Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ الجزء الحادى عشر : كتاب الطلاق شهاب: ولا أرى بأساً أن تتزوج حين وضعت وإن كانت فى دمها ، غير أنه لا يقربها زوجها حتى تطهر . وكان من المؤلفة وسكن الكوفة ، وجزم إبن سعد أنه بقى بعد النبى صلى الله عليه وسلم زمناً ( فقال) أبو السنابل ( لها : مالى أراك متجملة ؟) أى متزينة (لعلك تراتجين ) أى تريدين (النكاح إنك والله ما أنت بناكح) أى لا يجوز لك النكاح ، لأن عدة الوفاة لم تتم (حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشرا) فتتم العدة فيجوز لك النكاح ( قالت سبيعة : فلما قال ) أبو السنابل (لى ذلك ، جمعت على ثيابى، أى لبستها ( حين أمسيت) أى حين الظلام ( فأتيت رسول الله صلى عليه وسلم، فسألته عن ذلك) أى عما قال لى أبو السنابل (فأفتانى بأنى قد حللت حين وضعت حملى) وهذا الحكم مصرح فى قوله تعالى: ((وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن)) (وأمرفى بالتزويج إن بدا لى، قال ابن شهاب) الزهرى: ( ولا أرى بأساً أن تتزوج حين وضعت وإن كانت فى دمها) أى دم نفاسها ، لأن المانع من النكاح كانت هى العدة ، فلما وضعت انقضت عدتها ، فلم يبق مانع من النكاح، والنفاس لا يمنعه ( غير أنه لا يقربها) أى لا يجامعها (زوجها حتى تطهر) فإن النفاس مانع من الوطى، قال الشوكانى: وقد ذهب جمهور أهل العلم من السلف وأئمة الفتوى فى الأمصار إلى أن الحامل إذا مات عنها زوجها تنقضى عدتها بوضع الحمل ، وعن على بسند صحيح: أنها تعتد بآخر الأجلين، وبه قال ابن عباس ، وروى عنه أنه رجع ، وروى عن ابن أبى ليلى أنه أنكر على ابن سيرين القول بانقضاء عدتها بالوضع، وأنكر أن يكون ابن مسعود قال ذلك ، وقد ثبت عن ابن مسعود أنه يوافق الجمهور حتى كان يباهل على ذلك، وأما أبو السنابل فهو وإن كان فى حديث الباب ما يدل على أنه يذهب إلى اعتبار آخر الأجلين، لكنه قدروى عنه الرجوع عن ذلك ، وقدنقل المأزرى وغيره عن سحنون من المالكية أنه يقول بقول على رضى الله عنه، قال الحافظ: وهو مردود ، لأنه إحداث خلاف بعد استقرار الإجماع . (م.٦ -- يقال المجهود فى حل أبي داود) ٨٢ بذل المجهود فى حل أبى داود حدثنا عثمان بن أبى شيبة ومحمد بن العلاء، قال عثمان: حدثنا ، وقال ابن العلاء: أخبرنا أبو معاوية، نا الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عبد الله قال: من شاءلا عنته لا نزلت سورة النساء القصرى بعد الأربعة الاشهر وعشراً. باب فى عدة أم الولد حدثنا قتيبة بن سعيد: أن محمد بن جعفر ، حدثهم (١) حونا (حدثنا عثمان بن أبى شيبة ومحمد بن العلاء، قال عثمان حدثنا وقال ابن العلاء أخبرنا أبو معاويةنا الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عبد اللّه) بن مسعود (قال من شاء) الملاعنة ( لاعنته )(٢) من الملاعنة وهى المباهلة أى من يخالفنى فى عدة الحامل (لأنزلت) اللام توطية للقسم أى والله لأنزلت (سورة النساء القصرى) وهى سورة الطلاق ( بعد الأربعة الأشهر وعشرا ) أى بعد نزول هذه الآية فخصصت آية سورة الطلاق عموم آية أربعة أشهر وعشرا ، فصارت عدة الحوامل هى وضع الحمل لا غير. باب فى عدة أم الولد (حدثنا قتيبة بن سعيد، أن محمد بن جعفر حدثهم ،ح ونا ابن المثنى ، ناعبد الأعلى)، كلاهما أى محمد بن جعفر وعبد الأعلى (عن سعيد) بن أبى عروبة، (عن مطر، عن رجاء(٣) بن حيوة، عن قبيصة بن ذويب، عن عمرو بن العاص قال: (١) فى نسخة . حدثه (٢) ولعله قال: مما وصله قول على رضى الله عنه: تعتد أبعد الأجلين. (٣) بسطه الموفق الكلام على ضعف هذا الحديث وقال أيضا: رواية أحمد توافق هذا ٨٣ الجزء الحادى عشر: كتاب الطلاق ابن المثنى، ناعبد الأعلى، عن سعيد، عن مطر، عن رجاء بن حيوة عن قبيصة بن ذويب، عن عمرو بن العاص قال: لا تلبّسوا (١) علينا سنته - قال ابن المثنى: سنة نبينا صلى الله عليه وسلم - عدة المتوفى عنها أربعة أشهر وعشراً ، يعنى أم الولد. لا تلبسوا علينا سنة قال ابن المثنى سنة نبينا صلى الله عليه وسلم عدة المتوفى عنها أربعة أشهر وعشراً يعنى أم الولد) قال مولانا الشاه عبد الغنى فى انجاح الحاجة: هذا عندنا فى صورة مات مولاها (٢) وزوجها ولم يدر الأول، لأن المولى إن كان مات أولا ثم مات الزوج وهى حرة فلا تجب العدة لموت المولى، وتعتد للوفاة عدة الحرائر أربعة أشهر وعشرا، وإن كان الزوج مات أولا لزمها شهران وخمسة أيام ، ولا يلزمها بموت المولى شىء، لأنها معقدة الزوج ، ففى حال يلزمها أربعة أشهر وعشرا، وفى حال نصفها فلزمها الأكثر احتياطاً اهـ. قلت: وكذلك الحكم إذا علم أن المولى مات أولا ثم مات الزوج فعدتها أربعة أشهر وعشر ، عدة وفاة الزوج ، ولا عدة لموت المولى، وكذلك إذا اعتق المولى أم ولده، ونكحهاثم مات المولى - وهو الزوج- فعدتها أربعة أشهروعشروفى المسألة تفصيل لا يتحمله هذا المختصر؛ من شاء فليرجع إلى (بدائع الصنائع)) وغيره. (١) فى نسخة لا تلبسوا. (٢) وأما إذا مات مولى أم الولد فعدتها ثلاث حيض عندنا وحيضة عند الشافعى . كذا فى الهداية وبه قال أحمد كما فى المغنى وقال هو المشهور عنه وذكر له روايات اختلاف الفقهاء فى ذلك وبسط الموفق فى الكلام على ضعف هذا الحديث وقال أيضاً رواية لاحمد توافق هذا . ٨٤ بذل المجهود فی حل أبى داود باب المبتوتة لا يرجع إليها زوجها حتى تنكح غيره حدثنا مسددنا، أبو معاوية عن الأعمش، عن إبراهيم ، عن الأسود، عن عائشة، قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم م باب فى المبتوتة أى بالثلاث ( لا يرجع إليها زوجها حتى تنكح)(١) المرأة ويطأها (غيره) أى غير الزوج الأول . ( حدثنا مسدد نا أبو معاوية ، عن الأعمش، عن إبراهيم ، عن الأسودعن عائشة قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل(٢) طلق إمرأته) يعنى ثلاثاً ( فتزوجت زوجاً غيره فدخل بها) أى خلابها ( ثم طلقها) بعد الخلوة ( قبل أن يواقعها) أى يجامعها ( أنحل لزوجها الأول؟ قالت : ) عائشة رضى الله عنها ( قال النبى صلى الله عليه وسلم: لا تحل للأول حتى تذوق)(٢) تلك المرأة ( عسيلة ) بالتصغير لذة جماع ( الآخر ويذوق ) الرجل الثانى (غسيلتها) أى لذة جماعها ، قال الشوكافى : العسيلة فى الموضعين مصغرة ، واختلف فى (١) نكاحاً صحيحاً لا فاسداً، عند الجمهور وشذ الحكم فقال: ولو فاسداً . كذا فى الأوجز . (٢) وقد وقع مفصلا فى قصة امرأة عبد الرحمن بن الزبير. كذا فى التلقيح، ويحتمل غيره ، كذا فى الأوجز . (٣) استدل بها ابن المنذر، لو جومعت نائمة لا يكفى، خلافاً للجمهور كما فى شرح أبى الطيب الترمذى، وصرح به الشافى أيضا. ٨٥ الجزء الحادى عشر. كتاب الطلاق عن رجل طلق امر أته(١)، فتزوجت زوجاغيره فدخل بها، ثم طلقها قبل أن يواقعها: أنتحل ازوجها الاول؟ قالت: قال النبى صلى الله عليه وسلم: لا تحل للأول حتى تذوق عسيلة الآخر ويذوق عسيلتها. باب فى تعظيم الزناء حدثنا محمد بن كثير، أناسفيان عن منصور، عن أبى وائل، عن توجيهه، فقيل: هو تصغير العسل لأن العسل مونث ، جزم بذلك القزاز وقيل : المراد قطعة من العسل، والتصغير للتقليل، إشارة إلى أن القدر القليل كاف فى تحصيل ذلك، وقيل: معنى العسيلة النطفة، وهذا يوافق قول الحسن (٢) البصرى لأنه زاد بعد تغييب الحشفة حصول الإنزال ، قال ابن بطال : شذا الحسن فى هذا وخالف سائر الفقهاء، وقالوا(٢) يكفى ما يوجب الحدويحصن الشخص، ويوجب كمال الصداق ويفسد الحج والصوم، وقال أبو عبيدة : العسيلة لذة الجماع والعرب تسمى كل شىء تستلذ محسلا، وهذا حديث مشهور وقع عليه الإجماع ولا خلاف فيه إلا مانقل عن سعيد (٤ )بن المسيب حيث قال: يكفى فيه النكاح أخذا بظاهر قوله تعالى فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ، وقالوا : المراد بها الوطى. على ما هو أصل معنى النكاح . ( باب فى تعظيم الزناء) (حدثنا محمد بن كثير، انا سفيان، عن منصور، عن أبى وائل ، عن عمرو بن شر حبيل) الهمدانى بمفتوحة وسكون ياه مثناة تحت وفتح سين (١) فى نسخة : يعنى ثلاثا . (٢) تعقبه ابن العربى بعد الإنزال وشبه بالحنظلية لا العسيلة. (٣) ويكفى عند الحنفية تحليل المراهق أن تتحرك آ لته كما فى الأشباه والنظائر. (٤) والشيعة وابجوارج وداود. كذا فى الأوجز. ٨٦ بذل المجهود فی حل أبى داود عمروبن شرحبيل، عن عبد الله، قال: قلت: يا رسول الله، أى الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداوهو خلقك؛ قال: قلت: ثم أى؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك؛ قال: (١) ثم أى؟ قال: أن تزانى حليلة (٣"جارك، قال: وأنزل (٣) تصديق لقول النبي صلى الله عليه وسلم ((والذين لا يدعون مع اللّه إلها آخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق ولا يزنون)) الآية. مهملة، وبراء الكوفى، ثقة عابد مخضرم ( عن عبد الله) بن مسعود ( قال: قلت: يا رسول الله أى الذنب أعظم) أى فى الذنوب (قال أن تجعل لله ندا) بالكسر وهو مثل الشىء يضاده ويناده أى يخالفه جمعه انداد، (وهو خلقك ) أى أوجدك، والإيجاد غاية النعمة ثم مع هذا الإحسان جعل الند كفران أعظم من جميع الكفران ( قال: قلت: ثم أى قال: ) رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك ) فقتل الولد من كبار الذنوب ، ثم معه خشية الأكل معه هو الذنب الأكبر لأنه يزعم إنى رازقه (قال ) عبد الله ( ثم أى قال) رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أن تزانى) من المفاعلة (حليلة) أى زوجة لأنها حلال عليه ( جارك) فحق الجوار موجب لإيصال الخير إليه ، فإذا زنى بزوجته شمل على ذنبين كبيرين ، وإنما أتى بالمفاعلة لأنه إذا تحقق منهما الزنا، كان أعظم ، فإذا تحقق بغير رضاها كرها يكون أشد منه وأعظم ( قال: وأنزل تصديق قول النبى صلى الله عليه وسلم ((والذين لا يدعون مع اللّه إلها آخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق ولا يزنون الآية) المذكورة فى سورة الفرقان ، وفى آخرها يضاعف له العذاب يوم القيمة ويخلد فيه مهانا . (١) فى نسخة: قلت ، (٣) فأنزل الله. (٢) فى نسخة : بحليلة . ٨٧ الجزء الحادى عشر : كتاب الطلاق حدثنا أحمد بن إبراهم، عن حجاج، عن ابن جريج، قال : وأخبرنى أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: جاءت مسيكة(١) لبعض الاّنصار، فقالت: إن سيدى يكر هنى على البغاء فنزل فى ذلك ((ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء). (حدثنا أحمد بن إبراهيم عن حجاج ، عن ابن جريج، قال) ابن جريج (وأخبر نى أبو الزبير) هكذا فى جميع النسخ الموجودة، وأخرج ابن جرير: حدثنا الحسن ابن الصباح، قال: ثناحجاج بن حجاج ، عن ابن جريج قال : أخبرنى أبو الزبير أنه سمع جابر عبد الله يقول الحديث، ثم أخرج: حدثنا القاسم، قال ثنا الحسين ثنى الحجاج ، عن ابن جريج ، قال : أخبر نى أبو الزبير قال : جاءت جارية ، الحديث ، ثم قال ابن جريج: وأخبر نى عمرو بن دينار، عن عكرمة . قال : أمة لعبد الله بن أبى، الحديث ، وهذا يدل أن ابن جريج روى هذا الحديث عن أبى الزبير وعن غيره، فذف المعطوف عليه وهو عمرو بن دينار عن عكرمة، فما قال صاحب العون فى شرحه: قال حجاج وأخبر نى به أبو الزبير خلاف الصواب ، فإنحجاج بن محمد ليس له رواية عن أبى الزبير، وبینمو تهما ثمانون سنة ( أنه سبع جابر بن عبد الله يقول جاءت مسيكة) بضم الميم وفتح السين المهملة مصغراً وهو الصواب، اسم إحدى جاربتق عبد الله بن أبي بن سلول، وثانيتهما: معاذة (لبعض الأنصار) وهو عبد الله (٢) بن أبي بن سلول أنت النبى صلى الله عليه وسلم وشكت له (فقالت: إن سيدى يكر هنى على البغاء) أى الزنا بالعوض ( فنزل فى ذلك: ((ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء))). (١) فى نسخة: سكينة. (٢) وبه جزم ابن الجوزى فى التلقيح . ٨٨ بذل المجهود فی حل أبى داود حدثنا عبيد الله بن معاذ،نا معمر، عن أبيه: ((ومن يكرههن فان الله من بعد إكراهمن غفور رحيم)) قال: قال سعيد بن أبى الحسن: غفور طن المكرهات . (حدثنا عبيد الله بنمعاذ، نامعمر، عن أبيه) سليمان التيمى (ومن يكرهمن) أى الجوارى (فإن الله من بعد إكراهمن غفور رحيم قال) سلمان: (قال سعيد ابن أبى الحسن) واسمه ليار الأنصارى،،ولاهم البصرى، أخو الحسن البصرى، له فى صحيح البخارى حديث واحد فى التصوير ، قال العجلى : بصرى تابعى ثقة ( غفور لهن المكرهات) بدل من ضمير المجرور فى لهن؛ والله تعالى أعلم. ثَّاللهُ الرّالة اول كتاب الصيام بسم الله الرحمن الرحيم مبدأ (١) فرض الصيام أول كتاب الصيام(٢) بكسر الصاد والياء بدل من الواو ، والصوم والصيام مصدران لصام ، وهو فى اللغة: الإمساك، وفى الشرع إمساك مخصوص فى زمن مخصوص، عن شىء مخصوص، بشرائط مخصوصة ، وقال الراغب : الصوم فى الأصل الإمساك عن الفعل، ولذلك قيل للفرس الممسك عن السير صائم ، وفى الشرع : إمساك المكلف بالنية عن تناول المطعم والمشرب والاستمناء والاستقاء من الفجر إلى المغرب ، وقال الزرقانى: وهو لغة الإمساك عن شىء قولا كقوله: ((إنى نذرت للرحمن صوماً، أى إمساكا وسكوتاً أو فعلا كقول النابغة خيل صيام ، وخيل غير صائمة تحت العجاج، وأخرى تعلك اللجما أى مسكة عن الحركة، وشرعاً إمساك عن المفطر على وجه مخصوص، قال الحافظ: ذكر بعض الصوفية أن آدم عليه السلام لما أكل من الشجرة ثم تاب تأخر قبول توبته لما بقى فى جسده من تلك الأكلة ثلاثين يومافلا صفا جسده منها تيب عليه، ففرض على ذريته صيام ثلاثين يوماً، وهذا يحتاج إلى ثبوت السند فيه إلى من يقبل قوله فى ذلك، وههات وجدان ذلك أ. هـ. قال الزرقانى: وشرع الصيام لفوائد، (١) فى نسخة: باب مبدء فرض الصوم . (٢) فيه عدة أبحاث: لغته واصطلاحه والحكمفيه ، وبدئه، وبدء رمضان، وزمان نزول رمضان ، وهل كان علينا شىء من الصوم قبل رمضان؟ وبسط كلها فى الأوجز. ٩٠ بذل المجهود فى حل أبى داود أعظمها كسر النفس، وقهر الشيطان ، فالشبع نهر فى النفس يرده الشيطان، والجوع نهر فى الروح ترده الملائكة ، ومنها أن الغنى يعرف قدر نعمة الله عليه بأقداره على ما منع منه كثير من الفقراء من فضول الطعام والشراب والنكاح فإنه من أمتناعه عن ذلك فى وقت مخصوص وحصول المشقة له بذلك يتذكر به من منع ذلك على الإطلاق ، فيوجب ذلك شكر نعمة الله عليه بالغناء ، ويدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج، ومؤاساته بما يمكن من ذلك، وتعقيب المصنف بالصيام بعد الطلاق فوجهه أن الأصل يقتضى أن يذكر بعد النكاح للمناسبة بين النكاح والصيام لأجل أن الصوم تقييد للنفس كما أن النكاح تقييد للمرأة ، وكذلك كما أن النكاح قاطع للشهوة كذلك الصيام قاطع لها ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فإنه له وجاء)) ولكن لما كان الطلاق أنسب للنكاح لأنه من توابعه ولواحقه ذكره بعده، ثم ذكر الصيام والله تعالى أعلم . مبدأ (١) فرض الصيام قال القارى ثم كانت فرضية صوم رمضان بعد ما صرفت القبلة إلى الكعبة فى شعبان على رأس ثمانية عشر شهراً من الهجرة كذا ذكره الشمنى ، وقيل : لم يفرض قبله صوم ، وقيل : كان ، ثم نسخ ، فقيل: عاشوراء وقيل الأيام البيض. اهـ قال الحافظ فى الفتح: قد اختلف السلف هل فرض على الناس صيام قبل رمضان أولا ؟ فالجمهور وهو المشهور عند الشافعية أنه لم يجب صوم قط قبل صوم رمضان ، وفىوجه وهو قول الحنفية : أول ما فرض صيام عاشوراء، فلما نزل رمضان نسخ ، فن أدلة الشافعية حديث معاوية مرفوعاً (((لم يكتب الله عليكم صيامه)) وسيأتى فى أواخر الصيام، ومن أدلة الحنفية ظاهر حديثى ابن عمر وعائشة المذكورين فى هذا الباب بلفظ الأمر ، وحديث الربيع بنت معوذ الآتى وهو أيضاً عند مسلم: ((من أصبح صائماً فليتم صومه، قالت: فلم نزل نصومه ونصوم صبيا تناوهم صغار)) الحديث وحديث مسلمة مرفوعاً ((من أكل فليصم بقية يومه ومن لم يكن أكل فليصم ، الحديث أنتهى. (١) قال ابن رسلان . أول من صام رمضان نوح عليه الصلاة والسلام، وفى الأوجز قال على أول من صام آدم عليه السلام ٩١ الجزء الحادى عشر : كتاب الصيام حدثنا أحمدبن محمدبنشبویة،حدثیعلیپن حسینبنواقد،عن أبيه، عن يزيد النحوى، عن عكرمة، عن ابن عباس: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم))(١). فكان الناس على عهد النبي (٢) صلى الله عليه وسلم إذا صلوا العتمة حرم (حدثنا أحمد بن محمد بن شبوية، حدثنى على بن حسين بن واقد ، عن أبيه) حسين بن واقد ( عن يزيد النحوى عن عكرمة، عن ابن عباس) ((يا أيها الذين آمنوا كتب (٣) عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم)) فكان الناس أى المسلمون (على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلوا العتمة) أى فرغوا من صلاة العشاء (٤ ( حرم عليهم الطعام والشراب والنساء وصاموا إلى) الليلة القابلة ( فاختان رجل نفسه فجامع امرأته وقد صلى العشاء ولم يفطر ) أخرج ابن جرير، عن ابن عباس فى قوله: ((أحل لكم ليلة الصيام الرفث)) الآية : كان الناس أول ما أسلوا إذا صام أحدهم يصوم يومه حتى إذا أمسى طعم من الطعام فما بينه وبين العتمة ، حتى إذا صليت حرم عليهم الطعام حتى يمسى من الليلة القابلة وأن عمر بن الخطاب بينما هو قائم إذ سولت له نفسه فأتى أهله لبعض حاجته ، فلما اغتسل أخد يبكى ويلوم نفسه الحديث، وفى رواية ((وكان منهم؟ رجال يختانون أنفسهم ، وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه من اختان نفسه فعفا الله عنهم ؛ وأجل ذلك لهم بعد الرقاد وقبله وفى الليل كله (فأراد الله عز وجل أن يجعل ذلك يسراً لمن بقى) من الصحابة الذين لم يختانوا أنفسهم (١) فى نسخة:قال . (٢) فى نسخة : رسول الله (٣) قال ابن رسلان:( أصل الكتابة الخط الذى يقرأ وعبر به ههنا بمعنى الالتزام والإثبات لأن الذى يكتب يثبت وقيل: على حقيقته إظهار عما كتب فى اللوح المحفوظ. (٤) وسيأتى فى الحديث الآتى: التقيد بالنوم (( ابن رسلان)). ٩٢ بذل المجهود فى حل أبى داود عليهم الطعام والشراب والنساء، وصاموا إلى القابلة، فاختان رجل نفسه، جامع امرأته وقدعلى العشاء ولم يفطر، فاراد الله عز وجل أن يجعل ذلك يسراً لمن بقى، ورخصة ومنفعة، فقال: , علم الله أنكم كنتم تحتالون أنفسكم، وكان هذا مما نفع الله به الناس ،ورخص لهم ویسر. حدثنا نصر بن على بن نصر الجهضمى، أنا أبو أحمد، أنا إسرائيل ، عن أبى إسحاق: عن البراءقال: كان الرجل إذا صام فنام (ورخصة) أى لهم (ومنفعة) أى عليهم (فقال: علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم) أى بالجماع والأكل والشرب (وكان هذا) أى الحكم ( مما نفع الله به الناس ورخص لهم ) فى الطعام والشراب والجماع (ويسر.) عليهم، وهذا يشير إلى أن ميل المصنف إلى ترجيح القول بأن الصيام لم يفرض على المسلمين قبل رمضان، فإنه جعل مبدأ فرض الصيام رمضان لهذه الآية . (حدثنا نصر بن على بن نصر الجهضمى، أنا أبو أحمد ) الزبيرى محمد بن عبد الله بن الزبير (أنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن البراء قال كان) الحـكم فى إبتداء الإسلام (الرجل إذا صام فنام) بعد المغرب ولم يفطر قبل النوم (لم يأكل إلى مثلها) أى لم يحل له أن يأكل إلى الليلة المستقبلة، قال الحافظ: إتفقت الروايات فى حديث البراء على أن المنع من ذلك كان مقيداًبالنوم، وهذاهو المشهور فى حديث غيره ، وقيد المنع من ذلك فى حديث ابن عباس بصلاه العتمة ونحوه فى حديث أبى هريرة كما سأذكره قريباً ، وهذا أخص من حديث البراء من وجه آخر ، ويحتمل أن يكون ذكر صلاة العشاء لكون ما بعدها مظنة النوم غالباً . ٩٣ الجزء الحادى عشر: كتاب الصيام والتقييد فى الحقيقة إنما هو بالنوم كما فى سائر الأحاديث ، وبين السدى وغيره أن ذلك الحكم كان على وفق ما كتب على أهل الكتاب كما أخرجه ابن جرير من طريق السدى ولفظه: ((كتب على النصارى الصيام، وكتب عليهم: أن لا يأكلوا ولا يشربوا ولا ينكتوا بعد النوم، وكتب على المسلمين أولا مثل ذلك حتى أقبل رجل من الأنصار فذكر القصة. اهـونقل فى الحاشية عن فتح الودود قوله ((فنام ولم يأكل إلى مثلهاً، ولا يخفى أن هذا الحديث يفيد أن المنع مقيد بالنوم ، وما سبق من حديث ابن عباس يفيد أن المنع مقيد بصلاة العشاء، وقد يقال : لا منافاة بينهما فيجوز تقييد المنع بكل منهما فأيهما تحقق أو لا تحقق المنع وقيل: يحتمل أن يكون ذكر صلاة العشاء فى حديث ابن عباس لكون ما بعدها مظنة النوم غالبا والتقييد فى الحقيقة بالنوم ( وإن صرمة بن قيس الأنصارى) وقد تقدم فى كتاب الصلاة ذكر الاختلاف فى إسمه ( أنى إمرأته)(١) لم أقف على تسميتها ( وكان صائما فقال: عندك شىء شىء ؟ قالت: لا اعلى أذهب(٢) فأطلب لك) ولفظ حديث البخارى: ((ولكن أنطلق فأطلب لك، قال الحافظ: ظاهره أنه لم يجىء معه بشىء، لكن فى ((مرسل السدى)) أنه أتاها بتمر فقال: استبدلى به طحينا واجعليه ثخينا فإن التمر أحرق جوفى ( فذهبت ) أى خرجت من البيت لطلب الطعام (وغلبة عينه ) أى نام (فجاءت ) أى رجعت بالطعام فر أته نائما (فقالت خيبة لك) بالنصب مفعول مطلق محذوف العامل ، والخيبة الحرمان ، يقال خاب يخيب إذا لم ينل ما طلب (فلم ينتصف النهار حتى غشى عليه) ولفظ البخارى ((فلما انتصف النهار غشى عليه فيحمل على أن الغنى فى آخر النصف الأول من النهار فى ((مرسل السدى)) (١) قال ابن رسلان: جامع امرأته. إنتهى. وهو بعيد. (٢) وأجاد فى (الكوكب) ههنا بحثا، وهو: أنها كيف انتظرت وهى تعلم أنه صائم؟ وأجاب: بأنها لعلها أرادت الإستدانة عليه فانتظرت لما أن الإستدانة لو لم تكن بأمره كان عليها الأداء ؛ وإذ ذاك عليه فلعله يصوم بدون شىء ولا يستذين ٩٤ بذل المجهود فى حل أبى داود لم ياكل إلى مثلها، وإن صرمة بن قيس الأنصارى أتى امرأته وكان صائما فقال: عندك شىء؟ قالت: لا، اعلى أذهب فأطلب لك(١) فذهبت، وغلبته عينه فجاءت فقالت خيبة لك فلم ينتصف النهار حتى غشى عليه، وكان يعمل يومه فى أرضه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت: أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم قرأ إلى قوله: (( من الفجر)) باب نسخ قوله تعالى وعلى الذين يطيقونه فدية حدثنا قتيبة بن سعيد نا بكر - يعنى ابن مضر - عن عمرو بن فأيقظته فكره أن يعصى الله وأبى أن يأكل)) (وكان يعمل يومه) بالنصب (فى أرضه) وفى ((مرسل السدى)) كان يعمل فى حيطان المدينة بالأجرة ، فعلى هذا قوله فى أرضه: إضافة اختصاص (فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزات: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم، قرأ) أبو أحمد أو نصر بن على ( إلى قوله: من الفجر) قال الحافظ: قلت: وقد وقع فى رواية أبى داود: فنزلت ((أحل لكم ليلة الصيام» إلى قوله: (( من الفجر)، فهذا يبين أن محمل قوله ففرحوا بها بعد قوله الخيط الأسود، ووقع ذلك صريحا فى رواية زكريا بن أبى زائدة، ولفظه (( فنزلت أحل لكم إلى قوله:(من الفجر) ففرح المسلمون بذلك)) ولم يذكر الحافظ فيه: ((قرأ) على خلاف النسخ الموجودة، فإن فى جميعها لفظ: ((قرأ)، فلعل الحافظ تركها اختصاراً أو إن هذه الكلمة غير موجودة فى النسخة التى عنده . (باب نسخ قوله تعالى وعلى الذين يطيقونه فدية) ( حدثنا قتيبة بن سعيد نا بكر يعنى ابن مضر عن عمرو بن الحارث ، عن بكير ، عن يزيد ) بن أبى عبيد ( مولى سلمة بن الأكوع قال لما نزلت هذه (١) فى نسخة : شيئاً . ٩٥ الجزء الحادى عشر: كتاب الصيام الحارث، عن بكير ، عن يزيد، مولى سلمة بن الأكوع قال: لما نزلت هذه الآية:(وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين، كان من أرادمنا أن يفطر ويفتدى فعل، حتى نزلت الآ ية التى بعدها فنسختها حدثنا أحمد بن محمد،نا على بن حسين، عن أبيه عن يزيد النحوى عن عكرمة، عن ابن عباس: وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين، الآية: (وعلى الذين يطيقونه(١) فدية طعام مسكين)، كان من أرادمنا أن يفطر ويفتدى فعل ، حتى نزلت هذه الآ يةا التى بعدها) وهى قوله تعالى: ((شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن)) الآية فإن فيها: ((فمن شهد منكم الشهر فليصمه)) (فنسختها) أى نسخت هذه الآية التى قبلها، وهى قوله تعالى: ((وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين)) ومثل قول سلمة بن الأكو قال ابن عمر، أخرج البخاري وغيره عن ابن عمر رضى الله عنهما قرأ: ((فدية طعام مساكين)) قال: هى منسوخة، قال الحافظ : وخالف فى ذلك ابن عباس، فذهب إلى أنها محكمة لكنها مخصوصة بالشيخ الكبير ونحوه . ( حدثنا أحمد بن محمد ) المروزى (نا على بن حسين ، عن أبيه) حسين ابن واقد ( عن يزيد النحوى ) عن عكرمة، عن ابن عباس: ((وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين)، فكان من شاء منهم أن يفتدى بطعام مسكين افتدى أى أعطى الفدية (وتم له صومه) أى باعتبار أداء الفرض عنه والأجر وإلا فهو مفطر ، ظاهر هذا القول يوهم أن ابن عباس أيضاً قائل بنسخ قوله تعالى: ((وعلى الذين يطقونه فدية طعام مسكين ، وقدقال الحافظ فى الفتح: واتفقت هذه الأخبار على أن قوله ((وعلى الذين يطيقونه فدية ، منسوخ ، وخالف فى ذلك ابن عباس فذهب إلى أنها محكمة ، لكنها مخصوصة بالشيخ الكبير ونحوه ، فالجواب عنه (١) فيه ست قراءات ٩٦ بذل المجهود فی حلبی داود فكان من شاء منهم أن يفتدى بطعام مسكين افتدى وتم له صومه، فقال: ((فمن تطوع خيراً فهو خيرله وأن تصوموا خيرلكم)) بوجهين إما إن يقال أن قراءته ((وعلى الذين يطوقونه ، أى يكلفونه ، كما فى ((البخارى)) عن عطاء سمع ابن عباس: ((يقول وعلى الذين يطقونه)) بفتح الطاء وتشديد الواو مبنياً للمفعول، مخفف الطاء فدية طعام مسكين ، قال ابن عباس: ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً ، قال الحافظ : هذا مذهب ابن عباس ، وخالفه الأكثر، فما وقع فى حديث ((أبى داود)) من قوله: (يطيقونه)) بفتح الطاءوتشديد الياء الثانى: بناء للمفعول لامن باب أطاق يطيق، ويدل عليه ما أخرجه السيوطى فى ((الدار المنثور)) ما نصه: ((أخرج ابن جرير، وابن الأنبارى، عن ابن عباس أنه قرأ: (وعلى الذين يطيقونه)) قال: يتجشمونه، يتكلفونه، والوجه الثانى أن يقال: إن المرادبقوله: غير منسوخة فى حق الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة ، فأما فى حق غيرهما فهى منسوخة ، قال السيوطى فى الدر المنثور: وأخرج ابن أبى حاتم، والنحاس، فى ((ناسخه)) وابن مردويه ، عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية: ((وعلى الذين يطيقونه)، فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينا ثم نزلت هذه الآية: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه، فنسخت الأولى إلا الفانى إن شاء أطعم عن كل يوم مسكينا وأفطر، وهذا دليل ظاهر على ما قلنا ، وعلى هذا الوجه يوافق قول ابن عباس قول الجمهور ، ولعل المصنف أورده فى هذا الباب لأجل هذا الوجه ، ولعل ابن عباس قال أولا بعدم المنسوخية ثم رجع عنه إلى قول الجمهور (فقال) الله سبحانه وتعالى (فمن تطوع) أى زاد بطريق التطوع من طعام المسكين الواحد (خيراً ) أى طعاما زائداً على طعام المسكين الواحد، فأعطى مسكينين أو مساكين فهو خير له أى الواجب أن يطعم مسكينا واحدا فأما إن أطعم مسكينين أو مساكين ، تطوعا (فهو خير له) وأن تصوموا) أي صيامكم (خير الكم) من الفدية قال: فإن الله تعالى يقول: ٩٧ الجزء الحادى عشر : كتاب الصيام وقال: ((فمن شهد منكم الشهر فليصمه، ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر. الصوم لى وأنا أجرى به وللصائم فرحتان ، الحديث (وقال) الله تعالى: (فمن شهد)(١) أى حضر ( منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر) حاصل ذكر ابن عباس بذكر الآيتين أن الآية الأولى وهى قوله تعالى ((وعلى الذين يطيقونه)) الآية تشتمل على حكمين بأن من تكلف الصوم ويتحمله بالكلفة يجوز له أن يفتدى وبطعم مسكيناً فيروا بين الصوم والاقتداء ثم رغبهم فى الصوم بقوله: (وأن تصوموا خير لكم، وهذان الحكمان الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، وكذا الآية الثانية وهى قوله تعالى: ((فمن شهدمنكم الشهر فليصمه)) تشتمل على حكمين أحدهما : وجوب الصوم على من شهد الشهر من الرجال والنساء غير الكبيرين ، والثانى : حكم من كان مريضاً يضره الصوم ، أو مسافرا، فلهم رخصة أن يفطروا ويقضوا فى أيام أخر، وأما الحامل والمرضع إذا خافتا الضرر بولدهما فمرخص فى الإفطار لقوله تعالى: ((فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر)) فإنه ليس المراد عين المرض، فإن المريض الذى لا يضره الصوم ليس له أن يفطر فكأن ذكر المرض كناية عن أمر يضر الصوم معه، وقد وجدهاهنا فيدخلان تحت رخصة الإفطار، وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله تعالى وضع عن المسافر شطر الصلاة وعن الحبلى والمرضع الصيام وعليهم القضاء ولا فدية عليهما عندنا، وقال الشافعى: عليهما القضاء والفدية لكل يوم مد من حنطة، والمسألة مختلفة بين الصحابة والتابعين : (١) قال ابن رسلان: اختلفوا فى تفسيره فقالت عائشة وعلى وعباس وسويد ابن غفلة: إن من شهد أول الشهر يجب عليه الصوم سافر بعده أولا: ومن كان أول الشهر مسافراً يجوز له الإفطار؛ وجمهور الأمة على أن من شهد أول الشهرأ وآخره أو وسطه يصوم مادام مقيما . ( ٢ ٧ - بذل المجهود فى حل أبى داود) ٩٨ بذل المجهود فی حل أبى داود فروى عن على رضى الله عنه والحسن البصرى أنهما يقضيان ولا يفديان وبه أخذ أصحابنا ، وروى عن ابن عمر ومجاهد : أنهما يقضيان ويفديان، وبه أخذ الشافعى احتج بقوله تعالى: ((وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين» والحامل والمرضع يطيقان الصوم، فدخلنا تحت الآية، فتجب عليهما الفدية، ولنا قوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا)) الآية أوجب على المريض القضاء، فمن ضم إليه الفدية فقد زاد على النص فلا يجوز إلا بدليل، وأما قوله تعالى ((وعلى الذين يطيقونه،فقد قيل فى بعض وجوه التأويل : أن لا مضمرة فى الآية وأنه جائز فى اللغة قال الله تعالى: (( يبين الله لكم أن تضلوا، أى لا تضلوا وفى بعض القراءات: (((وعلى الذين يطقونه ولا يطيقونه)) على أنه لاحجة له فى الآية لأن فيها شرع الفداء مع الصوم على سبيل التخيير دون الجمع بقوله تعالى: ((وأن تصوموا خير لكم، وقد نسخ ذلك بوجوب صوم شهر رمضان حتما بقوله تعالى: ((فمن شهد منكم الشهر فليصمه)) وعنده يجب الصوم والفداء جميعا دل أنه لا حجة له فيها ولأن الفدية لو وجبت إنما تجب جبراً للفائت، ومعنى الجبر يحصل بالقضاء ولهذا لم تجب على المريض والمسافر، وأما الشيخ الفافى فيباح له أن يفطر لأنه عاجز عن الصوم وعليه الفدية عند عامة العلماء ، وقال مالك: لافدية عليه وما قاله مالك خلاف إجماع السلف ، فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجبوا الفدية على الشيخ الفانى ، فكان ذلك إجماعا منبم وجه قوله : إن الله تعالى أوجب الفدية على المطيق للصوم وهو لا يطيق الصوم فلا تلزمه الفدية كذا فى ((البدائع)). ٩٩ الجزء الحادى عشر : كتاب الصيام باب من قال: هى مثبتة للشيخ والحبلى حدثنا موسى بن إسمعيل، نا أبان ، ناقتادة ، أن عكرمة حدثه، أن ابن عباس قال: أثبتت اللحبلى والمرضع باب(١) من قال ھی(٢) أى الآية وهى قوله تعالى: ((وعلى الذين يطيقونه)) فدية ( مثبتة) أى ثابتة غير منسوخة (للشيخ والحبلى) أما الشيخ ففى حقه مثبتة عندنا وعند الشافعى بالاتفاق ، وأما الحبلى فمثبتة عند الشافعى، فإنه يوجب عليها القضاء والفدية ، وأما عندنا فليس عليها إلا القضاء دون الفدية . ( حدثنا موسى ابن إسماعيل نا أبان ناقتادة أن عكرمة حدثه أن ابن عباس قال : أثبتت للحبلى والمرضع ) اختلفت الروايات فى مسألة الحبلى والمرضع ففى رواية عن ابن عباس ((للحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا مكان كل يوم مسكيناً ولا قضاء عليهما ، وفى رواية عن ابن عباس أنه كان يقرأ ((وعلى الذين يطوقونه)) مشددة ، قال: يكلفونه ولا يطيقونه، ويقول ايست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير الهرم والكبيرة الهرمة، يطعمون لكل يوم مسكيناً ولا يقضون ، وفى رواية ليست منسوخة، ولا يرخص إلا الكبير الذى لا يطيق الصوم، أو مريض يعلم أنه لا يشفى، وفى رواية عنه «من لم يطق الصوم إلا على جهد فله أن يفطر ويطعم كل يوم مسكيناً ، والحامل والمرضع والشيخ (١) وفى التقرير الحاصل أن الآية مثبتة على تفسير و منسوخة على تفسير والفدية فى حق الكبير على الوجوب فى حق الحامل والمرضع على الإستحباب إلخ . (٢) وبسط الجصاص فى ((أحكام القرآن)) أقوال العلماء فى ذلك إنتهى. وحكى الشوكانى عن الزهرى وغيره أن الآية فيمن أفطر ولم يقض حتى جاء رمضان آخر وفى و العرف)) عن الشاه ولى الله أن الآية تتعلق بصدقة الفطر ولا نسخ. إنتهى. ١٠٠ بذل الجهود فى حل أبى داود الكبير والذى سقمه دائم ، وعنه أنه قال لأم ولد له حامل أو مرضع : أنت بمنزلة الذين لا يطيقون الصوم عليك الطعام ولا قضاء عليك ، كذلك عن ابن عمر قال نافع أرسلت إحدى بنات ابن عمر إلى ابن عمر تسأله عن صوم رمضان وهى حامل، قال: تفطر وتطعم كل يوم مسكيناً ، وكذلك عن سعيد بن جبير قال تفطر الحامل التى فى شهرها والمرضع التى تخاف على ولدها تفطران وتطعمان كل يوم مسكيناً كل واحد منهما ولا قضاء عليهما ، وعن عثمان بن الأسود قال : سألت مجاهداً عن أمرأتى وكانت حاملا وشق عليها الصوم فقال : مرها فلتفطر ولتطعم مسكينا كل يوم، فاذا صحت فلنقض، وعن الحسن قال: المرضع إذا خافت أفطرت وأطعمت ، والحامل إذا خافت على نفسها أفطرت وقضت هى بمنزلة المريض، وعن الحسن قال: يفطران ويقضيان صياما، وعن النخعى قال: الحامل والمرضع إذا خافتا أفطرتا وقضتا مكان ذلك، أخرج هذه الروايات السيوطى فى ((الدر المنثور)). فعلم بهذه الروايات أن مسألة الحبلى والمرضع مختلفة فيها ، وأما روايات ابن عباس فكما أنها مخالفة للحنفية فى وجوب الفدية على الحامل والمرضع ، فكذلك مخالفة للشافعية فى عدم وجوب القضاء ، وكلها لا دليل فيها لأن الحكم فيها اجتهادية، والله تعالى أعلم، قال فى ((بداية المجتهد)) وأما باقى هذا الصنف وهو المرضع والحامل والشيخ الكبير فإن فيه مسألتين مشهورتين ، أحداهما الحامل والمرضع إذا أفطرتا ماذا عليهما؟ وهذه المسألة للعلماء فيها أربعة مذاهب ، أحدها أنهما يطعمان ولا قضاء عليهما وهو مروى عن ابن عمر وابن عباس ، والقول الثانى أنهما يقضيان فقط ولا إطعام عليهما وهو مقابل الأول وبه قال أبو حنيفة (١) وأصحابه ، وأبو عبيد ، وأبو ثور ، (١) واستدل الجصاص لمسلك الحنفية بما سيأتى فى باب أختيار الفطر من حديث أنس بن مالك القشيرى .