Indexed OCR Text

Pages 1-20

كبير النفـ
٧
و
،
بمَالم بشرٌ
ولا رفع
وقف
كتبه
محمّد عَزِد عَبد اللَّطِيفُ
القِسْم الأول
من ١ : ٢٥
الناشر
مَكْتَبَة النوعيّةُ الأَسْلامِيَّةُ
لاحيَاءُ التراث الاسْلامى
ت : ٨٦٠٤٤٤

حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤١٠ هـ - ١٩٨٩ م
الناشر
مكتبة التوعية الإسلامية
لإحياء التراث الإسلامى
ناصية شارع محمد عبد الهادى
الجوهرة - الطالبية - جيزة
ت ٨٦٠٤٤٤

مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن
سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له . وأشهد
أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله
عليه وعلى آله وسلم .
﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتُنَّ إلا وأنتم مسلمون ﴾.
{ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها
وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً . واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام . إن
الله كان عليكم رقيبا ﴾ .
﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا . يصلح لكم أعمالكم
ويغفر لكم ذنوبكم . ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً ﴾ .
أما بعد ، فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى ، وأحسن الهدى هدى محمد
صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل
بدعة ضلالة ، وكل ضلالة فى النار .
فإنى أثناء البحث عن مادة جديدة للأقسام التالية من كتابى: (( تبييض
الصحيفة))، والتقليب فى ((حلية الأولياء)) للحافظ أبي نعيم رحمه الله ، وفى كتب
أخرى ، كنت أجد روايات موقوفة لكثير من الأحاديث التى أعلم عدم صحتها
عن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فأُسَّ بذلك، وأقيد مواضعها عندى ،
ولكن عند مراجعة أسانيد بعضها يتبين لى عدم ثبوت وقفها أيضا ، فتفسَدُ عَلَى
وأغتمّ ! ويشاء الرحمن الرحيم تعالى أن ينجينى من الغم ، ويهدينى إلى التفكير
فى عمل آخر يكون صنواً لـ: ((التبييض))، مع افتراقه عنه فى التعريف
بالأحاديث التى لا صحة لها ، لا عن نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ولا
عمن رويت عنه موقوفةً عليه من الصحابة والتابعين فمن بعدهم .
- ٣ -

فشرعت فى هذا الأمر - مستعيناً بالله - حتى تجمع لى قدر من الأحاديث ،
فيها المشهور وغيره ، يمكن انتخاب خمسين منها لإِخراجه فى القسم الأول من
الكتاب . ثم تراجعت عن هذا القَدْر كله خوفاً وطمعاً وإشفاقاً ، خوفاً من مغبة
التسرع بتضعيف آثار تتبين صحتها بعد ذلك ، وفى ذلك حَرجٌ لا يخفى ، فإنه :
((من كثر كلامه كثر خطؤه)) كما فى بعض الآثار! وذلك يوجب عَلَى عمل
استدراكات وتعقبات على ذلك .
وطمعاً فى سرعة الإنجاز ، توطئة لطباعة هذا القسم قبل أن يتسرب إلى النفس
شىء من الضجر والملل - مما لا ينفك عنه أحد - ، وقد يؤدى أيضا إلى التوقف
عن الفكرة أو إرجائها .
وإشفاقاً على أخى الحبيب ، الصابر بالله - كما لقَّبه أحد أفاضل علمائنا
المعاصرين - حفظه لنا الله - وهو القائم على نشر كتاباتى ، فإننى لم أعرف فى
الناشرين الذين تعاملت معهم عن كثبٍ أصدقَ منه ولا أحرص على إخراج العلم
الصحيح النافع للمسلمين ولا يزال - ثبّته الله - صابراً على تسويفى فى إنجاز
بعض مصالحه ومصالح المسلمين ، فاللهم زده صبراً ، وسخره لإِخراج ما ينفع
الكافة . آمين .
ومقصودى بالإِشفاق عليه ، ألا يعظم حجم الكتاب ، بما يترتب عليه زيادة
فى تكاليف القيام على نشره . لذلك كله ، رأيت الاقتصار على خمسة وعشرين
حديثاً فحسب - كنظام (( البدائل المستحسنة)) - بحيث يبلغ حجم القسم منه
ما يقارب حجم خمسين حديثاً من صنوه المتقدم ذكره . مع الرغبة فى إعداد
فهارس للرجال الذين تعرضت لهم بالقدح أثناء تخريج كل حديث أورده ، وكذلك
ما ورد فى ثنايا الكتاب من أحاديث صحيحة استدللت بها ، إلى جانب الفهرس
الموضوعى بإذن الله. وسميته - بعد تردد -: ((تكميل النفع بما لم يثبت به وقفٌ
ولا رفع )). وكان أحبَّ إلى نفسى أن يكون اسمه بعيداً عن الإطراء والتزكية -
حتى أكون أقرب إلى السلامة - ، فكنت اخترت له اسمين آخرين ، أحدهما :
-٤ -

((إعلام الثَقّف بما لم يثبت به رفع ولا وقف)). والثقف - بتسكين القاف
وكسرها -: الحاذق الفطن النابه. والآخر: (( الشفع بما لم يثبت به وقف ولا
رفع)). لكنى وجدت - بعد استشارة أحد الأحباب - أن الاسمين يكتنفهما
شىء من الغموض لاسيما الأول ، فإن الشائع على ألسنة الناس فى هذا العصر
ألفاظ: ((المثقف)) و ((الثقافة)) و ((التثقيف)) مع غياب المعنى اللغوى الدقيق
لها عن الكثيرين، والذى استفدناه من ((لسان العرب)) لابن منظور رحمه الله .
ولفظة: ((الشفع)) أيضا قد يخفى معناها على كثير من الناس ، ومن فهمها قد
لا يدرك مقصودى منها .
ومن الملاحظ أننى قد تطرقت فى هذا الكتاب - خاصةً - إلى أمور ليس لها
صلة مباشرة بالتخريج ، كالحط على أدعياء التحقيق - ممن هم عنه بمنأى عدالة
وضبطاً ! - ، وإبداء الخوف والتخويف من الاغترار بالألقاب والتحصيل
العلمى ، ومن استمراء التردى فى آفات القلوب كالعجب والرياء والسُمعة
والدعوى فى العلم ، وحب الرياسة والمشيخة نجانا الله بفضله ومنه وكرمه منها ،
وأعاننا على أنفسنا بالصد عنها . ولعل هذا الاتجاه منى - بما يتضمن التذكير
لنفسى قبل الآخرين -، ناتج عما يراه المرء ويسمعه ويقرؤه ويُبلَّغُهُ لدى
احتكاكه بساحة الواقع العلمى للمسلمين من مصر وغيرها ، من باب القول
المشهور المنسوب لأبى الدرداء رضى الله عنه: ((وجدت النَّاس: اخبر تقِلُهْ)).
فهذا يقطع عنق أخيه - الناشىء فى طلب العلم - بقوله عنه: (( ما رأيت مثله ،
وما رأى مثل نفسه)) كأنه ابن تيميَّة آخر! وآخر يجاهر - أو يفاخر ، الله أعلم -
وهو يطالبنى برؤية إجازة شيخى رحمه الله إلى الإِمام النووى رحمه الله - بأن
ستة - فقط - من شيوخه بالإِجازة مبتدعون ، ويذكر كلاما فيه أن الشيخ
الفلانى قد أجازه رواية جميع مصنفات ابن أبى الدنيا ، يقولها ضاحكاً متعجبا .
وثالث فتَّان ، بدلاً من أن يقول للآباء الذین یلاحقون بناتهم ، بل منهم من جرى
وراءهن بالسكاكين كما حدثنى الثقة المأمون ! -: (( ارفعوا أيديكم عنهن ،
أعينوهن على الصون والعفاف))، يجلس على الملأ قائلاً: ((خروجاً من الخلاف
- ٥ -

فى مسألة الحجاب والنقاب ، نأذن للمرأة أن تستر جميع جسدها إلا الوجه
والكفين))، كما أخبرنى أخو الشدة والرخاء عفا الله عنه . ما هذا الفقه المتين ،
والقريحة الفاذَّة التى خرجت على الناس بهذا الهذيان ؟ ! أفلا يعلم هذا الكائن
أن معنى القاعدة الشرعية التى قررها الفقهاء: ((الخروج من الخلاف مستحب
ما لم يوقع فى خلاف آخر)) ، أن معنى ذلك الأخذ بأحوط الأقوال التى يتفق
الجميع على مشروعيتها ؟ أم هو يقصد أن الأتقياء والتقيات من أهل الصيانة
والديانة سوف يرضخون لما قال ، وبذلك يذوب الخلاف بين المسلمين فى
المسألة ؟! احتمالان ، أحلاهما مر . وقديما قال أحدهم :
أو كنت تدرى فالمصيبة أعظم
فإن كنت لا تدرى فتلك مصيبة
ورابع يقول - عقب خطبته فى الناس -: (( من كان عنده سؤال فى كذا
وكذا أو استفسار عن صحة حديث ، فليذكره )) . مع أن هذا الخطيب نفسه -
سامحه الله - قد حشا خطبته بأحاديث لا يحل ذكرها البتة . بل هو شاهد على
نفسه أنه أصاب فى جميع العلوم خطاً، سوى ((علم الجُرح والتعديل))، هكذا
بالضم والله .
فيا عباد الله ، رحم الله امرأً عرف قدر نفسه(١)، فلم يبخسها حقها ، ولم
يتعد حدوده أيضا فيرفعها فوق قدرها . فهل آن لهؤلاء أن يكفوا عن الدعاوى
العريضة، والمديح المُردى ، والألقاب الضارّة . هل آن لنا أن نراقب القلوب ،
ونصلح من الألسن ، ونتقى الله فنقول قولاً سديداً ؟ هل آن لغير المختص فى
علم من العلوم أن يكف عن تلفيق قواعد وأصول لا سلف له فيها ، ولم يحسن
فهمها ، حتى لا يأتى بالمُضْحِكات المبكيات ، قبل العرض على جبار الأرضين
والسموات ؟ وأن يتوب من دعوى استعداده الإِجابة فى كل ما يُسألُ عنه من
تفسير أو حكم أو حديث بغير مسوغ ؟ وقد قال ابن مسعود رضى الله عنه - .
جعله الشيخ محمد الغزالى عفا الله عنه حديثاً نبوياً فى جريدة ((الشعب)) ليوم الثلاثاء
(١)
٣٠ جمادى الآخر ١٤٠٩ هـ، ٧ فبراير ١٩٨٩، ولا أعلم له أصلاً عن النبى صلى
الله عليه وعلى آله وسلم ، بل هو أثر عن عمر بن عبد العزيز لم أتحقق من صحته .
٦٠ -

فيما رواه الدارمى وغيره بإسناد صحيح عنه -: ((إن الذى يفتى الناس فى كل
ما يستفتى لمجنون)). هذا - عباد الله - فيمن هو أهل ، فكيف بمن ليس
بأهل ؟ ! .
إذاً لا يستطيع مسلم أن يرد القول بأن: (( النية هى المطية))، كما يردد أحد
الأحبة دائماً ، ولا أن ينفى أن رأس مال كل مسلم من عالم وطالب علم وعابد
هو إخلاص العمل لله عز وجل ، ومعالجة النية وتصحيحها على الدوام . وقد
قال النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( ... ثلاث لَا يَغِلُ عليهن قلب امرىء
مسلم : إخلاص العمل لله ، والنصح لأئمة المسلمين ، ولزوم جماعتهم ، فإن
دعوتهم تحوط مَنْ وراءهم(٢))).
وثبت أيضا أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (( بشر هذه الأمة بالسناء ،
والدين ، والرفعة ، والنصر ، والتمكين فى الأرض ، فمن عمل منهم عمل الآخرة
للدنيا، لم يكن له فى الآخرة من نصيب(٣))). وقد كان سلفنا الصالح رضوان
الله عليهم يحترزون من أقوال وأفعال ، نعدها نحن فى هذه الأيام من التوافِه
والمحقرات . قيل لأحدهم : ادعُ الله لنا . قال : لا تحضرنى لذلك نية . وكان
شيخ الإسلام الأوزاعى رحمه الله - على إمامته وجلالته - يكره أن يرى مُعْتَماً
يوم الجمعة وحده مخافة الشهرة ، فكان يرسل إلى تلاميذه : الهقل وابن أبى
العشرين وعقبة بن علقمة أن اعتموا اليوم فإنى أكره أن أعتَمّ . فيا سبحان الله ،
هلك الذين كانوا يحبون الخمول ويمقتون الشهرة ، وكثرت عمائم العجب والخيلاء
حتى ظن بعض من أرخى أربع أصابع أنه قد صار بذلك إمام المسلمين - وفيهم -
يا أسفى - شباب فى مقتبل العمر . وبعد كل ذلك ، فلا يظُنَّنَّ ظانٌّ أننى أدعى
لنفسى الإِخلاص أو التجرد أو الرسوخ فى العلم أو طهارة القلب من الآفات .
قطعة من حديث صحيح ، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن زيد بن ثابت ، وأحمد
(٢)
وابن ماجه والحاكم عن جبير بن مطعم ، وأحمد عن أنس . وبقيت له طرق لا مجال لذكرها
هنا .
(٣)
حديث جيد الإسناد ، رواه أحمد وابن حبان والحاكم والبيهقى وغيرهم عن أبى ، وصححه
غير واحد .
- ٧ -

حاشا وكلا ، على أننى أسألها الله عز وجل على الدوام ، عسى أن يرزقنيها يوماً
من الأيام ، ويهدينى فيمن هدى ، فلا يطردنى عن بابه ، ولا يحرمنى من جنابه .
( أما ) بشأن هذا الكتاب ، فينبغى التنبيه على أننى قد أسسته على تضعيف
الألفاظ لا المعانى ، فما هو كتاب تصحيح مفاهيم ، ولا تثبيت معانٍ ، ولا خوض
فى أصول أو فروع ، ولا ذكر بدائل ، ولا تقرير معنی صحيح لآية . بل هو
لدفع صحة صدور الألفاظ الواردة فيه عن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم
أو أحد من السلف . نعم ، قد أتطرق إلى بعض هذه الأمور إن اقتضى المقام
ذلك فى بعض الأحيان. فمثلاً، إذا أثبتُّ وضع حديث: (( أفضل الحسنات
تكرمة الجُلَساء))، ووهاءه موقوفا، فلا يلزمنى إيراد ما ثبت مرفوعاً فى (( أفضل
الحسنات)) أو ((الأعمال))، أو أحبها إلى الله عز وجل ، ولا إيراد ما صح فى
فضل إكرام المرء جليسه . وهذا باب لو فتح لم ينغلق أبداً . وإذا أثبَتُّ ضعف
حديث ما فى تعيين: (( اسم الله الأعظم)) ، فلا يلزمنى إيراد ما صح فى هذا
الباب من الأحاديث والآثار ، على ألا يفهم مما قررته إهدار أهمية الإلحاح على
الله عز وجل بدعوة ذى النون عليه السلام: ﴿لا إله إلا أنت سبحانك، إنى
كنت من الظالمين ﴾ ، بدليل أننى قد أوردت بعض ما صح فى فضلها .
وإذا حكيت تضعيف حديث: (( من استمع إلى آية من كتاب الله تعالى ،
كتب له حسنة مضاعفة ... )) ، فليس مقصدى البتة أن الاستماع إلى القرآن العظيم
لا ثواب له ، ولا فضل فيه . كيف ، وقد جعل الله تعالى جزاءه رحمته التى
وسعت كل شىء ، ﴿وإذا قُرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم
ترحمون﴾(٤) ، وجعله تعالى مشهوداً تشهده ملائكة الرحمة المتعاقبة فى العباد ،
وقرآن الفجر . إن قرآن الفجر كان مشهودا ﴾(٥) .
على أن الآية نزلت فى القراءة خلف الإمام كما حكى الإمام أحمد رحمه الله الإجماع على
(٤)
ذلك. والأدلة متوافرة على ذلك كقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((إنما جعل الإِمام
ليؤتم به ، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا ... )) الحديث ..
وأحزننى أننى سمعت أحد الأحباب الطيبين يستدل بهذه الآية - حَسْب فهمه - على =
(٥)
عـ

t
فالمقصد أن القضية قضية تصحيح وتضعيف ألفاظ لا معانٍ، و (( رحم الله
امرءاً قال خيراً فغنم ، أو سكت فسلم)).
هذا ، وقد حرصت فى هذا الكتاب على الترضى عن أصحاب النبى صلى
الله عليه وعلى آله وسلم ، والترحم على تابعيهم بإحسان - فى أغلب المواضع - ،
والدعاء لأئمة المسلمين ، وتوقيرهم بما يستحقون من الألفاظ الدالة على إمامتهم
ومنزلتهم العلمية ، مع ترك الإغماض عما يقع فى كلام بعضهم على الأحاديث
من السهو والخطأ اللذَيْن لا ينفك عنهما بشر ، بما يتبين لى أنه الحق والصواب
إن شاء الله تعالى ، سائلا إياه أن يصلح النية ويجعله نصحاً لوجهه ، مجرداً من
شهوة النفس وحظ الشيطان .
إنه على كل شيء قدير ، وبالإِجابة جدير .
وكتبه : محمد عمرو بن عبد اللطيف بن محمد. تم الفراغ منها صبيحة يوم الجمعة
الموافق الحادى عشر من رجب ١٤٠٩ هـ .، والسابع عشر من فبراير ١٩٨٩ م.
مشروعية التحلق بعد صلاة الفجر لقراءة القرآن فى جماعة . وهذا فهم غير صحيح ، بل
ذهب الإمام مالك رحمه الله إلى أن التحلق المذكور من الأمور المحدثة . نعم ، ثبت ذلك
عن بعض تابعى أهل العراق ، ولكن الحق أحق أن يتبع ، ومجموع الوارد عن النبى صلى
الله عليه وعلى آله وسلم يأبى ذلك فى هذا الوقت خاصة ، فانظر رسالة (! أخذ الجنة)).
( ص ٥٧:٥٢ ).
- ٩ -

الحديث الأول :
((إذا جعلت إصبعيكِ فى أذنيكِ ، سمعتٍ خرير الكوثر )) . موضوع . رواه
الدارقطنى كما فى (الجامع الصغير)) (٥٥٣) عن عائشة، رضى الله عنها.
وما هو فى ((سننه)) المتبادرة لدى الإطلاق ، فلعله فى غيرها .
وقال الحافظ المناوى رحمه الله فى ((الفيض)) (٣٢٧/١): ((رمز لضعفه -
يعنى السيوطى - ، ومن حكى أنه رمز لصحته أو حسنه فقد وهم. وبيَّن
السخاوى وغيره أن فيه وقفاً وانقطاعاً ، لكن يعضده ما رواه الدارقطنى أيضا
عن عائشة ( يعنى مرفوعا): (( إن الله أعطانی نهراً فى الجنة لا يدخل أحد إصبعيه
فى أذنيه إلا سمع خريره)) قالت: فكيف ؟ قال: (( أدخلى إصبعیك وسدى أذنيك
تسمعى منهما خريره )) اهـ. قلت: وأورده الشيخ الألباني حفظه الله فى ((ضعيف
الجامع)) (١٧٠/١) وقال: ((موضوع))، وأحال على كتاب ((تذكرة
الموضوعات )) للشيخ الفتنى رحمه الله .
( وَرُوِى ) عن عائشة رضى الله عنها - موقوفاً - بسند ضعيف ومنقطع كما
تقدمت الإشارة إلى ذلك عن الحافظ السخاوى رحمه الله. ففى ((زهد هناد))
(١٤١) و ((تفسير الطبرى)) (٢٠٧/٣٠) عن وكيع عن أبى جعفر الرازى عن
ابن أبى نجيح عنها قالت: (( من أحب أن يسمع خرير الكوثر ، فليجعل إصبعيه
فى أذنيه)) . ورواه الطبرى عن ثقتين عن أبى جعفر الرازى عن ابن أبى نجيح عن
مجاهد عن رجل عنها بنحوه. وروى البيهقى فى (( البعث)) (١٣٠) من طريق
يونس بن بكير عن عيسى بن عبد الله التميمى ( هو أبو جعفر الرازى ) عن ابن
أبى نجيح قال - فى قوله: ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ قال: ((نهر فى الجنة . وقالت
عائشة: هو نهر فى الجنة، ليس أحد يدخل ... )) الأثر. قلت : وإسناده
ضعيف، مداره على أبى جعفر الرازى ، قال الحافظ رحمه الله فى ((التقريب))
(٨٠١٩): ((صدوق سىء الحفظ خصوصاً عن مغيرة)). وأما الانقطاع، فقال
- ١٠ -

الحافظ العلائى رحمه الله فى ((جامع التحصيل)) (٤٠٦): ((عبد الله بن أبى نجيح
يسار المكى . ذكره ابن المدينى فيمن لم يلق أحداً من الصحابة رضى الله
عنهم ... )) قلت: فقول العلامة الألباني حفظه الله فى ((الصحيحة)) (٢١٦) -
فى حديث آخر يرويه ابن أبى نجيح عن عائشة -: (( قلت : وهذا إسناد رجاله
كلهم ثقات رجال الشيخين ولكنه منقطع بين ابن أبى نجيح - واسمه عبد الله -
وعائشة ، فإنه لم يسمع منها كما قال أبو حاتم ، خلافاً لابن المدينى ، ووقع
التصريح بسماعه منها فى ((صحيح البخارى)) فالله أعلم)) اهـ. هو وَهَم منه عفا
الله عنه ، فإن الكلام الذى ذكره يتعلق بمجاهد بن جبر رحمه الله- أحد
شيوخ ابن أبى نجيح - لا به هو، فانظر (( الجرح والتعديل)) (٣١٩/٨) و
((جامع التحصيل)) (٧٣٦) و ((التهذيب)) (٤٢/١٠-٤٣) يتبين لك صحة
ما ذكرت ووالله الذى لا إله إلا هو ، ما أوردت هذا الحديث ، ولا جعلته
أول حديث فى هذا الكتاب من أجل توهيم شيخنا الجليل ، وما كان هذا على
بالى قطّ حين اخترت هذا الحديث ، ولكننى أثناء البحث عن قضية سماع ابن
أبى نجيح من الصحابة تذكرت تعليقاً قديماً لى على نسختى من ((الصحيحة))
فرأيت من اللائق إيراده فى هذا المقام تنبيها للشيخ ونصيحة للقراء .
والمقصود أن رواية ابن أبى نجيح عن عائشة منقطعة - على ما فى رواية وكيع
ويونس بن بكير - ، أما على رواية أبى النضر وشبابة - عند الطبرى - ففى
الإِسناد رجل مجهول العين لم يُسَمَّ . ولا مانع من أن يكون ابن أبى نجيح قد
رواه تارة عن مجاهد عنه عن عائشة ، وتارة كان يرسله عنها لولا أن أبا جعفر
الرازى ضعيف فى حديثه خلل واضطراب كثير ، فلعله هو الذى كان يضطرب
فيه . والعلم عند الله تعالى .
وهذا الحديث - لنكارته - اضطر بعض العلماء إلى تأويله . قال العلامة ابن
القيم رحمه الله فى ((حادى الأرواح)) (ص ١٤٨ - ١٤٩): ((وقالت
عائشة :... )) فذكره، قال: ((وهذا معناه - والله أعلم - أن خرير ذلك النهر
يشبه الخرير الذى يسمعه حين يدخل إصبعيه فى أذنيه )). وقال المناوى :
- ١١ -

((قال ابن الأثير (٦): معناه : من أحب أن يسمع خرير الكوثر أى نظيره أو ما
يشبهه - لا أنه يسمعه بعينه - بل شبيه دويه بدوى ما يسمع إذا وضع إصبعيه
فى أذنيه )) اهـ. وقد صح عن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه رضوان
الله عليهم الكثير فى صفة الكوثر ، بدون هذه العبارة ، فالله أعلى وأعلم .
والذى وجدته فى ((النهاية)) (٢١/٢) لابن الأثير رحمه الله: « وفى حديث ابن عباس:
(٦)
(((من أدخل أُصبعيه فى أذنيه سمع خرير الكوثر)) خرير الماء: صوته ، أراد مثل صوت
خرير الكوثر)) اهـ . فالله أعلم أين قاله باللفظ الذى ساقه المناوى ، ولم أجده أيضا من
حديث ابن عباس .
- ١٢ -

الحديث الثانى :
((إذا عسر على المرأة ولدها أخذ إناء نظيفا(٧) يكتب فيه: ﴿ كأنهم يوم
يرون ما يوعدون﴾ إلى آخر الآية، و: ﴿ كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية
أو ضحاها﴾ و: ﴿لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى الألباب) إلى آخر
الآية ، ثم يغسل ويسقى المرأة منه ، وينضح على بطنها وفرجها )) . ضعيف جداً
أو موضوع. رواه ابن السنى فى ((عمل اليوم والليلة )) (٦١٩ ) من طريق
عبد الله بن محمد بن المغيرة حدثنا سفيان الثورى عن ابن أبى ليلى عن الحكم عن
سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعا به . وابن المغيرة هذا واه ، اُّهم . قال
العقيلى: ((وكان يخالف فى بعض حديثه ، ويحدث بما لا أصل له)). وقال
النسائى: ((روى عن الثورى ومالك بن مغول أحاديث كانا أتقى لله من أن
يحدثا بها)). وأورد له الحافظ الذهبى رحمه الله فى ((الميزان)) (٤٨٧/٢-٤٨٨)
أحاديث، وقال: ((قلت: وهذه موضوعات)) . وابن أبى ليلى هو محمد بن
عبد الرحمن الكوفى القاضى، قال الحافظ (٦٠٨١): ((صدوق سىء الحفظ
جداً)). والحديث أورده الهندى رحمه الله فى ((كنز العمال)) (٦٤/١٠) من رواية
ابن السنى بلفظ: (( إذا عسر على المرأة ولادتها خذ إناء نظيفا فاكتب عليه ... ))
وفيه: (( ثم يغسل وتسقى المرأة منه ويتضح على بطنها وفى وجهها)). ولا يبعد
أن يكون هذا هو لفظه الصحيح قبل أن تتناول الكتاب أيدى التحريف وقلة
الدقة فى التحقيق ، ثم يدعى تخريج أحاديثه من لا ناقة له - فى هذا الشأن -
ولا جمل ، ممعناً فى إيهام القراء أنه ملتزم أو متمكن - والله أعلم - إذ يكتب
على طُرَّته: ((حققه فلان بن فلان ))! ثم كأنه تدارك الأمر فقال فى طبعة
أخرى: ((خرج أحاديثه وعلق عليه)) وحذف لفظة: ((ابن))، فالله المستعان .
ولا أقول هذا مقراً على نفسى بالتحقيق الذى يدخل فيه النظر فى المخطوطات
(٧) فى النسخة المتداولة من ((ابن السنى)): ((أخذ إناء لطيفاً)). والظاهر أنه تحريف صوابه
هذا، أو: ((أُخِذ إناءٌ نظيف)) . فالله أعلم .
- ١٣ -

٠
والبراعة فى قراءتها وفك رموزها ، بل أشهد على نفسى أيضا بأننى لا باع لى
فى هذا الأمر، ولذلك لم يُسند إِلَى تحقيق كتاب مخطوط حتى هذه اللحظة .
فمن كتب على طُرَّة كتاب: ((آداب حملة القرآن)) للإِمام الآجرى رحمه الله -
محولاً اسمه إلى: ((أخلاق أهل القرآن)) -: (( حققه وخرج أحاديثه الشيخ محمد
عمرو بن عبد اللطيف)) - وما حققته ولا رأيت مخطوطته قط بل نقلها غيرى -
أقول : من كتب ذلك ، فقد غلط علَّ . وقد دعا ذلك البعض إلى اتهامى
بالتصرف فى اسم الكتاب باعتبارى محققه ثم إن الناشر وصمنى بمشيخة لست
لها بأهل دون استشارتى فى ذلك . وما أنا إلا عبد مذنب فقير إلى رحمة ربه
الجليل ، وطالب علم لم يزل فى بداية الطريق . نعوذ بالله من انتحال المشيخة
قبل الأوان ، ومن الاغترار بما وهبنا الرحمن تبارك وتعالى من بعض فهم لقواعد
علم ((مصطلح الحديث)) وأحوال طائفة من رجال الحديث ومراتبه . وما هذا -
وحده - علم الحدیث بفنونه وتقاسیمه ، على قصور وقلة باغ ، وجهل تام أحیانا
فى بعض فروع العلم . ومن نظر بعين البصيرة علم أن الفضل لله تعالى وحده
يسلبه متى شاء ، ويؤتيه من يشاء ﴿وفوق كل ذي علم عليم ﴾ .
وبعد ، فقد ( روى ) هذا الحديث أيضا موقوفا على ابن عباس رضى الله
عنهما من طريق أخرى عن الثورى ، وعن غيره عن ابن أبى ليلى بنحوه ، ففى
((مصنف ابن أبى شيبة)) (٣٨٥/٧): ((حدثنا على بن مسهر عن ابن أبى ليلى
به ... )) فذكره .
ولفظة : إذا عسر على المرأة ولدها فليكتب هاتين الآيتين والكلمات فى
صحفة ثم تغسل فُتُسقى منها : بسم الله لا إله إلا هو الحليم الكريم . سبحان
الله رب السموات السبع ورب العرش العظيم: ﴿ كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا
إلا عشية أو ضحاها ﴾،: ﴿ كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة
من نهار . بلاغ فهل يُهلك إلا القوم الفاسقون ﴾ . وقال حمزة بن يوسف
السهمى رحمه الله فى ((تاريخ جرجان)) (ص ٢٢٩): ((قرأت فى كتاب
( الطب ) لأبى يعقوب إسحاق بن إبراهيم البحرى : أعطانى أبو عمران إبراهيم
- ١٤ -

ابن هانىء كتاباً له ( فى الأصل - محرفاً - كتاب الله ) عن شجاع بن صبيح
عن مصعب بن ماهان عن الثورى عن ابن أبى ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن
عباس ... )) فذكره بأخصر مما قبله، وفيه: ((قال سفيان : يكتب بعسل أو
زعفران أو نحوهما ثم يغسله فتشربها المرأة )). ومدار الطريقين على ابن أبى ليلى ،
وقد تقدم ذكره . وفى إسناد السهمى - سواه -: (( مصعب بن ماهان )) ، وهو
مختلف فيه، وقال الحافظ (٦٦٩٤): ((صدوق عابد كثير الخطأ)). والراوى
عنه لم يذكر فيه السهمى (٣٦٧) جرحا ولا تعديلا . وكذلك أبو عمران إبراهيم
ابن هانىء (١٣٩) على جلالة ترجمته عنده. فقوله فى هذا الإسناد: ((عن الحكم
عن مقسم)) بدلاً من: ((عن سعيد بن جبير)) إن لم يكن من سوء حفظ ابن
أبى ليلى واضطرابه ، فهو من قِبَل أحد هؤلاء . فالله أعلم .
ومع ضعف هذا الأثر ، فقد عمل به الإِمام أحمد رحمه الله . قال الإِمام ابن
القيم رحمه الله فى ((زاد المعاد)) (١٨٠/٣): ((كتاب العسر الولادة. قال
الخلال : حدثنى عبد الله بن أحمد قال : رأيت أبى يكتب للمرأة إذا عسر عليها
ولادتها فى جام(٨) أبيض أو شىء نظيف ، يكتب حديث ابن عباس رضى الله
عنه ... )) فذكره. وقال: ((قال الخلال: أنبأنا أبو بكر المرؤُّذى(٩) أن أبا
عبد الله جاءه رجل فقال : يا أبا عبد الله تكتب لامرأة قد عسر عليها ولدها
منذ يومين ، فقال : قل له يجىء بجام واسع وزعفران . ورأيته يكتب لغير
واحد ... ). قلت : وفى هذا دليل على أن الإِمام أحمد رحمه الله كان يأخذ
بالأحاديث والآثار الضعيفة إذا لم يجد فى الباب غيرها ، ولم يكن هناك ما
يدفعها ، والله أعلم .
(٨) قال ابن منظور فى ((لسان العرب)) (٧٣١/١): ((والجام إناء من فضة، عربى
صحيح ... )) .
(٩)
فى الأصل: ((المروزى)) بالزاى. وهذا خطأ شائع فى هذه النسخة ، راج على محققى
الكتاب أو لم يباليا به فى الطبعة التى حققاها (٣٥٧/٤). والمروذى نسبة إلى ((مرو الروذ))
أما المروزى فنسبة إلى ((مرو))، وأبو بكر هذا يعد أجل أصحاب الإمام أحمد رحمهما الله .
- ١٥ -

فائدة : وقد روى ابن السنى (٦٢٠) - عقب حديث ابن عباس الذى تقدم
الكلام عنه - حديثاً آخر مرفوعا بإسناد أتلف منه بكثير ، من طريق عبيد الله بن
محمد بن خنيس ( فى الأصل : عبد الله - مكبراً - وهو تحريف ) حدثنى موسى
ابن محمد بن عطاء حدثنا بقية بن الوليد حدثنى عيسى بن إبراهيم القرشى عن
موسى بن أبى حبيب قال: (( سمعت على بن الحسين يحدث عن أبيه عن أمه فاطمة
رضى الله عنها ، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لما دنا ولادها -
أمر أم سليم وزينب بنت جحش أن تأتيا فاطمة فتقرءا عندها آية الكرسى و :
﴿إن ربكم الله ... ﴾ إلى آخر الآية، وتعوذاها بالمعوذتين)). وهذا إسناد قد
هُلهل(١٠) بالمرة ، وفيه الآتى :
١ - عبيد الله بن محمد بن خنيس ، وهو الدمياطى ، وقيل : الدمشقى .
ترجمه ابن عساكر فى ((تاريخه)) (٧٣٢/١٠-٧٣٣) برواية جماعة عنه ، ولم يذكر
فيه جرحاً ولا تعديلا .
٢ - وشيخه موسى بن محمد بن عطاء ، وهو البلقاوى الدمياطى المقدسى ،
أحد التُلَفاء. قال العقيلى: ((يحدث عن الثقات بالبواطيل والموضوعات)).
وقال ابن حبان وغيره: ((كان يضع الحديث)) . وكذبه أبو زرعة وأبو حاتم
الرازيان . فالظاهر أنه من وضعه .
٣ - وعيسى بن إبراهيم القرشى، وهَّاه ابن معين وقال أبو حاتم والنسائى:
((متروك)).
٤ - وشيخه موسى بن أبى حبيب ، وهو الحمصى . ضعفه أبو حاتم . وقال
الذهبى فى ((الميزان)) (٢٠٢/٤): ((وخبره ساقط)). قلت: ومن قرائن تهافت
هذا الحديث واختلاقه ، أن الزهراء رضى الله عنها ماتت بعد النبى صلى الله عليه
وعلى آله وسلم بستة أشهر ، والحسين رضى الله عنه لم يزل غلاما صغيراً، فمتى
حدثته فاطمة بذلك عن جده المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ؟ ! .
(١٠) هذه العبارة استخدمها الحافظ المناوى رحمه الله، فى حديث آخر لا أذكره الآن.
- ١٦ -

وهذا الحافظ الطبرانى ((رحمه الله)) - على سعة روايته - لم يورد فى ((معجمه
الكبير)) (٤١٤/٢٢-٤١٥) من رواية الحسين عنها إلا حديثين ، فى أحدهما الحكم
عبد الله الأيلى ، وهو وضَّاع. وفى الآخر جماعة لم يعرفهم الهيثمى ، وفيه أيضا :
جَنْدَل بن والق ، صدقه أبو حاتم ووثقه ابن حبان . أما مسلم فقال : متروك
الحديث . ولَّنه البزار . والمتن الذى رواه ظاهر البطلان فى فضل أمير المؤمنين
على رضى الله عنه(١١) . أما عامة ما أورده الطبرانى للزهراء رضى الله عنها فلا
يكاد يسلم منها حديث ، إما وهاء فى الإسناد ، أو كونه من مسند غيرها لا
من مسندها هى . أو مما حدثت به عائشة رضى الله عنها قبيل أو عقيب وفاته
صلى الله عليه وعلى آله وسلم - من رواية مخصوصة بعينها - ، وهذا ما تبين
لى من مجموع هذه الروايات: ﴿ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره
الكافرون ﴾ .
(١١) وما شاع بين المسلمين فى تخصيص على بقولهم: ((كرم الله وجهه))، فمما لم أقف له
على أصل ، ولا ثبوت عن أحد من السلف المتقدمين . وهؤلاء الرافضة أخزاهم الله ، لا
يعجبهم من أهل السنة أن يقولوا : (( رضی الله عنه )» ولا « كرم الله وجهه )) ، بل يصرون
على تخصيصه وغيره من آل البيت بلفظة: ((عليه السلام)) ، كلمة حق أريد بها باطل !!
- ١٧ -

الحديث الثالث :
(( إذا كثرت ذنوب العبد ، ولم يكن له ما يكفرها من العمل ، ابتلاه الله
عز وجل بالحَزَن ليكفرها عنه)) ضعيف. رواه الإمام أحمد (١٥٧/٦) - واللفظ
له - والبزار (٣٢٦٠ - كشف الأستار) وأبو نعيم فى ((أخبار أصبهان))
(١٨٩/٢) وعنه ابن رُشَيْد الفهرى فى ((ملء العَيْبة)) (٣٨٨/٣-٣٨٩)
والخطيب (٨٨/٦) من طريق حسين بن على الجعفى عن زائدة عن ليث عن مجاهد
عن عائشة مرفوعاً. وكذلك الديلمى كما فى ((الفردوس)) (١٣٣٢)، قال الحافظ
فى ((تسديد القوس)) - ونقله المحققان -: ((أحمد وأبو الشيخ من رواية مجاهد
عن عائشة)). وقال البزار: (( لا نعلم رواه بهذا الإسناد إلا زائدة ، ولا عنه
إلا حسين)) اهـ. قلت : وهو إسناد ضعيف ، رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح
سوى ليت - وهو ابن أبى سليم الكوفى - ، فضعيف اختلط كما يأتى مفصلاً
بإذن الله . وكلام الحافظ البزار رحمه الله ، إليه المنتهى فى الدقة ، فقد رُوِى
الحديث عن ليث أيضا بإسناد ومتن سوى هذا .
وقال الحافظ المنذرى رحمه الله فى ((الترغيب)) (٥٣٧/٤): ((رواه أحمد،
ورواته ثقات إلا ليث بن أبى سليم )).
وذكره الحافظ الهيثمى رحمه الله فى (( المجمع)) فى موضعين ، فقال فى الأول
(٢٩١/٢): ((رواه أحمد، وفيه ليث بن أبى سليم وهو مدلس، وبقية رجاله
ثقات)). وقال فى الثانى (١٩٢/١٠): ((رواه أحمد والبزار، وإسناده حسن)).
كذا قال .
وقال الحافظ العراقى رحمه الله - كما فى ((تخريج الإحياء)) (٣٣١٩) - :
((تقدم أيضا فى ((النكاح))، وهو عند أحمد من حديث عائشة: ((ابتلاه الله
بالحزن )) انتهى . قلت ( القائل : الزبيدى ) : ذكر هناك أن فيه ليث بن أبى سليم
مختلف فيه، ولفظ أحمد فى ((المسند)) ... ، حتى قال: ((ولكن حسنه السيوطى
- ١٨ -

وكأنه رجح جانب التوثيق فيه ، والله أعلم)) . قلت : كلا ، بل لعله ذهول
أو غير ذلك ، فإن ليثاً عند الحافظ السيوطى رحمه الله من المقطوع بضعفهم ،
بل حكم ببطلان بعض أحاديث له من جهة المتن كما يأتى فى الحديث التاسع
عشر بإذن الله. والحديث فى (( الجامع الصغير)) (٨٣٨) مرموزاً له بالحُسن.
قال المناوى (٤٣٤/١) - بعد حكاية كلام المنذرى والعراقى والهيثمى -: (( ...
وقد رمز المصنف لحسنه )) .
أما الإسناد الآخر الذى أشرنا إليه، فهو ما رواه البيهقى فى ((شعب الإِيمان))
(١٣٤/٣/٢/ ب) من طريق أحمد بن عمران الأخنسى قال: سمعت أبا بكر
ابن عياش وعبد الرحمن المحاربى عن ليث عن الحكم بن عتيبة رفعه قال: ((إذا
كثرت ذنوب العبد ... ))، فذكره بنحو مما تقدم .
والأخنسى هذا واهٍ، قال أبو زرعة: (( كتبت عنه ببغداد ، وكان كوفياً ،
وتركوه)). وقال البخارى والأزدى: ((منكر الحديث))، ومع ذلك وثقه ابن
عدى وقال ابن حبان فى (( ثقاته)): ((مستقيم الحديث)). وقد توبع على روايته
عن أبى بكر بن عياش وَحده - فيما أعلم - بلفظ يختلف عن هذا ، فعند عبد الله
ابن الإمام أحمد فى ((زوائد الزهد)) (ص ١٠) وعنه الخطيب (١١١/٧) عن بيان
ابن الحكم حدثنا محمد بن حاتم أبو جعفر عن بشر بن الحارث أنبأنا أبو بكر بن عياش
عن ليث عن الحكم مرفوعا: ((إذا قصر العبد فى العمل، ابتلاه الله بالهمّ )).
ورواه أيضا الديلمى كما فى ((الفردوس)) (١١٤٧)، بلفظ: ((بالحَزَن)). قال
الحافظ فى ((تسديد القوس)): ((الحكم بن عمير)) يعنى أن الحكم الذى أرسل
هذا الحديث هو ابن عمير المجهول الذى لم تثبت صحبته من وجه يعتمد عليه ،
وليس الحكم بن عتيبة الفقيه الكوفى المشهور ، ولا أدرى ما حجة الحافظ رحمه الله
فى هذا الجَزْم ، وليث لم أجد له رواية لا عن هذا ولا عن ذاك - ، مع أن
الأشبه أن يكون بلديه الحكم بن عتيبة - ، والحديث فى الحالين غير متصل ،
(١٢) ثم وجدته فى ((الحلية)) (٣٤٤/٨) عن بشر موقوفا عليه بلفظ: ((إذا قل عمل العبد ابتلى
بالهم )) . وشيخ أبى نعيم فيه : أبو الحسن أحمد بن محمد بن مقسم وهو واه ليس بثقة .
- ١٩ -

أما رواية الأخنسى المتقدمة، والتى تنص على أنه: ((ابن عتيبة))، فلا يؤبه لها .
وله علة أخرى . ففى الإِسناد أيضا: بيان بن الحكم، ترجمه الخطيب فى ((تاريخ
بغداد )) من رواية عبد الله عنه، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلا . وقال الذهبى
فى ((الميزان)) (٣٥٦/١): ((لا يعرف))، وذكر له هذا الحديث وقال:
((معضل )) .
ونخلص من ذلك إلى أن الإسناد إلى أبى بكر بن عياش والمحاربى عن ليث
لم يثبت أصلاً ، وأن الصحيح عن ليث - على ضعفه - روايته عن مجاهد عن
عائشة موصولاً باللفظ الأول . ومن أجل ذلك تركت إعلاله بابن عياش إذ لا
مدخل له فيه. والأصل فيه القبول والتوثيق ما لم تثبت مخالفته للأثبات، ولم تثبت.
( ملحوظة): ولا يُغتر برواية الخطيب للحديث، بلفظ: ((إذا كان للعبد .
. ذنوب وخطايا ولم يكن له عمل صالح ، ابتلى بالغموم والأحزان ليكون كفارة.
لذنوبه)). ففى إسنادها - سوى ليث - : عمر بن مدرك الرازى وهو متروك
كُذِّب ، فلعل هذه التزيدات منه ، والراوى عنه لم يذكر فيه الخطيب جرحا ولا
تعديلا . وشيخه لم أهتد إليه .
( أما ) الرواية الموقوفة ، فقد روى بعض الرافضة هذا الحديث عن الحكم
ابن عتيبة، فألصقوه بجعفر الصادق رحمه الله، ففى ((أمالى المفيد)) (ص ٢٣، ٢٤)
من طريق الحسين بن سعيد ، عن ابن أبى عمير ، عن إسماعيل بن إبراهيم ، عن
الحكم بن عتيبة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (( إن العبد إذا كثرت ذنوبه
ولم يكن عنده ما يكفرها ، ابتلاه الله تعالى بالحزن فيكفر عنه ذنوبه )) اهـ. وفى
إسناده جماعة من الشيعة الذين لا يوثق بهم ، والذين لا يتبين صدقهم من كذبهم ،
والذين قال فيهم الذهبى رحمه الله فى ((الميزان)) (٥/١-٦) - لدى كلامه عن
البدعة الصغرى والبدعة الكبرى -: (( ... ثم بدعة كبرى، كالرفض الكامل
والغلو فيه والحط على أبى بكر وعمر رضى الله عنهما ، والدعاء إلى ذلك ، فهذا
النوع لا يحتج بهم ولا كرامة . وأيضا فما أستحضر الآن فى هذا الضرب رجلاً
- ٢٠ -