Indexed OCR Text

Pages 101-120

- ١٠١ -
ومنها أمالى أبى عبد الله حسين بن هارون بن جعفر الضبى فى الحديث .
ومنها أمالى أبى عثمان إسماعيل بن محمد بن أحمد الأصفهانى الحافظ فى الحديث.
ومنها أمالى أبى الفضل محمد بن ناصر السلامى وهى فى الحديث أيضاً .
ومنها أمالى أبى القاسم ابن بشران وهى فى الحديث.
ومنها أمالى أبى القاسم عبيد الله بن محمد بن إسحاق بن حبابة البزار
فى الحديث أيضاً .
ومنها أمالى الجوهرى فى الحديث: هو أبو محمد الحسن بن على الحافظ .
ومنها أمالى الزعفرانى فى الحديث هو الإمام أبو عبد الله حسن بن أحمد
قال الذهبى رأيت مجلداً من أماليه من سنة سبع وستمائة وسنة تسع وثمانين
وخمسمائة .
ومنها الأمالى الشارحة على مفردات الفاتحة : للإمام أبى القاسم عبد الكريم
ابن محمد الرافعى الشافعى المتوفى سنة ٦٢٣ ثلاث وعشرين وستمائة، وهو ثلاثون
مجلساً أملاها أحاديث بأسانيدها عن أشياخه على سورة الفاتحة وتكلم عليها .
ومنها أمالى القاضى المارستانى فى الحديث: هو أبو بكر محمد بن عبد الباقى .
ومنها أمالى القضاعى فى الحديث: هو أبو عبد الله محمد بن سلامة الشافعى
المتوفى سنة ٤٥٤ أربع وخمسين وأربعمائة .
ومنها أمالى المنذرى فى الحديث .
ومنها أمالى نظام الملك فى الحديث : هو أبو على الحسين بن على بن إسحاق .
ومنها أمالى النقاش فى الحديث : هو أبو سعيد .
ومنها أمالى ولى الدين أبى زرعة: أحمد بن عبد الرحيم العراقى الحافظ
المتوفى سنة ٨٢٦ ست وعشرين وثمانمائة ، وهو فى الحديث.
قال ابن الصلاح فى مقدمته : يستحب للمحدث العارف عقد مجلس لإملاء

٠
- ١٠٢ -
الحديث ، فإنه من أعلى مراتب الرواية والسماع فيه أحسن وجوه التحمل
وأقواها ، وليتخذ مستملياً يبلغ عنه إذا كثر الجمع ، فذلك دأب أكابر المحدثين
المتصدين لمثل ذلك . وممن يروى عنه ذلك مالك وشعبة ووكيع وأبو عاصم
ويزيد بن هارون فى عدد كثير من أعلام السالفين ، وليكن مستمليه محصلا
مستيقظاً كيلا يقع فى مثل ما روينا أن يزيد بن هارون سؤل عن حديث فقال
حدثنا به عدة ، فصاح به مستمليه : يا أبا خالد عدة ابن من ؟ فقال له : عدة ابن
فقدتك. وليستمل على موضع مرتفع من كرسى أو نحوه ، فإن لم يجد استملى
قائماً ، وعليه أن يتبع لفظ المحدث فيؤديه على وجهه من غير خلاف . والفائدة
فى استملاء المستعلى توصل من يسمع لفظ المعلى على بعد منه إلى تفهمه وتحققه
بإبلاغ المستعلى، وأما من لم يسمع إلا لفظ المستملى فليس يستفيد بذلك جواز
روايته لذلك عن المعلى مطلقاً من غير بيان الحال فيه ، وفى هذا كلام قد تقدم
فى النوع الرابع والعشرين . ويستحب افتتاح المجلس بقراءة قارىء بشىء من
القرآن العظيم ، فإذا فرغ استنصت المستعلى أهل المجلس إن كان فيه لغط ثم
يبسمل ويحمد الله تبارك وتعالى ويصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم ( إلى أن
قال): وكان من عادة غير واحد من المذكورين ختم الإملاء بشىء من الحكايات
والنوادر والإنشادات بأسانيدها وذلك حسن ؛ انتهى كلام ابن الصلاح .
(فائدة) لا بأس علينا أن نذكرههنا بعض مجالس الإملاء التى عقدت فى
ذلك الزمان ليظهر شدة اعتناء الناس من أهل العلم وغيرهم بها ، وكثرة رغبتهم
فى حضورها ، والحرص على سماع الحديث فيها ، قال الذهبى فى التذكرة فى
ترجمة الحافظ أبى مسلم إبراهيم بن عبد الله بن مسلم الكجى البصرى صاحب
كتاب السنن ، قال أحمد بن جعفر الختلى : لما قدم الكجى بغداد أملى فى رحبة
غسان ، فكان فى مجلسه سبعة مستملين يبلغ كل واحد منهم الآخر ، ويكتب
الناس عنه قياماً، ثم مسحت الرحبة وحسب من حضر بالمحبرة ، فبلغ ذلك نيقاً

- ١٠٣ -
وأربعين ألف محبرة سوى النظارة ، هذه حكاية ثابتة رواها الخطيب فى تاريخه
عن بشر الفاتنى أنه سمع الختلى يقولها .
وقال فى ترجمة الحافظ الفريابى أبى بكر جعفر بن محمد بن الحسن بن المستفاض
عن أبى حفص الزيات ، قال : لما ورد الفريابى إلى بغداد استقبل بالطيارات
والريارب(١) ، ثم أوعد له الناس إلى شارع المنار ليسمعوا منه، خزرمن حضر
مجلسه لسماع الحديث فقيل كانوا نحو ثلاثين ألفاً وكان المستملون ثلثمائة وستة
عشر. قال أبو الفضل الزهرى : لما سمعت من الفريابى كان فى مجلسه من أصحاب
المحابر من يكتب نحو عشرة آلاف إنسان ما بقى منهم غيرى ، هذا سوى
من لا يكتب ، قال الذهبي : وسماعه منه فى سنة ثمان وتسعين ومائتين ، قال
ابن عدى : كنا نشهد مجلس الفريابى وفيه عشرة آلاف أو أكثر ، وقال
فى ترجمة الحافظ عاصم بن على بن عاصم بن صهيب الواسطى التيمى : قدم بغداد
وأملى بها وتزاحموا عليه. قال أبو الحسين بن المبارك: كان مجلسه يحزر بأكثر
من مائة ألف إنسان وكان يستملى عليه هرون مكحلة .
قال عمر بن حفص السدوسى : وجه المعتصم من يحزر مجلس شيخنا عاصم
رحبة النخل وكان يجلس على سطح وينتشر الخلق حتى سمعته يوماً يقول :
حدثنا الليث بن سعد وهم يستعيدونه فأعاده أربع عشرة مرة والناس يسمعون .
وكان هرون يركب نخلة معوجة يستملى فىزر المجلس بعشرين ومائة ألف انتهى .
وقال الحافظ فى تهذيب التهذيب : قال العجلى : شهدت مجلس عاصم بن على
فيزروا من شهده ذلك اليوم ستين ومائة ألف انتهى . وقال الذهبى فى ترجمة
المحاملى القاضى أبى عبد الله الحسين بن إسماعيل بن محمد الضبى البغدادى : قال
أبو بكر الداودى : كان يحضر مجلس المحاملى عشرة آلاف رجل انتهى .
( وقال فى ترجمة الحافظ سليمان بن حرب الواشحى الأزدى البصرى قاضى مكة
١) لعله الدبادب .

- ١٠٤ -
قال أبو حاتم : إِمام لا يدلس ، ويتكلم فى الرجال والفقه ، وليس هو بدون
عفان ، وقد ظهر من حديثه نحو عشرة آلاف حديث ، ومارأيت فى يده كتاباً
قط . حضرت مجلسه ببغداد فيزر بأربعين ألفاً. بنى له شبه منبر بجنب قصر
المأمون فصعده وحضر المأمون والأمراء فأرسل المأمون سيرساف وبقى يكتب
ما يملى انتهى . وقال فى ترجمته: كان المحدث الحافظ أبى زكريا يحيى بن محمد الذهلى
النيسابورى . قال الحاكم: كان إمام نيسابور فى الفتيا والرياسة وابن إمامها
سمعت ابن هانىء يقول : حضرنا الإملاء عند يحيى بن محمد فى رمضان ، وقتل فى
شوال سنة سبع وستين ومائتين فرفضت مجالس الحديث وخبيت المحابر حتى لم
يقدر أحد يمشى بمحبرة ولا كراس ، ودام ذلك إلى سنة سبعين فاحتال أبو عثمان
سعيد بن إسماعيل الزاهد فى ورود السرى بن خزيمة ، وعقد مجلس الإملاء
وعلق المحبرة بيده، واجتمع عليه خلق عظيم انتهى. ويأتى ذكر مجلس الإملاء
الذى عقده الإمام البخارى ببغداد فى ترجمته فى الفصل العشرين ).
الفصل الثامن عشر
فی ذکر کتب الحديث
التى صنفت فى أبواب خاصة ويقال لها الأجزاء
قال السيوطى فى التدريب : ويجمعون الأبواب بأن يفرد كل باب على حدة
بالتصنيف ، كرؤية الله تعالى أفرده الآجرى، ورفع اليدين فى الصلاة والقراءة
خلف الإمام أفردهما البخارى . والنية أفرده ابن أبى الدنيا. والقضاء باليمين
والشاهد أفرده الدار قطنى . والقنوت أفرده ابن منده . والبسملة أفرده ابن
عبد البر وغيره ، انتهى. ويقال لهذه التصنيفات أجزاء. وقد ذكر صاحب
كشف الظنون فى باب الجيم أجزاء كثيرة لأئمة الحديث .

- ١٠٥ -
فمنها جزء ابن نجيد ، وجزء ابن بشران هو أبو الحسين على بن محمد بن
عبد الله المعدل، وجزء ابن بوش هو محمد بن إبراهيم السراج ، وجزء ابن ديزيل
هو إبراهيم بن الحسين الكسائى فيه حديث الإفك ، وجزء ابن راهويه هو
الإمام إسحاق ، وجزء ابن مخلد محمد العطار ، وجزء ابن منده هو أبو جعفر محمد
ابن منده، وجزء أبى بكر محمد بن القاسم بن أبى الهيثم الأنبارى ، ومنها منتقاه
الكبير والصغير، وجزء أبى الحسن محمد بن على بن محمد الأزدى من حديث
مالك بن أنس، وجزء أبى الحسن على بن محمد بن عبيد رواية المحاملى عنه ،
وجزء أبى الحسن بن زرقويه ، وجزء أبى الحسن محمد بن حامد بن السرى
وهو مترجم بكتاب السنة، وجزء أبى زرعة عبد الرحمن بن عمرو الضبي وهو
· مترجم بكتاب العلل ، وجزء أبى سعيد إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف
الزهرى ، وجزء أبى عبد الله أحمد بن الحسن الصوفى عن يحيى بن معين ، وجزء
أبى مسلم إبراهيم بن عبد الله البصرى عن أبى عبد الله محمد بن عبد الله بن المثنى
ابن أنس بن مالك، وجزء أبى معاوية الضرير ، وجزء أبى يعلى أحمد بن على
ابن المثنى التميمى، وجزء إسماعيل بن إسحاق القاضى جمعه من حديث أيوب
السختيانى، وجزء البغوى هو أبو القاسم، وجزء بكار بن قتيبة بن عبد الله
وغير ذلك . انتهى ما فى الكشف ملخصاً .
الفصل التاسع مشر
فى ذكر الكتب المصنفة فى الأربعينات فى الحديث
اعلم أنه قد ورد من طرق كثيرة بروایات متنوعة أن رسول الله صلى الله . .
عليه وسلم قال: ((من حفظ على أمتى أربعين حديثاً فى أمر دينها بعنه ألله تعالى
يوم القيامة فى زمرة الفقهاء والعلماء )). واتفقوا على أنه حديث ضعيف ،
وإن کثرت طرقه . وقد صنف العلماء فى هذا الباب ما لا يحصى من المصنفات ،

- ١٠٦-
واختلفت مقاصدهم فى تأليفها وجمعها وترتيبها . فمنهم من اعتمد على ذكر
أحاديث التوحيد وإثبات الصفات ، ومنهم من قصد ذكر أحاديث الأحكام ،
ومنهم من اقتصر على ما يتعلق بالعبادات ، ومنهم من اختار حديث المواعظ
والرقائق ، ومنهم من قصد إخراج ماصح سنده وسلم من الطعن ، ومنهم من
قصد ماعلا إسناده ، ومنهم من أحب تخريج ماطال متنه وظهر لسامعه حين
يسمعه حسنه، إلى غير ذلك. وسمى كل واحد منهم كتابه بكتاب الأربعين.
كذا فى الكشف .
قلت وقال الإمام أحمد : هذا متن مشهور فيما بين الناس ، وليس له إسناد
صحيح. ذكره صاحب المشكاة . وقال الحافظ فى التلخيص ص ٢٦٩ : حديث
من حفظ على أمتى أربعين حديثاً كتب فقيهاً، (رواه) الحسن بن سفيان
فى مسنده وفى أربعینه من حديث ابن عباس . وروى من رواية ثلاثة عشر
من الصحابة أخرجها ابن الجوزى فى العلل المتناهية وبين ضعفها كلها ، وأفرد
ابن المنذرى الكلام عليه فى جزء مفرد . وقد لخصت القول فيه فى المجلس
السادس عشر من الإملاء ، ثم جمعت طرقه فى جزء ليس فيها طريق تسلم من
علة قادحة . انتهى كلام الحافظ .
وقال القارى فى المرقاة قال النووى : طرقه كلها ضعيفة . وقال الحافظ بن
حجر جمعت طرقه كلها فى جزء ليس فيها طريق تسلم من علة قادحة ، قال ابن
حجر المكى : ولذا قال النووى : واتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف وإن
كثرت طرقه ، وقد اتفق الحفاظ على جواز العمل بالحديث الضعيف فى فضائل
الأعمال انتهى . وأنت خبير بأن قضية مامهدوه فى فن الحديث أن الحكم
عليه بالضعف إنما هو بالنظر لكل طريق على حدته . وأما بالنظر إلى مجموع
طرقه فحسن لغيره . فيرتقى عن درجة الضعف إلى درجة الحسن ، اتهى ما
فى المرقاة .

- ١٠٧ -
قلت فى تخريج الهداية للزبلعى ص ١٨٩ ج ١ : وكم من حديث كثرت
رواته وتعددت طرقه وهو حديث ضعيف حديث الطير ، وحديث الحاجم
والمحجوم، وحديث من كنت مولاه فعلى مولاه. بل قد لايزيد الحديث كثرة
الطرق إلا ضعفاً انتهى . وفى تدريب الراوى: إذا روى الحديث من وجوه
ضعيفة لا يلزم أن يحصل من مجموعها أنه حسن بل ما كان ضعفه لضعف حفظ
راويه الصدوق الأمين زال بمجيئه من وجه آخر ، وعرفنا بذلك أنه قد حفظه
ولم يختل فى ضبطه ، وصار الحديث حسناً بذلك انتهى . وقد ذكر صاحب
كشف الظنون فى باب الألف أربعينات كثيرة ، وفى باب الشين شروحها ،
من شاء الوقوف عليها فليراجعه . قال فى ذكر الأربعين للنووى مالفظه: أربعين
النووى وهو الإمام محدث الشام محي الدين يحيى بن شرف الدين النووى
الشافعى المتوفى سنة ست وسبعين وستمائة قال فيه: ومن العلماء من جمع الأربعين
فى أصول الدين، وبعضهم فى الفروع ، وبعضهم فى الجهاد وبعضهم فى الزهد،
وبعضهم فى الآداب ، وبعضهم فى الخطب ، وكلها مقاصد صالحة . وقد رأيت
جمع أربعين من هذا كله وهى أربعون حديثاً مشتملة على جميع ذلك وكل حديث
منها قاعدة عظيمة من قواعد الدين، وقد وصفه العلماء بأن مدار الإسلام عليه
وهو نصف الإسلام أو ثلثه ونحو ذلك . والتزم فيه أن تكون صحيحة معظمها
من صحيح البخارى ومسلم محذوفة الأسانيد ، ثم أتبعها بباب فى ضبط خفى
ألفاظها . أوله الحمد لله رب العالمين قيوم السموات والأرضين الخ. وقد اعتنى
العلماء بشرحه وحفظه فکثرت شروحه منها :
شرح الإمام الحافظ زين الدين عبد الرحمن بن أحمد المعروف بابن رجب :
البغدادى الحنبلى المتوفى سنة خمس وتسعين وسبعمائة وهو شرح كبير سماه
(جامع العلوم والحكم فى شرح أربعين حديثاً من جوامع الكلم) أوله الحمد لله
الذى أكمل لنا الدين إلخ. قال وقد جمع العلماء جموعاً من كلمات النبى صلى الله

- ١٠٨ -
عليه وسلم الجامعة كابن السنى فى الإيجاز ، والقضاعى فى الشهاب . وأملى الحافظ
أبو عمرو بن الصلاح مجلساً سماه (الاحاديث الكلية ) يقال إن مدار الدين عليها
وما كان فى معناها من الكلمات الوجيزة الجامعة ، فاشتمل مجلسه هذا على تسعة
وعشرين حديثاً . ثم إن النووى أخذ هذه الأحاديث وزاد عليها تمام اثنين
وأربعين حديثاً وسماه بأربعين ، فاشتهرت ونفع الله سبحانه وتعالى بها ببركة
نية جامعها انتهى .
وشرح نجم الدين سليمان بن عبد القوى الطوفى الحنبلى : المتوفى سنة ٧١٠
عشرة وسبعمائة ، وتاج الدين عمر بن على الفا كهى المتوفى سنة إحدى وثلاثين
وسبعمائة، وجمال الدين يوسف بن الحسن بن محمود السرائى الأصل التبريزى
المتوفى سنة أربع وثمانمائة ، والشيخ الإمام أبى العباس أحمد بن فرج الأشبيلى
المتوفى سنة تسع وتسعين وستمائة ، وأبى حفص عمر البلبيسى الشافعى فرغ منه
فى ربيع الآخر سنة خمس وخمسين وثمانمائة . وسماه (فيض المعين) وبرهان الدين
إبراهيم بن أحمد الخجندى الحنفى المدنى المتوفى سنة إحدى وخمسين وثمانمائة .
والشهاب أحمد بن محمد بن أبى بكر الشيرازى الكازرونى : شرحها
ممزوجاً وسماه ( هادياً للمسترشدين) أوله الحمد لله الذى صحح بصحاح حديث
من لا ينطق إلخ . والشيخ زين الدين سريحاً بن محمد الملطى المتوفى سنة ثمان
وثمانين وسبعمائة وسماه ( نثر فوائد المربعين المنوية فى نشر فوائد الأربعين
النووية ) أربعة أجزاء والشيخ ولى الدين سماه ( الجواهر البهية) والحافظ
مسعود بن منصور الأمير بن سيف الدين عبد الله العلوى أيضاًشرحه ممزوجاًوسماه
(الكافى) أوله الحمد لله الذى نور بسبحات أنواره الخ. ومعين بن صفى شرحه
بالقول شرحاً صغيراً أوله الحمد لله والمدة على أن أتم علينا النعمة الخ . وشرح
العلامة مصلح الدين محمد السعدى العبادى اللارى المتوفى سنة تسع وسبعين
وتسعمائة، وهو أفضل مادونوا فى بيانها. والحق أنه بالنسبة إليه سائر الشروح

١
- ١٠٩ -
كالأبدان الحالية عن الأرواح أوله أحسن حديث ينطق به الناطقون بالحق
المبين الخ. ألفه للوزير على باشا وشرح الإمام الحافظ شهاب الدين أحمد بن حجر
الهيتمى المكى المتوفى سنة ثلاث وسبعين وتسعمائة وهو مزوج اسمه ( فتح المبين)
أوله الحمد لله الذى وفق طائفة من علماء كل عصر الخ. وشرح نور الدين محمد
ابن عبد الله الأبحى المسمى ( بسراج الطالبين ومنهاج العابدين) وهو شرح فارسی
فى مجلد أوله الحمد لله بجميع محامده على جميع نعمه الخ . وشرح منلا على القارى
المكى الهروى الحنفى المتوفى سنة أربع وأربعين وألف ، شرحاً لطيفاً جامعاً أنواع
الفوائد وأظنه أنه فاق الجميع، وشرح آخر ممزوج أيضًا أوله الحمد لله رافع أعلام
الملة الزهراء الخ. وتخريجه للإمام شهاب الدين أحمد بن على بن حجر العسقلانى
المتوفى سنة اثنين وخمسين وثمانمائة خرجه بالأسانيد العالية . ومن شرح الشيخ
سراج الدين عمر بن على بن الملقن الشافعى المتوفى سنة أربع وثمانمائة انتهى .
الفصل العشرون
فى ذكر الكتب الستة المعروفة بالصحاح الستة
وفيه وصلان الأول فى ذكرها إجمالا والثانى فى ذكرها وذكر اسم تراجم
مصنفيها تفصيلا .
الوصل الأول: اعلم أن أهل العلم قد دونوا فى الحديث على اختلاف أغراضهم
ومقصدهم كتباً كثيرة بحيث لا يحصى عددها ، لكن الكتب الستة المعروفة
بالصحاح الستة أعنى صحيح البخارى، وصحيح مسلم ، وسنن أبى داود ، وجامع
الترمذى ، وسنن النسائى، وسنن ابن ماجه ، اشتهرت غاية الاشتهار واختيرت
للقراءة والإقراء، والسماع والإسماع، وذلك لما فيها من الفوائد ماليس فى
غيرها . قال أبو جعفر بن الزبير: أول ما أرشد إليه ما اتفق المسلمون على اعتماده

- ١١٠ -
وذلك الكتب الخمسة ، والموطأ الذى تقدمها وضعاً ولم يتأخر عنها رتبة ، وقد
اختلفت مقاصدهم فيها ، وللصحيحين فيها شفوف، وللبخارى لمن أراد التفقه
مقاصد جليلة ، ولأبى داود فى حصر أحاديث الأحكام واستيعابها ماليس لغيره،
والترمذى فى فنون الصناعة الحديثية مالم يشاركه غيره ، وقدسلك النسائى أغمض
تلك المسالك وأجلها ؛ انتهى .
قال الحافظ ابن حجر: وأول من أضاف ابن ماجه إلى الخمسة الفضل بن
طاهر حيث أدرجه معهما فى أطرافه، وكذا فى شروط الأئمة الستة ، ثم الحافظ
عبد الغنى فى كتاب ( الإكمال فى أسماء الرجال) الذى هذبه الحافظ المزى
وقدموه على الموطأ لكثرة زوائده على الخمسة ، بخلاف الموطأ، وهو كما قاله
ابن الأثير كتاب مفيد قوى التبويب فى الفقه لكن فيه أحاديث ضعيفة جداً
بل منكرة بل نقل عن الحافظ المزى : أن الغالب فيما انفرد به الضعف ولذا لم.
يضفه غير واحد إلى الخمسة، بل جعلوا السادس الموطأ ، منهم رزين والمجد بن
الأثير . وقال الحافظ: وينبغى أن يجعل مسند الدارمى سادساً للخمسة بدله ، فإنه
قليل الرجال الضعفاء ، نادر الأحاديث المنكرة والشاذة ، وإن كان فيه
أحاديث مرسلة وموقوفة فهو مع ذلك أولی منه ؛ انتهى .
وقال القارى فى المرقاة شرح المشكاة ص ٢٣ ج ١ : إذا قالوا الكتب
الخمسة أو الأصول الخمسة فهى : البخارى ومسلم وسنن أبي داود وجامع
الترمذى ومجتنى النسائى ؛ انتهى .
هـ
الوصل الثانى: فى ذكر الكتب الستة وذكر تراجم مصنفيها تفصيلا.
أما صحيح البخارى وصحيح مسلم فقال الإمام النووى فى مقدمة شرح صحيح
مسلم : اتفق العلماء رحمهم الله تعالى على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز
الصحيحان البخارى ومسلم وتلقتهما الأمة بالقبول ، وكتاب البخارى أصمهما
صحيحاً وأكثرها فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة ، وقد صح أن مسلما كان
1

ز
-١١١-
ممن يستفيد من البخارى ويعترف بأنه ليس له نظير فى علم الحديث . وهذا
الذى ذكرناه من ترجيح كتاب البخارى هو المذهب المختار الذى قاله الجماهير
وأهل الإنقان والحذق والغوص على أسرار الحديث . وقال أبو على الحسين
ابن على النيسابورى الحافظ شيخ الحاكم أبى عبد الله بن البيع: كتاب مسلم
أصح؛ ووافقه بعض شيوخ المغرب ، والصحيح الأول ؛ انتهى .
وقال الحافظ ابن الصلاح فى علوم الحديث : أول من صنف فى الصحيح
البخارى أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الْجعفى مولاهم، وتلاه أبو الحسين مسلم بن
الحجاج النيسابورى القشيرى من أنفسهم . ومسلم مع أنه أخذ عن البخارى
واستفادمنه یشار کہ فی أ کثر شيوخه ، و کتاباھا أصح الكتب بعد كتاب الله
العزيز. وأما ماروينا عن الشافعى رضى الله عنه من أنه قال: ما أعلم فى الأرض
كتاباً فى العلم أكثر صواباً من كتاب مالك. ومنهم من رواه بغير هذا اللفظ
فإِنما قال ذلك قبل وجود كتابى البخارى ومسلم. ثم إن كتاب البخارى أصح
الكتابين صحيحاً وأكثرها فوائد. وأما ماروينا عن أبى على الحافظ النيسابورى
أستاذ الحاكم أبى عبد الله الحافظ من أنه قال: ما تحت أديم السماء كتاب أصح
من كتاب مسلم بن الحجاج ، وقول من فضل من شيوخ المغرب كتاب مسلم
على كتاب البخارى: إن كان المراد به أن كتاب مسلم يترجح بأنه لم يمازجه
غير الصحيح ، فإنه ليس فيه بعد خطبته إلا الحديث الصحيح مسروداً غير ممزوج
بمثل ما في كتاب البخارى فى تراجم أبوابه من الأشياء التى لم يسندها على
الوصف المشروط فى الصحيح . فهذا لا بأس به وليس يلزم منه أن كتاب مسلم
أرجح فيما يرجع إلى نفس الصحيح على كتاب البخارى ، وإن كان المراد به
أن كتاب مسلم أصح صحيحاً فهذا مردود على من يقوله ؛ انتهى.
﴿تنبيه) قال الشيخ أبو محمد عبد الله بن أبى جمرة : قال لى من لقيت من
العارفين عن لقيه من السادة المقر لهم بالفضل أن صحيح البخارى ما قرىء فى

- ١١٢ -
شدة إلافرجت، ولاركب به فى مركب إلانجت(١) . قال وكان مجاب الدعوة
وقد دعا لقاريه .
(١) فيما نقل عن الشيخ أبى محمد عبد الله بن أبى جمرة - الذى ورد التنبيه عن مقاله -
نظر، حيث ذكر فيما نقله عمن لقيه من ((العارفين)) ... أن صحيح البخارى ((ما قرىء فى شدة
إلا فرجت، ولا ركب به فى مركب إلا نجت))، وأنه ((يستسقى به الغمام))، وأن الكثيرين
من المشايخ والعلماء الثقات قرأوه (( لحصول المرادات ، وكفاية المهمات ، وقضاء الحاجات ،
ورفع البليات ، وكشف الكربات ، وشفاء المرضى ، وعند المضايق والشدائد، حصل
مرادهم .. ووجدوه كالترياق مجرباً .. إلخ .
ونحن نرى خلاف ذلك ... نرى أن شفاء المرضى ، ودفع الشدائد ، ونجاة المراكب
بمن فيها .. ليست من وظائف صحيح البخارى ولادواعى وجوده أو قراءته . فإن وجوده
بالمراكب لا يمنعها من الغرق، ووجوده فى البيوت لا يمنعها من الحريق .. والوقائع الدالة على
ذلك لاتحصى نقلا وعقلا ... وإنه لو صح ما قاله الشيخ ابن أبى جمرة لكان المصحف - كتاب
الله - أولى بهذه الخصائص منه .. بل بأكثر منها .. ولا جدال فى ذلك .. وإن استعظمه
المستعظمون .. إنما الحرص على صحيح البخارى وموالاة قراءته فللعمل بما فيه من فرائض الدين
ونوافله .. اتباعاً لنبينا الكريم وتأسياً به .. صلوات الله عليه وسلامه.
والذى نحن به موقنون ؛ أن من ينجى المراكب فى البر والبحر ، ويشفى المرضى فى الليل
والنهار، ويكشف الكربات ، ويغيث المضطرين .. ليس إلا الله سبحانه .. القريب المجيب ..
بمحض فضله ومشيئته وحده .. واستجابة لمن دعاه من الصالحين بقلب سليم ولسان مبين .
قضاء الحاجات ، وكشف الكربات ، ونجاة المراكب .. ليست إذن لوجود صحيح
البخارى أو سواه فى البيت أو المركب .. ولا بتعليق الحجب والتمائم فى الأعناق والآباط ..
إنما هى مقادير تجرى وفق مشيئة الله سبحانه بعد الأخذ بالأسباب الصحيحة المعلومة للناس.
والأسباب الصحيحة تدبير حسن بما كان فى الطوق، ولجوء صحيح صادق إلى الله الذى
« له دعوة الحق)».
أما اللجوء إلى سواء من كتاب أو حجاب .. أو ولى أو ضريح أو شجر أو حجر ..
واعتقاد السر والبركة والنفع فيه .. فلعمرى إنه عين الضلال ونهاية الخار.
فى هذه الكليات التى جرت بها المقادير من قبض وبسط ، وصحة ومرض ، وهدى
وضلال ، وسعادة وشقاء ، وموت وحياة ، وإخصاب وعقم .. تبطل حيلة الإنسان وتنفد
قدرته ، برغم مايتوهمه المتوهمون ، ويدعيه المبطلون.
من ذا الذى يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً؟؟ كتاب أو حجاب أو ضريح ؟ ؟
الجواب الحاسم القاطع علمه الله تعالى لأكرم عباده عليه، وأتقاهم له، وأخوفهم منه، قال :
((قل: لن يجيرنى من الله أحد .. إلخ)). وقوله: ((قل: أرأيتم إن أهلكنى الله ومن معى ..=

- ١١٣ -
= فمن يجير الكافرين من عذاب أليم؟)) أو قوله عنه صلى الله عليه وسلم: ((ولو تقول عاينا
بعض الأقاويل ، لأخذنا منه باليمين ، ثم لقطعنا منه الوتين ، فما منكم من أحد عنه حاجزين».
أو قوله تعالى: ((ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركز إليهم شيئاً قليلا؛ إذن لأذقناك ضعف
الحياة وضعف المات .. ثم لا تجد لك علينا نصيراً)).
أو قوله تعالى: ((قل لا أملك لنفسى نفعاً ولا ضراً .. إلا ماشاء الله .. إلخ)).
أو قوله: ((قل إنى لا أملك لكم ضراً ولا رشداً .. إلخ)).
أو قوله: ((وإن يمسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو .. إلخ)).
.-.-
...... ..-.
ماذا تعنى هذه الآيات ، وهى متعلقة بالرسول ذاته ؟ ؟ وماذا يراد بها من آثار فى نفس
المسلم .. إنها تعنى شيئاً هاماً جداً .. دقيقاً جداً .. جايلا جداً .. ضرورياً جداً .. بدونه
لا يكون المرء مؤمناً أبداً .. فأى خطر لها بعد هذا .. ؟
إنها تعنى أن القوة كلها لله .. والقدرة كلها لله .. والجبروت كله لله .. الجبروت المطلق
غير المحدود .. والكبرياء المطلقة غير المحدودة .. له تعالى
لكن الناس - ومعهم بعض ((العلماء)) - ما قدروا الله حق قدره .. على حين أن الأرض
( بمن عليها من خلق وأنباء وأولياء وكتب وحجب وتمائم ) قبضته يوم القيامة ..
والسموات ( بمن فيها من خلق وملائكة وشموس وكواكب وأقار ) مطويات بيمينه .. فأى
جبروت هذا .. ؟؟ ولكنهم الناس !! ما قدروا الله حق قدره .. ولارجوا له وقاراً .. وهو
الذى له الخلق والأمر .. وله وحده منزلة الإله، المعبود الحق .. النافع الضار ..
على حين أن النبى منزلة العبد البشر ، الطامع فى رحمة ربه ، الشديد الخوف من غضبه
وبطشه .. كذا الأنبياء جميعاً والأولياء جميعاً منزلة عبودية لاتعدو أبداً طور الإنسان فى ضعفه
وعجزه وافتقاره إلى فضل ربه وإلى إحسانه وولايته .
١٠
العجب مع هذا؛ بل أشد العجب - من أناس بل وعلماء - يرجون النفع والضر ، والبركة
والمدد، والنجاة والنعم .. من الأضرحة وساكنيها ، يتمسحون بنجاسها وخشبها ثم يطوفون
بها ويسعون إليها وينذرون لها، يرجونها ويخافونها .. ونسوا أن الأنبياء، والأولياء،
والشهداء ، والملائكة، وملوك الأرض والجبابرة، ومعهم كل الخلائق .. من الأزل للأبد ..
سوف يقفون .. يفرقون فرقاً ، ويخشعون خشوعاً ، ويرهقون رهقاً ، بعيد تصوره ، يهون
بجانبه الموت من خشية الله ..
(( إن كل من فى السموات، والأرض .. إلا آتي الرحمن .. عبداً .. ))
هذه الآيات مقصود منها الإعلام الصحيح بالفرق الشاسع بين قدرة الله الأكبر .. وبين
ضعف نبيه بإزائه ، وافتقاره إلى إحسانه ، وشدة خوفه صلى الله عليه وسلم منه تعالى، وطمعه
فى رحمته ...! فكيف بغيره من البشر والمخلوقات !
إذا كان هذا شأن الله سبحانه - وله المثل الأعلى - مع صفوة خلقه، وأ كرمهم عليه =
(٨ - مقدمة تحفة الأحوذي ١ )

- ١١٤-
وقال الحافظ عماد الدين بن كثير : وكتاب البخارى الصحيح يستسقى
بقراءته الغمام ، وأجمع على قبوله وجة ما فيه أهل الإسلام .
وقال الشيخ عبد الحق الدهلوى فى أشعة اللمعات : قرأ كثير من المشائخ
والعلماء الثقات صحيح البخارى لحصول المرادات وكفاية المهمات وقضاء الحاجات
ودفع البليات وكشف الكربات ، وصحة الأمراض وشفاء المرضى ، وعند المضائق
والشدائد فصل مرادهم وفازوا بمقاصدهم ، ووجدوہ کالتریاق مجرباً ، وقد بلغ
هذا المعنى عند علماء الحديث مرتبة الشهرة والاستفاضة .
ونقل السيد جمال الدين المحدث عن إستاذه السيد أصيل الدين أنه قال :
قرأت صحيح البخارى نحو عشرين ومائة مرة فى الوقائع والمهمات لنفسى وللناس
= وأحبهم إليه، وأعبدهم له، وأخوفهم منه .. لا يحابيه فى الحق أدنى محاباة .. ولا يدع
وعيده - بأقصى الوعيد - لخطرات الهفوات . .
فكيف .. يا للناس .. بسواه؟؟ كيف تقوم الدنيا وتقعد الأضرحة والمشاهد والقبور !
كيف يعتقد الضر والنفع فى ساكنيها؟ كيف يرجى ويخاف ميت أو حجاب أو كتاب ؟
إذا كان هذا شأن الله العظيم من نبيه خير البشر ، وسيد ولد آدم ، وخر الإنسانية
الذى مازاد عن كونه عبد .. عبد خلقه الله من تراب وآثره على الناس} بالوحى .... عبد؛
شديد الخوف من ربه العزيز الجبار المتكبر .. عبد شديد العجز أمام إرادة خالقه القوى المتين،
الكبير المتعال .. عبد لا يملك لنفسه نفعاً ولاضراً .. ولاموتاً ولاحياة .. ولا يملك لسواه ..
كذلك لن يجيره من اللّه أحد، إن مسه الله بضر أو بهلاك .. فكيف بباقى البشر وسائر
المخلوقات ؟ وماذا بقى الضريح والميت؟ والحجاب والكتاب من سروبركة وتصرف فى الكون؟
بعد هذا البيان .. طبعاً لاشىء على الإطلاق .
لهذا نذهب - بكل الاطمئنان - إلى القول بأن وجود صحيح البخارى أو سواه فى مركب
لاينجيها من الغرق، والحريق، وأن قراءته لقضاء الحاجات، ودفع البليات ، وكشف
الكربات ، وشفاء المرضى .. إلخ ، ليس هو الترياق ..!
هذه لفتة عابرة ، رجونا بها تصحيح خطأ شائع، من قصور فى الإدراك ، لتصح عقيدة ..
الكثيرين فى الله تعالى .. الذى له دعوة الحق .. وإليه يرجع الأمر كله.
وإن صدق التوجه إلى الله، وحسن التوكل عليه وحده ، وإحسان العقيدة فيه سبحانه،
وإخلاص العبادة له، والأخذ بالأسباب ، مع اتباع سنة التى الكريم صلوات الله عليه لهى البركة
كلها ، والنجاح والفلاح فى الدنيا والآخرة .. وهذا هو الترياق الذى افتقدوه.
المصحح

- ١١٥ -
الآخرين فبأى نية قرأته حصل المقصود وكفى المطلوب انتهى مترجماً بالعربية .
قلت : قد أجاز كثير من أهل العلم فى هذا الزمان قراءة صحيح البخارى
وختمه لشفاء الأمراض ودفع المصائب وحصول المقاصد ، فيجتمعون ويقرأ
بعضهم الجزء الأول منه مثلا وبعضهم الجزء الثانى ، وبعضهم الثالث ، وهكذا
فيختمونه باجتماعهم ثم يدعون الله تعالى لشفاء مرضاهم أو لدفع مصائبهم
أو لحصول مقاصدهم . واستدلوا على ذلك بأن قراءته بتمامه رقية لشفاء المرضى
ودفع المصائب وحصول المقاصد . والرقية بما ليس فيه شرك ولا كلمة لايفهم
معناها جائزة بالاتفاق .
فإن قيل كيف علموا أن قراءته بتمامه رقية ولم يثبت كونه رقية لابالكتاب
ولا بالسنة ولا بالإجماع؟ يقال كون شىء من الآيات القرآنية أو ذكر أو دعاء
من الأذكار والأدعية المأثورة رقية لشىء من الأمراض، وجواز الاسترقاء به
لا يتوقف على ثبوت كونه رقية من الكتاب والسنة ، فقد روى البخارى فى
صحيحه عن أبى سعيد قال: (( انطلق نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
فى سفرة سافروها حتى نزلوا على حى من أحياء العرب فاستضافوهم . فأبوا أن
يضيفوهم ، فلاغ سيد ذلك الحى فسعوا بكل شىء - لا ينفعه شىء الحديث.
وفيه: فقال وما يدريك أنها رقية؟)). قال الحافظ فى الفتح: وزاد سليمان بن قتة
فى روايته بعد قوله ((وما يدريك أنها رقية)» قلت ألقى فى روعى . والدارقطنى
من هذا الوجه : « فقلت يارسول الله شىء ألقی فی روعى )) . وهو ظاهر فى أنه
لم يكن عنده علم متقدم بمشروعية الرقى بالفاتحة ، ولهذا قال له أصحابه لما رجع :
ما کنت تحسن رقیة . كما وقع فى رواية معبد بن سيرين انتهى .
أما الإمام البخارى فهو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفى
أبو عبد الله البخارى جبل الحفظ وإمام الدنيا فى ثقة الحديث من الحادية عشرة.
قاله الحافظ فى التقريب . وقال فى تهذيب التهذيب : روى عن عبيد الله بن
----

-١١٦ -
موسى، ومحمد بن عبد الله الأنصارى ، وعفان ، وأبى عاصم النبيل ، ومكى بن
إبراهيم، وأبى المغيرة ، وأبى مسهر ، وأحمد بن خالد الوهبى ، وخلق كثير سواهم
ممن سمع من التابعين فمن بعدهم إلى أن كتب عن أقرانه وعن تلامذته . روى
عنه الترمذى فى الجامع كثيراً ومسلم فى غير الجامع ، وروى النسائى فى الصيام
عن محمد بن إسماعيل عن حفص بن عمر بن الحارث عن حماد حديثاً هكذا وقع غير
منسوب فى عامة الروايات عنه وفى أصل الصورى الذى كتبه عن ابن النحاس
عن حمزة عن النسائى حدثنا محمد بن إسماعيل، وهو أبو بكر الطبرانى . ووقع
فى رواية ابن السنى وحده عن النسائى: حدثنا محمد بن إسماعيل البخارى وقد
روى النسائى الكثير عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم وهو ابن علية ، وهو
يشارك البخارى فى كثير من شيوخه . وروى فى كتاب الكنى عن عبد الله
ابن أحمد بن عبد السلام الخفاف عن البخارى عدة أحاديث ، فهذه قرينة
ظاهرة فى أنه لم يلق البخارى . وروى عن البخارى أيضاً أبو زرعة، وأبو حاتم
وإبراهيم الحربى وابن أبى الدنيا وخلق كثير، قال بكير بن نمير سمعت الحسن
ابن الحسين المزار ببخارى يقول: رأيت محمد بن إسماعيل شيخاً نحيف الجسم
ليس بالطويل ولا بالقصير ، ولد فى شوال سنة ١٩٤ وتوفى يوم السبت لغرة
شوال سنة ٢٥٦ عاش اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يوماً انتهى .
وقال الذهبى فى تذكرة الحفاظ: وأول سماعه للحديث سنة خمس ومائتين ،
وحفظ تصانيف ابن المبارك وهو صبى ، وهو نشأ يتيما ورحل مع أمه وأخيه
سنة عشرة ومائتين بعد أن سمع مرويات بلده من محمد بن سلام، والمسندى ،
ومحمد بن يوسف البيكندى ، وسمع ببلخ من مكى بن إبراهيم وببغداد من عفان
وبمكة من المقرى وبالبصرة من أبى عاصم الأنصارى ، وبالكوفة من عبيد الله
ابن موسى ، وبالشام من أبى المغيرة والفريابى ، وبعقلان من آدم ، وبحمص
من أبى اليمان ، وبدمشق من أبى مسهر شيئا، وصنف وحدث ومافى وجهه

- ١١٧ -
شعرة. وكان رأساً فى الذكاء ، رأساً فى العلم، رأساً فى الورع والعبادة.
حدث عنه الترمذى ، ومحمد بن نصر المروزى الفقيه ، وصالح بن محمد جزرة ،
ومطین ، وابن خزيمة ، وأبو قریش محمد بن جمعة ، وابن صاعد وابن أبى داود ،
وأبو عبد الله الفربرى، وأبو حامد بن الشرقى، ومنصور بن محمد البزدوى ،
وأبو عبد الله المحاملى ، وخلق كثير . وكان شيخاً نحيفاً ليس بطويل ولا قصير ،
إلى السمرة كان يقول : لما طعنت فى ثمان عشرة سنة جعلت أصنف قضايا
الصحابة والتابعين وأقاويلهم فى أيام عبيد الله بن موسى ، وحينئذ صنفت التاريخ
عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فى الليالى المقمرة .
وعن البخارى قال : كتبت عن أكثر من ألف رجل ، ومن مناقبه قال
وراقه محمد بن أبى حاتم: سمعت حاشد بن إسماعيل وآخر يقولان :
كان البخارى يختلف معنا إلى السماع وهو غلام فلا يكتب، حتى أتى على
ذلك أياماً فكنا نقول له ، فقال : إِنكماقد أكثرتما على فأعرضا على ما كتبتما،
فأخرجنا إليه ما كان عندنا ، فزاد على خمسة عشر ألف حديث فقرأها كلها
عن ظهر قلب حتى جعلنا نحكم كتبنا من حفظه . ثم قال أترون أنى أختلف
هدراً وأضيع أيامى ؟ فعرفنا أنه لايتقدمه أحد . وقال محمد بن حميرويه : سمعت
البخارى يقول أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائتى ألف حديث غیر
صحيح . قال الذهبى قد أفردت مناقب هذا الإمام فى جزء ضخم فيها العجب .
وقال القاضى ابن خلكان : رحل فى طلب الحديث إلى أكثر محدثى الأمصار
وكتب بخراسان والجبال ومدن العراق والحجاز والشام ومصر . وقدم بغداد
واجتمع إليه أهلها واعترفوا بفضله وشهدوا بتفرده فى علم الرواة والدراية .
وحكى أبو عبد الله الحميدى فى كتاب جذوة المقتبس والخطيب فى تاريخ
بغداد : أن البخارى لما قدم بغداد سمع به أصحاب الحديث فاجتمعوا وعمدوا إلى
مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها ، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر ،

- ١١٨ -
ودفعوا إلى عشرة أنفس إلى كل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا
المجلس أن يلقوا ذلك على البخارى ، وأخذوا الموعد للمجلس خضر المجلس
جماعة من أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرها من البغداديين ،
فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب إليه واحد من العشرة فسأله عن حديث من
تلك الأحاديث فقال البخارى لاأعرفه فسأله عن آخر فقال لاأعرفه . فما زال باقى
عليه واحداً بعد واحد حتى فرغ من عشرته والبخارى يقول لاأعرفه . فكان
الفقهاء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون : الرجل فهم ومن كان
منهم ضد ذلك يقضى على البخارى بالعجز والتقصير وقلة الفهم ، ثم انتدب رجل
آخر من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة ، فقال البخارى
لاأعرفه فسألة عن الآخر فقال: لا أعرفه . فلم يزل يلقى عليه واحداً بعد واحد
حتى فرغ من عشرته . والبخارى يقول لاأعرفه . ثم انتدب الثالث والرابع
إلى تمام العشرة حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة ، والبخارى لا يزيدهم
على قوله لاأعرفه ، فلما على البخارى أنهم فرغوا ، التفت إلى الأول منهم
فقال : أما حديثك الأول فهو كذا ، وحديثك الثانى فهو كذا والثالث والرابع
على الولاء حتى أتى على تمام العشرة فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه
وفعل الآخرين كذلك ورد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها وأسانيدها،
إلى متونها . فأقر له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل انتهى .
قلت ذكر الحافظ هذه الحكاية بسنده فى مقدمة الفتح ثم قال : هنا يخضع
البخارى فى العجب من رده الخطأ إلى الصواب فإنه كان حافظاً ، بل العجب
من حفظه الخطأ على ترتيب ما ألقوه عليه من مرة واحدة ، وروينا عن
أبى بكر الكلودانی قال : مارأيت مثل محمد بن إسماعيل ، كان بأخذ الکتاب
من العلم فيطلع عليه اطلاعة فيحفظ عامة طرق الأحاديث ، وقد سبق ماجكاه
عن محمد حاشد بن إسماعيل فى أيام طلبهم بالبصرة معه. وكونه كان يحفظ ماسمع

٩ ٣٧
- ١١٩-
ولا يكتب . وقال أبو الأزهر : كان بسمرقند أربعمائة محدث فجمعوا وأحبوا
أن يغالطوا محمد بن إسماعيل فأدخلوا إسناد الشام فى إسناد العراق ، وإسناد.
العراق فى إسناد الشام، وإسناد الحرم فى إسناد اليمن. فما استطاعوا مع ذلك
أن يتعلقوا عليه بسقطة .
وقال غنجار فى تاريخه : سمعت أبا القاسم منصور بن إسحاق بن إبراهيم
الأسدى يقول: سمعت أبا محمد عبد الله بن محمد بن إبراهيم يقول: سمعت يوسف بن
موتى المروزى يقول : كنت بالبصرة فى جامعها إذ سمعت منادياً ينادى يا أهل
العلم لقد قدم محمد بن إسماعيل البخارى ، فقاموا إليه وكنت معهم ، فرأبنا رجلا
شاباً ليس فى لحيته بياض فصلى خلف الأسطوانة ، فلما فرغ أحدقوا به وسألوه
أن يعقد لهم مجلساً للإملاء فأجابهم إلى ذلك ، فقام المنادى ثانياً فى جامع البصرة
فقال: ياأهل العلم لقد قدم محمد بن إسماعيل البخارى فسألناه أن يعقد مجلس
الإملاء فأجاب أنه يجلس غداً فى موضع كذا ، فلما كان بالغد حضر المحدثون
والحفاظ والفقهاء والنظارة حتى اجتمع قريب من كذا كذا ألف نفسَ ، فجلس
أبو عبد الله للإملاء ، فقال قبل أن يأخذ فى الإملاء : ياأهل البصرة أنا شاب
وقد سألتمونی أن أحدثكم وسأحدثكم بأحاديث عن أهل بلدكم تستقیدونها
- يعنى ليست عندكم - قال فتعجب الناس من قوله، فأخذ فى الإملاء
فقال : حدثنا عبد الله بن عثمان بن جبلة بن أبى رواد العتكى بلديكم ، قال
حدثنا أبى عن شعبة عن منصور وغيره عن سالم بن أبى الجعد عن أنس بن مالك:
أن أعرابياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يارسول الله: الرجل
يحب القوم الحديث. ثم قال: هذا ليس عندكم عن منصور إنما هو عندكم عن
غير منصور . قال يوسف بن موسى: فأملى عليهم مجلساً من هذا النسق ، يقول
فی کلحديث : روی فلان هذا الحديث عندكم كذا ، فأما من رواية فلان يعنى
التی یسوقها فليست عندكم انتهى .

- ١٢٠ -
وقال القاضى ابن خلكان: وكانت ولادته يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث
عشرة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة . وقال أبو يعلى الخليلى فى
كتاب الإرشاد : إن ولادته كانت لاثنتى عشرة خلت من الشهر المذكور،
وتوفى ليلة السبت بعد صلاة العشاء وكانت ليلة عيد الفطر ، ودفن يوم الفطر
بعد صلاة الظهر سنة ست وخمسين ومائتين بخرتنك ، رحمه الله تعالى . وكان
خالد بن أحمد بن خالد الذهلى أمير خراسان ، قد أخرجه من بخارى إلى خرتنك
ثم حج خالد المذكور فوصل إلى بغداد فيسه الموفق بن المتوكل! أخو المعتمد
الخليفة فمات فى حبسه .
وقد اختلف فى اسم جده فقيل إنه يرذبه ، بفتح الياء المثناة من تحتها
وسكون الراء وكسر الذال المعجمة وبعدها باء موحدة ثم هاء ساكنة . وقال
أبو نصر بن ما كولاه فى كتاب الإكال : هو یزدزبه ، بدال وزاى وباء
معجمة بواحدة . وقال غيره : كان هذا الجد مجوسياً مات على دينه ، وأول من
من أسلم منهم المغيرة ، ووجدته فى موضع آخر عوض يرذبه الأحنف ، ولعل
يرذبه كان أحنف الرجل . والبخارى بضم الباء الموحدة وفتح الخاء المعجمة
وبعد الألف راء هذه النسبة إلى بخارى ، وهى من أعظم مدن ماوراء النهر بينها
وبين سمر قند مسافة ثمانية أيام . وخرتنك بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء وفتح
التاء المثناة من فوقها وسكون النون وبعدها كاف ، وهى قرية من قرى
سمر قند ، ونسبة البخارى إلى سعيد بن جعفر الجعفى والى خرسان ، وكان له
عليهم الولاء فنسبوا إليه انتهى .
وأما الإمام مسلم : فهو أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيرى
النيسابورى صاحب الصحيح أحد الأئمة الحفاظ وأعلام المحدثين ، رحل إلى
الحجاز والعراق والشام ومصر ، وسمع يحيى بن يحيى النيسابورى ، وأحمد بن
حنبل، وإسحاق بن راهويه ، وعبد الله بن مسلمة القعنبى وغيرهم ، وقدم