Indexed OCR Text

Pages 141-160

== ١٤١-
بعد ما مشى ممشاه ورضى بما ارتضاه ، تأييد مصادمة الفقهاء الحنفية بالحدثين ،
ومعارضتهم إياهم . قال الشيخ الدهلوى : ومجال مقال الفقهاء فيما قرره المحدثون
واسع . وقال مشيراً إلى كلام ابن الهمام السابق : وهذا نافع مفيد فى غرضنا
من شرح هذا الكتاب - يعنى السفر - وهو تأييد المذهب الحنفى. وهذا صريح
فى إقرارهم بأن تأييدهمذهب الحنفية إنما يتأتى بصيرورة الصحيحين كغيرها من
الصحاح بإبطال الخصوصية منهما صحة وثقة، وأن محاولة الانقداح المذكور فى
الترتيب المتقدم إنما هو لكون هذا المذهب فى الأغلب على خلاف مافى الصحيحين.
هذا ماحاولوا وأرادوا ، ولكن الله سبحانه وتعالى ما شاء كان وما لم يشأ
لم يكن. وإنزال العالى من علوه لما كان أحد القدحين . ليتهم لم يقدموا على
القدح فى منيع مرتبة الصحيحين ورفيع قدرها وكونهما أصح كتاب فى الصحيح
المجرد تحت أديم السماء . وأنهما أصح الكتب بعد القرآن العزيز بإجماع من
عليه التعويل فى هذا العلم الشريف قاطبة فى كل عصر ، وإجماع كل فقيه مخالف
ومو فق على ما لا يوجد ، مثل ذلك الإجماع على فضل أبى حقيقة على الفقهاء
الثلاثة من المعاند والمخالف ، مع دعوى ذلك عن أكثر أهل المذهب.
ومن ثبوت الأصحية لهذين السفرين المباركين لا يلزم خلاف الحديث الصحيح
القادح على أبى حنيفة فيما خالف أحاديثهما على ماستعرف إن شاء الله تعالى حتى
يلجأهم ذلك إلى الوقيعة فيهما بإبطال مابه اختصّاً ، وصارا قرير عين من أقر الله
عينه ، وبعد سلامة صاحب المذهب عن الطعن أية مبالاة من وهن الروايات المخالفة
بأحاديثهما وتركها، لما صح عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على أن المنصف
البطل القائل بصريح الحق وطريقه إذا رأى تمام الحجة على إمامه فى شىء ينفك
عقدة تقليده له فيه ، وليس تمام الحجة عليه من الطعن فى شىء ، وهذا أبو جعفر
الطحاوى مع مبالغته المفرطة فى نصرة المذهب يقول إذا تمت الحجة على أبى حنيفة
تراه فى آثار المعانى كيف يأتى بكلام جديد حتى يقول فى بعض المواضع فا

- ١٤٢ -
قال أبو حنيفة باطل . وأمثال ذلك مما لا يرتضيه كل مقلد متعصب . ولنشتغل
بما أردنا الإفصاح عنه مما ظهر علينا بحمد الله سبحانه فى إبطال قول المبطل
لمنيع منزلتهما فى تجريد الصحيح ، ولله الحجة البالغة .
فاعلم واستمع وأنت تنفض يديك عن لوث التقليد والتزليق ، وتمسح
عينيك عن قذى العصوبة فى نظرك إلى شواهق ذروة التحقيق ، أن الحذاق
الكبراء من هذا الفن تكلموا فى تعيين شروط الشيخين فى الصحيحين ،
على اختلاف كثير لم يقض وطراً عن تعيين تلك الشروط. وآلت كمتهم إلى
أن شرطهما فيهما بذل جهدهم فى التيقظ من كل وجه فى الأسانيد والمتون من
حيث ما أمكن لهم من صرف مجهودهما فى كونهما سلطانى سلاطين الصنعة .
ولما لم يَبْقَ ريب بإجماع العلماء فى تقديم البخارى على مسلم ، ثم مسلم على أهل
عصره ومن بعده من أئمة هذا الفن فى معرفة الصحيح والعلل ، فإنهم لا يختلفون
أن ابن المدينى كان أعلم أقرانه بعلل الحديث، وعنه أخذ البخارى ذلك. ومع
ذلك كان ابن المدينى إذا بلغه عن البخارى شىء يقول مارأى مثل نفسه.
وعرض مسلم كتابه على أبى زرعة الرازى فيما أشار أن له علة تركه . قاله شيخ
الإسلام فى مقدمة شرح البخارى: لم يبق سبيل إلى ضبط ماراعياه واحتاطاه
على مبلغ كمالهما وخبرتهما فى دقائق التصحيح والعلل فى كتابيهما . وقد ثبت
أنهما أخرجاهما عن ألوف من الصحاح الثابتة عندهما ، حتى قال البخارى :
أحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتى ألف حديث غير صحيح . وقال مسلم :
ليس كل شىء عندى من الصحيح وضعته ههنا ، إنما وضعت ما أجمعوا عليه .
فدققا النظر فى الصحيح عندهما وأخرج منهما اللب وكل مابه وقع التدقيق ،
فهو شرطهما، فلا يعرف شرطهما إلا بتصريحهما ولم يصرحا. فلا محيص إلى
الفوز بشروطهما إلا الإخراج عن رجالها بأعيانهم . ولهذا قال الإمام النووى

- ١٤٣ -
وغيره ممن نظر فيما فصلنا لك : إن المراد بقولهم على شرط الشيخين أن يكون
رجال إسناده فى كتابيهما .
وعلل النووى كلامه هذا بقوله : لأنه ليس لهما شرط فى كتابيهما ولا فى
غيرها؛ انتهى. يعنى لم يصرحا به ولم يوجد بالإجماع فى عصرهما ولا فيما بعد
ذلك مثلهما فى هذا الفن وإمامته، فلاسبيل إلى إتيان مثل شروطهما فى حذاقتهما
من غير الرواية عن رجالهما بالأعيان ، وذلك أيضاً برواية غيرهما عنهم لا يوجب
المساواة بهما، ولا يزول به خصوص أصحية ما فيهما بالنسبة إلى غيرهما ، وذلك
من وجوه :
الوجه الأول : أن الشیخین لا یکتفیان فی التصحیح بمجرد حال الراوى
فى العدالة والاتصال من غير نظر إلى غيره ، بل ينظران فى حاله مع من روی
عنه فى كثرة ملازمته له أو قلتها ، أو كونه من بلده ممارساً لحديثه ، أو غريباً
من بلد من أخذ عنه .
الوجه الثانى: وهو أدق من الأول ؛ أنهما يرويان عن أناس ثقات ضعفوا
فى أناس مخصوصين من غير حديث الذين ضعفوا فيهم ، فيجىء عنهم حديث
غير من ضعفوا فيه برجال كلهم فى الكتابين أو فى أحدهما ، فنسبة أنه على
شرطهما أو أحدهما غلط ، كأن يقال فى هيثم عن الزهرى ، وكل من هيثم
والزهرى أخرجا له فهو على شرطهما، فيقال بل ليس على شرط واحد منهما
لأنهما إنما أخرخا لهيثم من غيرِ حديث الزهرى ، فإنه يعنى هيئما ضعف فيه
لأنه كان دخل عليه فأخذ عنه عشرين حديثاً، فلقيه صاحب له وهو راجع عنه
فسأله روايتهما ، وكان ثم ريح شديدة ، فذهبت بالأوراق من يده ، فلقيه الرجل
فصار هيثم يحدث بما علق منها بذهنه، ولم يكن أتقن حفظها ، فوهم فى أشياء
منها ضعف فى الزهرى بسببها . وكذا همام ضعيف فى ابن جريج ، مع أن كلا
منهما أخرجاله، لكن لم يخرجا له عن ابن جريج شيئاً. ولهذا قال ابن الصلاح

- ١٤٤ -
فى شرح مسلم: من حكم لشخص بمجرد رواية مسلم عنه فى صحيحه بأنه من
شرط الصحيح فقد غفل وأخطأ ، بل ذلك يتوقف على النظر فى كيفية رواية
مسلم عنه، وعلى أى وجه اعتمد عليه . "
الوجه الثالث: من روى إسناداً بلفظه من رجالهما ، كسماك عن ابن عباس
فسماك على شرط مسلم فقط ، وعكرمة انفرد به البخاری ، فالحق فيه أنه ليس
على شرط واحد منهما .
الوجه الرابع: قد يروى عن رجالها أو أحدهما فى حالة اختلاطهم التى
مارويا عنهم إلا قبلها كأحمد بن عبد الرحمن بن أخى عبد الله بن وهب اختلط
بعد الخمسين ومائتين بعد خروج مسلم من مصر ، وإنما أخذ عنه قبل ذلك .
الوجه الخامس: أخرج مسلم عن بعض الضعفاء، ولا يضره ذلك فإنه يذكر
أولا الحديث بأسانيد نظيفة ويجعله أصلا ثم يتبعه بإسناد أو أسانيد فيها بعض
الضعفاء على وجه التأكيد والمبالغة ، فمن أتى بسند فيه هؤلاء فقد أتى على رجال
مسلم بعينه وليس على شرط مسلم .
الوجه السادس : ربما يدخل مسلم من حديث غير الإثبات مارواه الثقات
عن شيوخهم إلا أنه بسند نازل فيعمد إلى رواية غيرهم للارتفاع ولا يضره
كروايته عن أسباط بن نصر ، وقطن وأحمد بن عيسى المصرى . ولما لامه
أبو زرعة على روايته عن هؤلاء قال له : إنما أدخلت من حديثهم ما رواه
الثقات عن شيوخهم إلا أنه ربما وقع إلى (( عنهم)) بارتفاع ، ويكون عندى
برواية أوثق منهم بنزول . فاقتصر على ذلك، وليس من الحوامل على ذلك
علو السعد وحده بل ربما يوجد محاسن كثيرة فى إسناد فيه مبهم، كمروان
فى بعض أسانيد البخارى فيعمدون إلى ذكر الحديث بذلك السند بعد الوقوف
عليه من طريق آخر عندهم . ومما يحمل على ذلك إلزام من يعتقد شخصاً وقع
فى رجال السند فيسرد الحاذق الخبير ذلك الإسناد حين البحث مع من محسن

-١٤٥ -
الظن إليه . ومن هذا القبيل رواية على بن حسين بن على بن أبى طالب رضى
الله تعالى عنهم عن مروان بن الحكم مع ماله من موبقات الأعمال وشنائع
الأفعال . فعد من لا خبرة عنده مروان من مشائخه ، وهذا والله لجفاء عظيم
ليؤاخذ الله سبحانه به الجافى .
والحاصل أن الحذاق ربما يروون عن رجال ليسوا على باله ، ولا يضرهم
ذلك بما رزقوا من البصارة فى أمرهم على ما رواه النووى عن سفيان أنه كان
یقول : حدثنی فلان وهو كذاب . فقيل له : أنت تروى عنه وتقول هو
كذاب ؟ قال: إنى أعرف كذبه من صدقه. وهذا الذى بسطنا لك يعطيك أن
رواية غير الشيخين عن رجال الشيخين لايوجب مساواة مرويه بمرويهما .
وقد أطال صاحب الدراسات هاهنا الكلام فى عدة أوراق وأجاد فيه ،
ثم قال ما لفظه: قال ( أى ابن الهمام ) رحمه الله تعالى تحكم لا يجوز فيه التقليد
إذ الأصحية ليست إلا لاشتمال رواتهما الخ . أقول قد مر الجواب عن ذلك
مامى ، وعرفت إن شاء الله تعالى وهو غير بعيد فراجعه . قال فإذا فرض وجود
تلك الشروط فى رواة حديث فى غير الكتابين إلخ . أقول فرض وجود
تلك الشروط فى حديث غيرهما مسلم؛ إذ لم يقم دليل على الامتناع العقلى ، وليس
لإثباته محاول ، لكن لا يلزم من تسليم فرض الوجود نفس ذلك الوجود ،
وإنما الكلام فى وجود الشروط وانتفاء ذلك فى الغیر قد بيّنا دلیله ، فلا معنى
لكون رجحان مافى الصحيحين تحكماً . قال ثم حكمهما أو أحدهما بأن الراوى
المعين المجتمع فيه تلك الشروط ليس مما يقطع فيه بمطابقة الواقع ، فيجوز كون
الواقع خلافه .
أقول رجحان مافى الصحيحين فى الصحة على غيرهما وهو المتنازع فيه،
لا يتوقف على القطع المذكور وإنما يكتفى فيه غلبة الظن بدليل يورث ذلك ،
وقد حكم الحفاظ المتقنون طبقة بعد طبقة حتى لم يشذ منهم واحد بأن الشروط
(١٠ - مقدمة تحفة الأحوذي ١)

-١٤٦ -
التى توجد فى رواتهما لا توجد فى غيرهم ، وليس حكمهم هذا بمجرد حسن الظن
إليهما إجمالا من غير فحص بليغ عن أحوال الرواة فى كمال حذاقة الحفاظ فى فن
الجرح والتعديل ومعرفة الأحوال ، مما يتعجب الناظر فى كتب ذلك الفن من
جملة الفنون الحديثية . فما زال إلا عن علم تفصيلى عن طريق تعين لحصوله ،
ولولا ذلك لما وقع الانتقاد من رواتهما على من وقع، ومثل هذا عن كل حافظ
فى الأمة ، بل وعن كل فقيه موافق ومخالف أيضاً إلا عن ابن الهمام وتوابعه،
لو لم يورث غلبة الظن ، ولم يقم دليلا على أرجحية ما فى الكتابين على غيرهما
لم يثبت فى الشريعة المطهرة كثير مما ثبت من الظن الغالب ، بل لا يثبت أبداً
حديث صحيح ، فإن صحة الحديث بمعنى الظن الغالب فى صدق صدوره عن النبى
صلى الله عليه وسلم فى غير الصحيحين ، فإِنها فيهما بمعنى القطع عند المحققين .
فإن لم يثبت الظن الغالب بإجماع الحفاظ ، فلأن لا يثبت بحكم المخرج الواحد
الإمام فى الفن بصحة سندٍ ، كابن خزيمة مثلا أولى ، وهذه مفسدة يتعوذ منها
إلى الله سبحانه ، فإنها تنسد باب إثبات الصحة فى كلام الرسول صلى الله تعالى
عليه وسلم، وأية مفسدة أعظم ؟ فإذا ثبتت غلبة الظن للقريب من القطع بوجود
شروط فيهما لا توجد فی غیرهما إجمالا ، وإن لم يحصل ذلك تفصيلا فى كل
شرط ادعاه بعض المشائخ وجوده فيهما من غير تصريح من الشيخين ، ثبت
الرجحان المطلوب فى أغلب أحاديث الكتابين إلا الأحرف اليسيرة التى
عددناها فيما تقدم فلا تأييد لقوله .
وقد أخرج مسلم الخ لما أراد تأييده من إثبات التحكم فى الحكم برجحان
مافى الصحيحين على أنه قد من من حكم ذلك المنتقد، وأنه مما تُعقَّبَ الانتقاد
فيه وأثبت وجود الشرائط فيها بحكم الجم الفقير من العلماء ، بل كلهم غير قائل
منهم حكموا بذلك من غير بصيرة . وقد تقرر عند من غلب عليه فن الحديث
من الحنفية أن التعديل متى غلب على الجرح جعل الجرح كأن لم يكن . صرح

-١٤٧ -
بذلك الخوارزمى فى مقدمة مسند أبى حنيفة، قال : فدار الأمر فى الرواة
على اجتهاد العلماء فيهم فى الشروط الخ.
أقول إن أراد بهذا التفريع تفريع دوران كون الرواة مجتمعاً فيهم الشروط
على حكمهم، ويكون تفرعه على قوله ، فإذا فرض وجود تلك الشروط الخ
وإن كان خلاف الظاهر بالسباق والسياق ، فالحكم بهذا الدوران مسلم ، لكن
حصل العلم بوقوع الاجتهاد ووجدان الشروط فى الصحيحين على مالم يوجد فى
غيره ، فالرجحان ثابت بدليله . وإن أراد بهذا التفريع تفريع دوران أمر الرواة
فى وجود شرط دون شرط على حكمهم ، ويكون تفرعه على قوله ، ثم حكمهما
أو أحدهما الخ على ما هو الظاهر بل المتعين بدليل السياق ، وهو قوله: حتى
إن من اعتبر شرطاً وألغاه الآخر يكون مارواه الآخر مما ليس فيه ذلك الشرط
مكافياً لمعارضة المشتمل على ذلك الشرط . وكذا فيمن ضعف راوياً ووثقه
آخر انتهى. فهو وإن سلمنا صحته من حيث أن باختلاف الاشتراط والإلغاء فى
شرط يكون الحكم عند كل من المشترط والملغى على ما بَيَّن من الكفاية
للمعارضة ، لكن لا نسلم أن ذلك مما يثبت التحكم فى رجحان الكتابين ،
وذلك لأنه ليس الكلام فى الترجيح عند المشترط والملغى وحدهما ، بل الكلام
فى الترجيح من الحفاظ الناظرين فى شرائط المخرج ، بل وفى ترجيح الفقهاء
المستدلين على دعاويهم بأحاديث الصحيحين وأحاديث غيرهما . ولهذا قال ابن
الحمام فى مبحث الترجيح فى كتابه ( التحرير ) فى عد مابه ترجيح الحديث
وكالمنسوب إلى كتاب عرف بالصحة على مالم يلتزمها انتهى .
قال الشارح: أى كترجح المروى فى كتاب عرف بالصحة كالصحيحين
على منسوب إلى كتاب لم يلتزم الصحة قال: فلو أبدى سنداً اعتبر الأصحية
انتهى. قال الشارح: أى أظهر من يلتزم الصحة سنداً لذلك المروى ، اعتبر
الأصحية بينهما طريقاً فأيهما فاز بها فاز بالتقديم انتهى .

-١٤٨ -
وهو صريح فى أن الترجيح المتنازع فيه هو ترجيح الناظرين فى أحاديث
كتب الحديث من الحفاظ والفقهاء ، لا الترجيح الواقع بين المخرج المشترط
لشرط، وبين الآخر الملغى لذلك الشرط، وإذا كان كذلك كان الأصحية
والرجحان عند الحفاظ والفقهاء بل كل عاقل ، لما ضيق فى شرائطه ودقق فيها .
فمروى مسلم حيث ألفى اللقاء بعد المعاصرة ، لا يساوى مروى البخارى مع
اشتراطه اللقاء بل الرواية أيضاً . فلو صح عنعنة المعاصر عند مسلم وحده لمعارضة
مافى البخارى مما فيه الرواية عن ذلك المعاصر ، فهو مالم يقبله الحفاظ والفقهاء
قاطبة ، ولا يقبله أيضاً كل ذى بحة صادقة. ولهذا قدم صحيح البخارى على صحيح
مسلم. هذا حال صحيح مسلم، فما ظنك ممن(١) لم يتضيق على نفسه تضييقه فى صحيحه
بالنسبة إلى صحيح البخارى ، فهذا الكلام من شيخ الحنفية وإمامهم فى تحكم
القول برجحان الصحيحين من المحدثين والحفاظ مما يتعجب منه والله تعالى أعلم.
قال: نعم تسكن نفس غير المجتهد ومن لم يختبر أمر الراوى بنفسه إلى ما اجتمع
عليه الأكثر، وأما المجتهد فى اعتبار الشرط الخ أقول : لا نسلم أن المختبر
الممتحن لحال الراوى ليس من تسكن نفسه إلى ما اجتمع عليه الأكثرون لايحكم
على ما حكموا عليه من اجتماع الأمَّة على عدالة رواة الصحيحين ، ولا يرجع إلا
إلى ما اختبره بنفسه ، فيقدم حديث الراوى الذى اختبره بنفسه على حديث
الراوى المجتمع على اختباره وامتحانه ألوف من جهابذة فن الجرح والتعديل،
لأن اختبار الواحد وإن كان إماماً فى الفن ، لا يعدل اختبار آلاف من أمته،
وليس من ضرورة اختباره بنفسه أن لايرى لاختبار الأمة فضلا على اختباره،
وهذا ظاهر لاسترة به . فالمختبر فى ترجيح ما اجتمع عليه الأكثر كالعامى الغير
المختبر، فكل من علم أن حفاظ الأمة اختبروا أمر رواة الصحيحين
وامتحنوهم ، يرجح حديثهما على حديث غيرهما ، وإن اختبر فيه أمر رواته
(١) كذا فى الأصل ١٢

- ١٤٩ -
بنفسه، فرجحان الصحيحين عنده متحتم من غير تحكم .
وأما المجتهد فى اعتبار الشرط وعدمه فيلزم عليه رجحان ما هو أضيق
شرطاً فى الواقع، لكونه أحوط وأقرب إلى الصدق والصواب . ولیس کتاب
أضيق فى الشروط على وجه الأرض من الصحيحين ، فإن أنصف المجتهد فى
الشروظ لا يرجع إلى رأى نفسه بإلغاء الشروط إلى ما هو أكثر شروطاً
وأضيق ، فيقبل حديثه ويقدمه على حديث ليس فيه تلك الشروط . وإن ألفاها
باجتهاده ورأيه فيها ، وأيضاً ما اجتهد الشيخان فيه من الشروط ورأياه ، رآه
أكثر المجتهدين فى الشروط، فيتقوى لا محالة عند الملغى رأيهما. كما أن مجتهداً
فى فرع إذا رأى مائة مجتهد يقولون بخلافه يتقوى عنده القول المخالف له إن
أنصف ، فإن لكثرة الظنون تأثيراً فى الإصابة بصريح النص من رسول الله
صلى الله عليه وسلم . فرجحان الصحيحين على غيرهما ليس بتحكم عند من يلغى
كثيراً مما اشترطا أيضاً . انتهى مافى الدراسات .
وقال العلامة سلام الله الحنفى فى مقدمة المحلى شرح الموطأ بعد نقل كلام
ابن الهمام المذكور ما لفظه: ويمكن أن يجاب بأن للشيخين مزية على غيرهما فى
معرفة علل الحديث وملازمة الرواة لمن رووا عنه وعدمها ، وكونهم من بلد
واحد أو بلدين. فقد يكون حديث برجال كلهم فى الكتابين أو أحدهما مع
كونه ضعيفاً، فقد يكون الراوى ثقة مع كونه ضعيفاً فى الرواية عن أناس
ثقات مخصوصين . مثاله من هشيم(١) والزهرى أخرج له من أن هشيماً ضعيف
فى الزهرى ، لأنه كان رحل إليه فأخذ عنه عشرين حديثاً ، فهبت ريح شديدة
فذهبت بالأوراق، فصار هشيم يحدث مما علق منها بذهنه ولم يكن أتقن حفظها
فوهم فى أشياء منها ، وضعف فى الزهرى بسببها . وكذا همام ضعيف فى ابن جريج
مع أن كلا منهما أخرجا له لكن لم يخرجاله عن ابن جريج شيئاً . انتهى كلامه.
(١) لعله عن هشيم عن الزهرى أخرجا له مع أن هشيما الخ .
١

- ١٥٠ -
الفصل الثانى والعشرون
فى ذكر الكتب الصحاح التى هى غير الصحاح الستة ، وهى عدة
کتب . ومنها :
صحيح ابن خزيمة : وهو الحافظ الكبير إمام الأئمة شيخ الإسلام أبو بكر
محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السلمى النيسابورى .
قال الذهبى فى التذكرة : ولد سنة ٢٢٣ ثلاث وعشرين ومائتين ، وعنى بهذا
الشأن فى الحداثة ، وسمع من إسحاق بن راهويه ومحمد بن حميد، ولم يحدث
عنهما لصغره، ونقص إتقانه إذ ذاك . وسمع من محمود بن غيلان ، وعتبة بن
عبد الله اليحمدى المروزى ، ومحمد بن أبان المستملى، وإسحاق بن موسى الخطمى
وعلى بن حجر ، وأحمد بن منيع ، وأبى قدامة السرخسى ، وبشر بن معاذ،
وأبى كريب، وعبد الجبار بن العلاء وطبقتهم، فأكثر وجود وصنف واشتهر
اسمه، وانتهت إليه الإمامة والحفظ فى عصره بخراسان .
حدث عنه الشيخان خارج صحيحيهما ، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم
أحد شيوخه، وأحمد بن المبارك المستعلى، وإبراهيم بن أبى طالب ، وأبو على
النيسابورى ، وإسحاق بن سعيد النسوى ، وأبو عمرو بن حمدان، وأبو حامد
أحمد بن محمد بن بالويه، وأبو بكر أحمد بن مهران المقرئ، ومحمد بن أحمد بن
بصير ، وحفيده محمد بن الفضل بن محمد ، وخلق لا يحصون . قال أبو عثمان
الخيرى حدثنا ابن خزيمة قال: كنت إذا أردت أن أصنف الشىء دخلت فى
الصلاة مستخيراً حتى يقع لى فيها ، ثم قال أبو عثمان الزاهد: إن الله ليدفع البلاء
عن أهل نيسابور بابن خزيمة . وقال أبو بكر محمد بن جعفر: سمعت ابن خزيمة
وسئل من أين أوتيت هذا العلم؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((ماء زمزم لما شُرِب له))، وإنى لما شربت ماء زمزم سألت الله علماً نافعاً.

- ١٥١ -
وقال أبو على النيسابورى ، كان ابن خزيمة يحفظ الفقهيات من حديثه كما يحفظ
القارئ السورة . قال الذهبي: هذا الإمام كان فريد عصره ، فأخبرنى الحسن
ابن على ، أنبأنا ابن الليثى، أنبأنا أبو الوقت ، أنبأنا أبو إسماعيل الأنصارى
أنبأنا عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن صالح، أنبأنا أبى، أخبرنا أبو حاتم محمد
ابن حبان التميمى قال: ما رأيت على وجه الأرض من يحسن صناعة السنن،
ويحفظ ألفاظها الصحاح وزياداتها، حتى كأن السنن بين عينيه ، إلا محمد بن
إسحاق بن خزيمة فقط .
وقال الحاكم فى كتاب علوم الحديث : فضائل ابن خزيمة مجموعة عندى
فى أوراق كثيرة ، ومصنفاته تزيد على مائة وأربعين كتاباً سوى المسائل،
والمسائل المصنفة مائة جزء، وله فقه حديث بريرة فى ثلاثة أجزاء. قال الذهبي :
قد استوعب الحاكم سيرة ابن خزيمة وأحواله. وساق : أنه عمل دعوة عديمة
النظير فى بستان خرج إليه، يمر فى أسواق نيسابور ويعزم على الناس،
ويبادرون معه فرحين مسرورين ، حاملين ما أمكنهم من الشواء والحلوى
والطيبات حتى لم يتركوا فى المدينة شيئاً من ذلك ، واجتمع عالم لا يحصون،
وهذه دعوة لم يتهيأ مثلها إلا لسلطان . وكانت وفاته فى ثانى ذى القعدة
سنة ٣١١ إحدى عشرة وثلاثمائة ، وهو فى تسع وثمانين سنة .
ومنها صحيح ابن حبان : وهو الحافظ العلامة أبو حاتم محمد بن حبان بن
أحمد بن حبان بن معاذ التميمى البستى صاحب التصانيف ، سمع الحسين بن
إدريس الهروى، وأبا خليفة الجمحى، وأبا عبد الرحمن النسائى ، وعمران بن
موسى بن مجاشع، والحسن بن سفيان، وأبا يعلى الموصلى ، وأحمد بن الحسن
الصوفى ، وجعفر بن أحمد الدمشقى ، وأبا بكر بن خزيمة وأما لا يحصون من
مصر إلى خراسان. حدث عنه الحاكم، ومنصور ، وعبد الله الخالدى ،
وأبو معاذ عبد الرحمن بن محمد بن رزق الله، وأبو الحسن محمد بن أحمد بن

- ١٥٢ -
عبدون الروزنى ، ومحمد بن أحمد بن منصور البوقانى ، وخلق . قال أبو سعد
الإدريسى : كان على قضاء سمر قند زماناً، وكان من فقهاء الدين وحفاظ الآثار،
عالماً بالطب والنجوم وفنون العلم . صنف المسند الصحيح والتاريخ، و کتاب
الضعفاء، وفقه الناس ، بسمرقند .
وقال الحاكم : كان ابن حبان من أوعية العلم فى الفقه واللغة والحديث
والوعظ ، ومن عقلاء الرجال . قدم نيسابور فسمع من عبد الله بن شيرويه
وغيره ، ورحل إلى بخاری فلقی عمر بن محمد بن بحير ، ثم ورد نيسابور سنة
أربع وثلاثين وسار إلى قضاء نسأ ، ثم انصرف إلينا سنة سبع فأقام بنسابور
وبنى الخانقاه، وقرئ عليه جملة من مصنفاته ، ثم خرج من نيسابور إلى وطنه
سجستان عام أربعين، وكانت الرحلة إليه لسماع كتبه . وقال الخطيب : كان
ثقة نبيلا فهماً. قال الذهبي: مات أبو حاتم بن حبان فى شوال سنة ٣٥٤ أربع
وخمسين وثلاثمائة وهو فى عشر(١) المائتين.
ومنها صحيح أبى عوانة: وهو الحافظ الثقة الكبير يعقوب بن إسحاق بن
إبراهيم بن يزيد الإسفرائينى النيسابورى الأصل ، صاحب الصحيح المسند
المخرج على صحيح مسلم، وله فيه زيادات عدة . طوف الدنيا وعنى بهذا الشأن ،
وسمع يونس بن عبدالأعلى، وأحمد بن الأزهر ، والزعفرانى، وعلى بن حرب،
وعمر بن شبة، ومحمد بن يحيى الذهلى ، وعلى بن أشكاب وطبقتهم ومن بعدهم .
حدث عنه الحافظ أحمد بن على الرازى، وأبو على النيسابورى ، ويحيى بن منصور
القاضى، وابن عدى، والطبرانى، والإسماعيلى، وحسينك، وخُلق ، وولده
أبو مصعب محمد ، وابن ابن أخيه ، وأبو نعيم عبد الملك بن الحسن الإسفرائينی
خاتمة أصحابه . قال الحاكم: أبو عوانة من علماء الحديث وأثباتهم ، سمعت
(١) كذا فى الأصل. قال في هامش التذكرة (ص ١٣٢ ج ٣ طبع ثاني): لعله فى
عشر الثمانين .

- ١٥٢ -
ابنه محمداً يقول: إنه توفى سنة ٣١٦ (ست عشرة وثلاثمائة). وقال غيره:
قبر أبى عوانة عليه مشهد مبنى بأسفرائين يزار(١)، وهو بداخل المدينة.
وكان أول من أدخل كتب الشافعى ومذهبه إلى أسفرائين ، أخذ ذلك عن
الربیع والمزنى ، وهو ثقة جلیل ..
ومنها صحيح(٢) ابن السكن: وهو الحافظ أبو على سعيد بن عثمان بن سعيد
ابن السكن البغدادى نزيل مصر، ولد سنة ١٩٤ أربع وتسعين ومائة ، سمع
أبا القاسم البغوى ، وسعيد بن عبد العزيز الحلبى ، ومحمد بن محمد بن بدر الباهلى،
وأبا عروبة الحرانى، ومحمد بن يوسف القريرى، وابن جوصا ، وطبقتهم من
جيحون إلى النيل . وعنى بهذا الشأن وجمع وصنف وبعد صيته ، روى عنه
أبو عبد الله بن منده، وعبد الغنى بن سعيد، وعلى بن محمد الدقاق، وعبد الله
ابن محمد بن أسد القرطبى، وأبو عبد الله محمد بن يحيى بن مفرج ، وأبو جعفر
ابن عون الله وآخرون ، ووقع كتابه الصحيح المنتقى إلى أهل أندلس . توفى
فى المحرم سنة ٣٥٣ ( ثلاث وخمسين وثلاثمائة).
ومنها صحيح الإسماعيلى: وهو الإمام الحافظ الثبت شيخ الإسلام أبو بكر
أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس الإسماعيلى الجرجانى، كبير الشافعية
بناحيته . ولد سنة ٢٧٧ (سبع وسبعين ومائتين )، وسمع سنة تسع وثمانين
(١) القبور المباح زيارتها فى الشرع هى قور الموتى فى الجبانات العامة؛ للعظة والعبرة
كما الصادقة، كى تذكر الآخرة. أما اتخاذ قبور الصالحين عيداً ومزاراً بعد البناء عليها وتخصيصها
وزخرفتها ، والاحتفال بها، وشد الرحال إليها .. فكل ذلك نهى عنه الشرع وشدد فى الهى؛
نهى عن الدعاء والاستغانة والتبرك بمن فيها، وكذا عن النذر لهم أو اعتقاد النفع وأنه مرفيهم .
ذلك أن قبور الصالحين وتعظيمها كانت فى جميع حقب التاريخ وفى أعناب جميع النبوات
سبباً مباشراً فى شرك المشركين وضلال الضالين ... (المصحح)
(٢) ويقال له الصحيح المنتقى كما فى التذكرة، ويقال له أيضاً: الصحاح المأثورة عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فی الکشف س ٧٦ ج ٢

- ١٥٤ -
وبعدها من إبراهيم بن زهير الحلوانى ، وحمزة بن محمد الكاتب ، ويوسف بن
يعقوب القاضى، وأحمد بن محمد بن مسروق، ومحمد بن يحيى المروزى، والحسن
ابن علويه، وجعفر بن محمد الفريابى، ومحمد بن عبد الله الحضرمى، وابن أبى
شيبة ، وأبى خليفة الجمحى ، وبهاول بن إسحاق الأنباری ، وعبدان ، وأبى
يعلى ، وابن خزيمة ، وخلق. وله معجم مروى ، وصنف الصحيح وأشياء
كثيرة من جملتها مسند عمر رضى الله عنه ، هذبه فى مجلدين .
قال الذهبي: طالعته وعلقت منه، وابتهرت بحفظ هذا الإمام ، وجزمت
بأن المتأخرين على إياس من أن يلحقوا المتقدمين فى الحفظ والمعرفة . حدث عنه
الحاكم، والبرقانى، وحمزة السهمى، وأبو القاسم العبدرى ، والحسين بن محمد
الباسانى، وأبو الحسن محمد بن على الطبرى"، والحافظ أبو بكر محمد بن إدريس
الجرجرائى ، وعبد الواحد ابن منير المعدل ، وسبط الإسماعيلى أبو عمرو
عبد الرحمن بن محمد الفارسى، وخلق سواهم. قال حمزة: وسمعت أبا محمد الحسن
ابن على الحافظ بالبصرة يقول: كان الواجب الشيخ أبى بكر أن يصنف لنفسه
شيئاً ويختار ويجتهد، فإنه كان يقدر عليه لكثرة ما كان كتب ولغزارة علمه
وفهمه وجلالته، وما كان ينبغى له أن يتقيد بكتاب محمد بن إسماعيل، فإنه أجل
من أن يتبع غيره، أو كما قال. قال الحاكم: كان الإسماعيلى واحد عصره وشيخ
المحدثين والفقهاء، وأجلهم فى الرياسة والمروءة والسخاء. ولا خلاف بين علماء
الفريقين وعقلائهم فيه . قال الذهبي: قد جمع مع إمامته فى علم الحديث
والفقه رفعة الإسناد والتفرد ببلاد العجم . وقال حمزة : مات فى رجب فى غرته
من سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة عن أربع وتسعين سنة .
(فائدة) اعلم أن نسخة قلمية من صحيح ابن خزيمة موجودة فى خزانة
الكتب الجرمنية ، وعلى هامشها حواش للحافظ ابن حجر مفيدة نافعة ،
والمجادان الأخيران منها سالمان عن النقص، والمجلد الأول منها ناقص، ونسخة

- ١٥٥ -
قلمية صحيحة كاملة من كتاب صحيح ابن حبان أيضاً موجودة فيها مكتوبة بخط
الحافظ ابن حجر ، وله على هامشها أيضاً حواش مفيدة. والمجلد الأول من هذا
الكتاب موجود فى خزانة الكتب المحمودية بالمدينة المنورة ، ونسخة قلية
كاملة صحيحة من كتاب صحيح أبى عوانة موجودة فى خزانة الكتب الجرمية
مكتوبة بخط يحيى بن نعم الأنصارى ، ونسخة صحيحة قلمية نفيسة من هذا
الكتاب موجودة فى خزانة الكتب للعلامة أبى الطيب شمس الحق العظيم
أبادى مصنف ((غاية المقصود وعون المعبود)) رحمه الله تعالى وغفر له . وقد
نقلت من هذه النسخة المباركة بعض الروايات فى رسالتى ((المقالة الحسنى فى سلية
المصافحة باليد اليمنى )) . ونسخة قلمية من كتاب صحيح ابن السكن موجودة فيها
أيضًا مكتوبة بخط الحافظ السيوطى. ونسخة قلمية صحيحة من كتاب صحيح
الإسماعيلى موجودة فيها أيضاً مكتوبة بخط الحافظ ابن حجر.
ومنها محيح المستدرك الحاكم: وهو الحافظ الكبير إمام المحدثين أبو عبدالله
محمد بن عبدالله بن محمد بن حمدويه بن نعيم الضبي الطهمانى النيسابورى المعروف
بابن البيع ، صاحب التصانيف . ولد سنة ٣٢١ ( إحدى وعشرين وثلاثمائة)
فى ربيع الأول . طلب الحديث من الصغر باعتناء أبيه وخاله ، فسمع سنة ثلاثين
ورحل إلى العراق وهو ابن عشرين، وحج ، ثم جال فى خراسان وما وراء
النهر ، فسمع بالبلاد من ألفى شيخ أو نحو ذلك . وقد رأى أبوه مسلماً روى
عن أبيه، ومحمد بن على بن عمر المذكور، وأبى العباس الأصم، وأبى جعفر
محمد بن صالح بن هانىء، ومحمد بن عبد الله الصفار، وأبى عبد الله بن الأخرم
وأبى العباس بن محبوب ، وأبى حامد بن حيويه ، والحسن بن يعقوب البخارى
وأبى النصر محمد بن محمد بن یوسف ، وأبى الوليد حسان بن محمد ، وأبى عمرو
ابن السماك ، وأبى بكر النجاد ، وابن درستويه ، وأبى سهل بن زياد ،
وعبدالرحمن بن حمدان الجلاب ، وعلى بن محمد بن عقبة الشيبانى ، وأبى على الحافظ

t
-- ١٥٦ -
وانتفع بصحبته ، ومازال یسمع حتى سمع من أصحابه . حدث عنه الدار قطنى ،
وأبو الفتح بن أبى الفوارس ، وأبو العلاء الواسطى ، ومحمد بن أحمد بن يعقوب،
وأبو ذر الهروى، وأبو يعلى الخليلى، وأبو بكر البيهقى، وأبو القاسم القشيرى ،
وأبو صالح المؤذن ، والزكى عبد الحميد البحيرى، وعثمان بن محمد المحمى ، وأبو
بكر أحمد بن على بن خلف الشيرازى .
قال الخطيب أبو بكر : أبو عبد الله الحاكم كان ثقة يميل إلى التشيع،
فحدثنى إبراهيم بن محمد الأرموى وكان صالحاً عالماً قال: جمع الحاكم أحاديث
وزعم أنها صحاح على شرط البخارى ومسلم. منها حديث الطير . ومن كنت
مولاه فعلى مولاه. فأنكرها عليه أصحاب الحديث فلم يلتفتوا إلى قوله . قال
الحسن بن أحمد السمر قندى الحافظ : سمعت أبا عبد الرحمن الشاذياخى صاحب
الحاكم يقول: كنا فى مجلس السيد أبى الحسن، فسئل أبو عبد الله الحاكم عن
حديث الطير فقال: لا يصح ، ولو صح لما كان أحد أفضل من على رضى الله
عنه بعد النبى صلى الله عليه وسلم .
قال الذهبي: ثم تغير رأى الحاكم وأخرج حديث الطير فى مستدركه.
ولاريب أن فى المستدرك أحاديث كثيرة ليست على شرط الصحة ، بل فيه
أحاديث موضوعة شأن المستدرك بإخراجها فيه . وأما حديث الطير فله
طرق كثيرة جداً أفردتها بمصنف ومجموعها يوجب أن يكون الحديث له أصل.
وأما حديث من كنت مولاه فله طرق جيدة ، وقد أفردت ذلك أيضاً .
قال عبد الله الغافر بن إسماعيل: أبو عبد الله الحاكم هو إمام أهل الحديث
فى عصره ، العارف به حق معرفته . وقرأ على قراء زمانه وتفقه على أبى الوليد
وأبى سهل الأستاذ ، واختص بصحبة إمام وقته أبى بكر الضبعى ، فكان
يراجعه فى السؤال والجرح والتعديل والعلل . وذاكر مثل الجعابى وأبى على
الماسرجسى ، واتفق له من التصانيف مالعله يبلغ قريباً من ألف جزء مع تخريج

- ١٥٧-
الصحيحين وتاريخ نيسابور ، وكتاب منكى الأخبار والمدخل إلى علم الصحيح
وكعاب الإكليل وفضائل الشافعى وغير ذلك . قال الحافظ أبو حازم العبدرى
سمعت الحاكم يقول: وكان إمام أهل الحديث فى عصره يقول : شربت ماء
زمزم وسألت الله أن يرزفنى حسن التصنيف . قال الحافظ أبو موسى : كان
الحاكم دخل الحمام واغتسل وخرج ، فقال آه ، فقبض روحه ، وهو متزر ، لم
يلبس قميصه بعد ، وصلى عليه القاضى أبو بكر الخيرى . توفى الحاكم فى صفر
سنة ٤٠٥°( خمس وأربعمائة).
قلت : تساهل الحاكم فى تصحيح الحديث مشهور ، كما أن تساهل ابن
الجوزى فى تضعيف الحديث مشهور . قال السيوطى فى أول تعقباته على
موضوعات ابن الجوزى : إن كتاب الموضوعات جمع الإمام أبى الفرج بن
الجوزى ، قد نبه الحفاظ قديماً وحديثاً على أن فيه تساهلا كثيراً، وأحاديث
ليست بموضوعة ، بل هى من وادى الضعيف . وفيه أحاديث حسان وأخرى
صحاح، بل وفيه حديث من صحيح مسلم نبه عليه الحافظ أبو الفضل بن حجر .
ووجدت فيه حديثاً من صحيح البخارى من رواية حماد بن شاكر، وآخرمتنه
من البخارى من رواية صحابى غير الذى أورده عنه . وقد قال شيخ الإسلام
ابن حجر: إن تساهله (أى تساهل ابن الجوزى) وتساهل الحاكم فى المستدرك
أعدم النفع بكتابيهما؛ إذ مامن حديث فيهما إلا ويمكن أنه مما وقع فيه التساهل
فلذلك وجب على الناقد الاعتناء بما ينقله منهما من غير تقليد لهما .
وقد اعتنى الحافظ الذهبى بالمستدرك فاختصره معلقاً أسانيده ، وأقره على
مالاً كلام فيه . وتعقب مافيه الكلام ، وجرد بعض الحفاظ منه مائة حديث
موضوعة فى جزء. وأما موضوعات ابن الجوزى فل أقف على من اعتنى بشأنها
فاختصرتها معلقاً أسانيدها ، وتعقبت منها كثيراً على وجه الاختصار على نحو
ما صنع الذهبى فى المستدرك، ثم جمعت كتاباً حافلا فى الأحاديث المتعقبة خاصة

-١٥٨-
بسطت فيه الكلام على كل حديث حديث ، مع ذكر طرقها وشواهدها ،
وما وقفت عليه من كلام الحفاظ عليها ، وما عثرت أنا عليه فى ضمن المطالعة من
من المتابعات ونحو ذلك . غير أن الهم عن الاعتناء بتحصيله قواصر ، وأهل
١
هذا الفن كانوا فى الصدر الأول قليلا ، فما ظنك بهم فى هذا العصر الدابر ،
فأردت أن ألخص الكتاب المذكور فى تأليف وجيز ، أقتصر منه على إيراد
الحديث على طريقة الأطراف ، وأعقبه بذكر من أعله، ثم أردفه برده
إما بتوثيقه أو ذكر متابعه أو شاهده، وأنبه على من خرجه من الأئمة المعتبرة
فی شیء من کتبه الجلیل انتهى .
وقال فى آخر :
أبو الفرج الجوزى ألف مجمعاً تضمنه الموضوع فانسع الوادى
ثلاثاً وستين منه تحرير نقاد
رواه البخارى فى رواية حماد
كتاب أبى داود تسع بتعداد
4 مثلها عشرة لدى النسائى الساد
مات ولم أقصد بعد بإفراد
نرى مائة مع نحو ثلاثون بآحاد
ـارى فى غير الصحيح بإسناد
مع البيهقى والدارقطنى وأنداد
إذا أبهم الداجیبه يهتدى البادى
وأشغلت أوقاتى يبحث وإجهاد
وأعملت إعمال المجد بإسعاد
كلامهم من غير ود ولا عادی
فأرتاح مما أجتنيه بأعداد
وهذا كتابى فيه حررت جملة
حديث رواه مسلم ثم آخر
وفى مسند فوق الثلاثين ثم فى
ثلاثون عند الترمذى ولابن ماجـ
وستون فى المستدرك مع تداخل
مجموع ما فيه من الكتب التى
كذا فيه مما أخرج الدارمى والبخـ
وما أخرج البستى وابن خزيمة
فدونك تأليفاً وجيزاً محرراً
ويا طالما أنعمت فكراً ومقيلة
ونقبت عن طرق الأحاديث دائماً
ولم أك ذا كل على الناس آخذاً
ولا ظفرت عینی بما أنتدی به

-١٥٩-
فيارب فاجعله لوجهك مخلصًاً فأنت مرامى منك أطلب إرشاد
خسيسة قدر ذات هم وإنفاد
وكل علم ابنى أن يراد به ولى
جناب العلى القدسى يحدو به الحادى
ومن كان ذا حظ عظيم يكن إلى
انتهى .
وروی الخطیب وغيره عنأبی أويس ، واسمه عبد الله بن أويس عن العلاء.
ابن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أم
الناس جهر ببسم الله الرحمن الرحيم . قال الزيلعى فى نصب الراية بعد ذكر هذا
الحديث، والكلام على إسناده مالفظه ، ومجرد الكلام فى الرجل لا يسقط
حديثه، ولو اعتبرنا ذلك لذهب معظم السنة إذ لم يسلم من كلام الناس إلا من
عصمه الله، بل خرج فى الصحيح لخلق من تكلم فيهم ، ومنهم جعفر بن سليمان
الضبعى ، والحارث بل عبد الأيادى، وأيمن بن نابل الحبشى ، وخالد بن مخلد
القطوانى، وسويد بن سعيد الحدثانى، ويونس بن أبى إسحاق السبيعى وغيرم
ولكن صاحبا الصحيح رحمهما الله إذا أخرجا لمن تكلم فيه فإنهم ينطقون
من حديثه ما توسع عليه وظهرت شواهده ، وعلم أن له أصلا . ولا يروون
ماتفرد به سيما إذا خالفه الثقات. كما أخرج مسلم لأبى أويس حديث: ((قسمت
الصلاة بينى وبين عبدى)) لأنه لم يتفرد به ، بل رواه غيره من الأثبات كالك
وشعيب وابن عيينة . فصار حديثه متابعة ، وهذه العلة راجت على كثير ممن
استدرك على الصحيحين فتساهلوا فى استدراكهم. ومن أكثرم تساهلا الحاكم
أبو عبد الله فى كتابه المستدرك فإنه يقول : هذا حديث على شرط الشيخين
أو أحدهما، وفيه هذه العلة ، إذ لا يلزم من كون الراوى محتجاً به فى الصحيح
أنه إذا وجد فى أىِّ حديثٍ كان ذلك الحديث على شرطه لما بيناه بل الحاكم
كثيراً ما يجىء إلى حديث لم يخرج الغالب رواته فى الصحيح ، كحديث روى
عن عكرمة عن ابن عباس فيقول فيه: هذا حديث على شرط البخارى . يعنى

-١٩٠ .-
الكون البخارى أخرج لعكرمة وهذا أيضاً تساهل . وكثيراً ما يخرج حديثاً
بعض رجاله للبخارى وبعضهم لمسلم فيقول : هذا على شرط الشيخين . وهذا
أيضاً تساهل، وربما جاء إلى حديث فيه رجل قد أخرج له صاحبا الصحيح عن
شيخ معين لضبطه حديثه وخصوصيته به ، ولم يخرجا حديثه عن غيره لضعفه
فيه ، أو لعدم ضبطه حديثه ، أو لكونه غير مشهور بالرواية عنه ، أو لغير
ذلك ، فيخرجه هو عن غير ذلك الشيخ ثم يقول هذا على شرط الشيخين ،
أو البخارى أو مسلم. وهذا أيضًا تساهل ، لأن صاحبى الصحيح لم يحتجابه إلا
فى شيخ معين لافى غيره . فلا يكون على شرطهما، وهذا كما خرج البخارى
ومسلم حديث خالد بن مخلد القطوانى عن سليمان بن بلال وغيره ، ولم يخرجا
حديثه عن عبد الله بن المثنى ، فإن خالداً غير معروف بالرواية عن ابن المثنى ،
فإذا قال قائل فى حديث يرويه خالد بن مخلد عن ابن المثنى هذا على شرط
البخارى ومسلم ، كان متساهلا . وكثيراً ما يجىء إلى حديث فيه رجل ضعيف
أو متهم بالكذب وغالب رجاله رجال الصحيح فيقول : هذا على شرط
الشيخين أو البخارى أو مسلم، وهذا أيضاً تساهل فاحش ، ومن تأمل كتابه
المستدرك تبين له ما ذكرناه . انتهى كلام الزيلمى .
قال الجزائرى : قد اختلف فى حكم ما انفرد الحاكم بتصحيحه ، فقال ابن
الصلاح: الأولى أن نتوسط فى أمره فنقول: ما حكم بتصحيحه ولم نجد ذلك
فيه لغيره من الأئمة إن لم يكن من قبيل الصحيح ، فهو من قبيل الحسن يحتج
به ويعمل به إلا أن تظهر فيه علة توجب ضعفه. ويقاربه فى حكمه صحيح أبى حاتم
ابن حبان البستى انتهى . وظاهر هذا الكلام أن ما انفرد بتصحيحه ولم يكن
لغيره فيه حكم أن يجعل دائراً بين الصحيح والحسن احتياطاً. وقد ظن بعضهم
أن كلامه يدل على أنه يحكم عليه بالحسن فقط، فنسب إليه التحكم
فى هذا الحكم.