Indexed OCR Text
Pages 61-80
حديثا لنعيم فى ذم القياس بالرأى - فقال : ليس له أصل . قلت : فنعيم ؟ قال(٢٢): ثقة قلت : كيف يحدث ثقة بباطل؟ قال: شبه له)) كما فى ((التهذيب)) (٤٦٠/١٠) . فلعل هذا أيضا مما شبه له ، فإن هذا المتن بهذا الإسناد طامة لا تحتمل ، والبلاء منحصر فى نعيم وشيخ الخطيب ، والعلم عند الله تعالى . وأما حديث أنس ، فوقفت له على طريقين : الأولى: عند المرهبی فی (( العلم )) من روایة یزید الرقاشی عنه، كما فى (( تخريج الإِحياء)) (٦٨) نقلاً عن التخريج الكبير للحافظ العراقى رحمه الله . ويزيد ضعيف ، ضعفه الجمهور وقال النسائى وأبو أحمد الحاكم : متروك الحديث ، ( انظر: ((أخذ الجُنَّةَ)) ص ٥٣ ). لكنه - على ضعفه - لا يحتمل هذا المتن ، بل لا ذنب له فيه ، فقد قال الشيخ ابن عرَّاق رحمه الله فى (( تنزيه الشريعة المرفوعة)) (٢٨٢/١): ((وفيه محمد بن تميم السعدى وهو آفته)). قلت : وهو وضَّاع مشهور ، فالبلاء منه . الثانية : عند الطوسى ( ص ٥٠١ ) من طريق أبى المفضل الشيبانى قال : وحدثنا محمد بن على بن شاذان بالكوفة قال : حدثنى أبو أنس كثير بن محمد الحزامى قال : حدثنا حسن بن حسين العربى قال : حدثنى يحيى بن يعلى عن أسباط بن نصر عن شيخ من أهل البصرة عن أنس به . وهذا إسناد قد هلهل بالمرة ، لم يسلم منه سوى أنس ، وفيه الآتى : ١ - أبو المفضل الشيبانى ، تقدم أنه متهم بسرقة الحديث والوضع للرافضة . ٢ - شيخه محمد بن على بن شاذان لم أهتد إليه . ٣ - أبو أنس كثير بن محمد الحزامى ترجمه الخطيب (٤٨٤/١٢) من رواية (٢٢) ووثقه غيره أيضا ، ورماه غير واحد بالوضع . وكلاهما إفراط وتفريط . والصواب ماقرره الحافظ الكبير ابن رجب الحنبلى رحمه الله عند حديث: (( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به من كتابه النافع: (( جامع العلوم والحكم ، حیث رجح ضعف نعيم ، وأعل الحديث بعلتين أخريين فى مبحث نفيس لا تجده عند غيره . وبه تعلم ما فى تصحيح الإمام النووى رحمه الله للحديث . - ٦١ - جماعة عنه ، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا . ٤ - حسن بن حسين العرنى رافضى واه . قال أبو حاتم : لم يكن بصدوق عندهم. وانظره فى ((اللسان ) (١٩٩/٢-٢٠٠). ٥ - يحيى بن يعلى - وهو الأسلمى القطوانى أبو زكرياء - كوفی شیعی ضعيف ، وهاه ابن معين . وهناك آخران كوفيان بهذا الاسم ، لكنهما ثقتان : أبو زكرياء المحاربى ، وأبو المحياة التيمى . ٦ - أسباط بن نصر وهو الهمدانى - مختلف فيه ، وقال الحافظ (٣٢١): ((صدوق كثير الخطأ، يغرب)). ٧ - شيخه البصرى مبهم لم يُسَمَّ . ولا يدرى من هو . وأما حديث على ، فرواه الطوسى ( ص ٥٠٠ ) وكذلك ( ٥٧٩-٥٨٠ ) من طريق أبى المفضل بسنده المسلسل بآل البيت عنه مرفوعا، وفى أوله: (( طلب العلم فريضة على كل مسلم ، فاطلبوا العلم فى مظانها ( كذا ) واقتبسوه من أهله ، فإن تعلمه الله خشية ( فى الأصل : حسنة ) ، وطلبه عبادة ... الحديث بطوله . وأبو المفضل تكرر الكلام عنه . والسند الذى ذكره فيه جماعة لم أهتد إليهم ، وحَسْبَه به ! ( وَرُوِى ) الحديث موقوفا على كلٍ من معاذ وعلى أيضا . أما أثر معاذ، فرواه ابن عبد البر وأبو نعيم فى ((الحلية)) (٢٣٨/١-٢٣٩) من طريق هاشم بن مخلد ( وفى (( الحلية )) - خطأ - هشام ) قال : سمعت أبا عصمة يحدث عن رجاء بن حيوة ( وعند أبى نعيم سمعته من أبى عصمة عن رجل سماه عن رجاء بن حيوة عن معاذ بن جبل به . وقال أبو طالب المكى فى الفصل الحادى والثلاثين من ((القوت)): ((وروينا فى فضل العلم بالله تعالى من رواية رجاء بن حيوة عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل قال : .. )) فذكره ، كما فى ((تخريج الإحياء))، وفيه: ((قال العراقى: قوله ( يعنى ابن عبد البر فى الحديث المرفوع ) : حسن ، أراد به الحسن اللغوى لا الحسن المصطلح عليه بين أهل الحديث ، فإن موسى بن محمد البلقاوى كذبه أبو زرعة وأبو حاتم ونسبه - ٦٢ - العقيلى وابن حبان إلى وضع الحديث ، وعبد الرحمن ( كذا ) بن زيد متروك وأبوه مختلف فيه ، والحسن لم يدرك معاذاً. وأبو عصمة المذكور فى الموقوف ضعيف أيضا ، كان يقال له : نوح الجامع . قال ابن حبان : جمع كل شىء إلا الصدق . ورجاء ابن حيوة أيضا لم يسمع من معاذ . وروى الموقوف : سليم الرازى فى ((الترغيب والترهيب)) من طريق آخر ، وفيه كنانة بن جبلة ضعيف جداً. قلت ( القائل : الزبيدى ) : ولكن صرح أبو طالب أن رجاء بن حيوة سمعه من عبد الرحمن بن غنم عن معاذ. هذا أشبه ( كذا) والله أعلم ... )) الح . قلت : ومن طريق كنانة بن جبلة أيضا رواه الطوسى عن أبى المفضل بسنده إليه عن عاصم بن رجاء بن حيوة عن أبيه عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ . أما أبو عصمة - فى الطريق الأولى - فليس ضعيفا فحسَبْ ، بل هو كذاب متهم بالوضع. قال البخارى: ((قال ابن المبارك لوكيع : عندنا شيخ يقال له : أبو عصمة ، كان يضع، كما يضع المعلى بن هلال )) . وقال أبو حاتم ومسلم والدارقطنى والدولابى والساجى: متروك الحديث . زاد الأخير : عنده أحاديث بواطيل . وذكر الحاكم أنه أقر بوضع حديث فى فضائل القرآن من أوله إلى آخره . وكنانة بن جبلة كذبه ابن معين ، فقال: (( کذاب خبیث )) . قال تلميذه عثمان ابن سعيد الدارمى: ((هو قريب مما قال يحيى، خبيث الحديث)). وقال الجوزجاني السعدى: ((ضعيف جداً)). أما أبو حاتم الرازى رحمه الله فكأنه لم يخبر أمره فقال: ((محله الصدق ، يكتب حديثه ، حسن الحديث )). (وأما ) أثر على، فرواه أبو طالب الحسنى فى ((أماليه)) كما فى (( تيسير المطالب)) (ص ١٤١) قال: ((أخبرنا أبو أحمد محمد بن على العبدكى ( فى الأصل : العبدى ، والصواب الأول كما تكرر كثيراً فى الكتاب ) ... فذكره بسنده المسلسل بآل البيت ، وفيه : قال أمير المؤمنين لأصحابه ، وهو بحضرته : تعلموا العلم ... )) الخ. والعبدكى، واسمه: ((محمد بن على بن عبدك - واسمه: عبد الكريم))، قال الإِمام برهان الدين الحلبى فى ((الكشف الحثيث)) - ٦٣ - (٧١٢): (( ... وكان إمام أهل التشيع فى زمانه ، ذكر له ابن الجوزى فى (( موضوعاته حديثاً فى فضل على عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن جبريل : يا محمد على خير البشر ، من أبى فقد كفر . قال ابن الجوزى : والمتهم به الجرجانى الشيعى)) وهو فى ((الموضوعات)) (٣٤٧/١-٣٤٨) من طريقه عن على بن موسى الفقيه القمى عن محمد بن شجاع الثلجى قال : حدثنا حفص بن عمر الكوفى عن أبى معاوية عن الأعمش عن أبى وائل عن ابن مسعود به )) وقال (٣٢٩/١): ((وأما . حديث ابن مسعود ، ففيه حفص بن عمر، وليس بشىء، ومحمد بن شجاع الثلجى، وقد سبق فى أول الكتاب أنه كذاب، والمتهم به الجرجانى الشيعى)) . وأورده السيوطى فى ((اللآلىء)) (٣٢٧/١-٣٢٨) وأقره ، فلم يتعقبه . وفى اتهام بن الجوزى له - بهذا الحديث خاصةً - نظر ، لوجود الثلجى وغيره فى الإسناد ، وإن كان اتهام ابن عبدك به أليق لمكانه من الإمامة فى الرفض . لكن اتهامه - عامةً - فى محله، فإن أبا طالب المذكور روى له بلايا فى (( أماليه )). وبالله التوفيق . وهو أعلى وأعلم . بـ - ٦٤ - الحديث الرابع عشر : (( تکفیر کل لحاء ركعتان)). ضعيف على الأقل. رواه تمام الرازى فى (( الفوائد)) (١/١٤١) من طريق يحيى بن أبى كثير، وابن الأعرابى فى ((معجمه)) (٢/١٧٨) من طريق أبى عاصم النبيل كلاهما عن الأوزاعى حدثنى عبد الواحد بن قيس عن أبى هريرة مرفوعا به . وقال الحافظ رحمه الله فى ترجمة: (( مخلد بن يزيد القرشى الحرانى من ((التهذيب)) (٧٧/١٠): ((قلت: وقال الساجى: كان يهم. وقدم أحمد مسكين بن بكير عليه . فمن أوهامه : حديثه عن الأوزاعى عن عبد الواحد بن قيس عن أبى هريرة رفعه قال : يكفر كل لحاء ركعتان . قال أبو داود : مخلد شيخ ، إنما رواه الناس مرسلا ... )). قلت : لم أقف عليه من طريق مخلد هذا إلا موقوفا من رواية الإِمام أحمد رحمه الله عنه كما يأتى . فإن كان المراد بالإِرسال - عند أبى داود - الوقف ، فقد أوقفه مخلد ولا أدرى من رفعه عنه وإن كان مراده الإرسال - على ظاهره - أى عن عبد الواحد بن قيس عن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم - بدون ذكر أبى هريرة - فهذا لم أقف عليه البتة ولا وجدت أحداً بيّنه . ومما يرجح الثانى، قول الحافظ الذهبى رحمه الله فى ((الميزان)) (٨٤/٤) : (( قال أبو حاتم : صدوق . وقد روى مخلد حديثاً فى الصلاة مرسلا فوصله . قال أبو داود : مخلد شيخ ، إنما رواه الناس مرسلاً . قال أحمد بن حنبل : حدثنا مخلد بن يزيد .. )) فذكره موقوفا . أقول : وإسناد الحديث من طريق يحيى بن أبى كثير عن الاوزاعى - مرفوعاً - - ٦٥ - واه جداً (٢٣) ، فيه أحمد بن محمد بن عمر بن يونس بن القاسم اليمامى ، كذبه أبو حاتم وابن صاعد وغيرهما . وقال الدارقطنى : ضعيف . وقال - مرة - : متروك . وقال عبيد الكشورى ( منسوب إلى قرية بصنعاء اليمن ) : هو كالواقدى فيكم . نعم ، تابعه - عند ابن الأعرابى - أبو عاصم الضحاك بن مخلد النبيل الشيبانى ، وهو ثقة حافظ ، لكن مدار الطريقين على عبد الواحد بن قيس الدمشقى ، وهو مختلف فيه اختلافاً كثيراً. وقال الحافظ (٤٢٤٨): ((صدوق له أوهام ومراسيل )). أما رواية مخلد - المرفوعة - عن الأوزاعى ، فقد بينت عدم وقوفى عليها . وقد أوقفها الإِمام أحمد . أما رواية عبد الواحد عن أبى هريرة ، فمنقطعة قطعاً . قال ابن أبى حاتم فى ((الجرح)) (٢٣/٦) عن أبيه: ((روى عن أبى هريرة مرسل)). وفى ((التهذيب)) (٤٣٩/٦): ((روى عن أبى أمامة ونافع و ... وأبى هريرة مرسل)). وقال صالح بن محمد البغدادى: ((روى عن أبى هريرة ولم يسمع منه. وأظنه مدنياً سكن الشام. وقال ابن حبان فى ((الثقات)) (١٢٣/٧): ((وهو الذى يروى عن أبى هريرة ولم يره ، ولا يعتبر بمقاطيعه ولا بمراسيله ولا برواية الضعفاء عنه)). ثم عاد فذكره فى ((المجروحين)) (١٥٣/٢-١٥٤). وقال الذهبى فى ((الميزان)) (٦٧٥/٢) - عقب حديث أورده العقيلى بسنده إلى الأوزاعى ، حدثنى عبد الواحد بن قيس سمعت أبا هريرة يقول :... فذكره. قال: ((قلت: هذا كذب على الأوزاعى ، فأساء العقيلى كونه ساق هذا فى ترجمة عبد الواحد ، وهو برىء منه ، وهو لم يلق أبا هريرة إنما روايته عنه مرسلة ، إنما أدرك عروة، ونافعاً ... )). قلت : وللمتن شاهد مرفوع عن أبى أمامة - لكن إسناده واه جداً - عند (٢٣) ولم ينبه - أو لم يتفطن - الشيخ الألباني حفظه الله لذلك، فأورد الإسناد إلى يحيى بن أبى كثير ، ولم يعله بهذا اليمامى ، فاغتر بذلك أحد إخواننا الكرام فرجح الطريقين المرفوعتين على رواية المصيصى الموقوفة - وتأتى - إذ لم يكن قد وقف على رواية مخلد بن يزيد الموقوفة . - ٦٦ - ٠ الطبرانى فى ((الكبير)) (١٧٥/٨) وابن عساكر (٦١٤/١٤) من طريق مسلمة ابن على الخشنى عن خالد بن دهقان عن كهيل بن حرملة عنه به . ومسلمة متهم ، تقدم الكلام عنه فى الحديث الرابع . وبه وحده أعل الحافظ الهيثمى الحديث فى ((المجمع)) (٢٥١/٢) والشيخ الألبانى فى ((الصحيحة)) (١٧٨٩). وكهيل بن حرملة أيضا فيه جهالة. فقد ترجمه البخارى فى (( التاريخ الكبير)) (٢٣٨/٧) وابن أبى حاتم (١٧٣/٧) وابن حبان فى ((الثقات)) (٣٤١/٥) بروايته عن أبى هريرة ، ورواية خالد سبلان - وحده - عنه . وأورد له ابن حبان حديثاً من طريق خالد بن دهقان قال : ثنا خالد سبلان عن كهيل عن أبى هريرة . وهذا مفاده أن رواية ابن دهقان عنه أيضا منقطعة ، إلا أن يثبت أن بينهما خالد سبلان - واسمه خالد بن عبد الله بن الفرج، ولُقِّب: ((سبلان )) لضخامة لحيته . وهو ثقة ، وثقه أبو سهر الغسانى وابن حبان . فهذه علل ثلاث لهذه الطريق . والحديث - من طريق أبى هريرة - أورده الشيخ الألباني حفظه الله فى ((الصحيحة)) جازماً بحُسنه - اعتماداً على قول الحافظ رحمه الله فى عبد الواحد ابن قيس: ((صدوق، له أوهام)) كما تقدم ، ولم يتفطن للانقطاع الظاهر الذى صرح به الأئمة المتقدم ذكرهم . أما تحقيق حال عبد الواحد بن قيس ، فلم أنشط إليه الآن اتكالاً على ضعف الحديث بالانقطاع ، والخلاف فيه شديد جداً بين موثق وتارك! ولذلك قلت - تحت حديث الترجمة -: ((ضعيف على الأقل )) . ( أما) الموقوف، فرواه الإمام أحمد فى ((العلل ومعرفة الرجال)) (١٨٨٦/٢)، فقال: ((حدثنا مخلد بن يزيد الحرانى قال: حدثنا الأوزاعى عن عبد الواحد بن قيس عن أبى هريرة ... )) فذكره . قال ابنه عبد الله: ((قال أبى: تفسيره : الرجل يلاحى الرجل يخاصمه يصلى ركعتين تكفيره . يعنى كفارته)) اهـ. ومخلد ثقة أو صدوق على أقل تقدير . وتابعه على إيقافه أيضا: محمد بن كثير المصيصى ، ومن طريقه ابن عساكر (٥٧٤/١٠) عن الأوزاعى - ٦٧ - عن عبد الواحد عن رجل عن أبى هريرة ، فأدخل رجلاً مبهماً بين عبد الواحد وأبى هريرة . والمصيصى - وإن قال الحافظ (٦٢٥١): ((صدوق كثير الغلط )) - إلا أن خشية غلطه فى هذه الرواية - خاصَّةً - مدفوعة بالمتابعة المتقدم ذكرها . وإدخاله رجلاً مبهما فى الإِسناد - وإن لم أره توبع عليه فى جميع ما تقدم - لكنه صحيح حكماً ، فإن هناك واسطة لا نعلمها بين عبد الواحد وأبى هريرة - ولا بد . والحاصل أن الحديث لا يثبت مرفوعا ولا موقوفا ، ولا جدوى من محاولة الترجيح لضعفه على كل حال . وتغنى عن معناه أحاديث أخرى ثابتة نحو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (( اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)) وقوله: ((إذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تمحها . قيل : يارسول الله ، أمن الحسنات : لا إله إلا الله ؟ قال : هى أفضل الحسنات )) . بل وجدتُ هذا المعنى فى كتاب الله عز وجل فى قوله : ويدرؤون بالحسنة السيئة . أولئك لهم عقبى الدار ) وقوله: ﴿ أقم الصلاة طرفى النهار وزلفا من الليل . إن الحسنات يذهبن السيئات . ذلك ذكرى للذاكرين﴾ . وهذه النصوص داخلة فى جملة ما استخرت الله عز وجل عليه فى التبييض النهائى للكتاب ، أُلهِمتُها الآن . فالحمد لله على توفيقه . وهو سبحانه أعلى وأعلم . - ٦٨ - الحديث الخامس عشر : ((جهد البلاء كثرة العيال مع قلة الشىء)). ضعيف على الأقل رواه الحاكم فى ((تاريخه)) عن ابن عمر رضى الله عنهما، وقال الشيخ الألبانى فى ((ضعيف الجامع)) (٨١/٣): ((ضعيف))، وأحال على ((الضعيفة)) (٢٥٩٢). ورواه أيضا الديلمى كما فى (( فردوس الأخبار)) (٢٤٠١)، وذكر محققاه عن الحافظ فى ((تسديد القوس)) قوله: ((أسنده عن ابن عمر، وفيه قصة)) اهـ. قلت: وهى أن ابن عمر قال: ((سمع النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم رجلاً يتعوذ بالله من جهد البلاء، فذكره)) كما قال الحافظ المناوى رحمه الله فى ((الفيض)) (٣٥٢/٣) - إذ عزاه السيوطى للحاكم - وقال عقبه: ((ورواه الديلمى أيضا كما ذكر)). وهذا الاقتصار منى على تضعيف الحديث إنما تبعت فيه صاحب (( ضعيف الجامع )) حفظه الله لتعذر نظرى بنفسى فى إسناده ، وإلا فاحتمال ضعفه الشديد عندى قائم ، فالله تعالى أعلم. وأسأله التيسير. وهذا الحديث ينبغى أن يكون محله فى (( البدائل المستحسنة)) لشدة اشتهاره بين المسلمين فى هذا العصر، بل وكثرة إلحاح الصحف ووسائل الإعلام الحكومية به على الناس ، لإقناعهم بالحد من نسلهم ، وبترك قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( تزوجوا الودود الولود ، فإنى مكاثر بكم الأمم )) فى نصوص كثيرة يُعلم من مجموعها بأن تكثير الذرية المسلمة من مقاصد الشريعة المقطوع بها !! لكنى لا أستحضر له الآن بديلاً صالحاً ، فيمكن إيراد بدائل تنقصه وتبطله إن شاء الله ! . نعم ، لبعض السلف كلمات مشهورة فى ذم صاحب العيال وأنه لا يفلح .... الخ ، لها محمل مخصوص لا ينبغى أن تتعداه وليس هذا مجالها . ( وقد ) روى الحديث موقوفا على ابن عمر أيضا بسند مظلم فيه جهالة وانقطاع. قال السهمى فى ((تاريخ جرجان)) (ص ١٤٠): ((حدثنا إبراهيم - ٦٩ - ابن عبد الله الشطى حدثنا أبو عبد الله أحمد بن محمد الحمادى حدثنا محمد بن القاسم حدثنا أبى حدثنا أبو عكرمة الضبى حدثنا الحسين بن يزيد حدثنا سعد ابن عامر عن إبراهيم النخعى قال: ((سئل ابن عمر : ما جهد البلاء ؟ قال : قلة المال ، وكثرة العيال)) . وفى هذا الإِسناد ما يأتى : ١ - إبراهيم بن عبد الله الشطى - شيخ السهمى - ترجمه ، فلم يورد فيه جرحا ولا تعديلا .. ٢ - وشيخه الحمادى، لم أهتد إليه .... ٣ - وأبو عكرمة الضبى احتمل المعلق على ((تاريخ جرجان)) أنه هو الذى ترجمه الدولابى فى ((الكنى)) (٣٦/٢) بروايته عن الحسن الجعفرى، ورواية الأصمعى عنه . وهذا احتمال وجيه ، فإنه من هذه الطبقة . ولم أجد لأبى عكرمة ترجمة أخرى تفصح عن حاله فى الحديث . ثم وجدت المعافى بن زكريا النهروانى روى فى ((الجليس)) (٢٦٩:٢٦٥/١) خبراً عن محمد بن القاسم (وهو أبو بكر الأنبارى ومنه استفدنا تعيينه ، وهو وأبوه صدَّقهما الخطيب ) عن أبيه عن أبى عكرمة هذا، فسماه: ((عامر بن عمران بن زياد)) . ووجدت أيضا الطوسى روى فى ((أماليه)) (ص ٥١٢-٥١٣ ) أثراً من طريق أبى بشر حيان بن بشر الأسدى قاضى المصيصة قال : حدثنى خالى أبو عكرمة عامر بن عمران الضبى الكوفى قال : حدثنا محمد بن المفضل الضبى عن أبيه ... )) فذكره . ففتشت عن: ((عامر بن عمران بن زياد)) فيما طالته يداى من كتب رجال الحديث وغيرهم ، فلم أظفر به أيضا . والحاصل من مجموع ما وقفت عليه من روايات أنه مستور ، والله أعلم . ٤ - والحسين بن يزيد ، ليس هو الطحان الأنصارى الكوفى المترجم فى ((التقريب)) (١٣٦١) وغيره، وهو لين الحديث، فإنه متأخر عن هذا. ولعل الصواب فى اسمه: ((الحسن بن يزيد)) - وهو الجعفرى - على ما فى (( الكنى والأسماء)). وقد يكون أيضا: ((الحسين بن يزيد)) المترجم فى ((اللسان)) (٣١٧/٢) وجهله ابن القطان . ويشبه أن يكون من رواة الشيعة . - ٧٠ - ١ ٥ - وسعد بن عامر لم أهتد إليه. وهناك: ((سعيد بن عامر )) وهو الضبعى البصرى وهو ثقة من التاسعة كما فى ((التقريب)) (٢٣٣٨). و((سعيد بن عامر)) آخر تابعى يروى عن ابن عمر وعنه ليث بن أبى سليم ، فكلاهما يخالف هذا فى الطبقة . ٦ - وإبراهيم النخعى هو الثقة الحافظ الإِمام المشهور ، لكن روايته عن ابن عمر والصحابة - فى جملتهم - منقطعة(٢٤). ولم أقف على الأثر موصولاً فى مكان آخر ، فالله أعلى وأعلم . استدراك : ووجدت الأثر عن ابن عمر عند ابن أبى الدنيا فى (( إصلاح المال)) (٤٦٣) من طريق إسماعيل بن عياش عن أبى الخصيب يسار بن عبد الله عن إياس بن معاوية عنه قال: (( جهد البلاء: كثرة العيال وقلة الشىء)). وشيخ إسماعيل لم أهتد إليه ، ويحتمل أن يكون: ((بشر بن عبد الله بن يسار)) وهو صدوق لكن لم أجد له رواية عن إياس ولا رأيت أحداً كنَّاه . وإياس ثقة مشهور بالعقل والحلم ، لكن روايته عن ابن عمر منقطعة . (٢٤) إلا أن مراسيله عن ابن مسعود - خاصةً - صحيحة جداً ، لأنه لا يرسل عنه إلا ما سمعه من غير واحد عنه. انظر ((التبييض)) (رقم ٩٢/١:٣١). والأثر الصحيح الذى أرسله عن ابن مسعود فى قصته مع حذيفة فى الاعتكاف كافٍ فى إعلال ونسف ما شاع هذه الأيام من الرواية المرفوعة لأثر حذيفة: (( لا اعتكاف إلا فى المساجد الثلاثة ... )). والتفرقة بين قول إبراهيم: ((أن حذيفة قال لابن مسعود)) وبين: (( أن ابن مسعود قال له حذيفة)) ظاهرية لا يحسن الآخذ بها . وحسبى هذا فى هذا المقام . - ٧١ - الحديث السادس عشر : ((حسنات الأبرار سيئات المقربين)). باطل لا أصل له . قاله الشيخ الألبانى أمتعنا الله بعمره فى ((الضعيفة)) (١٠٠). قال: ((وقد أورده الغزالى فى ((الإحياء)) (٤٤/٤) بلفظ: ((قال القائل الصادق: حسنات الأبرار .. )) قال السبكى (١٤٥/٤-١٧١): ((يُنظر إن كان حديثاً، فإن المصنف قال : قال القائل الصادق ، فينظر من أراد )). قلت : الظاهر أن الغزالى لم يذكره حديثا، ولذلك لم يخرجه الحافظ العراقى فى ((تخريج أحاديث الإِحياء )) وإنما أشار الغزالى إلى أنه من قول أبى سعيد الخراز الصوفى ، وقد أخرجه عنه ابن الجوزى فى ((صفوة الصفوة)) (١/١٣٠/٢) وكذا ابن عساكر فى ترجمته كما فى (( الكشف)) (٣٥٧/١) قال: (( وعده بعضهم حديثا وليس كذلك)). قلت : وممن عده حديثا ، الشيخ أبو الفضل محمد بن محمد الشافعى فإنه قال فى كتابه ((الظل المورود)) (ق ١/١٢): ((فقد روى أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : ... )) فذكره . ولا يشفع له أنه صدَّره بصيغة التمريض - إن كانت مقصودة منه - لأن ذلك إنما يفيد فيما كان له أصل ولو ضعيف ، وأما فيما لا أصل له - كهذا - فلا . قلت : ثم إن معنى هذا القول غير صحيح عندى ، لأن الحسنة لا يمكن أن تصير سيئة أبداً مهما كانت منزلة من أتى بها ، وإنما تختلف الأعمال باختلاف مرتبة الآتين بها إذا كانت من الأمور الجائزة التى لا توصف بحسن أو قبح ، مثل الكذبات الثلاث التى أتى بها إبراهيم عليه السلام ، فإنها جائزة لأنها كانت فى سبيل الإصلاح ، ومع ذلك فقد اعتبرها إبراهيم عليه السلام سيئة ، واعتذر بسببها عن أن يكون أهلاً لأن يشفع فى الناس صلى الله عليه وسلم وعلى نبينا وسائر إخوانهما أجمعين . وأما اعتبار الحسنة التى هى قربة إلى الله تعالى سيئة بالنظر إلى أن الذى صدرت منه من المقربين ، فمما ، لايكاد يعقل)) اهـ. قلت : وهذا كلام نفيس جدا ، ولكن ليت الشيخ حفظه * - ٧٢ - الله تحقق من مدى صحة نسبته إلى أبى سعيد الخراز - رحمه الله - واسمه: ((أحمد ابن عيسى البغدادى)) ، فسيأتى تحقيق أنه كذبٌ عليه أيضا . وما كان الشيخ ليعجزه أن يعلم أن أبا سعيد هذا بغدادى ، وبالتالى يرجع إلى ترجمته فى ((تاريخ بغداد))، وكذلك ((تاريخ دمشق)) كما دله عليه الشيخ العجلونى رحمه الله فيما تقدم من عزوه لابن عساكر . أما أنا فلم أكن لأفعل(٢٥) ذلك لولا أنه قد لفت نظرى أثناء تقليب المجلد الأول من ((كشف الخفاء)) قول العجلونى (١١٣٧) تحته: ((هو من كلام أبى سعيد الخراز كما رواه ابن عساكر فى ترجمته ، وهو من كبار الصوفية مات فى سنة مائتين وثمانين. وعده بعضهم حديثاً وليس كذلك ... )). قلت : وتمام كلامه - الذى لم يسقه الشيخ -: (( وقال النجم : رواه ابن عساكر أيضا عن أبى سعيد الخراز من قوله ، وحكى عن ذى النون انتهى . وعزاه الزركشى فى لقطته للجنيد ... )) الخ. قلت: علقه ابن الجوزى فى ((صفة الصفوة)) (٤٣٧/٢) فقال: ((وعن على بن حفص الرازى قال : سمعت أبا سعيد الخراز يقول : ذنوب المقربين حسنات الأبرار)). ووصله الخطيب (٢٧٧/٤) - وعنه .... ابن عساكر (٦٥/٢) -، فقال: (( أخبرنا الحسن بن الحسين النعالى أخبرنا أحمد ابن نصر الذارع قال : سمعت أبا محمد الحسن بن ياسين يقول : سمعت على بن حفص الرازى يقول : ... فذكره . وهذا إسناد هالك غاية ! وفيه : ١ - الحسن بن الحسين المعروف بابن دوما النعالى - شيخ الخطيب - مترجم فى ((تاريخه)) (٣٠٠/٧-٣٠١) وفيه: ((كتبنا عنه وكان كثير السماع إلا أنه أفسد أمره بأن ألحق لنفسه السماع فى أشياء لم تكن سماعه ... )) حتى قال : (( ذكرت لمحمد بن على الصورى خبراً من حديث الشافعى كان حدثنا به ابن دوما . فقال الصورى : لما دخلت بغداد رأيت هذا الجزء وفيه سماع ابن دوما الأكبر ، وليس فيه سماع أبى على ( يعنى شيخ الخطيب هذا )، ثم سمَّع فيه (٢٥) بل ظللت حتى تلك اللحظة معتقداً حقاً أنه من كلام أبى سعيد الخراز الثابت عنه حتى دعانى الفضول إلى معرفة إسناده إليه من ((تاريخ دمشق))! - ٧٣ - أبو على لنفسه، وألحق اسمه مع اسم أخيه ... )). وأقره الحافظ فى ((اللسان)) (٢٠١/٢) . ٢ - وشيخه أحمد بن نصر الذارع، قال الخطيب (١٨٤/٥): ((نزل النهروان وحدَّث بها عن الحارث بن أبى أسامة ، وإسماعيل بن إسحاق القاضى ، و .... ، .... ، وجماعة غير هؤلاء ممن لا يُعْرف . وفى حديثه نكرة تدل على أنه ليس بثقة. حدثنا عنه .... و .... ، وأبو على بن دوما النعالى ... )). وقال الذهبى فى ((الميزان)) (١٦١/١-١٦٢): ((بغدادى مشهور. روى عن الحارث. ابن أبى أسامة وطبقته ، فأتى بمناكير تدل على أنه ليس بثقة . قال الدار قطنى : دجّال، يكنى أبا بكر، فمن أباطيله .... )) فذكر إسناداً مسلسلاً بآل البيت إلى على قال: (( خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فصاحت نخلة بأخرى: هذا النبى المصطفى، وعلّى المرتضى .... )) وفيه: ((فقال: يا على ! إنما سمى نخل المدينة صوحانياً، لأنه صاح بفضلى وفضلك)) ( !!! ) ثم قال : ((أنبئت عن ابن كليب ... )) فذكر إسناداً إلى ابن عباس، قال: (( لما قتل علّ عمرو بن عبد ودّ ، هبط جبرائيل بأترجة من الجنة ، فقال للنبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم : إن الله يقول لك : حتى بهذه علياً ، فدفعها إليه فانفلقت فى يده ، فإذا فيها حريرة بيضاء مكتوب فيها بصفرة : تحية من الطالب الغالب إلى على بن أبى طالب)) قال: ((فهذا من إفك الذارع)) اهـ. وأقره الحافظ فى ((اللسان)) (٣١٧/١-٣١٨). قلت: فهل يصدق هذا الدجال الأفاك على أبى سعيد الخراز ، وقد افترى الكذب على النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعلى ( ابن عباس ) ، بل على رب العالمين ورسوله الأمين ؟ ! ! ٣ - وشيخه الحسن بن ياسين لم أقف له على أثر ، فلعله من شيوخه المجاهيل الذين أشار إليهم الخطيب . ٤ - وشيخه على بن حفص الرازى لم أقف له على ترجمة مستقلة ، ولكن ذكره الحافظ الذهبى رحمه الله فى جملة الراوة عن أبى سعيد فى (( سير أعلام النبلاء )) (٤٢٠/١٣) . - ٧٤ - أقول : ولعل تفرد ابن دوما - غير الموثوق به - عن هذا الذارع الدجال بهذا الأثر، هو السر فى عدم إيراد أبى نعيم له فى ((الحلية )) مع أنه جمع فيها كل غث وثمين ، وكذلك لم يورده السلمى فى ((طبقات الصوفية)) ولا القشيرى فى ((الرسالة)). أما قول النجم الغزى: ((وحكى عن ذى النون))، وقول الزركشى إنه من كلام الجنيد ، فقد كلفنى بعض العنت من حيث لم أكن أحتسب، ففتشت فى ترجمة كل منهما من ((الحلية)) و((تاريخ بغداد)) و((تاريخ دمشق)) - ولم أجد ترجمة للجنيد فى نسخة الظاهرية - و ((الطبقات)) و ((الرسالة)) فلم أجد فيها كلها هذا الكلام ولا قريباً منه . فإذا كان هذا هو حال السند الذى يجزم العامة وقبلهم الخاصَّة بنسبته إلى أبى سعيد الخراز ، - وهو منه برىء بل ما هكذا لفظه أيضا ! - فكيف بغيره ؟ والله المستعان . - ٧٥ - الحديث السابع عشر : ((الدنيا دار من لا دار له ، [ ومال من لا مال له ]، ولها يجمع من لا عقل له )). منكر. رواه الإِمام أحمد (٧١/٦) - بدون الفقرة الوسطى - ، قال الشيخ الألباني حفظه الله فى ((الضعيفة)) (١٩٣٣): ((من طريق دُوَيْد عن أبى إسحاق عن عروة ( وفى الأصل : زرعة ) عن عائشة مرفوعا . وقال ابن قدامة فى ((المنتخب)) (٢/١/١٠): ((هذا حديث منكر) (٢٦). قلت: وأبو إسحاق الظاهر أنه السبيعى ، وهو مدلس مختلط . ودويد ، وهو ابن نافع . قال الحافظ : ((مقبول)). كذا قال ، وفيه نظر ، فقد روى عنه جمع ، منهم الليث بن سعد ، ووثقه الذهلى وغيره ، وقال ابن حبان: ((مستقيم الحديث)). وكذا قال الذهبى . وقد تابعه أبو سليمان النصيبى عند ابن أبى الدنيا فى (( ذم الدنيا )) ( ق ٢/٢٩)، فالعلة السبيعى. ولذلك فإنه لم يُصب من جوَّد إسناده كالمنذرى فى ((الترغيب)) ١٠٤/٤)، والعراقى فى ((التخريج)) (٢٠٢/٣)، وتبعهم المناوى والزرقانى، وقلدهم الغمارى كعادته فى ((كنزه)) (١٧٩٩)، وكأنهم لم يقفوا على شهادة إمام السنة بنكارته ، كما تقدم . وقد أحسن صنعاً الحافظ السخاوى فى ((المقاصد)) فى اقتصاره على قوله (٤٩٤/٢١٧): ((ورجاله ثقات)). وسبقه إلى ذلك الهيثمى فى ((مجمع الزوائد)) (٢٨٨/١٠)، فلم يصححاه ، خلافا لفهم الزرقانى فى ((مختصر المقاصد)) (٤٦٤/١٠٨): ((صحيح)). ومثل هذا الفهم لكلمة: ((رجاله ثقات)) خطأ شائع مع الأسف كما نبهنا عليه فى غير ما موضع . هذا، والحديث رواه الإمام أحمد فى ((الزهد)) ( ص ١٦١ ) عن مالك بن مغول قال : قال عبد الله : فذكره موقوفا على عبد الله ، وهو ابن مسعود . (٢٦) كذا فى ((الضعيفة)) فلا أدرى أسقط منها قوله: ((قال الإِمام أحمد)) أم هو قول ابن قدامة نفسه ، فإن الشيخ سيذكر كلاما الأولى حمله على الإمام أحمد رحمه الله ، نورده بعد هذا بأسطر . - ٧٦ - ورجاله ثقات أيضا ، ولكنه منقطع ، مالك هذا تابع تابعى ، روى عن السبيعى ونحوه. والحديث عزاه السيوطى لأحمد والبيهقى فى (( الشعب)) عن عائشة. والبيهقى فيه عن ابن مسعود موقوفا . فمن أخطاء المناوى قوله عقبه فى ((التيسير)): ((بأسانيد صحيحة)) اهـ. قلت: وكلام الشيخ- أمتعنا الله بعلمه وعمره- يتضمن تعقباً جيداً لمن قَوَّوا هذا الحديث المنكر - على أمور متعددة لاح لى خلافها - لولاها لوددت أن أسلم بكل حرف أفادناه الشيخ جزاه الله خيراً . الأول: قوله: ((دويد، وهو ابن نافع ... )). قلت : لم يتبين لى ذلك، فإنه ورد فى ((المسند)) هكذا: ((عن ذويد)) بالمعجمة. وابن نافع يروى عن عروة رأساً ( على قول الشيخ إنه عروة لا زرعة)، ويروى عنه الليث بن سعد وإسماعيل ابن رافع المدنى ونظراؤهما من المتقدمين . أما هذا فيروى عنه حسين بن محمد المرؤُّذى - شيخ الإِمام أحمد - ، وهو متأخر عن ابن نافع ، فإنه من التاسعة ( ت ٢١٣ أو بعدها ) . وابن نافع من السادسة ؛ ولم أجد أحداً نص على روايته عن أبى إسحاق السبيعى أيضا . وبعد تقرير هذا ، فاجئنى قول الأمير ابن ماكولا رحمه الله فى ((الإكمال)) (٣٨٦/٤): (( ... ودوید بن سليمان حدث عن سلم ابن بشير بن حجل وعثمان بن عطاء ، روى عنه حسين بن محمد المروذی . ودوید ابن نافع ، مصرى ، مولى سعيد بن عبد الملك بن مروان ، يكنى أبا عيسى ، روى عنه جماعة من أهل مصر ... )) حتى قال (٣٨٧/٤): (( ... ودويد لم يُنْسب ، يروى عن أبى إسحاق عن زرعة عن عائشة : الدنيا دار من لا دار له، وله أحاديث فى الزهد)) اهـ. دلنى على كلامه محقق ((المؤتلف)) (ص ١٠٠٨) جزاه الله خيراً، فإن الدارقطنى رحمه الله قال: ((ودويد بن نافع ، يروى عن الزهرى ، وضبارة بن عبد الله بن أبى السليك ، روى عنه بقية بن الوليد . ودويد لم ينسب ، يروى عن أبى إسحاق ، عن زرعة ، عن عائشة: ((الدنيا دار من لا دار له ، ولها يجمع من لا عقل له )) . وله أحاديث نحو هذا فى الزهد )) اهـ . فتحقق ما قد مِلتُ إليه ، فالحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات . الثانى: قوله: ((أبو إسحاق الظاهر أنه السبيعى ... )). قلت : نعم، هو - ٧٧ - المتبادر - غالباً - عند الإطلاق ، لولا أننى لم أجد له رواية عن عروة ( على تصويب الشيخ، وستأتى الإجابة عنه) ولا رواية لأحد يدعى: ((دويداً)) عنه . نعم ، وما ذكره ابن ماكولا والدار قطنى ليس فيه تصريح بأن أبا إسحاق - شيخ دويد - هو السبيعى ، بل الظاهر أن كلاً منهما حكى السند كما وقع له . نعم ، عروة بن الجعد البارقى رضى الله عنه صحابى يروى عنه أبو إسحاق ، لكنى لم أجد له رواية عن عائشة. على أن فى كون الراوى عنها اسمه: ((عروة )) نظر ، يأتى قريبا . الثالث: قوله: ((وقد تابعه أبو سليمان النصيبى عند ابن أبى الدنيا ... )). قلت: قال ابن أبى الدنيا فى (( ذم الدنيا)) ( ١٨٢ ط. دار القرآن): ((حدثنى محمد بن العباس بن محمد نا الحسين بن محمد نا أبو سليمان النصيبى عن أبى إسحاق عن زرعة عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( الدنيا دار من لا دار له ، ومال من لا مال له ، ولها يجمع من لا عقل له)). وعنه رواه البيهقى فى (الشعب)) ٨١/٣/٣ ب - ٨٢ أ). ولم يبين لنا الشيخ حفظه الله من أبو سليمان النصيبى هذا، وكدت آيس منه حتى وجدت - قدراً - أثناء تقليب المجلد الثالث من (( الجرح والتعديل )) ٤٢٧/٣): ((داود بن هلال النصيبى أبو سليمان روى عن المسعودى ومالك ابن مغول وبكر بن خنيس وأسد بن عمرو . روى عنه زهير بن عباد الرؤاسی » . ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا ، فوقع فى قلبى أنه هو هو دويد المذكور - فيكون اسمه مُصَغَّراً رواه حسين المروّذى مرة فكناه ونسبه ، فحفظه عنه محمد ابن العباس - شيخ ابن أبى الدنيا - ورواه مرة أخرى فصغَّره ولم ينسبه أو يُكنّه . أما دويد بن سليمان الذى أفرده ابن ماكولا ، يحتمل أن يكون هو هو أيضا - بقرينة أنه ذكر رواية المروذى وحده عنه - فيكون ابن ماكولا سمى أباه : ((سليمان)) خلافا لابن أبى حاتم، أو الصواب: ((داود أبو سليمان)). وهذا الأخير مجرد احتمال ، والعلم عند الله تعالى . الرابع: قوله: ((عن عروة (وفى الأصل: زرعة) ... )). قلت : لماذا لم يبقه - ٧٨ - الشیخ عفا الله عنه على ما فى الأصل ، لا سيما وهو كذلك عند ابن أبى الدنيا والبيهقى ، بل وفى كلام ابن ماكولا والدارقطنى ؟ هذا ، وقد ذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله الحديث فى (( تفسيره)) أربع مرات - معزواً للإمام أحمد - وساق إسناده فى موضعين منهما : الأول: فى (٣٣/٣)، وفيه: ((عن زرعة عن عائشة)). والثانى: فى (٥٠١/٤)، فقال: ((عن عروة عن عائشة)). فلا أدرى ما سبب هذا التردد ، ولماذا صوب الشيخ زرعة إلى عروة ، ومن زرعة الذی یروی عن أم المؤمنين رضى الله عنها ؟ الله أعلم . الخامس: قوله - فى أثر ابن مسعود -: (( ولكنه منقطع ، مالك هذا تابع تابعى روى عن السبيعى ونحوه ... )). قلت : طالعت جميع شيوخه الذين أوردهم له الحافظ المزى رحمه الله فى ((تهذيب الكمال)) ( ق ١٣٠٠ )، فلم أجد أحداً منهم يمكنه إدراك ابن مسعود أصلاً ، إلا أن يكون عبد الله بن بريدة ، لو صح سماعه من ابن مسعود . ولذلك فالأشبه أن هذا الإِسناد معضل . ثم وقفت له من قريب على طريق أخرى ، فقد رواه أبو عبد الله اليزيدى فى (( أماليه )) ( ص ٩١) فقال: (( حدثنا أبو حرب حدثنا أبو داود الطيالسى قال : حدثنا هشام الدستوائى عن قتادة قال : قال عبد الله بن مسعود : ... فذكره . وهذا إسناد لا يثبت أيضا ، أبو حرب اسمه محمد بن خالد المهلبى ، فكنت أظنه: ((محمد بن خالد بن خداش المهلبى))، وهو صدوق يغرب كما قال الحافظ (٥٨٤٣) لكن تبين لى أنه غيره، فإن كنية ابن خداش: (( أبو بكر)) ولم أجد له رواية عن شيوخ هذا من خلال ما أورده له اليزيدى من آثار فى (( الأمالى)) ثم إنى تعبت عليه جداً فلم أقف له على ترجمة . فإن كان حفظه بهذا الإِسناد ، فإنه أيضا معضل - فى الغالب - بين قتادة وابن مسعود ، والأشهر طريق مالك ابن مغول عن عبد الله. ومن طريقه رواه ابن أبى الدنيا (١٦): ((حدثنى سريج ابن يونس نا عَنْبَسَة بن عبد الواحد عنه به. وعنه البيهقى فى ((الشعب)). - ٧٩ - ثم وجدت الحديث بعد ذلك موقوفا على كل من أبى الدرداء وعمر بن عبد العزيز . بإسنادين تالفين . ((( أما ) أثر أبى الدرداء، فرواه ابن عساكر (٧٧١/١٣) من طريق عبد الملك ابن عمير عن رجاء بن حيوة عنه به . وإسناده تالف ، فيه سهل بن على الدورى ، قال الخطيب (١١٩/٩): ((وزعم أبو مزاحم الخاقانى أنه كان يرمى بالكذب)). وقال الذهبى فى ((المغنى)) (٢٨٨/١): ((متهم بالكذب)). قلت : والثابت بهذا الإسناد من طرق عن عبد الملك به إلى أبى الدرداء قوله: (( إنما العلم بالتعلم ، وإنما الحلم بالتحلم ... )). وهو منقطع أيضا بين رجاء وبينه كما أومأت فى مقدمة ((التبييض)) (٤/١) ولعلى أتعرض له مرة ثانية إن شاء الله فى ((التبييض)) أو ((العلل)) أو كليهما، فالله المستعان. ( وأما ) أثر عمر بن عبد العزيز ، فرواه ابن أبى الدنيا (١١٢) من طريق زكريا ابن منظور عن عمه عنه أنه كتب إلى أخٍ له .. الأثر، وفيه: ((فإن الدنيا دار من لا دار له ، ومال من لا مال له )) . وزكريا ضعيف أو واه ، قواه ابن معين فى بعض الروايات عنه . وعمه لم أهتد إليه ، وشيخ ابن أبى الدنيا : أبو سعيد المدينى هو عبد الله بن شبيب الربعى وهو أخبارى علامة لكنه واهٍ كما قال الذهبى فى ((الميزان)) (٤٣٨/٢) وجاء محرفاً فى الكتاب: ((حدثنى أبو سعيد المدينى عبد الله بن المسيب)) !! وشيخه محمد بن عمر بن سعيد العطار لم أهتد إليه ، فالسند مهلهل لم يسلم منه سوى خامس الراشدين رحمه الله ! ( ملحوظة هامة): ومما يؤخذ على الإمامين ابن كثير والسيوطى فى (( الدر)) (٣٤١/٦) عفا الله عنهما - وغيرهما كثير - أنهم عزوا الحديث بتمامه إلى الإِمام أحمد مع أن الفقرة الوسطى - ((ومال من لا مال له )) - ليست عنده ، بل عند ابن أبى الدنيا والبيهقى . والأدهى والأمر أن الشيخ أبا حامد الغزالى عفى الله عنه زاد فى ((الإحياء)) (٢٠٣/٣) فى متن الحديث: ((وعليها يعادى من لا علم له، وعليها يحسد من لا فقه له ، ولها يسعى من لا يقين له)). وبين الحافظ العراقى - ٨٠ -