Indexed OCR Text

Pages 1-20

كتَابُ
فضيلة الشكريّ على أعمدة
وَمَا يَجْبُ مِنَ الشّكَر للمُعَمِ عَلَيْهِ
تأليف
الإمام الحافظ أبي بكر محمد بن جعفربن محمد بن سل التّافَزِيّ
المعروف بالخرايظى
المتوفى سنة ٣٢٧ هـ
تحمیں
محمد مطبوع الحافظ
قدّم له
الدكتور عبد الكريمالباني
دار الفكر

الطبعة الاولى ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م.
جميع الحقوق محفوظة
يمنع طبع هذا الكتاب ، أو جزء منه بأية طريقة من طرق الطبع
أو التصوير، كما يمنع الاقتباس منه أو التمثيل أو الترجمة لأية لغة
أخرى إلا بإذن خطي من دار الفكر بدمشق .
طبع بأجهزة الصف التصويري والأوفست في
دار الفكر ، هاتف ( ١١١١٦٦ ) ، برقياً ( فكر)
ص .ب ( ٩٦٢) ، دمشق - سورية
دمشق- سَاعَة المَجَاز ص.ب ١٢"

كتَابُ
فضيلة الشكريّ على نعمته
وَمَا يَجِبُّ مِنَ الشّكَر للمُعَمِ عَلَيْهِ

تقديم الكتاب
للأستاذ الدكتور عبد الكريم اليافي
بسم الله الرحمن الرحيم
ينشأ فرسان الخيل بين مقانبها وعلى ظهورها، يسوسونها ويدركون حسن
شياتها وألوانها ، ويتعرفون مزاياها الخَلْقية والخلقية ويلمّون بأنسابها.
كذلك ينشأ فرسان الكتابة والتحقيق بين رفوف الكتب وصفوفها ينعتون
مخطوطاتها ويصفون مطبوعاتها ويصنفون موضوعاتها ، ويلمون بسِيَر مؤلفيها
وعصورهم ومذاهبهم .
والسيد محمد مطيع الحافظ ، أمين مكتبة مجمع اللغة العربية بدمشق ، من
هؤلاء الفرسان الذين سلكوا سبل التنقيب والتنقير عن كتب التراث ، وجعلوها
وَكْدهم وصرفوا إليها كدَّهم ، وبذلوا في تمييزها جهدهم وأولوها نور أبصارهم وزكانة
بصائرهم .
وهو اليوم يقدم لنا كتاب ( فضيلة الشكر ) للإمام محمد بن جعفر الخرائطي
المحدث والأديب الذي عاش في القرن الثالث الهجري وأوائل القرن الرابع ، وعمّر
نحواً من تسعين سنة ، وتنقل من ( سر من رأى ) التي نشأ بها إلى بغداد ودمشق
ويافا حيث توفي سنة ٣٢٧ هـ .
ورغبة مؤلف الكتاب في تحديد موضوعه جعلته يقتصر على تناول هذا
- ٥ -

الموضوع وحده ، وهو فضيلة الشكر فيما ورد بها من الآثار ، دون أن يلم بالألفاظ
التي تدل على معانٍ قريبة من الشكر .
بيد أن المؤلفين القدماء من لغويين ومحدثين ومفسري التنزيل عرضوا لألفاظ
تدل على معان متقاربة أو مترادفة ، وميزوا مابينها من فروق ، وهي الشكر والحمد
والمدح والثناء والرضا . وهي ألفاظ قد يقع بعضها في مواقع بعض ، وقد تختلف
مواقعها فتختلف الدلالة . ومن المناسب أن نجلو هذه الفروق في شتى المجالات كما
وردت في التراث العربي نفسه استكمالاً للموضوع :
يرى الزمخشري في الكشاف : أن الشكر هو الثناء على النعمة خاصة ، وهو
بالقلب واللسان والجوارح ويستشهد بقول الشاعر :
أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا
فالشكرهنا في البيت قد أطلق على أفعال الموارد الثلاثة وهي اللسان واليد
والضمير أو القلب ، وجعل يإزاء النعمة جزاءً لها متفرعاً عليها ، وكل ما هو جزاء
النعمة عرفاً يطلق عليه الشكر لغة ، قال الشريف الجرجاني في حاشيته على
الكشاف: (( فإن قلت : الشاعر جعل المجموع بإزاء النعمة ، فالشكر يجب أن
يطلق عليه ، وأما على كل واحد من الثلاثة فلا ، قلت : لاشبهة في أن الشكر
يطلق على فعل اللسان اتفاقاً . وإنما الاشتباه في إطلاقه على فعل القلب
والجوارح ، حتى توهم كثير من الناس أن الشكر في اللغة فعل اللسان وحده . ولما
جمع الشاعرُ الأولَ مع الأخيرين وجعلها ثلاثة ، عُلِمَ أن كل واحد شكر للنعمة على
حدة ، كأنه أراد أن نعماكم كثرت عندي وعظمت ، فاقتضت استيفاء أنواع الشكر ،
وبالغ في ذلك حتى جعل مواردها واقعة في مقابلة النعماء ملكاً لأصحابها مستفاداً
منها كأنه قال : يدي ولساني وقلبي لكم فليس في القلب إلا نصحكم ومحبتكم ، ولافي
اللسان إلا ثناؤكم ومحمدتكم ، ولا في اليد والجوارح إلا مكافأتكم وخدمتكم . وفي وصف
الضمير بالمحجب إشارة إلى أنهم ملكوا ظاهره وباطنه )).
- ٦ -

أما الحمد فباللسان كما جاء في الكشاف ((فهو إحدى شعب الشكر ، ومنه قوله
عليه الصلاة والسلام: ((الحمد رأس الشكر، ماشكر الله عبدٌ لم يحمده)) وإنما جعله
رأس الشكر لأن ذكر النعمة باللسان والثناء على موليها أشيع لها ، وأدل على مكانها
من الاعتقاد وآداب الجوارح ، لخفاء عمل القلب وما في عمل الجوارح من الاحتمال ،
بخلاف عمل اللسان وهو النطق الذي يفصح عن كل خفي ويجلي كل مشتبه )).
ويعقب الجرجاني على قول صاحب الكشاف إن الحمد إحدى شعب الشكر
((أي باعتبار المورد ( اللسان واليد والقلب ) وإن كان الشكر باعتبار المتعلَّق
إحدى شعب الإيمان )) : ذلك الحمد هو الثناء والنداء على الجميل من نعمة وغيرها .
تقول : حمدت الرجل على إنعامه ، وحمدته على حَسبه وشجاعته . كما في الكشاف .
والحمد والمدح أخوان عند صاحب الكشاف ، أي هما مترادفان ، وقيل : أراد
أنها أخوان في الاشتقاق الكبير ، ويشهد له وجهان ينقلهما الجرجاني :
الأول : أن الشائع في كتب المصنف استعمال الأخوة فيما بين لفظين يتلاقيان
في الاشتقاق الكبير أو الأكبر، أما الكبير فبأن يشتركا في الحروف الأصول من غير
ترتيب مع اتحاد في المعنى أو تناسب فيه كالجذب والجبذ ، وكالحمد والمدح ، وأما
الأكبر فبأن يشتركا في أكثر تلك الحروف فقط ، ويتناسبا في الباقي مع الاتحاد أو
التناسب في المعنى كأله ووله ، وكالفلق والفلج .
الثاني أن الحمد مخصوص بالجميل الاختياري ، والمدح يعمه وغيره ، يقال :
مدحت اللؤلؤة على صفائها ، ولا يقال : حمدتها . هذا رأي التفتازاني أي في تخريج
كلام الزمخشري الذي ورد في الكشاف وفي الفائق أيضاً .
ولكن الجرجاني يذهب إلى أن المدح والحمد مترادفان عند الزمخشري (( إما بعدم
قيد الاختيار في الحمد أو باعتباره فيهما )) كما كتب أبو البقاء في كلياته .
- ٧ -

هذا والثناء هو الذكر بالخير ، وقد عقبه صاحب الكشاف بالنداء وهو رفع
الصوت إظهاراً لما ادعاه من اختصاصه باللسان وكونه أشيع وأدل .
ونقيض الحمد والمدح الذم . ونقيض الشكر الكفران . ولكن المدح كما يطلق
على الثناء الخاص ، أي الوصف بالجميل قد يُخَصُّ بِعَدّ المآثر ، وعندئذ يقابله الهجو
أي عد المثالب .
هذا وذكر القرطبي : أن الحمد ثناء على الممدوح بصفاته من غير سبق إحسان ،
والشكر ثناء على المشكور بما أدلى من إحسان .
وبهذا الاعتبار يكون الحمد أعم من الشكر ، وهذا يتفق مع ما سبق من أن
الشكر باعتبار المتعلّق إحدى شعب الحمد .
وقد جاء في القرطبي: (( ويذكر الحمد بمعنى الرضا ، يقال : بلوته فحمدته أي
رضيته ، ومنه قوله تعالى: ﴿ مقاماً محموداً﴾ .
وفي القرطبي: ((الحمد في كلام العرب معناه الثناء الكامل
وأبهج محمود الثناء خصصته بأفضل أقوالي وأفضل أَحْمُدي
وفي القرطبي أيضاً: ((ذهب أبو جعفر الطبري وأبو العباس المبرد إلى أن الحمد
والشكر بمعنى واحد سواء . وليس بمرضي . وحكاه أبو عبد الرحمن السلمي في
( كتاب الحقائق ) له عن جعفر الصادق وابن عطاء . قال ابن عطاء معناه ( معنى
الحمد لله ) الشكر لله إذ كان منه الامتنان على تعليمنا إياه(١) حتى حمدناه. واستدل
الطبري على أنهما بمعنى ، بصحة قولك : الحمد لله شكراً . قال ابن عطية : وهو في
الحقيقة دليل على اختلاف ماذهب إليه ، لأن قولك شكراً إنما خصصت به الحمد
لأنه على نعمة من النعم »
(١) يريد تعليمه إيانا وكلامه له وجهه ، وهو إضافة المصدر إلى المفعول به وإياه هو الفاعل ناب
ضمير النصب عن ضمير الرفع وهو جائز .
- ٨ -

ثم يعرج القرطبي على مثل ماجاء في قول الزمخشري فيورد : (( وقال بعض
العلماء : إن الشكر أعم من الحمد لأنه باللسان وبالجوارح والقلب ، والحمد إنما يكون
باللسان » .
. هذا وفي اللغة جاء مصدر شكر يشكر شُكْراً وشكوراً وشكرانا ، ويقال :
شكر له وشكره وتشکر له بمعنى .
إن هذه الألفاظ المتقاربة المعاني قد ينوب بعضها عن بعض كما سلف وإن كان
بينها بعض الفروق التي اتضحت . وأكثر العلماء في التراث العربي الإسلامي
يتناولون معاني هذه الألفاظ عند الحمد والشكر لله .
نعود إلى الحديث الذي سلف ذكره (( ما شكر الله عبد لم يحمده )) يعقب
الجرجاني عليه بقوله: ((فإنه إذا لم يعترف بإنعام المولى ولم يثن عليه بما يدل على
تعظيمه وإكرامه لم يظهرمنه شكر ظهوراً كاملاً ، وإن اعتقد وعمل فلم يعد شاكراً ،
لأن حقيقة الشكر إظهار النعمة والكشف عنها ، كما أن كفرانها إخفاؤها وسترها .
والاعتقاد أمر خفي في نفسه ، وعمل الجوارح وإن كان ظاهراً إلا أنه يحتمل خلاف
ما قصد به . فإنك إذا قمت تعظيماً لأحد احتمل القيام أمراً آخر ، إذ لم يتعين للتعظيم
بخلاف النطق ، فإنه ظاهر في نفسه ومعيّن لما أريد به وضعاً ... ))
فالحمد وهو النطق والثناء باللسان كما سبق ((أظهر أنواع الشكر وأشهرها
وأشملها على حقيقة الشكر والإبانة عن النعمة حتى لو فقد كان ما عداه بمنزلة
العدم)) .
وهذا عندنا يدل على شرف الحرف ، وصدق النطق به في الحضارة العربية
الإسلامية ، لأن النطق شاهد على التصديق مبدئياً ، وتصديق القلب يستلزم
العمل بمقتضاه وهو من دلالات التوحيد .
وقد عمد السيد الشريف الجرجاني في تعريفاته إلى قسمة الشكر شكراً لغوياً :
- ٩ -

((وهو الوصف بالجميل على جهة التعظيم والتبجيل على النعمة من اللسان والجنان
والأركان))، وهو لا يختلف عما سلف شرحه. وشكراً عرفياً: ((وهو صرف العبد
جميع ما أنعم الله عليه من السمع والبصر وغيرهما إلى ما خُلِقٍ لأجله )) .
كما قسم الحمد أقساماً عدة :
(( فالحمد هو الثناء على الجميل من جهة التعظيم من نعمة وغيرها .
الحمد القولي : هو حمد اللسان وثناؤه على الحق بما أثنى به على نفسه على لسان
أنبيائه .
الحمد الفعلي : هو الإتيان بالأعمال البدنية ابتغاءً لوجه الله تعالى .
الحمد الحالي : هو الذي يكون بحسب الروح والقلب كالاتصاف بالكمالات
العلمية والعملية والتخلق بالأخلاق الإلهية .
الحمد اللغوي : هو الوصف بالجميل على جهة التعظيم والتبجيل باللسان
وحده .
الحمد العرفي : فعل يشعر بتعظيم المنعم بسبب كونه منعماً أعم من أن يكون
فعل اللسان أو الأركان )) .
وقد ألّ أبو البقاء في كلياته بهذه الأقسام ، وأعادها بيسير من التغيير ، وعرض
لما في قضية الشكر والحمد من علاقة بعلم الكلام :
جاء في الكليات أن ((الشكر العرفي هو المراد بعدم وجوب شكر المنعم عقلاً إذ
لو وجب عقلاً لوجب قبل البعثة ، ولو وجب قبلها لعذب تاركه ، ولا تعذيب
قبل الشرع لقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾(٢) هذا عند
الأشاعرة القائلين بعدم وجوب الإيمان قبل البعثة ، إذ لا يعرف حكم من أحكام الله
الإسراء : ١٥
(٢)
- ١٠ -

تعالى إلا بعد بعثة نبي . فمن مات ولم تبلغه دعوة رسول فهو ليس من أهل النار
عندهم . وأما أبو منصور الماتريدي وأتباعه وعامة مشايخ سمرقند فإنهم قائلون بأن
بعض الأحكام قد يُعرف قبل البعثة بخلق الله تعالى العلم به ؛ إما بلا سبب كوجوب
تصديق النبي وحُرمَةِ الكذب الضار ، وإما مع سبب بالنظر وترتيب المقدمات ،
وقد لا يعرف إلا بالكتاب كأكثر الأحكام ، فيجب الإيمان بالله تعالى قبل البعثة
عقلاً حتى قال أبو حنيفة : لو لم يبعث الله رسولاً لوجب على الخلق معرفته بعقولهم
لما يُرى في الآفاق والأنفس)» (٣) .
ولما عرض أبو البقاء أقسام الحمد ، كما جاء في تعريفات الشريف الجرجاني دون
أن يذكره كما هي عادته ، أضاف في بحث الحمد الحالي لله: (( فحمد الله عبارة عن
تعريفه وتوصيفه بنعوت جلاله وصفات جماله ، وسمات كماله الجامع لها سواء كان
بالحال أو بالمقال . وهو معنى يعم الثناء بأسمائه فهي جليلة ، والشكر على نعمائه
فهي جزيلة ، والرضى بأقضيته فهي حميدة ، والمدح بأفعاله فهي جميلة . وذلك
لأن صفات الكمال أعم من صفات الذات والأفعال ، والتعريف بها أعم منه باللسان
أو بالجنان أو بالأركان )) .
ثم يردف أبو البقاء: ((وأما الحمد الذاتي فهو ، على ألسنة المكملين ، ظهور
الذات في ذاته لذاته .
والحمد الحالي : اتصافه بصفات الكمال .
والحمد الفعلي : إيجاد الأكوان بصفاتها حسبما يقتضيها في كل زمان ومكان .
ونفس الأكوان أيضاً محامد دالة على صفات مبدعها ، سوابقها ولواحقها ، مثل
الأقوال )).
انظر أيضاً الفريدة الثالثة والعشرين في كتاب «نظم الفرائد وجمع الفوائد في بيان المسائل
(٣)
التي وقع فيها الاختلاف بين الماتريدية والأشعرية في العقائد)» لشيخ زاده .
- ١١ -

وقد عمد الصوفية إلى الشكر فأدخلوه في عباراتهم واعتباراتهم وجعلوه سمة
النصيب من السلوك الإنساني الاجتماعي فقد ورد في كلامهم : (( شكر العينين أن
تسترعيباً تراه بصاحبك ، وشكر الأذنين أن تسترعيباً تسمعه فيه)) (٤) . وهذا شأو
عالٍ في السلوك والأخلاق. قال الجنيد: ((كان السري السقطي ، ( أي خال
الجنيد ) ، إذا أراد أن ينفعني يسألني فقال لي يوماً : يا أبا القاسم ، أيش الشكر ؟
فقلت : ألا يستعان بشيء من نعم الله تعالى على معاصيه ، فقال : من أين لك
هذا ؟ فقلت: من مجالستك))(٥) .
وفرقوا بين موقع الحمد وموقع الشكر فقالوا: ((الحمد على الأنفاس والشكر
على نعم الحواس)) (٦) كما قالوا: ((الحمد على ما دفع والشكر على ما صنع)) (٧).
كذلك ميزواهم والمفسرون شكر العبد من شكر الحق، ((فشكر العبد لله
تعالى ثناؤه عليه بذكر إحسانه إليه ، وشكر الحق سبحانه للعبد ثناؤه علیه بذکر
إحسانه له . وشكر العبد على الحقيقة إنما هو نطق اللسان وإقرار القلب بإنعام
الرب تعالى)» (٨) .
وكأنهم يتذكرون بيت الشعر الذي استشهد به الزمخشري فيفصّلون أقسام
الشكر فهو: (( ينقسم إلى شكر باللسان وهو اعترافه بالنعمة بنعت الاستكانة ،
وشكر بالبدن والأركان وهو اتصاف بالوفاق والخدمة ، وشكر بالقلب وهو
اعتكاف على بساط الشهود بإدامة حفظ الحرمة . ويقال : شكرٌ هو شكر العالمين
يكون من جملة أقوالهم ، ومشكر هو نعت العابدين يكون نوعاً من أفعالهم ، وشكر
هو شكر العارفين يكون باستقامتهم له في عموم أحوالهم ))(٩) .
ولهم في باب الشكر وفي غيره نبذ لطيفة .
وقد فرقوا بين الشاكر والشكور . والشكور صيغة مبالغة لاسم الفاعل
(٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) الرسالة القشيرية باب الشكر.
- ١٢ -

يستوي فيها المذكر والمؤنث: ((قيل : الشاكر الذي يشكر على الموجود ، والشكور
الذي يشكر على المفقود ، ويقال : الشاكر الذي يشكر على الرفد ، والشكور الذي
يشكر على الرد ، ويقال : الشاكر الذي يشكر على النفع ، والشكور الذي يشكر
على المنع ، ويقال : الشاكر الذي يشكر على العطاء ، والشكور الذي يشكر على
البلاء ، ويقال : الشاكر الذي يشكر عند البذل ، والشكور الذي يشكر عند
المطل ))(١٠) .
ويشعر مطالع هذه الأقوال إلى أي حد بلغ هؤلاء في السيطرة على نوازع
نفوسهم وسبل تصرّفهم .
من مزايا الحضارة العربية الإسلامية هذا التواصل بين الإنسان وربه ، فكما أن
الإنسان يشكر ربه على إحسانه إليه ، كذلك في المقابل يشكر الربُّ عبدَه لطاعته
له ولسعيه الصالح في خدمة الآخرين وابتغاء مصالحهم: ﴿ومن تطوّع خيراً فإن
الله شاكر عليم﴾(١١) أي مُجَازٍ على القليل كثيراً، ﴿وكان الله شاكراً علياً﴾(٢
(١٢)
ووصف نفسه جل وعلا: ﴿ومن يقترف حسنة نزد له فيها حُسْناً ، إن الله غفور
(١٣)
شكور﴾ (١٢) .
قال الإمام القشيري: (( حقيقة الشكر عند أهل التحقيق الاعتراف بنعمة
المنعم على وجه الخضوع ، وعلى هذا القول يوصف الحق سبحانه بأنه شكور
توسعاً ، ومعناه أنه يجازي العباد على الشكر فسمي جزاء الشكر شكراً ، كما قال :
﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ وقيل: شكره إعطاؤه الكثير من الثواب على العمل
اليسير)).
وجاء في تاج العروس: (( وأما الشكور في صفات الله عز وجل فمعناه أنه
(١٠)
الرسالة القشيرية باب الشكر .
(١١)
البقرة : ١٥٨ .
النساء : ١٤٧ .
(١٢)
الشورى : ٢٣.
(١٣)
- ١٣ -

يزكو عنده القليل من أعمال العباد فيضاعف لهم الجزاء ، وشكره لعباده مغفرته
لهم .
وقال شيخنا : الشكور في أسمائه هو معطي الثواب الجزيل بالعمل القليل
لاستحالة حقيقته فيه تعالى . أو الشكر في حقه تعالى بمعنى الرضا . والإثابة لازمة
للرضا . فهو مَجَازّ في الرضا ثم تُجوِّز به إلى الإثابة . وقولهم : شكر الله سعيه،
بمعنى أثابه))(١٤) .
ومهما يردْ من تفسير شكر الحق للإنسان فإنه يكفي الإنسان شرفاً وعلواً أن
الحق يشكر له سعيه الصالح الحسن ﴿ ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها فأولئك
كان سعيهم مشكورا ﴾ (١٥) .
(١٦)
والشكر زيادة على الجزاء ﴿ إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا ﴾(
وليس فوق هذا حث على السعي الصالح والعمل الفاضل في المجتمع الإنساني .
إن الحضارة العربية الإسلامية حضارة اجتماعية تقصد إلى رفعة الإنسان
وتعظيم شأنه ، وغالبية العبادات إن لم نقل كلها تتعلق بتحسين المجتمع وتجويد
العلاقات الإنسانية والتعاون والتضامن بين بني الإنسان . وقد ورد في الجزء الذي
ينشره السيد محمد مطيع الحافظ رواية الأثر: (( لم يشكر الله من لم يشكر الناس)).
ومعناه عندنا أن الخير إنما يأتي بتعاون الناس ، فإذا تعاونوا شكر بعضهم لبعض
سعيهم في الخير ، وكان ذلك شكراً لله على هذا التعاون . وقد ورد الحديث في
كشاف اصطلاحات الفنون نقلاً عن أسرار الفاتحة: ((من لم يحمد الناس لم يحمد
الله)).
(١٤) ذكر الزبيدي أيضاً: ((اللحياني من سوّى الحمد بالشكر ولم يفرق بينهما ، وذكر أقوال غيره
ممن فرق بينهما)). ثم قال: ((وقد أكثر العلماء في شرحها وبيانها ومالهما وما بينهما من النسب
وما فيها من الفرق من جهة المتعلَّق أو المدلول وغير ذلك)).
(١٥) الإسراء : ١٩.
(١٦) الدهر : ٢٢
- ١٤ _

على أن الصوفية قد فرقوا أيضاً بين الشكر والرضا وتناقشوا في الرضا ، هل
هو من الأحوال أو من المقامات ؟
(( فأهل خراسان قالوا : الرضا من جملة المقامات ، وهو نهاية التوكل ،
ومعناه يؤول إلى أنه مما يتوصل إليه العبد باكتسابه . وأما العراقيون فإنهم قالوا:
الرضا من جملة الأحوال ، وليس ذلك كسباً للعبد ، بل هو نازلة تحل بالقلب
كسائر الأحوال )).
ويوفق القشيري بين القولين فيرى أنه: (( يمكن الجمع بين اللسانين فيقال :
بداية الرضا مكتسبة للعبد وهي من المقامات ونهايته من جملة الأحوال وليست
بمكتسبة )).
وقد فرقوا بين نوعين من الرضا فرفضوا أحدهما ونوهوا بالثاني ؛ ذلك أن
الواجب على العبد أن يرضى بالقضاء الذي أُمر بالرضا به إذ ليس كل ماهو بقضائه
يجوز للعبد ، أو يجب عليه الرضا به كالمعاصي وفنون محن المسلمين .
هذا وقد قَصَرَ الغزالي في سِفْره الواسع ( إحياء علوم الدين ) كتاباً على الصبر
والشكر ، خصص الشطر الثاني من هذا الكتاب لبحث الشكر. وجمعُه للشكر
والصبر في باب يدل على مابينهما من علاقة ، وقد سبق في كلامنا على معنى الشكور
ما يتضمن ذلك . والقارئ لما يكتبه مؤلف الإحياء لابد له من أن يُعجب ببيانه
السهل وتحليله الدقيق ، ويدرك في الوقت نفسه مدى إفادته من رسائل من سبقه
كأبي طالب المكي والمحاسبي والقشيري وغيرهم . ولا غرو في ذلك فإن العلم يزداد وينمو
ويزكو بالمراجعة والمحاورة ، وإضافة المتأخر على ماسبق إليه المتقدم .
ويجد الباحث غنى في هذا المجال في كتب المفسرين والمحدثين وكلام علماء
الصوفية والفقهاء ، اقتصرنا على تلخيص ماسنح منها لنا .
هذا وثمة بحوث نحوية في الكلام على حمد الله يجدها القارئ الكريم في كتب
- ١٥ -

التفسير خاصة ، وهي معروفة ومتداولة ، كما أن ثمة خلافاً في لام التعريف التي في
الحمد حين تتلو ﴿ الحمد لله) ، أللجنس هي كما يقطع بذلك الزمخشري أم
للاستغراق بمعنی کل حمد في الدنيا والآخرة يرجع إلیه تعالى كما يرى مفسرون
آخرون کالنسفي .
والخلاصة أن الشكر لله يتضمن عرفان آلائه ونعمه السابغة ظاهرة وباطنة .
والحمد لله يعمّ الشكر له ويتعرف صفاته وأسماءه الحسنى ، ويشتمل على الثقة به
خالق الحياة والموت ومالك الدنيا والآخرة . وكل ذلك يستلزم وجود التضامن بين
الإنسان والكون ، ولزوم أداء المسؤولية الكبرى التي تقع على الإنسان في سلوكه
السويّ، وتعاونه هو وأبناء نوعه في سبيل العلم والفن والتقدم والرقي والتماس
أسباب المعالي .
و((كتاب فضيلة الشكر)) الذي يقدمه السيد محمد مطيع الحافظ في ثوب
جديد مطبوع محقق بعد أن كان مخطوطاً يثوي متوارياً في رفوف المكتبات يزيد
عناصر الموضوع لدى الباحث الحديث ثراء وغنى ، كما يحفزه على الرجوع إلى ذخائر
التراث العربي الإسلامي وكنوزه الثمينة السنية .
الدكتور عبد الكريم اليافي
دمشق في ٨ رجب ١٤٠٢ هـ
١ أيار ١٩٨٢ م
- ١٦ -

مقدمة المحقق
ترجمة المؤلف
هو أبو بكر محمد بن جعفر بن محمد بن سهل بن شاكر الخرائطي السامري .
)
لقبه :
اكتفى من ترجم له بذكر لقبه دون بيان السبب في تلقيبه بهذا اللقب ،
واكتفى ابن ماكولا بضبطه فقال: ((الخرائطي : أوله خاء معجمة وبعد الألف
ياء معجمة باثنتين من تحتها )) ، غير أن كتب اللغة أشارت إلى هذا اللقب لغة
واصطلاحاً ؛ ففي اللسان والتاج : الخرائطي نسبة إلى الخرائط ، جمع خريطة ،
وهي شبه الكيس ، يكون من الخرق أو الجلد ، ويغلق على مافيه ، وهذه النسبة
إلى عمل هذه الخرائط أو بيعها .
موطنه :
اتفق من ترجم له أنه من أهل ( سُرَّ من رأى ) ، ولذلك تكون نسبته
سامرِّي : بفتح السين المشددة والميم والراء المشددة أيضاً .
نشأته :
يشير المؤرخون على أن وفاة الخرائطي كانت في سنة ٣٢٧ هـ ، وقد قارب
التسعين سنة ، فتكون ولادته في حدود سنة ٢٣٧ هـ ، ولم تذكر لنا كتب التراجم
بداية طفولة الخرائطي ونشأته ، غير أنه أكثر من التلقي عن علماء عصره وخاصة
علماء ( سُرَّ من رأى ) وبغداد ، ونستطيع من خلال كتبه التي جمعها عن شيوخه أن
- ١٧ -

نعرف مقدار تلقيه عن كبار علماء عصره : محدثين وأدباء ونحويين كالمبرد
وصالح بن أحمد بن حنبل ، والأصمعي وإبراهيم بن جنيد وغيرهم .
تنقلاته :
أشار الخطيب البغدادي وابن عساكر وغيرهما إلى قدومه إلى دمشق مرتين
وإقامته بها مدة سنة وأكثر، وكان ذلك سنة ٣٢٥ هـ أي قبل وفاته بسنتين ،
وكذلك يخبر هو عن نفسه أنه تلقى عن عبد الرحمن بن معاوية العُتْبي بمصر ، ولم
تذكر لنا مظان ترجمته عن قدومه مصر هذا . كما أنه تلقى بعض رواياته مكاتبة كما
هو شأن المحدثين مثل معاوية العتبي وغيره ..
أشهر شيوخه :
الأصمعي ، إبراهيم بن الجنيد ، أحمد بن منصور الرَّمادي ، الحسن بن عرفة
العبدي ، حماد بن الحسن بن عنبسة الورّاق البصري ، سعدان بن يزيد البزاز ،
صالح بن أحمد بن حنبل ، عباد بن الوليد الغُبَري ، العباس بن عبد الله
الترقفي ، العباس بن الفضل الربعي ، عباس بن محمد الدوري ، عبد الله بن أحمد
الدورقي ، علي بن حرب الطائي ، عمر بن شبّة ، عمران بن موسى المؤدب ،
محمد بن مصعب الدمشقي ، محمد بن يزيد المبرد ، نصر بن داود الصاصاغاني ،
يعقوب بن إسحاق القلوسي وغيرهم .
صفاته :
تميز الخرائطي بصفات جليلة من كبار العلماء والأدباء فقد اتسعت مدة نشاطه
العلمي إذ قاربت التسعين عاماً ، ونتج عن ذلك كثرة مشيخته ، واتساع روايته ،
وغزارة إنتاجه ، لقد أدرك طوال حياته الواسعة مشيخة عظيمة ، فكان عدد
المعروفين من شيوخه الذين روى عنهم يزيد على مئة شيخ . وهي تتميز بعلو
الإسناد واتساع الرواية .
- ١٨ -

وذكر من وصفه بأنه: (( صاحب التصانيف ، المحدث الثقة ، الإمام الحافظ ،
الصدوق ، كان حسن التصنيف ، ومن الأعيان الثقات ، حسن الأخبار ، متفنناً
أخبارياً ، جمع الملح والنوادر وكان مكثراً منها ، أجمعوا على ثقته وفضله )) .
والناظر في مصنفاته تبدوله في معظمها أنها تجمع بين الحديث والأدب
والتاريخ .
شعره :
كان الخرائطي من المقلين في نظم الشعر. ذكر له بعض من ترجم له بعض
الأبيات ، منها ما في الوافي بالوفيات للصفدي ٢ / ٢٩٦ قال :
دخل [ الخرائطي ] يوماً داره فسمع بكاء ولد له رضيع فقال : ما له ؟
فقالوا : فطمناه فكتب على مهده :
مِنْ جَميعِ الوَرَى ومِنْ وَالديه
مَنَعُوه أحبَّ شَيءٍ إليهِ
نَ مباحاً له وبَيْنَ يديه
مَنَعُوه غذاءَه ولقد كا
ن هوى فاهتدى الفراقُ إليه
عَجباً مِنْهُ ذا على صغر السنْ
وأورد الصفدي أيضاً ماكتبه على قبر والده :
رَحِمَ اللهُ وَحْدَتَكْ
آنَسَ اللهُ وَحْشَتَكْ
أُحَسَنَ الله صُحْبَتَك
أنْتَ فِي صُحبَةِ البِلى
أخوه :
أما أخوه أحمد بن جعفر فقد أثنى عليه من ترجمه ووصفوه بصفات العلم
والتقوى والرواية .
تلقى عنه محمد بن جعفر الرواية والعلم .
- ١٩ -

تلاميذه :
أخذ عن الخرائطي خلق كثير في بلاد متعددة منهم : الحسن بن رجاء ، أبو
الحسين الرازي ، أحمد بن عبد الله الواعظ ، أبو بكر أحمد بن محمد النحوي ، أبو
هاشم المؤدب ، أبو سليمان بن زبر ، أبو علي بن مهنا الداراني ، محمد وأحمد ابنا
موسى السمسار، محمد بن أحمد بن عثمان بن أبي حديد السلمي ، القاسم بن درستويه
وغيرهم .
مؤلفاته :
مكارم الأخلاق ومعاليها ومحمود طرائقها ومرضيها :
١ -
منه نسخة في القاهرة ثاني ١ / ١٥١ ، وفي مكتبة عاشر أفندي رئيس
مصطفى رقم ٢٦٧ ، ونشر بالقاهرة سنة ١٣٥٠ هـ وفيه نقص وتصحيف .
ومنه الجزء الثامن في الظاهرية حديث رقم ١٦٤ ( ق ٢٢٤ _ ٢٣٥)
وذكر الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في فهرس الظاهرية ( منتخب
مخطوطات الحديث ) : أن المطبوع من هذا الكتاب جزء آخر غير هذا .
مساوئ الأخلاق ومذمومها :
٢ -
منه نسخة في مكتبة الأسكوريال ثاني ٢ / ٧٨٣ ، وفي المكتبة
الظاهرية الجزء الثاني منه بخط الحافظ ضياء الدين المقدسي مجموع ٢٠
(١ - ١٥)، وجزء منه أيضاً في المكتبة الظاهرية مجموع ٢٠ (٢١٧ - ٢٣٥)
مسموعة من الشيخ عبد الله بن عبد الواحد بن محمد بن أبي الحديد سنة
٤٥١ هـ .
اعتلال القلوب في أحاديث المحبة والمحبين :
٣ -
- ٢٠ -