Indexed OCR Text

Pages 1-20

تضحیُ
حَدِيث أخطار الصّائم قبل سفره بعدالفجر
والرّ على مَن ضَعْفَه
(( يريد الله بكم اليسر ٠٠٠)
قرآن كريم
بقلم
محمد ناصر الدين الألباني
١٣٧٩ هـ - ١٩٦٠ م
مطبعة الشرفى

1

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله
وصحبه ومن والاه .
أما بعد ، فاني أقدم اليوم إلى القراء الكرام بحوثاً
طريقة، ومناقشات مفيدة إن شاء الله تعالى ، تعرض لهم
لوناً جديداً من ألوان التحقيق العلمي الحديثي والفقهي معاً ،
حول مسألة هامة ، كثيراً ما يبدو لبعضهم الحاجة إليها ،
ومعرفة الرأي الصائب فيها، ألا وهي ((إفطار الصائم في
رمضان قبل سفره بعد الفجر)) .
وإن من الغرائب أن يتوجه بعض الناس اليوم إلى
إنكار الحديث الوارد فيها ، والذي يحدد للمسلم الموقف
الذي يجب أن يتخذه منها ، مع صحة اسناده ، وعدالة
رواته ، ومطابقته لظاهر القرآن ، وشهادة الآثار السلفية له ،
وموافقته لأصل من أصول الشريعة الغراء ( يريد الله بكم
اليسر، ولا يريد بكم العسر)، وعمل به جماعة من أئمة الفقه
والحديث ! وما ذلك منه إلا تعصباً لفرعه المذهبي ، خلافاً
لما صح عن إمامه كأصل من أصوله: ((إذا صح الحديث
فهو مذهبي)) !(١).
(١) انظر مقدمة كتابنا « صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم)) .
- ٣ -

وقد كنت نشرت هذه البحوث في مجلة التمدن الإسلامي
الزاهرة ( عدد ٢٥ - ٣٦ سنة ١٣٧٩) في ثلاث مقالات
متتابعة ، فبدا لي فصلها من المجلة ، ونشرها فى رسالة مستقلة ،
كما جاءت في المجلة ، رجاء أن يعم النفع بها أكثر ، ويكون
أجرنا إن شاء الله تعالى أكبر .
أسأل الله عز وجل أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم وأن
ينفع النفع العميم.
دمشق مساء يوم عرفة سنة ٧٩هـ
محمد ناصر الدين الألبانى
-٤-

((سبق أن علق الأستاذ الشيخ ناصر الدين الألباني بكلمة على
فتوى في هذه المجلة حول هذا الموضوع فبين أن من السنة أن
يفطر الصائم في بيته قبل مبارحته، وقد وردتنا من الأستاذ
الشيخ عبد الله بن محمد الهرري - بواسطة الأستاذ الشيخ حمدي
الجويجاتي - كلمة ذكر فيها أن بعض القراء (١) عرض عليه تلك
الكلمة فرآها مستندة إلى حديث ضعيف، وأطلعنا الأستاذ
الألباني على كلمة الأستاذ المروي، فأيد ما ذهب إليه من
قبل بكلمة جديدة ، فننشر الكلمتين فيما يلي :
١ - قال الأستاذ الحرري :
(« في جامع الترمذي باب فيمن أكل ثم خرج سفراً .
حدثنا قتيبه حدثنا عبد الله بن جعفر عن زيد بن أسلم عن
محمد بن المنكدر عن محمد بن كعب قال أتيت انس بن مالك
في رمضان وهو يريد سفراً وقد رحلت واحلته ولبس ثياب
السفر فدعا بطعام فأكل فقلت سنَّة قال سنة ثم ركب .
حدثنا محمد بن اسماعيل حدثنا سعيد بن ابي مريم حدثنا محمد بن
جعفر حدثني زيد بن أسلم حدثني محمد بن المنكدر عن محمد بن
كعب قال أتيت انس بن مالك في رمضان فذكر نحوه .
(١) قلت: ومن يكون هذا البعض إلا الشيخ حمدي نفسه !!
- ٥ -

قال أبو عيسى هذا حديث حسن ومحمد بن جعفر هو
ابن أبي كثير مدني ثقة وهو أخو اسماعيل بن جعفر .
وعبد الله بن جعفر هو ابن أبي نجيح والد علي بن المديني
وكان يحيي بن معين يضعفه . وقد ذهب بعض أهل العلم
إلى هذا الحديث وقال للمسافر أن يقطر في بيته قبل أن
يخرج وليس له أن يقصر حتى يخرج من جدار المدينة أو القرية
وهو قول اسحاق .
فهذا التحسين من الترمذي مردود فقد ضعف هذا الحديث
حافظان أحدهما من المتقدمين والآخر من المتأخرين :
الأول هو الحافظ الناقد أبو حاتم الرازي قال ابنه الحافظ
عبد الرحمن في العلل ص ٢٤٠ ما نصه سألت أبي عن حديث
رواه عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن زيد بن أسلم عن محمد بن
كعب أنه أتى أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفراً فوجده
قد رحلت راحلته ولبس ثياب السفر فدعا بطعام فأكل فقلنا
سنة قال ليس بسنة .
ورواء محمد بن عبد الرحمن بن مجبر عن ابن المنكدر عن محمد
ابن كعب أنه أتى انس بن مالك فذكر الحديث قال فقلت
سنة قال سنة . قال أبي حديث الدراوردي أصح . اهـ
فهذا كما هو ظاهر صريح في أن رواية الترمذي مرجوحة
وان الراجح رواية النفي .
- ٦ -

والثاني : فرو الحافظ العراقي زين الدين عبد الرحيم شيخ
الحافظ بن حجر قال في شرحه على الترمذي ( يوجد فى المكتبة
المحمودية بالمدينة المنورة نسخه خطية برقم ١٦٨ ).
حديث انس هذا انفرد بإخراجه الترمذي وحسنه لمتابعة محمد
ابن جعفر لعبد الله بن جعفر والا فعبد الله ضعيف كما حكى
المصنف تضعيفه عن ابن معين فانه قال فيه ليس بشيء وقال
فيه أبو حاتم الرازي منكر الحديث جداً. وقال فيه النسائي
متروك الحديث . وقال الفلاس ضعيف الحديث . وقال فيه
الدار قطني كثير المناكير . وقال أبو حاتم كان هم في الاخبار
فيأتي بها مقلوبة ويخطىء في الآثار حتى كأنها مقلوبه وقال ابن
عدي عامة أحاديثه لا يتابعه عليه أحد وهو مع ضعفه ممن
يكتب حديثه قال صاحب الميزان وهو متفق على ضعفه اه .
قال وان الترمذي انما حسن الحديث لكون عبد الله بن
جعفر لم ينفرد به بل تابعه عليه محمد بن جعفر بن أبي كثير
المدني وهو ثقة كما قال الترمذي .
إذا تقرر هذا فهنا أمر يجب التنبيه عليه فمحل الحجة
من الحديث كون انس قال فيه انه سنة وحكم الصحابي على
الشيء بأنه سنة يكون حكمه حكم الحديث المرفوع على ما هو
- ٧ -

مقرر في علوم الحديث والأصول وهذه اللفظة إنما رواها
على الجزم عبد الله بن جعفر وهو متفق على ضعفه كما تقدم .
وأما طريق محمد بن جعفر فلم يسق الترمذي لفظها وإنما قال
فذكر نحوه ، وهذا لا يقتضى انه بلفظه كما هو مقرر في علوم
الحديث . ثم فتشنا عن لفظ رواية محمد جعفر بن أبي كثير
فوجدناه لم يجزم بهذه اللفظة كما جزم بها عبد الله بن جعفر
رواه كذلك اسماعيل بن اسحاق القاضي في كتاب الصيام .
قال حدثنا عيسى بن مينا قال حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير
عن زيد بن أسلم عن ابن المنكدر عن محمد بن كعب قال
أتيت انس بن مالك في رمضان وهو يريد -فراً فأكل فقلت
سنة ? فلا أحسبه إلا قال نعم . فهذا لفظ رواية محمد بن
جعفر وقد مثك بعض رواته في هذه اللفظة وهو عمدة الاحتجاج
ولكن قد رواها الدار قطني في سننه عن أبي بكر النيسابوري
عن اسماعيل بن اسحق بن سهل عن ابن أبي مريم عن محمد بن
جعفر فذكره ولم يشك في هذه اللفظة بل قال فقلت سنة قال نعم.
قال ابن العربي : حديث أنس صحيح لم يقل به إلا
أحمد بن حنبل .
!
قلت اختلف فيه على بن سعيد بن أبي مريم فقال اسماعيل بن
اسحق عنه ما تقدم وخالف يحيى بن أيوب العلاف فجعل
- ٨ -
i

القصة في الافطار يوم الشك لا ارادة الفر. كذلك رواه
الطبراني في المعجم الأوسط قال حدثنا يحيى بن أيوب العلاف
قال حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير
عن زيد بن أسلم عن محمد ابن المنكدر عن محمد بن كعب
قال : دخلت على أنس بن مالك عند العصر يوم يشكون
وأنا أريد أن أسلم عليه فدعا بطعام فأكل فقلت هذا الذي
صنعت سنة ؟ قال نعم وقد تابع سعيد بن أبي مريم على
روايته على هذا الوجه خالد بن نزار رواه الطبراني أيضاً
فى الأوسط . قال حدثنا المقدام هو ابن داود نا خالد بن نزار
حدثنا محمد بن جعفر فالحديث إذاً اضطرب ليس بصحيح .
ثم فقشنا هل نجد أحداً تابع عبد الله بن جعفر ومحمد بن
جعفر على رواية هذا الحديث عن زيد بن أسلم ليقوى به
احد الراويتين ، فوجدنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي وهم.
أحد رجال الصحيح قد رواه عن زيد بن أسلم عكس رواية
عبد الله بن جعفر رواه كذلك أيضاً اسماعيل القاضي قال :
نا علي بن المديني وابراهيم بن حمزة عن الدراوردي عن
زيد بن أسلم بأسناده وقال فيه فقلت له : سنة ? فقال :
لا ، ثم ركب، وهذه الطريق أقوى من طريق عبد الله بن
جعفر فوجدنا الطريقين صحيحين احدهما فيه الشك في اللفظة
- ٩ -

والاخرى عكسها وفي الطبراني حمل الحديث على معنى غير
الفطر للسفر فتبين ضعف رواية اثبات كونها سنة ، والله أعلم.
وهذه المسألة قد اختلف العلماء فيها على أقوال :
أحدها : وهو قول أكثر أهل العلم ان من أصبح
صائماً ثم سافر فليس له أن يفطر ذلك اليوم البتة لا قبل
الشروع في السفر ولا بعده وهو قول ابراهيم النخعي والزهري
ويحيى بن سعيد الانصاري والأوزاعي وأبي حنيفة واصحابه
ومالك والشافعي وابى ثور .
والثاني : أن له الفطر إذا خرج وبرز عن البيوت وهو
قول احمد بن حنبل ، وروى عن عبد الله بن عمر والشعبي
واحتج بعضهم على جواز الفطر بالحديث الصحيح في خروجه من ضلع
في رمضان إلى مكة وانه صام حتى بلغ الكديد ثم افطر .
وفي رواية حتى بلغ كراع الغعيم فتوهم من استدل بهذا
ان الكديد والكراع بقرب المدينة وان النبي محمد لله أصبح
بالمدينة صائماً ثم بلغهما في بقية يومه فأفطر فالاستدلال بهذا
الحديث على ذلك باطل .
والثالث : إن له الفطر إذا وضع رجله في الرحل وبه
قال داود وحكاه ابن عبد البر عن اسحاق وهو مخالف لما
حكاه الترمذي عنه من ان له الفطر في بيته قبل أن يخرج
- ١٠ -

إلا أن يحمل على أنه وضع رجله في الرحل وهو في بيته
ثم أكل قبل أن يخرج وحديث أنس مخالف له في أنه دعا
بطعامه فأكل ثم ركب والله أعلم .
والرابع : ان له الفطر في بيته يوم يريد أن يخرج
وهو قول أنس والحسن البصري فيما روى عنه وقد حكاه
المصنف عن ابن راهوبه كما تقدم قال ابن عبد البر واتفقوا في
الذي يريد السفر في رمضان أنه لا يجوز له أن يبت الفطر
لان المسافر لا يكون مسافراً بالنية إنما يكون مسافراً
بالنهوض في سفر. انتهى كلام العراقي .
وأخرج البخاري عن ابن عباس خرج النبي صَ كله في
رمضان من المدينة ومعه عشرة آلاف من المسلمين يصوم
ويصومون حتى بلغ الكديد ، فأفطر وافطروا، قال الحافظ
ابن حجر : لو نوى الصوم وهو مقيم ثم سافر في أثناء
النهار فهل له أن يفطر في ذلك النهار ? منعه الجمهور : قال
أحمد واسحق بالجواز واختاره المزني محتجاً بهذا الحديث فقيل له
قال كذلك ظناً منه انه ◌َ ◌ّ أفطر في اليوم الذي خرج فيه
من المدينة اء وليس كذلك فان بين المدينة والكديد عدة أيام.
وكذلك لاحجة للمخالف في حديث أبي بصرة الغفاري الذي
رواه أحمد وأبو داود من طريق عبيد بن جبير قال ركبت
- ١١ -

---
مع أبي بصرة الغفاري في سفينة بالفسطاط في رمضان فدفع ثم
قرب غداءه ثم قال اقترب فقلت الست ترى البيوت فقال
صى الله فأكل لأمرين :
أرغبت عن سنة رسول الله
الاول أنه لا يكفي على المعتمد في صحة الحديث سكوت
أبي داود على ما يرويه في سفته بل لا بد من النظر فيه
وذلك من وظيفة الحافظ لما تقرر في علوم الحديث من اشتراط
الحفظ في ادراك الصحيح والقيم من الحديث كما صرح به
الحاكم في معرفة علوم الحديث وأما دعوى هذا المخالف لآملية
ذلك لنفسه فليست إلا دعوى فارغة .
الثاني لو صح لم يكن فيه حجة لأنه ليس فيه انه خرج
بعد الصبح فر كب ثم أكل ، فيحتمل أنه خرج من بيته
قبل الفجر وركب السفينة فجاز له الأكل كما هو مذهب
الفجر جاز له الأكل في نفس
الجمهور ان من خرج قبل
ذلك النهار بخلاف من خرج بعد الفجر فإنه ليس له أن
يفطر فى ذلك النهار إلا فيما بعده . ويقرب ما وجهنا به حديثه
هذا قول الراوي ثم قرب غداءه والغداء في اللغة ما يؤكل
أول النهار بخلاف ما تعورف اليوم في اللغة العامية من اطلاق
الغداء على ما يؤكل وسط النهار قبيل الظهر أو بعده ،
فإن هذا عرف حادث ففي ( القاموس ) : الغداء طعام الغدوة
وتغدى أكل أول النهار وفيه : الغدوة البكرة او ما بين
صلاة الفجر وطلوع الشمس . والله اعلم)) .
- ١٢ -

٢ - يقول محمد ناصر الدين مستعينا بالله وحده رب العالمين:
ينحصر كلام الشيخ في أربعة أمور :
الأول : تضعيف حديث أنس .
الثاني : فقه الحديث ومن قال به .
الثالث : تضعيف حديث أبي بصرة الغفاري .
الرابع : عدم دلالته عنده على مادل عليه حديث أنس .
وسأتكلم فيما يأتي على هذه الأمور واحدة بعد أخرى
على الترتيب المذكور ، سائلا المولى سبحانه وتعالى أن يلهمني
الصواب في ذلك كله ، وأن يوفق المخلصين إلى تقبله ، والعمل
بما فيه من الفقه، إنه سميع مجيب .
١ - تأكيد صحة حديث أنس
أما حديث أنس ، فقد تأملت كلام الشيخ عليه ،
فلم أجد فيه إلا ما زادني بصيرة في صحته ، ويقيناً بضعف
كلامه ، ووهاء ما تشبت به في تضعيفه ، فإنه لم يأت علي
ما يدل عليه بما يصلح أن يعتبر شبهة في صحته ، فضلًا عن
أن يكون حجة على ضعفه ، إذا ما عرض ذلك على قواعد
علم الحديث وأصوله ، وشهادات العلماء بثبوته. وإليك التفصيل:
لقد تجرأ الشيخ - على خلاف ما علمقاء منه في بعض
رسائله - فجزم بخطأ الترمذي في تحسينه للحديث، ولم
- ١٣ -

يبال البتة بتصحيح الإمام ابن العربي إياه وغيره ممن سنذكره .
وتشبت في ذلك بأمور يمكن أن نلخصها في أربعة :
الأول : ترجيح أبي حاتم لرواية الدراوردي بلفظ
((ليس بسنة)، على الرواية الأخرى: ((قال: نعم سنة)).
وستعبر عنها فيما يأتي بـ ((رواية الإثبات)).
الثاني : تضعيف الحافظ العراقي الرواية الأخرى .
الثالث : عدم جزم بعض الرواة بها .
الرابع : الاختلاف في متنه على سعيد بن أبي مريم ،
فذكر بعضهم عنه : أن الفطر إنما كان من أجل السفر ،
وبعضهم أنه كان من أجل يوم الشك .
الجواب عن الأمر الأول
١ - إذا تبين ذلك فنقول في الإجابة عن الأمر الأول :
أولاً : إِن فهم قول أبي حاتم ((إن حديث الدراوردي
أصح من حديث ابن مجبر)) ، على أنه يدل أن رواية
الترمذي مرجوحة ضعيفة ، وأن الراجح رواية النفي يدل
- مع الأسف - على الجهل البالغ بأساليب المحدثين في الترجيح،
وسوء فهم لمقاصدهم من ذلك، إذ أن ترجيح أبي حاتم إنما
هو محصور بين روايتين ليس منهما رواية الترمذي ! ثم هو
ترجيح صحيح ، لأن الدراوردي ثقة على ضعف يسير في
٠- ١٤ -

حفظه كما يأتي، بخلاف المخالف له : ابن مجبر فإنه ضعيف
اتفاقاً، وقد قال فيه أبو حاتم نفسه: (( ليس بالقوي))
وقال صاحبه أبو زرعة: ((واهي الحديث)) (١) ولكن أي
عالم بل أي عاقل عنده قليل من الفهم بالأسلوب العربي
يفهم من ذلك ترجيح رواية الدراوردي هذه على رواية الترمذي
وهي لم يرد لها ذكر في كلام أبي حاتم لا تصريحاً ولا
تلويجا، بل لعله لم يقف عليها أصلا ، ثم هي أقوى وارجح
من رواية الدراوردي كما سأبينه في الوجه الآتي بعد هذا .
فسقط بذلك قول الشيخ عقب كلام أبي حاتم :
(«هو صريح في أن رواية الترمذي مرجوحة، وأن
الراجح رواية النفي )) !
ثانياً: إن قول الدراوردي في روايته (( ليس بسنة).
منكر أو على الأقل ستاذ لسببين :
أ - مخالفته لمن هو أوثق منه، ألا وهو محمد بن جعفر بن
أبي كثير وهو ثقة كما قال الترمذي ونقله عنه الشيخ نفسه ، ولا
خلاف فيه عند الأئمة النقاد ، بل احتج به الشيخان وجميع
أصحاب السنن وغيرهم ، فروايته هي الراجحة عند التعارض على
(١) (الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (٣٢٠/٢/٣).
- ١٥ -

رواية الدراوردي لأنه مختلف فيه ، وقد وصفه أبو زرعة
وغيره بأنه (( سيىء الحفظ)) فلا جرم أن البخاري لم يحتج به بينما
احتجا جميعاً بمخالفه ، فثبت أن روايته هي أحق بالترجيح من
رواية الدراوردي ، ولا يشك في هذا منصف شم رائحة
مصطلح الحديث .
ب - أن رواية الدراوردي لا متابع لها ولا شاهد
خلافاً لرواية محمد بن جعفر، فإن لها متابعاً وشاهدا :
أما المتابع فهو عبد الله بن جعفر عند الترمذي ، وهو
وإِن كان ضعيفاً فانه يكتب حديثه كما قال ابن عدي ،
فهو لا بأس به في المنابعات والشواهد .
١
وأما الشاهد ، فهو حديث ابن المجبر الذي نقله الشيخ
عن ابن أبي حاتم، ولا يضر ضعفه لأنه فى الشواهد كما لا
يخفى . ولا أظن أن الشيخ يخالف في ذلك لأنه ذكر نحو
هذا في رسالته (( التعقب الحثيث)) ( ص ٥ ).
فسقط بهذا التحقيق تعلق الشيخ بكلام أبي حاتم ،
وتبين أن الصواب رواية الإثبات ، وأن رواية الدراوردي
في النفي خطأ لا يعول عليه .
الجواب عن الأمر الثانى
٢ - وأما الأمر الثاني وهو تضعيف العراقي لرواية الإثبات،
فالجواب من وجهين :
- ١٦ -
1

أولاً : معارضته بتصحيح من صحح الحديث وهم جماعة ،
فقولهم أرجح عند التعارض من قول من خالفهم وهو فرد ،
فممن صححه : الترمذي ، وابن العربي ، والضياء المقدسي
- كما سيأتي - وابن القيم في ((زاد المعاد))، وأبو المحاسن
المقدسي في ((مختصر أحاديث الأحكام)) ( ق ١/٦١) ويمكن
أن يضم إليهم الإمام أحمد واسحاق بن راهويه فإنها أخذا
بالحديث وعملا به باعتراف العراقي نفسه وذلك دليل
- إن شاء الله تعالى - على أن الحديث ثابت عندهما وهو المطلوب.
ثانياً : أن قواعد علم الحديث تدل على خطأ التضعيف
المذكور، وأرجو ألا يستغل الأستاذ الشيخ أو أحد من
المتعصبين له أو من غيرهم فيبادروا إلى الانكار علينا بسبب هذا
التصريح ، لأن الحق فوق الأشخاص ، والتحقيق العلمي
لا يعرف النفاق !
على أن الشيخ قد سبقني إلى مثل هذه التخطئة فهو قد
جزم بتخطئة الترمذي كما رأيت ، فكذلك أجزم بتخطئة
العراقي والشيخ معاً، مع فارق جوهري بيني وبينه، فانه يخطّئ.
الترمذي تقليداً للعراقي ، وهذا ترجيح بدون مرجح كما
لا يخفى، ولو عكس أحد عليه الأمر فقلد الترمذي وخطأ
العراقي لم يجد سبيلاً إلى تخطئته إلا مجرد الدعوى! أو
- ١٧ -
م (٢)

!
اتباع الهوى ! وأما نحن فإنما نخطىء اتباعاً للقواعد العلمية
التي وضعها العلماء ميزاناً لمعرفة الخطأ من الصواب ، وشتان
بين هذا وذاك !
أخطاء العراقي حول الحديث
إن الباحث المدقق في كلام الحافظ العراقي الذي نقله
الشيخ ليجد فيه كثيراً من الأخطاء التي لا بد من الكشف
عنها دفاعاً عن الحديث لا الأشخاص !
الأولى : إِنه يقر الترمذي على تحسين الحديث لمتابعة
محمد بن جعفر، ثم يقول في رواية الإثبات: ((إنما رواها على
الجزم عبد الله بن جعفر وهو متفق على ضعفه)). مع أنه
ذكر بعد ذلك بقليل أن الدارقطني رواها على الجزم من
طريق محمد بن جعفر الثقة . فكيف يصح إذن قوله المذكور
المتضمن حصر هذه الرواية بعبد الله الضعيف 7! وكذلك قوله
في رواية محمد هذا: « لم يجزم بهذه اللفظة كما جزم بها
عبدالله بن جعفر)) ! لا مشك في أن هذا القول وذاك خطأ
مخالف الواقع .
ثانياً : قوله أن رواية محمد بن جعفر على الشك . مع ان
هذه الرواية عنه لا تثبت ، ولو ثبتت لم تخالف الرواية الثابتة
عنه كما سيأتي بيانه في الجواب المشار إليه .
- ١٨ -

ثالثاً: إعلاله الحديث بالاختلاف على سعيد بن أبي مريم
برواية العلاف عنه مع انها رواية ساذة مخالفة لرواية الثقات عن
سعيد كما سيأتي تحقيقه في الجواب عن الأمر الثالث .
رابعاً: ذكر رواية الدراوردي ثم قال: ((إنها أقوى
من طريق عبد الله بن جعفر)) وهذا صحيح ، ولكنه يوهم
أن عبد الله لم يتابع على روايته، مع أنه قد ذكر هو
ان مهد بن جعفر قد تابعه على لفظه عند الدارقطني كما سبق !
فرواية محمد وعبد الله اصح من رواية الدراوردي كما سبق بيانه.
هذه الأخطاء هي دعائم قول الحافظ العراقي بـ «ضعف
رواية إثبات كونها سنة)) .
فإذ قد انهارت هذه الدعائم ، فقد انهار قوله القائم عليها ،
وسقط بالتالي تشبت الشيخ به ورجع منه بخفي حنين !
وفي الجوابين الآتيين زيادة بيان لما أجملناه هنا .
الجواب عن الأمر الثالث
٣ - وأما الجواب عن الأمر الثالث، وهو عدم جزم بعض
الرواة برواية الإثبات فهو أنه لا يجوز التمسك بها في إعلال
الروايات الأخرى الجازمة بالإثبات بل إِن هذه تعل رواية
ذلك البعض ، وذلك لوجوه :
- ١٩ -

الاول : أن من لم يجزم معناه أنه لا علم عنده بالأمر
وأنه لم يحفظه ، بخلاف الذي جزم به فانه يدل على انه قد
علمه وحفظه ، فكيف يصح ترجيح رواية من لم يحفظ على
رواية من حفظ ?! وهل هذا إلا خلاف ما هو مسلم به
عند جميع العلماء : أن من حفظ حجة على من لم يحفظ ،
ومن علم حجة على من لم يعلم ، وخلاف للقاعدة المقررة عندهم
وهي التي تقول: ((المثبت مقدم على النافي»، فكيف
وهذا الذي لم يجزم لم ينف ، بل إنه اثبت ، ولكن
بدون جزم، فهذه الرواية في الحقيقة مؤيدة لرواية الإثبات
ومقوية لها ، فكيف يصح ان تجعل معلة لها ?!
ثانياً : أن رواية من لم يجزم بالإثبات لا تصح اصلا،
فلا يجوز أن يحتج بها فضلا عن أن يعارض بها ما رواه الثقات
الأثبات عن محمد بن جعفر من الجزم بالإثبات ، ذلك لأن هذه
الرواية تفرد بها عن محمد هذا عيسى بن مينا وهو ضعيف ،
قال الذهبي في («المغني)): (( حجة في القراءة، لا في الحديث،
سئل عنه احمد بن صالح ? فضحك وقال : يكتبون
عن كل احد !)) .(١)
(١) شذرات الذهب (٤٨/٢). ونحوه في ((الميزان).
- ٢٠ -