقيه وقر بختى ؛ روى ذلك ابن أبى حاتم عن الربيع عنه ، وكان مع فرط ذكائه وسيلان ذهنه يستعمل اللبان ليقوى حفظه فأعقبه رمى الدم سنة . قال إسحاق بن راهويه : قال لى أحمد بن حنبل بمكة : تعال حتى أربك رجلا لم تر عيناك مثله، فأقامنى على الشافعى .