Indexed OCR Text

Pages 81-100

رحمه الله أن هذه الزيادة ليست عند مخرجيه . وقال ابن السبكى رحمه الله فى
((طبقات الشافعية)) (٣٤٥/٦): ((لم أجد هذه الزيادة)) كما فى ((تخريج الإحياء))
(٢٩٤٦)، وأخطأ الغزالى خطأ آخر ، فلفق بين هذا الحديث وحديث آخر فى
ذم الدنيا أيضا، فانظر جواب العراقى وابن السبكى عما صنع فى ((التخريج))
(٣٥٥٢). وممن زادها أيضا ابن حجر الهيتمى الفقيه رحمه الله فى (( أسنى
المطالب)) كماً فى ((كشف الخفاء)) (١٣١٥).
أما صاحب: ((من وصايا الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم)) -
سامحه الله - فقد وقع فى كُلٍ ، فأورد الحديث بلفظ أحمد ( ص ٦٤١ ) وقال :
(رواه أحمد، وزاد: ((ومال من لا مال له)) ! ثم أورده ( ص ٧٧٠) بالزيادة
الباطلة، وقال: ((رواه أحمد من حديث عائشة)) !! ومثل هذا فى ((وصاياه))
كثير مع أنه حشاها بالمناكير والواهيات التى لا يحل ذكرها فى الكتب إلا على
سبيل القدح فيها . بل الوصايا نفسها تسع منها - فى الجزء الأول وحده - لا
يصح ، ما بين ضعيف ومنكر وواهٍ . هدانا الله وإياه لتحرى الحق والصواب ،
وتحاشى الوقوع فى الكذب على سيد الأنبياء صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وعامله
الله تعالى بما يستحق ، إذ رمى أهل السنة والجماعة الذين يصفون رب العالمين
بما وصف به نفسه ، ووصفه به نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقلة الأدب ! ،
إذ قال على الملأّ عقب خطبة جمعة بالمعادى ما معناه: ((يقولون: إن الله فى
السماء، انظروا إلى قلة الأدب؟!)). فالله بيننا وبينك ياطه، ﴿يوم لا ينفع
مال ولا بنون . إلا من أتى الله بقلب سليم ﴾ .
استدراك :
ثم وجدت الحافظ رحمه الله يقول فى ((نزهة الألباب)) (١٠٧٧): ((دويد: هو داود
ابن سليمان النصيبى)). فصح- ولله الحمد- ما احتملته ، مع استبعاد أن يكون هو
هو داود بن هلال النصيبى. ووجدت الحديث مرفوعا أيضا فى ((الأصول من الكافى))
(١٢٩/٢) لثقة الرافضة الكلينى، وفيه قصة. وهو عن جعفر الصادق معضلاً. وفى
إسناده جماعة من الرافضة لم أهتد إليهم، وفيه أيضا أحمد بن محمد بن خالد البرقى،
وهو من غُلاتهم، له كتاب ((التحريف))- يعنى فى القرآن-، نعوذ بالله من الكفر والخذلان.
- ٨١ -

الحديث الثامن عشر :
((صاحب الشىء أحق أن يحمله إلا أن يكون ضعيفاً يعجز عنه ، فيعينه
أخوه المسلم )) .
ضعيف جداً، أو موضوع. رواه أبو يعلى والطبرانى فى ((الأوسط)) كما فى
((المجمع)) (١٢١/٥-١٢٢) وابن الأعرابى فى ((معجمه)) (١/٢٣٥-٢) وابن
بشران فى ((الأمالى)) (٥٣/٢-٥٤) والحافظ محمد بن ناصر فى ((التنبيه))
(١/١٦-٢) من طريق يوسف بن زياد البصرى عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم
عن الأغر أبى مسلم عن أبى هريرة قال: (( دخلت مع رسول الله صلى الله عليه
وعلى آله وسلم السوق ، فقعد إلى بزازين ، فاشترى سراويل بأربعة دراهم ،
قال : وكان لأهل السوق رجل يزن بينهم الدراهم يقال له : فلان الوزان ، قال :
فدعى ليزن ثمن السراويل ، فقال له النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم : اثّرن
وأرجح ، فقال الوزان : إن هذا القول ما سمعته من أحد من الناس ، فمن أنت ؟
قال أبو هريرة : فقلت : حَسْبُك من الرهق والجفاء فى دينك ألا تعرف نبيك .
فقال : أهذا نبى الله ؟ وألقى الميزان ووثب إلى يد رسول الله صلى الله عليه وعلى
آله وسلم، فجذبها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقال: (( مه ،
إنما يفعل هذا الأعاجم بملوكها ، وإنى لست بملك ، إنما أنا رجل منكم)).
ثم جلس فاتزن الدراهم وأرجح كما أمره النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم.،
فلما انصرفنا تناولت السراويل من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأحملها
عنه ، فمنعنى وقال : ... فذكره ، قال : قلت : يا رسول الله أَوَ إنك لتلبس
السراويل ؟ قال : نعم ، بالليل والنهار ، وفى السفر والحضر ، قال يوسف :
وشككت أنا فى قوله : ومع أهلى ، فإننى أمرت بالستر فلم أجد ثوباً أستر من
السراويل)) . وفى إسناد هذا الحديث :
١ - يوسف بن زياد. قال الدارقطنى: ((مشهور بالأباطيل)) وسيأتى كلامه
- ٨٢ -
*
بـ

بتمامه قريبا. وقال النسائى: ((ليس بثقة)). وقال البخارى وأبو حاتم والساجى:
((منكر الحديث)). وبه وحده أعله الحافظ الهيثمى رحمه الله فى ((المجمع)).
٢ - وشيخه : عبد الرحمن بن زياد بن أنعم - وهو الإفريقى - ضعيف فى
حفظه، كما فى ((التقريب)) (٣٨٦٢)، وقد وثقه بعضهم ودفع قول مضعفيه
بما لا طائل تحته .
وللحديث طريق أخرى عند البيهقى فى ((الشعب)) و ((الأدب)) (٧٥٨) فيها
حفص بن عبد الرحمن - راویه عن الإِفریقی - حکی ابن الجوزى أن ابن حبان
رماه براوية الموضوعات عن الثقات ولم أجده فى (( المجروحين ))، بل لم أهتد
إليه. والحديث أورده ابن الجوزى فى ((الموضوعات)) وقال: (( لا يصح ، قال
الدارقطنى فى ((الأفراد)): الحمل فيه على يوسف بن زياد لأنه مشهور بالأباطيل ،
ولم يروه عن الإفريقى غيره)). وأقره الشيخ الألباني حفظه الله فى ((الضعيفة))
(٨٩)، ومنها اختصرنا هذا التخريج ، فجزاه الله عنا وعن الإِسلام والسُنّة خيراً.
وقد حكى فيها أيضا عن الحافظ السخاوى رحمه الله - فى (( فتاويه الحديثية))
( ق ١/٨٦) - قوله: ((سنده ضعيف جداً، واقتصر شيخنا فى ((فتح البارى))
على ضعف رواته ، ولشدة ضعفه جزم بعض العلماء بأنه صلى الله عليه وعلى
آله وسلم لم يلبس السراويل)) . قلت : ومع تهافت إسناد هذا الحديث ، فإنه
يتردد كثيراً بين الناس ، فعسى أن ينفع الله عز وجل بإيراده ههنا أقواماً ، فإن
الكثيرين لا تطول أيديهم كتب الشيخ حفظه الله ، ومنهم من لا يعرفه ، ومنهم
من يصدق ما يرميه به بعض الحمقى والموتورين من شتى التهم والنقائص . فلعل
الله تعالى يجعلنى ((واسطة خير)) بين هؤلاء وبينه .
( أما ) السراويلات(٢٧)، فقد قال العلامة ابن القيم رحمه الله فى ((الزاد))
(٢٧) جمع: ((سراويل)) فإنها مفردة. أما ما شاع بين الناس من أن: ((سراويل)) جمع مفرده :
((سروال))، فقد ذهب العلامة الشوكانى رحمه الله فى ((نيل الأوطار)) إلى أن ذلك لغة
ضعيفة، وكلام ابن القيم سأحكيه يؤيد ذلك. وفى مادة: ((سرل)) من ((لسان العرب))
كلام نافع فى ذلك .
- ٨٣ -

(٣٥/١): ((فصل: واشترى - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - سراويل،
والظاهر أنه إنما اشتراها ليلبسها ، وقد روى فى غير حديث أنه لبس السراويل ،
وكانوا يلبسون السراويلات بإذنه ... )) كذا قال رحمه الله، وسكت محققا
((الزاد)) (١٣٩/١) عن تعقب قضية كونه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لبس
السراويل أم لا بما تقدم عن الإِمام السخاوى ، شأنهما فى كثير مما لا ينبغى
السكوت عنه فى ذلك الكتاب . أما شراؤه صلى الله عليه وعلى آله وسلم إياها ،
فصحيح ثابت ؛ فقد روى أبو داود (٢٢٠/٢) والترمذى (٣٨٥/٢) والنسائى
(٢٨٤/٧) من طرق عن الثورى ثنا سماك بن حرب ، حدثنى سويد بن قيس
رضى الله عنه قال: (( جلبت أنا ومخرمة العبدى بزاً من هجر ، فأتينا به مكة ،
فجاءنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فساومنا سراويل فبعناه ، وثَمَّ
رجل يزن بالأجر ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( زِن
وأرجح)). قال الترمذى: ((حديث سويد حديث حسن صحيح. وأهل العلم
يستحبون الرجحان فى الوزن . وروى شعبة هذا الحديث عن سماك ، فقال :
عن أبى صفوان: وذكر الحديث)) اهـ. قلت: ورجّح الإِمام أبو داود رواية
سفيان وأشار إلى متابعة قيس بن الربيع - وهو ضعيف - على إسناده . أما إقراره
صلى الله عليه وعلى آله وسلم الصحابة على لبس السراويل ، فمما ثبت فيه حديث
أبى أمامة رضى الله عنه قال: (( خرج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم
على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم .. وفيه: (( فقلنا : يا رسول الله ، إن أهل
الكتاب يتسرولون ولا يأتزرون . فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم :
تسرولوا وائتزروا وخالفوا أهل الكتاب ... )) الحديث ، وإسناده حسن كما قال
الحافظ رحمه الله فى ((الفتح)) (٣٦٧/١٠)، وبه (٥٠) ختمت تخريج والتعليق
على كتاب (( الحقوق)) للشيخ ابن عثيمين حفظه الله وأمتعنا به . مع تعليق نافع
بإذن الله تعالى عن مخالفة أهل الشرك وحرمة حلق اللحية عن جميع الأئمة ،
فانظره إن شئت .
وحديث أبى أمامة دل على حصول المخالفة بلبس السراويل تارة ، والإِزار
- ٨٤ -

أخرى. علماً بأن السراويل الشرعية تختلف كثيراً عن ((البنطلون الأوروبى ))
الذى يحدد العورة كاملة - فى أحيان كثيرة - ويفصلها أثناء السجود بين يدى
رب العالمين !
فاللهم اهدنا والمسلمين أجمعين لتعظيم حرماتك والتأدب بين يديك ، وأعنا
على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ، آمين .
( أما ) الراوية الموقوفة لحديث الترجمة، فقريب منها ما رُوِى فى (( الأدب
المفرد)) للبخارى رحمه الله (٥٥١) بسند فيه جهالة ، من طريق على بن هاشم
ابن البريد قال : حدثنا صالح بياع الأكسية عن جدته قالت : رأيت علياً رضى الله
عنه اشترى تمراً بدرهم ، فحمله فى ملحفته . فقلت له ( أو قال له رجل ) :
أحمل عنك يا أمير المؤمنين . قال: لا ، أبو العيال أحق أن يحمل )). وهذا إسناد
ضعيف له علتان :
الأولى : جهالة حال - بل عَيْن - صالح بياع الأكسية هذا، فقد ترجمه
الحافظ فى ((التهذيب)) (٤٠٧/٤-٤٠٨) برواية ابن البريد وحده عنه، ولم يورد
فيه جرحا ولا تعديلا. وإلى جهالته أشار الذهبى فى ((الميزان)) (٣٠٤/٢) فقال :
(( وصالح بياع الأكسية عن جّدته . ما روى عنه سوى على بن هاشم بن
البريد)). وقال الحافظ فى ((التقريب)) (٢٨٩٥): ((مقبول)) أى لين الحديث
حيث لم يتابع .
الثانية: جدة صالح هذا، فلم أهتد إلى اسمها، ولا وجدتها فى ((الميزان))
ولا ((التهذيب)) ولا ((تقريبه)) ولا ذكرها الحافظ المزى ضمن الراوة عن على
فى ((تهذيب الكمال))، ولعلى لم أنعم النظر . وقد سكت عنها أيضا الشيخ
فضل الله الجيلانى فى ((فضل الله الصمد فى توضيح الأدب المفرد)) (٩/٢)،
فلم يترجم لها على خلاف عادته. فالله أعلم. والظاهر أن حالها كحال حفيدها
أيضا.
( وفى عموم ) الاستغناء عن الناس والاعتماد على النفس ، ثبتت بعض
- ٨٥ -

الأحاديث منها قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( استغنوا عن الناس ، ولو
بشوص السواك )) وهو حديث رجاله ثقات لكنه معل بالإِرسال عن ميمون بن
أبى شبيب - وإن اغتر بظاهر إسناده جماعة فى القديم والحديث - لكن رأيت
له شواهد فى ((زهد وكيع)) تقويه إن شاء الله تعالى .
ووصيته صلى الله عليه وعلى آله وسلم أبا ذر رضى الله عنه إذ قال له: ((لا
تسأل الناس شيئاً . قال : قلت : نعم ، قال : ولا سوطك إن يسقط منك ،
حتى تنزل إليه فتأخذه )) . وصح عن ثوبان رضى الله عنه كان يفعل ذلك امتثالاً
لأمر النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم أيضا ألا يسأل الناس شيئاً ، وغير ذلك
مما لا مجال لتخريجه واستقصائه، فـ: ((لكل مقام مقال)) كما قال الصحابى الجليل
أبو الطفيل عامر بن واثلة رضى الله عنه - وهو آخر الصحابة موتا على الإطلاق
كما قال الإِمام مسلم وغيره (ت ١١٠ هـ). ثم وجدت فى ((الميزان))
(١٣٣/٣): ((على بن صالح بياع الأكسية، عن جَدّ له، عن علّ. وعنه أحمد
ابن منيع. لا يعرف)) اهـ. قلت: لا أشك أن هذا تصحيف صوابه: ((على
عن صالح بياع الأكسية ، عن جدته ، عن على )) كما تقدم ، فإن صالحاً تفرد
عنه علی بن هاشم بن البرید ، وأحمد بن منیع یروی عن ابن البرید کما فی ( تهذيب
الكمال)) (٤٩٥/١) وكذلك (ق ٩٩٤) من ((المخطوط))، والله أعلى وأعلم
( وما توفيقى إلا بالله ) .
استدراك :
ورَوَى أثر على أيضا: عبد الله بن الإِمام أحمد فى ((زوائد الزهد)) ( ص
١٣٣) و((زوائد فضائل الصحابة)) (٩١٦) وابن أبى الدنيا فى ((التواضع))
(١٠٢) عن سريج بن يونس عن على بن هاشم عن صالح بياع الأكسية ، فقال :
((عن أمه أو جدته)) ورواية عبد الله: ((فقالوا: نحمل عنك ... )) ورواية ابن
أبى الدنيا: ((فقلت: أحمل عنك ... )). وأم صالح أيضا لم أهتد إليها . وهذه
الزواية - على الشك - أصح إسناداً من رواية ((الأدب)).
- ٨٦ -
بـ

الحديث التاسع عشر :
ات ( القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر ، وقلب أغلف مربوط
على غلافه ، وقلب منكوس ، وقلب مصفح فأما القلب الأجرد ، فقلب المؤمن
سراجه فيه نوره . وأما القلب الأغلف ، فقلب الكافر . وأما القلب المنكوس ،
فقلب المنافق ، عرف ثم أنكر . وأما القلب المصفح ، فقلب فيه إيمان ونفاق ،
فمثل الإِيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب ، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة
يمدها القيح والدم، فأى المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه» .. (الراكد واء
ضعيف. رواه الإمام أحمد (١٧/٣) والطبرانى فى ((الصغير)) (١٠٧٥). ثم
وعنه أبو نعيم (٣٨٥/٤) من طريق أبى معاوية شيبان بن عبد الرحمن النحوى
عن ليث بن أبى سليم عن عمرو بن مرة عن أبى البخترى عن أبى سعيد الخدرى
رضى الله عنه مرفوعا به (٢٨). وقال الطبرانى: ((لم يروه عن شيبان إلا أحمد بن
خالد الوهبى ، ولا يروى عن أبى سعيد إلا بهذا الإِسناد )) اهـ . قلت هذا حسب
مبلغ علمه رحمه الله ، وإلا فقد تابع الوهبى أبو النضر هاشم بن القاسم عند الإمام
أحمد .
وقال الهيثمى فى ((المجمع)) (٦٣/١): ((رواه أحمد والطبرانى فى ((الصغير))،
وفى إسناده ليث بن أبى سليم)) اهـ. قلت: وهو ضعيف كما يأتى ، وللإسناد
علة أخرى ، وهى الإِنقطاع بين أبى البخترى ، واسمه : سعيد بن فيروز الطائى
الكوفى - ثقة ثبت - وبين أبى سعيد الخدرى . قال الحافظ العلائى رحمه الله فى
((جامع التحصيل)) (٢٤٢): (( ... وقال أبو حاتم: لم يدرك ( يعنى أبا
البخترى ) أبا ذر ولا زيد بن ثابت ولا رافع بن خديج ولا أبا سعيد الخدرى
(٢٨) والحديث فى ((فردوس الأخبار)) (٤٧٣٢) - بنحوه - معزواً لابن عباس ولم يسق محققاه
إسناد الديلمى، فلا أدرى آآسنده من حديث ابن عباس أم هو خطأ صوابه : (( أبو
سعيد ) ؟
- ٨٧ -

ولم يلق سلمان ... )). وفى ((التهذيب)) (٧٣/٤): ((وقال أبو داود: لم يسمع
من أبى سعيد)). ومما زاده الحافظ قوله: (( قلت : وقال ابن سعد : قتل بدجيل
مع ابن الأشعث سنة (٨٣) وكان كثير الحديث يرسل حديثه ويروى عن الصحابة
ولم يسمع من كثير أحد ، فما كان من حديثه سماعاً فهو حسن ، وما كان غيره
فهو ضعيف )).
قلت: لفظه فى ((الطبقات)) (٢٠٥/٦): ((وكان أبو البخترى كثير الحديث
يرسل حديثه ، ويروى عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ،
ولم يسمع من كبير أحد ، فما كان من حديثه سماعاً فهو حسن ، وما كان عن ،
فهو ضعيف)) اهـ . وعلى ذلك ، فراوية أبى البخترى عن الصحابة بالعنعنة ضعيفة
عند ابن سعد رحمه الله لكثرة إرساله . وهناك علة ثالثة أدق من هاتين ، وهى
الوقف على حذيفة كما يأتى قريبا . ومع كل ما تقدم ، فقد قال الحافظ ابن كثير
رحمه الله فى ((تفسيره)) (٥٦/١) - بعد أن أورد الحديث من رواية ((المسند)):
((وهذا إسناد جيد حسن)) ! كذا قال عفا الله عنه ، وإنى استعنت الله جل وعلا
فى نقل بحث قيم للحافظ السيوطى روَّح الله روحه بشأن ليث بن أبى سليم
هذا ، لم أجد له مثله فى الدقة وطول النفس بشأن غيره من الرواة ، إذ قال
فى رسالة: ((أعذب المناهل فى حديث: من قال أنا عالم فهو جاهل » من كتابه
((الحاوى)) (٧/٢-٨): (( ... وهذا الحديث حكم عليه الحفاظ بالوهم فى
رفعه ، فإن ليث بن أبى سليم متفق على ضعفه . قال فيه أحمد بن حنبل : مضطرب
الحديث . وقال : ما رأيت يحيى بن سعيد أسوأ رأياً فى أحد منه فى ليث ، لا
يستطيع أحد أن يراجعه فيه . وقال فيه ابن معين والنسائى : ضعيف . وقال ابن
معين : ليث أضعف من عطاء بن السائب(٢٩) . وقال عثمان بن أبى شيبة :
سألت جريراً عن ليث وعن عطاء بن السائب وعن يزيد بن أبى زياد ، فقال :
(٢٩) أى أضعف من عطاء بعد اختلاطه ، وإلا فهو ثقة صحيح الحديث فيما رواه عنه متقدموا
أصحابه . الذين سمعوا منه فى القدمة الأولى للبصرة كأيوب وشعبة والسفيانين وحماد بن
زيد ، وأقرانه : كالأعمش . والله أعلم .
- ٨٨ -

كان يزيد أحسنهم استقامة فى الحديث ، ثم عطاء ، وكان ليث أكثرهم تخليطا .
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: وسألت أبى عن هذا ، فقال: أقول كما قال
جرير . وقال إبراهيم بن سعيد الجوهرى : حدثنا يحيى بن معين عن يحيى بن
سعيد القطان أنه كان لايحدث عن ليث بن أبى سليم . وقال عمرو بن على :
كان يحيى لا يحدث عن ليث بن أبى سليم . وقال أبو معمر القطيعى : كان ابن
عُبَيْنَة يضعف ليث بن أبى سليم . وقال على بن المدينى : قلت لسفيان : إن ليثاً
روى عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده أنه رأى النبى صلى الله عليه وعلى
آله وسلم يتوضأ ، فأنكر ذلك سفيان وعجب منه أن يكون جد طلحة لقى
النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم . وقال على بن محمد الطنافسى : سألت وكيعاً
عن حديث من حديث ليث بن أبى سليم ، فقال : ليث ليث ، كان سفيان لا
يسمى ليثاً ، وقال قبيصة : قال شعبة لليث بن أبى سليم : أين اجتمع لك عطاء
وطاوس ومجاهد ؟ فقال : إذ أبوك يضرب بالخف ليلة عرسه . فما زال شعبة
متقياً لليث مذ يومئذ . وقال أبو حاتم : أقول فى ليث كما قال جرير بن عبد
الحميد . وقال ابن أبى حاتم : سمعت أبى وأبا زرعة يقولان : ليث لا يشتغل به ،
وهو مضطرب الحديث . وقال أبو زرعة أيضا : ليث لا تقوم به الحجة عند أهل
العلم بالحديث . وقال مؤمل بن الفضل : قلنا لعيسى بن يونس : لم تسمع من
ليث به أبى سليم ؟ قال : قد رأيته وكان قد اختلط ، وكان يصعد المنارة ارتفاع
النهار فيؤذن . وقال ابن حبان : اختلط فى آخر عمره . هذا مجموع كلام أئمة
الحديث فى تخريجه ( كذا ، ولعل الصواب : تجزيحه ) . والحاصل أنه كان فى
صحة عقله كثير التخليط فى حديثه بحيث جرح بسبب ذلك ، ثم طرأ له بعد
ذلك الاختلاط فى عقله فازداد حاله سوءاً . وحكم المختلط الذى كان
قبل اختلاطه من الثقات الحفاظ المحتج بهم أن مارواه بعد اختلاطه يرد ، وكذا
ما شك فيه : هل رواه قبل الاختلاط أو بعده ، فإنه مردود . فإذا كان هذا
حكم من اختلط من الثقات الحفاظ الذين يحتج بهم ، فكيف بمن اختلط من
الضعفاء المجروحين الذين لا يحتج بهم قبل طروء الاختلاط عليهم ؟ . وقد جرت
- ٨٩ -

عادة الحفاظ إذا ترجموا أحداً ممن تكلم فيه أن يسردوا فى ترجمته كثيراً من
الأحاديث التى أنكرت عليه ، وإن كان له أحاديث سواها صالحة نبهوا على أن
ما عدا ما سردوه من أحاديثه صالح مقبول ، خصوصاً إذا كان الرجل ممن خرج
له فى أحد ((الصحيحين))، فإنهم يقولون : إن صاحب الصحيح لم يخرج من
حديثه إلا ما صح عنده من طريق غيره ، فلا يلزم من ذلك قبول كل ما رواه .
هكذا نصوا عليه . وهذا الرجل روى له مسلم مقروناً بأبى إسحاق الشيبانى ،
فالحجة فى رواية أبى إسحاق ، والحديث الذى خرجه صحيح من طريق أبى
إسحاق لا من طريق ليث بن أبى سليم. ولما ترجمه ابن عدى فى (( الكامل))
سرد أحاديثه التى أنكرت عليه ثم قال : له أحاديث صالحة غير ما ذكرت ، وكذا
صنع الحافظ الذهبى فى (( الميزان)) سرد له أكثر من عشرة أحاديث أنكرت عليه ،
منها هذا الحديث الذى نحن فيه - أعنى حديث : من قال أنا عالم فهو جاهل -
وحديث : من ولد له ثلاثة أولاد فلم يُسَمِّ أحدهم محمداً فقد جهل ، وقد أورده
ابن الجوزى فى (( الموضوعات)) وحديث : كان باليمن ماء يقال له : زعاق ، من
شرب منه مات . فلما بعث النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم وجه إليه : أيها
الماء أسلم ، فقد أسلم الناس . فكان بعد ذلك من شرب منه حُمَّ ولا يموت ،
فى أحاديث أخر ، على أن هذا الحديث الذى نحن فيه لم يجزم ليث برفعه لقوله
فيما تقدم : لا أعلمه إلا عن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهذه الصيغة
تقال عند الشك ... )) .
ثم مال رحمه الله إلى بطلان المتن لثبوت خلافه عن الصحابة والتابعين فمن
بعدهم ، وأورد إشكالاً على حكمه بالبطلان مع عدم اتهام ليث بكذب ، فأجاب
عنه بأحسن بيان . وسوف نورد تمام كلامه هذا إن شاء الله فى قسم آخر من
هذا الكتاب ، فقد جاء الحديث الذى أسس السيوطى الرسالة على بطلانه عن
كل من عمر بن الخطاب رضى الله عنه ، ويحيى بن أبى كثير رحمه الله ، ولم
يثبت عنهما . وأقول : هكذا فليكن التحقيق ، وقد أطال الحافظ السيوطى
رحمه الله النفس فى بيان حال ليث بما لم أره لغيره ، ويا ليته ثبت على هذا
- ٩٠ -

المنهج فى عامة كتاباته - لا فيما يمس جناب العلماء فَحسْب - إذاً لسد الباب
على الكثيرين ممن تعقبوه واستدركوا عليه ممن أتوا بعده ، كالحافظ المناوى فمن
بعده . ومع ذلك فلى مؤاخذة واحدة على التحقيق السابق ، أعنى حكايته اتفاق
العلماء على ضعف ليث ففيها نظر ، فقد قواه ابن معين فى رواية . قال أبو داود :
وسألت يحيى عن ليث ، فقال : لا بأس به . قال : وعامة شيوخه لا يعرفون .
وقال البرقانى : سألت الدارقطنى عنه ، فقال : صاحب سنة ، يُخَّجُ حديثه .
ثم قال : إنما أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاوس ومجاهد حسب ( وفى قصر
إنكارهم وعليه بهذا فقط، نظر بما تقدم) وقال ابن شاهين فى ((الثقات)): قال
عثمان بن أبى شيبة : ليث صدوق ولكن ليس بحجة . وهذه النقول فى
((التهذيب)) (٤٦٧/٨-٤٦٨). ثم وجدت للسيوطى فى ((اللآلىء))
(١٠١/١-١٠٢) كلاماً يعارض ما ههنا، ورده الألبانى فى ((الضعيفة))
(٤٣٦/١-٤٣٧) ورجح إجماعهم على تضعيفه ، وفيه نظر أيضا . نعم ، هذا
لا يفيد فى تقوية أمر ليث شيئاً ، فإن العمل على تضعيفه واطراح حديثه ، ولكن
كان ينبغى للحافظ السيوطى عفا الله عنه إيراد هذه الأقوال ودفعها بغيرها من
الطعون. أقول: وقول الحافظ الهيثمى رحمه الله فى مواضع من ((المجمع)) -
أوردنا أحدها فى الحديث الثالث - فى حق ليث: ((وهو ثقة مدلس » ممالا وجه
له بشطريه . أما التوثيق فكلا كما علمت . وأما الرمى بالتدليس فلم أرَ من سبق
الهيثمى إليه : نعم ، رماه ابن الجوزى رحمه الله بتدليس الشيوخ إذ كان يروى
عن أبى اليقظان عثمان بن عمير - وهو واه - فيقول: (( عثمان بن أبى حميد))
كما أوردته فى ((البدائل)) (١٦) نقلا عن كتاب ابن الجوزى: ((العلل المتناهية))،
ونازعنى أحد الكرام فى ذلك بأنه تخليط لا تدليس ! فالله أعلم . على إن إطلاق
التدليس - فى هذه الحالة - عليه لا يحسُن إذا روى عن شيوخه المعروفين وسماهم
كمجاهد وعطاء وطاوس وعمرو بن مرة وطلحة بن مصرف ونافع وعكرمة
ونحوهم . أما العلة الثالثة للحديث ( فقد خالفه ) الأعمش وأبان بن تغلب ، فرواه
كل منهما عن عمرو بن مرة عن أبى البخترى عن حذيفة موقوفا . بل هو نفسه
- ٩١ -

كان يضطرب فيه ، فقد رواه - مرة - موقوفا علی حذيفة كما يأتى لدى الكلام
على رواية أبان بن تغلب ، وأخرى موقوفا على سلمان الفارسى رضى الله عنهما .
أما رواية الأعمش ، فعند ابن أبى شيبة فى ((الإِيمان)) (٥٤) و ((المصنف))
(٣٦/١١) وعبد الله بن أحمد فى ((السنة)) (٨٢٠) وأبى نعيم (٢٧٦/١) وابن
بطة فى ((الإِبانة)) (٩١٥) من طرق عنه عن عمرو بن مرة به . ولفظه :
((القلوب أربعة : قلب مصفح ، فذلك قلب المنافق ، وقلب أغلق ( وعند غير
ابن أبى شيبة : أغلف ) ، فذاك قلب الكافر ، وقلب أجرد كأنه فيه سراج يزهر ،
فذاك قلب المؤمن ، وقلب فيه نفاق وإيمان ، فمثله مثل قرحة يمدها قيح ودم ،
ومثله مثل شجرة يسقيها ماء خبيث وطيب ، فأيما غلب عليها غلب )) . وهذا
أيضا إسناد ضعيف لانقطاعه ، ففى ترجمة أبى البخترى سعيد بن فيروز من
((التهذيب)) (٧٢/٤): ((روى عن أبيه وابن عباس وابن عمر ... وأرسل عن
عمر وعلى وحذيفة وسلمان وابن مسعود)). وقال العلائى فى ((الجامع)): ((كثير
الإِرسال عن عمر وعلى وابن مسعود وحذيفة وغيرهم رضى الله عنهم )). ولم
يتفطن العلامة الألباني حفظه الله للانقطاع المذكور، فقال فى ((تخريج الإِيمان)):
((حديث موقوف صحيح، وقد خالفه ( يعنى الأعمش ) ليث بن أبى سليم ،
فقال: ((عن عمرو بن مرة عن أبى البخترى عن أبى سعيد قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وعلى آله وسلم : فذكره ، وليث ضعيف ، لا سيما إذا خالف
الثقات)) اهـ .
( وأما ) رواية أبان بن تغلب - وهوثقة - فعلقها الخطابى رحمه الله فى
((غريب الحديث)) (٣٣١/٢) ووصلها الخطيب فى ((تلخيص المتشابه)) ( ص
٢٦٠) بسند صحيح إلى عبد الله بن إدريس ، عن ليث (! ) وأبان بن تغلب ،
عن عمرو بن مرة به، بنحو ما تقدم. وفيه: (( ... وقلب منكوس ، قال :
قلت : ما المنكوس ؟ قال : قلب المنافق ، عرف ثم أنكر ... )). وهذا وهم -
ولا بد - فقد نفى العلماء إدراك أبى البخترى لحذيفة أصلاً ، وأستبعد أن يكون
مدرجاً من قول بعض الرواة دون أبى البخترى فإنه خلاف الظاهر . ولعل
- ٩٢ -

الخطيب رحمه الله أحال على لفظ ليث لا أبان، وليث ليث! وفيه زيادة: ((قال
حذيفة : وكنا نحدث أن مثل ذاك مثل الرجل يعمل زماناً بعمل أهل الجنة ، ثم
يختم الله له بعمل أهل النار ، والرجل يعمل زماناً بعمل أهل النار ، ثم يختم الله
له بعمل أهل الجنة)). ولها شواهد فى ((الصحيحين)) وغيرهما . هذا ، وقد وهم
الشيخ السهروردى عفا الله عنه، فعزاه فى ((عوارف المعارف)) (ص ٢١٨)
إلى حذيفة مرفوعا ولم يُسنده .
(وأما ) موقوف سلمان، فقال ابن أبى حاتم فى ((تفسيره)) ( الفرقان:
١٢٤٩): ((وذكر أيضا حديث سلمان الفارسى رضى الله عنه: ((القلوب
أربعة: قلب أغلف، فذلك قلب الكافر. إلى آخره . وقد تقدم)). قلت : لم
استطع الاهتداء إليه فى مظانه التى بين يَدَئَى كالجزء الخاص بتفسير ((سورة البقرة )
وغيرها ، ولكن قال محققه: (( ضعيف جداً، لأن فى إسناده ليث بن أبى سليم ،
متروك)). كذا قال، وكأنه فهم ذلك من قول الحافظ رحمه الله فى ((التقريب))
(٥٦٨٥): ((صدوق اختلط(٣٠) جداً ولم يتميز حديثه فترك)). وقد بينت ما
فى فهمه هذا من النظر فى (( التبييض)) (١٨). ولا أبعد أن يكون ليث قد رواه -
ههنا - عن عمرو أيضا عن أبى البخترى عن سلمان ، فيكون منقطعاً أيضا .
( والحاصل ) أن الحديث لا يصح رفعه ولا وقفه ، وقد اضطرب فيه ليث
اضطرابا عجيباً ، فمرة يرفعه عن أبى سعيد ، ومرة يوقفه على حذيفة - وهو
الأصح على ضعفه - ومرة يوقفه على سلمان . والإِسناد منقطع فى كُلٍ ، وقد
تقدم عن ابن سعد رحمه الله تضعيف ما لم يصرح فيه أبو البخترى بالسماع من
الصحابة ، فكيف بمراسيله عنهم ؟ فالله المستعان ، وهو حسبى ونعم الوكيل .
(٣٠) انظر تعليق الشيخ محمد عوامة حفظه الله على هذه العبارة ، وقد جاء فى النسخة الأخرى
من ((التقريب)) (١٣٨/٢): ((صدوق اختلط أخيراً، .. )) الخ .
- ٩٣ -

الحديث العشرون
« الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها
وتمنى على الله )) .
ضعيف . رواه الإمام أحمد (١٢٤/٤) والترمذى (٥٤/٤) - وحَسَّنه - وابن
ماجه (٤٢٦٠) والطبرانى فى ((الكبير)) (٣٨٤/٧) والحاكم (٥٧/١-٢٥١/٤)
وأبو نعيم (٢٦٧/١) وغيرهم من طريق أبى بكر بن عبد الله بن أبى مريم الغسانى
عن ضمرة بن حبيب عن شداد بن أوس رضى الله عنه مرفوعا به وزاد الإِمام
النووى رحمه الله فى ((رياض الصالحين)) (٦٧) والإِمام السيوطى رحمه الله فى
((الجامع)) (٦٤٦٨) لفظة: ((الأمانى)) بعد قوله: ((وتمنى على الله)). وهى
مشهورة أيضا على الألسنة ، ولم أقف عليها مع كثرة وقوفى على الحديث فى کتب
أخرى سوى المتقدم ذكرها. ثم وجدتها فى (( أمالى الطوسى)) الرافضى (ص
٥٤١) أثناء حديث طويل موضوع ذكرناه أثناء الحديث الحادى عشر ، ووعدنا
بالتعرض له ، رواه من طريق أبى المفضل الشيبانى قال : حدثنا رجاء بن يحيى
ابن الحسين العبرانى الكاتب سنة أربع عشرة وثلاثمائة وفيها مات قال : حدثنا محمد
ابن الحسن بن شمون قال : حدثنى عبد الله بن عبد الرحمن الأصم عن الفضيل
ابن يسار عن وهب بن عبد الله بن أبى دبى الهنائى ( فى الأصل : ابن أبى داود
الهنابى ) قال : حدثنى أبو حرب بن أبى الأسود الدؤلى عن أبيه عن أبى الأسود
عن أبى ذر به بطوله ، وفيه: (( يا أبا ذر إن الكيس من دان نفسه وعمل لما
بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله عز وجل الأمانى )).
وفيه الآتى :
١ - أبو المفضل الشيبانى ، تقدم غير مرة أنه متهم بالوضع .
٢ - شيخه رجاء بن يحيى بن الحسين العبرانى، سماه الخطيب (٤١٣/٨):
((رجاء بن محمد بن يحيى العبرتائى الكاتب))، وذكر رواية المفضل وحده عنه ،
ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا. وذكره السمعانى فى ((الأنساب))
- ٩٤ -
F

(١٣٩/٤- ١٤٠)، فلم يزد على الخطيب شيئاً .
٣ - محمد بن الحسن بن شمون ، قال الشيخ عبد الرحمن الزرعى فى كتاب :
((رجال الشيعة فى الميزان)) (ص ١٢٠): ((قال هاشم معروف (الموضوعات
فى الآثار والأخبار ص ٢٣٥): (( هو من الغلاة المعروفين بالكذب ووضع
الحديث)).
٤ - عبد الله بن عبد الرحمن الأصم ، لم أقف عليه فيما لدى من مصادر، وأتوقع
أن يكون من غلاة الشيعة أيضا ، ولم تأتنى بعدُ المراجع الكافية لإثبات ذلك .
٥ - الفضيل بن يسار، قال الحافظ رحمه الله فى ((اللسان)) (٤٥٤/٤):
عن ابن نصر: (( ثنا أحمد بن منصور ثنا موسى بن إسماعيل قال : كان فضيل
ابن يسار رجل سوء . وقال محمد بن نصر : كان رافضياً كذاباً ليس ممن يحتج
به ولا يعتمد عليه »(٣١).
وعودة إلى حديث شداد بن أوس رضى الله عنه أقول : وقال الحاكم - فى
الموضع الأول -: (( هذا حديث صحيح على شرط البخارى ولم يخرجاه )) فتعقبه
الذهبى فى ((تلخيص المستدرك)) بقوله: ((قلت: لا والله أبو بكر واه )). أما
فى الموضع الثانى، فقال: ((هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)) فقال
الذهبى: ((صحيح)). وصنيعه - رحمه الله - ، فى الموضع الأول هو الصواب
الذى لا مرية فيه ، فإن ابن أبى مريم هذا ضعيف الحديث ، ضعفه الجمهور -
ووثقه ابن معين فى رواية شاذة عنه - ووهاه غير واحد . قال الإِمام أحمد : ليس
بشىء . وقال الدارقطنى - فى رواية - : متروك . وقال ابن حبان : كان من
خيار أهل الشام لكنه كان ردىء الحفظ ، يحدث بالشىء فَيَهِمُ ، فكثر ذلك منه
حتى استحق الترك ، ولخص الحافظ رحمه الله مجموع كلامهم فيه ، فقال فى
(٣١) وبعض الحديث فى ((كنز العمال)) (٦٩٨/٣-٦٩٩) معزواً للديلمى، وليس فى ((فردوس
الأخبار )) ، فالحمد لله الذى أظفرنى بإسناده . وهو يذكرنى بما عزاه الأفاكون للإمام أحمد
عن خالد بن الوليد من حديث طويل ملفق من أحاديث كثيرة فيها الثابت والواهى ،
فهذا كذلك بل هو أعجب .
- ٩٥ -

((التقريب)) (٧٩٧٤): ((ضعيف، وكان قد سرق بيته فاختلط)) . نعم،
للحديث - سوى الإِفك المتقدم - متابع قاصر وشاهد قاصر المتن ، وإسناد كل
منهما أيضا تالف غاية ، لا يُسمن ولا يغنى من جوع !
( أما ) المتابع، فقد قال أبو نعيم - عقب رواية ما تقدم -: (( ورواه ثور
بن يزيد وغالب عن مكحول عن ابن غنم عن شداد بن أوس عن النبى صلى
الله عليه وعلى آله وسلم ، مثله . حدثنا سليمان بن أحمد ثنا مكحول البيروتى
ثنا إبراهيم بن بكر بن عمرو ( كذا ، والصواب : ابن عمرو بن بكر ) قال :
سمعت أبى يحدث عن ثور وغالب بإسناده)) اهـ. ورواه الطبرانى ((شيخ أبى نعيم
فيه)) فى ((الصغير)) (٨٦٣) و ((الكبير)) (٢٨١/٧). وهذا إسناد واه جداً ،
كأنه موضوع على ثور وغالب وإبراهيم وأبيه قد أوضحت حالهما بما يغنى عن
الإعادة أثناء الحديث الخامس. وأما الشاهد، فرواه البيهقى فى ((الشعب))
(٧٥/٣/٣/ أ) من طريق محمد بن يونس الكديمى ثنا عون بن عمارة ثنا هشام
ابن حسان عن ثابت عن أنس بن مالك قال : جاءت بى أم سليم إلى النبى صلى
الله عليه وعلى آله وسلم ، فقالت : يا رسول الله خادمك أنس ، فادع له ، وهو
كَيِّس ، وهو عارى يا رسول الله ، فإن رأيت أن تكسوه ( فى المخطوطة بعدها
كلمة غير واضحة ، كأنها : إزاران أو : رداءان ) يستتر بهما ، فقال رسول الله
صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( الكيس من عمل لما بعد الموت ، والعارى العارى
من الدين ، اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ، اللهم اغفر للأنصار والمهاجرة )).
وقال البیهقی : (( عون بن عمارة ضعيف ، وله شاهد من حديث شداد بن أوس
فى بعض ألفاظه)). ثم رواه من طريق ابن المبارك رحمه الله عن ابن أبى مريم
به . وعون بن عمارة - الذى أعل البيهقى هذا الإِسناد به وحده - منكر
الحديث ، حكم ابن الجوزى والذهبى وابن القيم بوضع حديثه عن أبى قتادة
مرفوعا: ((الآيات بعد المائتين)) (٢٢) عند ابن ماجه (٤٠٥٧) وغيره . وكذلك
(٣٢) عزاه الشيخ الألباني حفظه الله فى ((الضعيفة)) (١٩٦٦) لابن ماجه والعقيلى فى
((الضعفاء)) والقطيعى فى ((جزء الألف دينار)) والحاكم، فقال: ((عن محمد: ( هو ابن
يونس بن موسى ) قال: ثنا عون بن عمارة العنبرى ... )) الح . فأوهم - عفا الله عنه - =
- ٩٦ -

غمزه به البخارى رحمه الله . لكن الراوى عنه - محمد بن يونس الكديمى -
أوهى منه ، فقد اطَّرحه الجمهور ، ورماه ابن عدى وابن حبان وغيرهما بوضع
الحديث . نعم ، وكان الإِمام أحمد حسن الرأى فيه ، ومال الخطيب أيضا إلى
تقويته ، فلا أدرى أينتحل البيهقى هذا المذهب - على بُعده - أم لا ؟
وممن سكت عنه أيضا الحافظ المناوى، فقال فى ((الفيض)) (٦٨/٥):
(( قال - أعنى البيهقى - : وعون ضعيف اهـ. وممن ضعفه أيضا أبو حاتم
وغيره )) اهـ . ومع ذلك فالمتن لا يشهد إلا لبعض حديث شداد - كما قدمنا وكما
يفهم من كلام البيهقى - وقد اكتفى الشيخ الألبانى بقول البيهقى ، ثم المناوى
عن الاطلاع على إسناده فى ((الشعب)) بنفسه، فقال فى ((ضعيف الجامع))
(١٦٧/٤): ((ضعيف))، وأحال على ((فيض القدير)). وما أبرىء نفسى -
على حقارتها -، فقد كنت استشهدت بكلام المناوى والألبانى فى ((مختصر
ضعيف رياض الصالحين)) (١)، ولم يخطر على بالى طرفة عين أن يسكت هؤلاء
الفحول عن الكديمى. ثم إن أصل هذا الحديث عن أنس ثابت فى (( الصحيح))
بدون هذا السياق المنكر .
والبديل الصحيح لحديث شداد ، هو ما ثبت من طرق عن عطاء بن أبى رباح
عن ابن عمر رضى الله عنهما أن رجلاً من الأنصار قال : يا رسول الله ، أى
المؤمنين أفضل؟ قال : أحسنهم خلقا . قال : فأى المؤمنين أكيس ؟ قال :
أكثرهم للموت ذكرا، وأحسنهم لما بعده استعداداً . أولئك الأكياس )) . وقد
وضعت فى تصحيح هذا الحديث جزءاً صغيراً كان أول محاولاتى الكتابية ،
وسميته: (( القسطاس فى تصحيح حديث الأكياس)) لما رأيت بعضهم يتهجم على
القول بضعفه اكتفاء بضعف إسناد ابن ماجه مع أن للمتن طرقا وشواهد كثيرة
= أن محمداً هذا (وهو الكديمى ) فى أسانيدهم جميعاً ، وليس الأمر كذلك ، فقد توبع عند
جميعهم إلا القطيعى ، فلم أطلع على إسناده . فلو كان عنده من طريق الكديمى ، فما
يحسن مثل هذا من الشيخ حفظه الله ، بل لعله لم يفطن لذلك . والطريف أنه أيضا
حفظه الله لم يعل الحديث بالكديمى ، فهل سقط شىء من الطابع أو الناسخ ؟ الله أعلم .
- ٩٧ -

فى مشاهير كتب الحديث، وله إسناد جيد عند البزار والطبرانى فى (( الأوسط))
والحاكم . وفى هذا المقام أهبتل الفرصة لأزيد ما توصلت إليه بشأن هذه الرسالة :
١ - أن الحديث فى ((السيرة)) لابن هشام (٢٠٤/٤ -٢٠٥) عن ابن إسحاق
قال: (( وحدثنى من لا أتهم عن عطاء بن أبى رباح قال : سمعت رجلاً من أهل
البصرة يسأل عبد الله بن عمر بن الخطاب عن إرسال العمامة من خلف الرجل
إذا اعتم ... )) الحديث بطوله. والظاهر أن شيخ ابن إسحاق هذا، هو: (( معاوية
بن عبد الرحمن )) الذى ذكر أبو نعيم روايته عن عطاء معلقة . وذكرت ذلك
فى ((القسطاس)) (ص ١، ٩، ١٩). ومعاوية قال أبو حاتم: ((ليس
بمعروف)) . ووثقه ابن حبان ، فهو صالح فى الشواهد على أقل تقدير .
٢ - ورواه الدولابى فى ((الكنى)) (١٣٤/٢) - مختصراً - من طريق صدقة
ابن عبد الله ( وهو السمين الدمشقى ) عن عمارة بن أبى يحيى عن عطاء به .
وهذا إسناد ضعيف ، صدقة ضعفه الجمهور ، ووهاه الإِمام أحمد وغيره .
وشيخه تعبت عليه وقلَّبت اسمه على وجوه ، فلم أتمكن من الاهتداء إليه .
٣ - ورواه الرويانى فى ((مسنده)) ( ق ٢٤٠ ب - ٢٤١ أ) - مطولاً
بدون القطعة الأخيرة - والبيهقى فى ((سننه)) (٣٦٣/٦) والخطيب فى ((الجامع))
(٨٩٤) - بالقطعة الأخيرة وحدها - ثلاثتهم من طريق ابن وهب عن عثمان بن
عطاء الخراسانى عن أبيه عن ابن عمر به . وإسناده واه ، عثمان ضعيف جداً ،
ورواية أبيه عن ابن عمر منقطعة .
٤ - أما موقفى من عبيد الله بن زحر - الذى راجعنى فيه أخى أبو إسحاق
الحوينى حفظه الله - غير مرة - فمتردد بين تحسين حديثه وتضعيفه ، وجزاه
الله خيراً إذ بين لى أن المقارنة التى أجريتها بين أحكام الترمذى والبغوى على جملة
من الأحاديث لا يتم الاستدلال بها ، لجواز أن تكون بسبب اختلاف نسخ ((جامع
الترمذى)» ، فيكون البغوى تبع الترمذى اعتماداً على نسخ أخرى سوى التى
بأيدينا ، وهذا كلام وجيه ودقيق .
والذى أقطع به الآن أن عبد الله بن زحر أصلح حالاً إذا روى عن أهل
- ٩٨ -

بلده مما رواه عن الأعمش والغرباء ، فقد وقفت له على عدة روايات له عن
الأعمش أخطأ فيها ، ذكر ابن عدى أحدها . ويعجبنى كثيراً قول الشيخ
الجديع - حفظه الله - فى كتاب (( أحاديث ذم الغناء والمعازف فى الميزان )) ( ص
٧٦)، (( وأما ابن زحر ، فأردأ أحواله أن يكون ضعيفاً يكتب حديثه )). فهو
متفق معى على دفع القول بوهائه أو اتهامه .
٥ - ثم وجدت قريباً حديث الأكياس ، قطعة من الحديث الطويل الباطل
الذى رواه الطوسى وكررنا ذكره غير مرة، وفيه: (( قلت : يا رسول الله ،
أى المؤمنين أكيس؟ قال: أكثرهم للموت ذكراً، وأحسنهم له استعداداً)).
( أما ) الراوية الموقوفة لهذا المتن ، فقد رُوِى بعضه بإسناد يشبه الطريقين
الأخيرين فى الوهاء ، عند ابن عساكر (٢٦٩/١١) من طريق أحمد بن مروان
الدينورى نا محمد بن عبد العزيز نا هدبة بن خالد عن جزم عن الحسن أن عثمان
ابن عفان خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (( أيها الناس اتقوا الله ،
فإن تقوى الله غُنم ، وإن أكيس الناس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ،
واكتسب من نور الله نوراً لظلمة القبور . وليخش عبدٌ أن يحشره الله أعمى وقد
كان بصيراً . وقد يكفى الحكيم جوامع الكلام ، والأصم ينادى من مكان بعيد .
واعلموا أن من كان الله معه لم يخف شيئاً ، ومن كان عليه فمن يرجو بعده ؟)).
إسناده - مع حلاوة ألفاظه - واه جداً ، بل يشبه أن يكون موضوعاً على ذى
النورين رضى الله عنه ففيه :
١ - أحمد بن مروان الدينورى ، رماه الدارقطنى بالوضع كما ذكرنا فى
((التبييض)) (٤٥) .
٢ - شيخه محمد بن عبد العزيز - وهو الدينورى أيضا- ساقط . قال الذهبى
فى ((الميزان)) (٦٢٩/٣): ((وهو منكر الحديث ضعيف ، ذكره ابن عدى وذكر
له مناكير عن موسى بن إسماعيل . ومعاذ بن أسد وطبقتهما ، وكان ليس بثقة
يأتى بيلايا. ومما له عن المنهال بن بحر ... ، حتى قال: ((ومن موضوعاته عن
قتادة عن أنس رضى الله عنه ( كذا فيه ، وقد سقط رجلان أو أكثر بين هذا
- ٩٩ -

الرجل وبين قتادة )°: كان نقش خاتم النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم : صدق
الله)). ومما زاده الحافظ فى ((اللسان)) (٢٦١/٥)، قول الحافظ الخليلى رحمه
الله فى ((تاريخ قزوين)): ((لم يكن بذاك القوى ، سمع من شيوخ العراق كأبى
نعيم والقعنبى، وقدم قزوين سنة نيف وستين ومائتين)). قال: ((وأورد له ابن
عدى أحاديث قال فى بعضها : باطل بهذا الإِسناد . ثم قال : وله غير ما ذكرت
من المناكير )).
٣ - الحسن البصرى رحمه الله ، وإن جاء فى روايات أخرى إدراكه لعثمان
رضى الله عنه وسماعه خطبته ، لكنه فى هذه لم يبين السماع ، فإنه مشهور
بالتدليس . وعلى كلٍ ، فيغلب على الظن أنه برىء من رواية هذا الأثر عن عثمان ،
ولعل تفرد الدينورى وشيخه به هو النكتة فى إقفارٍ مشاهير كتب الزهد والسير
منه، فما وجدته فى كتب الزهد المشهورة ولا ((الحلية)) ولا ((الطبقات)) ولا
((تاريخ الإسلام)) للذهبى - ترجمة عثمان - ولا ((خطب أبى عبيد))، مع أن
بعض هذه الكتب لا تتحاشى الأسانيد الواهية مع توفر دواعى وهمم هؤلاء الأئمة
على إيراد مثل هذا المتن الحسن ، فالله المستعان لا رب غيره .
٣
وهما ((عمرو بن مرزوق وشعبة)) - فقد ذكر الحافظ الخليلي فى ((الإِرشاد)) (ص
٦٢٦) الحديث عنه عن عمرو به .
- ١٠٠ -