Indexed OCR Text

Pages 1-20

تهذيب
خِصَائِصِ الإمَامِ عَلى
للإمَام الْحَافِظ الحجَسَة أَيُ عَبْد الرحمَن
أحمَد بْن ◌ُشعَيبُ المعَرُوف بالنّسَائى
جَقّقَه وَخَرَجَه
أبوارسَحَق ◌َحَوَني الأثرِي مَجَازِ بْ مُّبِنْ شَريفُ
دار الكتب العلمية
بیروت ۔۔ لبنان

الطبعة الاولى
١٤٠٥ هـ - ١٩٨٤ م
بيروت - لبنان
جميع الحقوق محفوظة
لدار الكتب العلمية - بيروت
يطلب من : دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان
هاتف : ٨٠١٣٣٢ - ٨٠٥٦٠٤ - ٨٠٠٨٤٢
ص ب ٩٤٢٤-١١ - تلكس : NASHER 41245 Le

بسم الله الرَّز الرحيم
مقدمة المحقق
إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى
من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا . من يهد اللّه تعالى فلا مضل له ومن
يضلل فلا هادي له . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد
أن محمداً عبده ورسوله .. أما بعد
فإن أصدق الحديث كتاب الله عز وجل ، وأحسن الهدى هدى
محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة ،
وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار .
فإن من قضاء الله على هذه الأمة ان تختلف وأن يلبسها شيعاً ليميز
الخبيث من الطيب مصداقاً لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((سألت ربي
عز وجل ثلاث خصال فأعطاني إثنتين ومنعني واحدة . سألت ربي
عز وجل ان لا يهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا فأعطاني ، وسألت ربي
عز وجل أن لا يلبسنا شيعاً فمنعنيها)) (١)
وكان من ذلك ما حدث بين علي ومعاوية رضي اللّه عنهما من
الويلات التي جرّت على الأمة ما يعلمه كل عارف بالتاريخ . ومع علمنا
بأن علياً كان صاحب الحق وأن معاوية كان هو الباغي فإنا نترضى عليهم
(١) حديث صحيح. وله طرق عن جماعة من الصحابة. وقد خرجته في ((بذل الاحسان شرح
::
سنن النسائی أبي عبد الرحمن)) (١٦٣٠).
- ٣ -

جميعاً ولا نتعرض لهم بشيء ونقول كما علّمنا الله عز وجل ((تلك أمة
قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم )) (١).
وكان من أثر هذا الاختلاف انقسام الأمة في مشايعة أحد الفريقين
فأما علي رضي الله عنه (( فقد نشأ جيشه ورعيته - إلا الخوارج منهم -
على حبه والقيام معه وبغض من بغى عليه والتبري منهم وغلا خلق منهم
في التشيع)) (٢) وجاء اناس بعدهم فسلكوا مسلكهم وتطوعوا مأزورين
فوضعوا الأحاديث في مدح علي وتكت معاوية والعكس ، فقبح اللّه
الكذابين .
وأما معاوية رضي الله عنه فإنه (( خلفه خلق كثير يحبونه ويتغالون
فيه ويفضلونه ، اما قد ملكهم بالكرم والحلم والعطاء ، واما قد ولدوا
في الشام على حبه وتربى أولادهم على ذلك وفيهم جماعة يسيرة من
الصحابة وعدد كثير من التابعين والفضلاء وحاربوا معه أهل العراق
ونشؤوا على النصب - نعوذ بالله من الهوى)) (٢)
وكان علي رضي الله عنه صاحب الحق في المسألة مفترى عليه مع
ذلك، وشرع من ناصبه العداء في انتقاصه مع كمال سيرته ويحط من قدره
مع علوه فأحدث ذلك غيرة عند كثير من أهل الحديث الذين ما ضل من
سلك طريقهم - فلله درهم وعليه شكرهم - فصنف كثير منهم في
مناقب علي رضي الله عنه . ومن أحسن ما صنف في هذا الباب هو
(( خصائص علي )) لإمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة أحمد بن شعيب
أبو عبد الرحمن النسائي رضي الله عنه ، وقد قال الحافظ ابن حجر
رحمه الله تعالى في ((الفتح)) (٧٤/٧): ((وأوعب من جمع مناقب علي
رضي الله عنه من الأحاديث الجياد النسائي في كتاب ((الخصائص)) اهـ.
(١) سورة البقرة، الآية : ١٣٤.
(٢) بتصرف من ((سير أعلام النبلاء)) (١٢٨/٣) الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى.
- ٤ -

ولما كان الكتاب بهذه المنزلة عند الحافظ رحمه الله وكان مسند الدنيا
في عصره فرأيت أن أخدمه بتحقيق أصوله وتخريج حديثه على الطريقة
المألوفة عند أهل الحديث .
وقد بحثت لهذا الكتاب عن أصل مخطوط فلم أظفر بشيء مع نصبي
ووكدي في سبيل الحصول عليه ولا أدري كيف نشر هذا الكتاب .
ولعل الأصل يكون مكتبة أخرى من المكتبات المتناثرة في العالم أو عند
آحاد الناس .
والذي اطلعت عليه في دار الكتب المصرية العامرة حرسها الله تعالى
هو الأصل المطبوع برقم (١١٦٩، ١١٧٠) بالمطبعة الخيرية بجمالية
مصر سنة ١٣٠٨هـ وقد صححها (!) محمد السيوطي رحمه الله تعالى.
ثم جدد طبعها الاستاذ عبد الرحمن حسن محمود فطبعها كما في
الطبعة الأولى ، ولست أدري كيف طابت نفس الاستاذ أن ينشرها مع
الأخطاء الفادحة التي وقعت في الطبعة الأولى . ولك أن تعرف أنه قد وقع
في أسانيد هذا الكتاب أكثر من مائتي خطأ في أسماء الرجال مع كون
أحاديثه لا تصل إلى المائتين (!) وهذا مما يدلك على غربة هذا الفن وقلة
العالمين به . فالله المستعان.
فكان ما حكيت من خفاء الأصل المخطوط عليَّ هو أول المصاعب
التي واجهتني في سبيل تحقيق الكتاب تحقيقاً علمياً دقيقاً بحيث يكون كما
صنفه صاحبه إلا ما شاء الله. ولكني تعللت بقول القائل: (( ما لا يدرك
كله لا يترك جلّه)). فشرعت أصلح أسانيد الكتاب وأقومها على الجادة
وقد حصل لي والحمد لله توفيق كثير في ذلك. وسهل عليَّ الخطب أنني
بلوت شيوخ النسائي ورجال أسانيده منذ سنين عدداً لما تصديت لشرح سننه.
ولكنني في بعض المواضع وقفت عاجزاً عن الاصلاح لسقم النسخ
المطبوعة ولتلفيق الأسماء (!) ففي هذه الحالات أثبت الاسناد الذي أمامي
ثم أعلق عليه بما أراه . أما ما تأكدت أنه الصواب فإنني أثبته بلا تردد
وغالباً ما أشرح ذلك .
- ٥ -

وقد اختلفت أنظار العلماء في هذا الكتاب : هل هو من جملة السنن
الکبری أو هو كتاب مستقل بذاته . ..
قال الحافظ في ((مقدمة تهذيب التهذيب)) (٦/١): ((وأفرد المزي
((خصائص علي)) وهو من جملة المناقب في رواية ابن سيّار ، فما تبين
لي وجه إفراده الخصائص ؟ ! .
قلت : الذي يظهر لي أن النسائي رحمه اللّه تعالى صنف الخصائص
ككتاب مستقل كما يأتي في ترجمته إن شاء اللّه تعالى أنه دخل دمشق
ورأى المنحرفين عن علي رضي الله عنه كثير فصنف (( خصائص علي))
رجاء أن يهديهم اللّه تعالى ، ولم يكن صنف وقتها فضائل الصحابة .
فلما صنف الفضائل وقرأها الجميع أدخل بعض الرواة عنه (الخصائص))
وجعلها من ضمن المناقب كما فعل ابن سيّار .
أما الحسن بن رشيق فإنه كان يروي ((الخصائص)) بمفردها .
ثم وقعت على ذلك والحمد لله، فرأيت ابن عطية ذكر في ((فهرسته ))
(ص ١٠١) اسناده إلى ((الخصائص)) بمفردها فرواها عن أبي بكر
عبد الباقي بن محمد بن سعيد بن بريال الحجاري عن المنذر بن المنذر عن
الحسن بن رشيق عن النسائي .
وأياً ما كان الأمر فالخطب سهل إن شاء الله تعالى .
وبعد ؛
فلست أزعم أنني وفيت الكتاب حقه وأرضيت نهمتي كيف ولم
أحققه على أصل مخطوط ؟ وأنا حقيق أن لا أزكي ما وصلت اليه من توفيق
برحمة الله وأن لا أؤكد الثقة به ، وكل من عثر على حرف منه أو معنى
يجب تغييره فإني أناشده اللّه في إصلاحه وإداء حق النصيحة فيه . وما أبرأ
من العثرة والزلة ، وما استنكف من الرجوع إلى الصواب عن الغلط
فإن هذا الفن لطيف خفي وابن آدم إلى العجز والضعف والعجلة ما هو (!)
-٦ -

فرحم الله أخا نظر فيه نظرة تجرد وإنصاف ودعى لي بظهر الغيب
على صواب وفقني الله اليه واستغفر لي زلاتي الكثيرة فيه ، والله سبحانه
وتعالى المسؤول أن يهدي قلوبنا للايمان .
والله سبحانه وتعالى من وراء القصد
و کتبه
راجي عفو ربه الغفور
أبو إسحاق الحويني الأثري
١٤٠٢/١١/٧ هـ
- ٧ -

ترجمة صاحب الكتاب
هو إمام الأئمة ومقدم الأمة ، إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة
أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار أبو عبد الرحمن النسائي
صاحب السنن والمصنفات المشهورة .
ولد سنة (٢٣٠) مائتين وثلاثين من الهجرة وكان حافظاً ضابطاً
ثبتاً منقطع النظير .
قيل للدار قطني: ((إذا حدث محمد بن إسحاق بن خزيمة وأحمد بن
شعيب النسائي حديثاً من تقدم منهما ؟ قال : النسائي لأنه أسند . على أني
لا أقدم على النسائي أحداً وإن كان ابن خزيمة إماماً ثبتاً معدوم النظير)).
وقال الدارقطني أيضاً: ((وكان ابن الحداد كثير الحديث ولم يحدث
عن أحد غير أبي عبد الرحمن النسائي فقط (!) وقال : رضيت به حجة
بيني وبین ربي )) .
وفي ((طبقات الشافعية)) (١٦/٣) قال ابن السبكي: ((سمعت شيخنا
أبا عبد الله الذهبي الحافظ وسألته : أيهما أحفظ: مسلم بن الحجاج
صاحب الصحيح ، أم النسائي ؟ فقال : النسائي . ثم ذكرت ذلك للشيخ
الامام الوالد تغمد الله برحمته فوافق عليه)).
وقد زعم جماعة من أهل العلم أن النسائي كان متشيعاً (!).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في ((منهاج السنة النبوية))
(٩٩/٤): ((وتشيع بعض أهل العلم بالحديث كالنسائي وابن عبد البر
وأمثالهما لا يبلغ إلى تفضيل عليّ على أبي بكر وعمر ، ولا يعرف في
أهل الحديث من يقدمه عليهما)) .
- ٩ -

وقال بتشيعه الاستاذ محمود مصطفى في ((اعجام الأعلام)) ( ص
١٩٢ ) .
قلت : وفي ذلك نظر عندي . وإنما الذين دعاهم إلى ذلك تصنيفه
لكتاب (( الخصائص)) . وحكايته مع أهل دمشق .
قال أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن المأمون الهاشمي: ((سمعت
قوماً ينكرون على النسائي كتاب ((الخصائص)) لعلي بن أبي طالب رضي اللّه
عنه وتركه التصنيف في فضائل أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم
ولم يكن في ذلك الوقت صنفها فحكيت له ما سمعت فقال: (( دخلنا
دمشق والمنحرف عن علي بها كثير فصنفت كتاب ((الخصائص )) رجاء
أن يهديهم اللّه، ثم صنف بعد ذلك فضائل أصحاب رسول اللّه مَ لائهم وقرأها
على الناس ، وقيل له وأنا حاضر : ألا تخرج فضائل معاوية ؟ فقال :
أي شيء أخرج؟ ((اللهم لا تشبع بطنه(١) (!) وسكت وسكت السائل)).
قلت : فكأنهم اتهموه بالتشيع لأمرين :
الأول : أنه صنف في فضائل علي في دمشق رغم كثرة المخالفين
وهياج السواد الأعظم عليه مع كونه لم يكن صنف في فضائل الشيخين
وعثمان رضي الله عنهم .
الثاني : غضه لمعاوية رضي الله عنه .
فأما الجواب عن الأمر الأول فقد أوضحه النسائي نفسه وذلك أنه
دخل دمشق وأهل الشام موقفهم من علي معروف ومشتهر ، فبادر
بتصنيفه ((الخصائص)) رجاء أن يهديهم اللّه تعالى إلى الحق في المسألة وهو
تفضيل علي على معاوية رضي الله عنهما .
وأما الجواب عن الأمر الثاني فجواب دقيق يحتاج إلى تأمل ، والذي
(١) هذا جزء من حديث أخرجه مسلم (١٦/ ١٥٥ - ١٥٦ نووي) وأحمد (٤٠/١
٢٩١، ٣٣٥، ٣٣٨) والطيالسي (٢٧٤٦) من حديث ابن عباس. وقد تكلمت
عليه مطولا في ((فصل الخطاب بنقد المغنى عن الحفظ والكتاب)) (رقم ٥) والحمد لله.
- ١٠ -

يظهر لي أن النسائي ما قصد الغض من معاوية قط - إن شاء الله تعالى -
ولكن جري أهل العلم والفضل - كما قال الشيخ العلامة ذهبي العصر
المعلمي اليماني رحمه الله تعالى في ((التنكيل)) (١٢/١) - على أنهم إذا
رأوا بعض الناس غلوا في بعض الأفاضل أنهم يطلقون فيهم بعض كلمات
يؤخذ منها الغض من ذاك الفاضل لكي يكف الناس عن الغلو فيه الحامل
لهم على اتباعه فيما ليس لهم أن يتبعوه فيه . وذلك لأن أكثر الناس مغرمون
بتقليد من يعظم في نفوسهم والغلو في ذلك حتى إذا قيل لهم : إنه غير
معصوم عن الخطأ ، والدليل قائم على خلاف قوله في كذا ، فدلّ على
أنه أخطأ ولا يحل لكم أن تتبعوه على ما أخطأ فيه . قالوا : هو أعلم منكم
بالدليل وأنتم أولى بالخطأ منه ، فالظاهر أنه قد عرف ما يدفع دليلكم هذا(!)
ولذا ترى بعض أهل العلم يغض من مكانة ذلك الفاضل لردع هؤلاء
السائمة (!) .
فمن ذلك ما يقع في كلام الشافعي الامام في بعض المسائل التي يخالف
فيها مالكاً من اطلاق كلمات فيها غض من مالك مع ما عرف عن الشافعي
من تبجيل استاذه مالك كما رواه عنه حرملة: ((مالك حجة الله على
خلقه بعد التابعين )) .
ومنه ما تراه في كلام مسلم في ((مقدمة صحيحه )) مما يظهر منه
الغض الشديد من مخالفة في مسألة اشتراط العلم باللقاء والمخالف هو
البخاري ، وقد عرف عن مسلم تبجيله للبخاري . وأنت إذا تدبرت تلك
الكلمات وجدت لها مخارج مقبولة وإن كان ظاهرها التشنيع الشديد .
قلت : فقول النسائي في معاوية يخرج من هذا المخرج ، وعلى هذا
تحمل كلمته ، فقد رأى خلقاً احترقوا في حب معاوية وهلكوا في بغض
علي رضي الله عنهما فأراد أن يغض من معاوية قليلاً حتى لا يهلك فيه
ذاك المحترق (!) وإلا فقد قال النسائي وسئل عن معاوية: ((إنما الإسلام
كدار لها باب فباب الاسلام الصحابة . فمن آذى الصحابة إنما أراد
الاسلام ، كمن نقر الباب إنما أراد الدخول ، فمن أراد معاوية فإنما
أراد الصحابة)).
٠,٠٠
- ١١ -

ثم أن قوله عز لته عن معاوية: ((لا أشبع اللّه بطنه)) لا يعد ثلباً بل هي
منقبة لمن تأملها . ووجه الاستدلال على هذه المنقبة الحديث الذي رواه
مسلم وغيره أن رسول الله يت رافع قال لأم سليم: (( أو ما علمت ما شارطت
عليه ربي ؟ قلت : اللهم أنا إنما بشر فأيُّ المسلمين لعنته أو سببته فاجعله
له زكاة وأجراً)).
وهذا ما فهمه أئمة السلف كمسلم وغيره .
٠٠٠
حتى قال الحافظ الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٦٩٩/٢): (( ولعل
هذه منقبة لمعاوية)) اهـ .
وله مناقب أخرى أثبتها في (( فصل الخطاب بنقد المغنى عن الحفظ
والكتاب )). والحمد لله على التوفيق.
وكان من جراء ما فعله النسائي رحمه الله تعالى وهو أن يجهر بالحق
وسط الكثرة الجاهلة المخالفة أنهم سألوه أن يروي فضائل معاوية رضي الله
عنه كما مرّ ذكره فقال: ((ألا يرضى معاوية رأساً برأس حتى يُفَضَّل))؟
فما زالوا يضربونه (!) حتى أخرج من المسجد وهو عليل وتوفي بفلسطين
يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من صفر سنة (٣٠٣) ثلاث وثلاثمائة كما
قال أبو سعيد بن يونس والطحاوي والذهبي. وأما الحاكم رحمه اللّه فقال:
حمل إلى مكة ودفن بها وهو وهم والله أعلم.
قال أبو القاسم بن عساكر حافظ دمشق: ((وهذه الحكاية لا تدل
على سوء اعتقاد أبي عبد الرحمن النسائي في معاوية بن أبي سفيان وإنما
تدل على الكف عن ذكره بكل حال )) .
((تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تُسئلون عما
كانوا يعملون)).
٤
- ١٢ -

-
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ الإمام الحافظ أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي :
ذكر صلاة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
رضي الله عنه
(١) أخبرنا محمد بن المثنى قال: أنبأنا عبد الرحمن (أعني ابن المهدي)
قال : حدثنا شعيب عن سلمة بن كهيل قال : سمعت حبة العرني قال :
سمعت علياً كرم الله وجهه يقول: أنا أوّل من صلى مع رسول اللّه ع لل.
(١) إسناده ضعيف واه .
وآفته هو حبة العرني هذا وهو ابن جوين. قال ابن معين: (( ليس
بثقة)) وقال المصنف: ((ليس بالقوي)). وقال ابن خراش: ((كان غالياً
في التشيع واهياً في الحديث)). والقول فيه مشهور . ولست أدري كيف
طابت نفس الشيخ المحدث العلامة أبي الأشبال رحمه اللّه أن يقول في
((شرح المسند)) (١١٩/٢): ((وحبة بن جوين العرني ثقة وثقه أحمد
والعجلي وضعفه غيرهما ولم يذكره البخاري ولا النسائي في الضعفاء)).
ولازم ذلك أنه صحح اسناده في المصدر السابق ذكره (٢٨٢/٢). (!).
والحديث أخرجه أحمد (١٤١/١) من طريق شعبة بإسناده سواء
وتابعه الأجلح عن سلمة به .
أخرجه الحاكم (١١٢/٣) والطبراني في ((الأوسط)) كما في ((اللآ لىء))
(٣٢٢/١) وابن الجوزي في ((الموضوعات)) (٣٤١/١ - ٣٤٢).
=
- ١٣ -
1

قال ابن الجوزي: ((هذا حديث موضوع على عليّ عليه السلام :
أما حبة فلا يساوي حبة (!) فإنه كذاب. قال يحيى: (( ليس حديثه
بشيء)) وقال السعدي ((غير ثقة)) وقال ابن حبان: ((كان غالياً في
التشيع واهياً في الحديث )). وأما الأجلح فقد روى غير حديث منكر .
قال أبو حاتم الرازي: ((لا يجنح بحديثه)) وقال ابن حبان: ((كان
لا يدري ما يقول)). قال ابن الجوزي: ((ومما يبطل هذه الأحاديث أنه
خلاف ما تقدم من اسلام خديجة ويزيد وأبي بكر وأن عمر أسلم سنة
ست من النبوة بعد أربعين فكيف يصح هذا))؟ .
فتعقبه السيوطي في ((اللآلىء)) (٣٢٢/١) بقوله: ((قلت: الأجلح
روى له الأربعة ووثقه ابن معين والعجلي، وقال أبو حاتم: (( ليس بالقوي))
وقال النسائي: ((ضعيف)). وقال ابن عدي: (( شيعي صدوق)) وحبة
ضعفه الأكثرون، وقال العجلي: ((تابعي ثقة)). وقال الطبراني ((يقال
له رؤية في الأصل رواية)). وقال ابن عدي: (( ما رأيت له منكراً قد
جاوز الحد)).
قلت : أما الأجلح فصدوق ولكن في حفظه مقال . ولا ضير في
ذلك فقد تابعه شعبة كما مر آنفاً . وأيضاً سفيان الثوري عن سلمة به .
أخرجه الخطيب في ((التاريخ)) (٢٣٣/٤) وابن المغازلي في ((مناقب
علي)) (١٤ - ١٥). وتابعه أيضاً يحيى بن سلمة عن أبيه به .
أخرجه الطيالسي (١٨٨)، ويحيى تالف.
وعلة الحديث في حبة العرني .
والحديث سكت عليه الحاكم على غير عادته في مثل هذا (!) فتعقبه
الذهبي بقوله: ((وهذا باطل لأن النبي معَ لفل أول ما أوحي اليه آمن به
خديجة وأبو بكر وبلال وزيد مع علي قبله بساعات أو بعده بساعات
وعبدوا اللّه مع نبيه فأين السبع سنين ؟ (!). ولعل السمع أخطأ فيكون =
- ١٤ -

(٢) أخبرنا محمد بن المثنى قال : حدثنا عبد الرحمن قال : حدثنا
شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي عمرة ، عن زيد بن أرقم قال :
أوّل من صلى مع رسول اللّه ◌َ امِ علي رضي الله عنه.
= أمير المؤمنين قال: ((عبدت الله ولي سبع سنين)) ولم يضبط الراوي ما سمع
ثم حبة شيعي جبل قد قال ما يعلم بطلانه من أن علياً شهد معه صفين
ثمانون بدرياً. وذكره أبو إسحاق الجوزجاني فقال: ((هو غير ثقة))،
وقال الدارقطني وغيره: ((ضعيف)) وشعيب والأجلح متكلم فيهما)).اهـ.
قلت: وما قاله الذهبي رحمه الله تعالى متجه غير قوله: (( أن حبة
قال ما يعلم بطلانه ... الخ )) الذي حكاه الجوزجاني وتبعه ابن الجوزي
فقال: ((كذاب)) !. فإن الحافظ تعقب ذلك بقوله: ((أي واللّه إن
صح السند إلى حبة .... ولكن السند إلى حبة واه )) اهـ .
وأما شعيب بن صفوان فقد ضعفوه . قال ابن عدي بعد أن سرد له
أحاديث: ((ولشعيب غير ما ذكرت وليس بالكثير وعامة ما يرويه لا يتابعه
عليه أحد )) ولكن تابعه عمرو بن هاشم الجنبي :
أخرجه الطبراني . ولكن قال البخاري فيه: (( فيه نظر )) وضعفه
مسلم والنسائي وأبو حاتم. وقال أحمد: ((صدوق)).
قلت : نعم هو صدوق ولكن الضعف آتٍ من قبل حفظه الذي اختل.
قال ابن حبان: ((كان يقلب الأسانيد ويروي عن الثقات ما لا يشبه
حديث الاثبات لا يجوز الاحتجاج بخبره )) .
وبالجملة : فالحديث لا يكاد يقوم حتى يسقط . والله أعلم .
(٢) اسناده صحيح .
أخرجه الترمذي (٢٣٨/١٠ تحفة) وأحمد (٣٧١،٣٦٨/٤) والطيالسي
(٦٧٨) والحاكم (١٣٦/٣) وابن المغازلي في ((مناقب علي)) (١٤) من
طريق شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي حمزة عن زيد بن أرقم به .
=
- ١٥ -

ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين
(٣) أخبرنا محمد بن المثنى، قال : أخبرنا محمد بن جعفر عن غُنْدَ رٍ
قال : حدثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي حمزة ، عن زيد بن
أرقم قال : أول من أسلم مع رسول اللّه ◌َ التّرٍ علي بن أبي طالب رضي
الله عنه .
قال الترمذي: ((هذا حديث حسن صحيح)).
/ =
وقال الحاكم: ((صحيح الإسناد)) ووافقه الذهبي .
قلت : وهو كما قالوا . وأبو حمزة هذا اسمه طلحة بن يزيد وثقه
المصنف وابن حبان. ووقع في ((نسخة الترمذي)): ((عن أبي حمزة
عن رجل من الأنصار عن زيد بن أرقم )) . وهذا خطأ صرف ، فأبو
حمزة يروي عن زيد بن أرقم بلا واسطة ولم أر أحداً تكلم في سماعه
منه ، بل صرح بالسماع منه عند أحمد (٣٧١/٤) في حديث (( ما أنتم
بجزء من مائة ألف جزء ... )) فكلمة ((عن رجل)) أراها خطأ من الناسخ
أو الطابع وصوابها عندي: ((عن أبي حمزة رجل من الأنصار)) فإنه
كان مولى لقرظة بن كعب الأنصاري . والله أعلم .
ووقع في آخر الحديث عند الترمذي وغيره: ((قال عمرو بن مرة :
فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فأنكره وقال : أول من أسلم أبو بكر
الصديق. وللحديث شاهد عن ابن عباس قال: أول من صلى مع النبي منز له
بعد خديجة علي . وقال مرة : أسلم .
أخرجه الطيالسي (٢٧٥٣) وأحمد (٣٥٤٢).
(٣) اسناده صحيح .
مرّ قبله .
- ١٦ -

(٤) أخبرنا عبد الله بن سعيد قال: حدثنا ابن إدريس قال :
سمعت أبا حمزة ( مولى الأنصار ) قال : سمعت زيد بن أرقم يقول :
أول من صلى مع رسول اللّه ◌َ القرِ علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وقد قال في موضع آخر : أسلم عليّ رضي الله عنه .
(٥) أخبرنا محمد بن عبيد بن محمد الكوفي قال : حدثنا سعيد بن
خثيم ، عن أسد بن وداعة عن أبي يحيى بن عفيف ، عن أبيه، عن جده
عفيف قال: جئت في الجاهلية إلى مكة وأنا أريد أن أبتاع لأهلي من ثيابها
وعطرها ، فأتيت العباس بن عبد المطلب، وكان رجلا تاجراً ، فأنا عنده
جالس حيث أنظر إلى الكعبة ، وقد حلّقت الشمس في السماء فارتفعت
وذهبت ، إذ جاء شاب فرمى ببصره إلى السماء ثم قام مستقبل الكعبة ،
ثم لم ألبث إلا يسيراً حتى جاء غلام فقام على يمينه ، ثم لم ألبث إلا يسيراً
حتى جاءت امرأة فقامت خلفهما ، فركع الشاب فركع الغلام والمرأة ،
(٤) في إسناده بحث .
قلت : وهذا من الأسانيد التي حيرتني حقاً ، فما جعلته بين الأقواس
إنما أثبتُّ بعضه احتمالا وبعضه جزماً. وكان الاسناد: (( ... ابن ادريس))
سمعت أبا حمزة (!) وأين ابن ادريس من ابن حمزة وإنما أثبت ((عمرو
ابن مرة)) لأنهم لم يذكروا في الرواة عن أبي حمزة غير عمرو بن مرة
كما في ((التهذيب)) و ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (٤٧٦/١/٢)
وأما زيادتي ((عن أبيه)) فهي احتمال لأني لا أعلم لعبد الله بن إدريس
رواية عن عمرو بن مرة بعد البحث والتتبع وإنما الذي يروي عن ((عمرو
ابن مرة )) هو إدريس بن يزيد والد عبد الله .
وعبد الله بن سعيد شيخ المصنف هو ابن حصين الكندي يروي عن
عبد الله بن إدريس . فما أستطيع الجزم في الاسناد بشيء الآن . وإني
شاكر أخاً وقع له الصواب في المسألة أن يرسل إليَّ به . والله المستعان .
فإن صح ما احتملته فالإسناد صحيح ، وإلا كان دون ذلك . والله أعلم.
خصائص الإمام علي م ٢
- ١٧ -

فرفع الشاب فرفع الغلام والمرأة ، فسجد الشاب فسجد الغلام والمرأة،
فقلت ياعباس : أمر عظيم ، قال العباس : أمر عظيم ، أتدري من هذا
الشاب ؟ قلت : لا ، قال : هذا محمد بن عبد الله ، ابن أخي، أندري من
هذا الغلام ؟ هذا علي ابن أخي ، أتدري من هذه المرأة ؟ هذهخديجة
بنت خويلد زوجته ، إن ابن أخي هذا أخبرني أن ربه رب السماء
والأرض أمره بهذا الدين الذي هو عليه ، ولا والله ما على الأرض كلها
أحد على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة.
(٥) إسناده ضعيف .
وقع في ((المطبوعة)): ((سعيد بن خثيم عن أسد بن وداعة )) وأرى
أن هذا خطأ . وابن وداعة هذا رجل آخر . ترجمه ابن أبي حاتم في
((الجرح والتعديل)) (٣٣٧/١/١) وقال: ((روى عن أبي أمامة وشداد
ابن أوس . روى عنه معاوية بن صالح والفرج بن فضالة وجابر بن غنام
سمعت أبي يقول ذلك )) .
وإنما الصواب الذي أرجحه أنه: ((أسد بن عبد الله بن يزيد بن أسد
ابن كرز بن عامر البجلي)). وقد رمز له في ((التهذيب)) برمز ((ص))
يعني روى له النسائي في ((خصائص علي)). وفي ترجمة (( يحيى بن عفيف
الكندي)) رمز له برمز ((ص)) أيضاً وقال: ((وعنه أسد بن عبد الله البجلي)).
فهذا مما يرجح ما ذكرته .
وأسد بن عبد اللّه هذا ضعفه الدولابي والعقيلي .
وترجمه البخاري في ((الكبير)) (٥٠/٢/١) وقال: ((أثنى عليه
سعيد بن خثيم خيراً ، سمع ابن يحيى بن عفيف عن جده أخو خالد
القسري الكوفي . لم يتابع ابن عفيف في حديثه)).
وقال ابن عدي: ((معروف بهذا الحديث وما أظن له غير هذا إلا
الشيء اليسير)) . وابن يحيى هذا مجهول وكذا أبوه .
ولكن للحديث طريق آخر .
- ١٨ -

= أخرجه أحمد (٢٠٩/١ - ٢١٠) والبخاري في (التاريخ الكبير )
(٧٤/١/٤ - ٧٥). والطبري في ((التاريخ)) (٢١٢/٢ - ٢١٣) والحاكم
(١٨٣/٣) وابن عبد البر في ((الاستيعاب)) (٥٢٥ - ٥٢٦) من طريق
يحيى بن الأشعث عن إسماعيل بن إياس بن عفيف الكندي عن أبيه عن جده .
قال الحاكم: ((صحيح الإسناد ولم يخرجاه)) ووافقه الذهبي (!).
قلت : فيه نظر عريض (!).
فأما يحيى بن الأشعث فقال الذهبي: ((مجهول)). فتعقبه الحافظ
في ((تعجيل المنفعة)) ( ص ٤٣٨ - ٤٣٩) بقوله: (( لم يقل أبو حاتم في
هذا مجهول وإنما قاله في آخر ذكره ابن أبي حاتم بعد الراوي عن اسماعيل
فقال : يحيى بن أبي الأشعث روى عن أبي عوف روى عنه أبو داود
الطيالسي ، ثم نقل عن أبيه أنه مجهول )) اهـ .
قلت: الذي في ((الجرح والتعديل)) (٤ /١٢٩/٢) أن الترجمتين
باسم (( يحيى بن أبي الأشعث)). وما ذكره الحافظ عن كتاب ابن أبي
حاتم صحيح . ولكن هذا لا يدفع كلام الذهبي على كل حال . فإن ابن
أبي حاتم لم يذكر في يحيى هذا جرحاً ولا تعديلاً فهو مجهول الحال .
وتوثيق ابن حبان لا يعتبر في مثل هذه الحالات . والزعم بأن سكوت
ابن أبي حاتم توثيق زعم خاطىء كما يأتي ذكره في الحديث (٢٢)
إن شاء الله تعالى .
واسماعيل بن إياس ترجمه البخاري في (الكبير) (٣٤٥/١/١)
وابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (١٥٩/١/١)، فأما البخاري فقال :
((في حديثه نظر))، وأما ابن أبي حاتم فلم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً
فهو مجهول الحال .
فما زلت أتعجب من زعم الشيخ أبي الأشبال أحمد بن محمد شاكر
رحمه الله تعالى في ((شرح المسند)) (٢٢٠/٣): ((أنه ثقة)) هكذا (!)
كأن لم يتبق فيه جرح قط (!).
=
- ١٩ -

(٦) حدثنا أحمد بن سليمان الرهاوي قال : حدثنا عبد الله بن موسى
قال : حدثنا العلاء بن صالح ، عن المنهال ، عن عمرو بن عباد بن عبد الله
قال : قال علي رضي الله عنه : أنا عبد اللّه، وأخو رسول الله . وأنا
الصديق الأكبر، لا يقولها بعدي إلا كاذب ، آمنت قبل الناس سبع سنين.
وأما أبوه إياس بن عفيف. فترجمه البخاري في ((الكبير)) (٤٤١/١/١)
=
وابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (٢٨٠/١/١). فأما البخاري
فقال: ((فيه نظر)) وهو جرح شديد عنده. وأما ابن أبي حاتم فلم
يذكر فيه جرحاً ولا تعديلا . ومع ذلك وثقه الشيخ أبو الأشبال رحمه الله
تعالى ، فأين موقع تصحيح الحاكم والذهبي لهذا الحديث ؟ .
والغريب أيضاً قول الحافظ الهيثمي في ((المجمع)) (١٠٣/٩).
((رجال أحمد ثقات))، وهذا من الأدلة الكثيرة على صحة قول القائل :
((كم ترك الأول للآخر)) (!).
(٦) اسناده ساقط (!).
وآفته عباد بن عبد اللّه الأسدي .
قال البخاري: ((فيه نظر)).
قال الذهبي: ((قلّ أن يكون رجلا قال فيه البخاري هذه العبارة
إلا تراه متهماً)) .
وقال ابن المديني: ((ضعيف الحديث)).
أما ابن حزم فقال: ((مجهول)).
وهذا لا يكون ، بل هو معروف ولكن بالوهن (!).
والحديث أخرجه ابن ماجه (٥٧/١ - ٥٨) وابن أبي عاصم في
((السنّة)) (٥٩٨/٢) والحاكم (١١١/١ - ١١٢) وابن الجوزي في
((الموضوعات)) (٣٤١/١) من طريق المنهال بن عمرو عن عباد عن علي به .
قال الحاكم: ((صحيح على شرط الشيخين)) (!).
فتعقبه الذهبي: ((قلت: كذا قال وهو ليس على شرط واحد منهما =
- ٢٠ -