Indexed OCR Text
Pages 381-400
القراءة / التأمين وجهر الإمام به
قال عطاء :
ولقد كنت أسمع الأئمة يقولون هم أنفسهم على أَثَر ﴿أم القرآن﴾ : (آمين)، هم
ومن وراءهم؛ حتى إن للمسجد للجة .
فهذا الإسناد صحیح ، ولكن لا حجة فيه ؛ لأنه ليس مرفوعاً إليه
وعلقه البخاري في ((صحيحه))، ووصله الشافعي (٦٥/١) (*).
المسألة الرابعة: قال الحافظ أبو زرعة في ((شرح التقريب)) (٢٦٩/٢):
(*) (تنبيه): قال الشيخ رحمه الله تعالى في ((الضعيفة)) (٣٦٩/٢):
((وهو في ((مصنف عبدالرزاق)) برقم (٢٦٤٠/ج٢)، ومن طريقه ابن حزم في ((المحلى)) (٣٦٤/٣).
فقد صرح ابن جريج في هذه الرواية أنه تلقى ذلك عن عطاء مباشرة ؛ فأمِنًا بذلك تدليسه ،
وثبت بذلك هذا الأثر عن ابن الزبير .
وقد صح نحوه عن أبي هريرة ؛ فقال أبو رافع: إن أبا هريرة كان يؤذن لمروان بن الحكم ، فاشترط
أن لا يسبقه بـ: ﴿الضَّالين﴾ حتى يعلم أنه قد دخل الصف. فكان إذا قال مروان: ﴿ولا الضالين﴾؛ قال
أبو هريرة: ﴿أَمين﴾ يَمُدُّ بها صوته ، وقال: إذا وافق تأمينُ أهل الأرض تأمينَ أهل السماء ؛ غفر لهم.
أخرجه البيهقي (٥٩/٢).
وإسناده صحيح .
فإذا لم يثبت عن غير أبي هريرة وابن الزبير من الصحابة خلاف الجهر الذي صح عنهما؛
فالقلب يطمئن للأخذ بذلك أيضاً ، ولا أعلم الآن أثراً يخالف ذلك. والله أعلم)».
وقال رحمه الله تعالى في ((تمام المنة)) (ص١٧٨):
((فملت ثمة إلى اتباعهما في ذلك ، ثم رأيت الإمام أحمد قال به - فيما رواه ابنه عبدالله عنه
في «مسائله)» (٢٥٩/٧٢) -».
وقال رحمه الله في مطبوع «صفة الصلاة)) (ص١٠٢):
(((فائدة): تأمين المقتدين وراء الإمام يكون جهراً ومقروناً مع تأمين الإمام ؛ لا يسبقونه به - كما
يفعل جماهير المصلين -، ولا يتأخرون عنه . هذا هو الذي ترجح عندي أخيراً)»
.
٣٨١
القراءة / التأمين وجهر الإمام به
وكان يأمر المقتدين بالتأمين بُعَيْدَ تأمين الإمام ؛ فيقول :
((إذا قال الإمام: ﴿غيرِ المغضُوبِ عليهمْ ولا الضَّالِّينَ﴾؛ فقولوا(١):
آمين ؛ [فإن الملائكة تقول: آمين. وإن الإمام يقول: آمين]، (وفي لفظ: إذا
أُمَّن الإمام ؛ فأمِّنوا)؛ فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة ، (وفي لفظ آخر: إذا
(المستحب الاقتصار على التأمين عقب ﴿الفاتحة﴾ من غير زيادة عليه؛ اتباعاً
للحدیث ، وأما ما رواه البيهقي من حدیث وائل بن حُجْر :
أنه سمع رسول الله تَّهم حين قال: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ قال:
(رب اغفر لي، آمين)). فإن في إسناده أبا بكر النهشلي، وهو ضعيف)).
قلت: هو في ((سنن البيهقي)) (٥٨/٢) من طريق أحمد بن عبدالجبار العُطارِدي:
ثنا أبي عن أبي بكر النهشلي عن أبي إسحاق عن أبي عبدالله اليَحْصَبي عن وائل به .
ومن هذا الوجه أخرجه الطبراني أیضاً ۔ کما في «المجمع» -، وأعله بأحمد بن
عبدالجبار هذا ؛ فقال :
(وثقه الدارقطني، وأثنى عليه أبو كريب ، وضعفه جماعة ، وقال ابن عدي: لم أَرَ
له حديثاً منكراً)) . وفي «التقريب»:
هو (ضعيف)) . وقال في ترجمة أبي بكر النهشلي :
«صدوق، رمي بالإرجاء)) .
قلت : فإعلاله بالعُطارِدي - كما صنع الهيثمي - أولى من إعلاله بالنهشلي .
(١) حمل الجمهور هذا الأمر على الندب، ومنهم ابن حزم في ((المحلى)) (٢٦٢/٣).
قال الحافظ (٢١٠/٢) :
((وحكى ابنُ بَزِيزة عن بعض أهل العلم وجوبه على المأموم؛ عملاً بظاهر الأمر.
٣٨٢
القراءة / التأمين وجهر الإمام به
قال أحدكم (١) في الصلاة: آمين . والملائكةُ في السماء : آمين . فوافق
أحدهما الآخر) ؛ غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه (٢))(٣) . وفي حديث آخر:
قال: وأوجبه الظاهرية على كل مصل)). قال الشوكاني (١٨٧/٢):
((والظاهر من الحديث الوجوب على المأموم فقط ، لكن لا مطلقاً؛ بل مقيداً بأن يُؤَمِّن
الإمام. وأما الإمام والمنفرد؛ فمندوب فقط)). اهـ. قال الحافظ أبو زرعة [العراقي]
(٢٦٦/٢) :
((في الحديث رد على الإمامية ؛ في دعواهم أن التأمين في الصلاة مبطل لها ، وهم
في ذلك خارقون لإجماع السلف والخلف ، ولا حجة لهم في ذلك ؛ لا صحيحة ولا
سقيمة)). ١ هـ. وقال الخطابي (٢٢٤/١):
((معنى الحديث : قولوا مع الإمام؛ حتى يقع تأمينكم وتأمينه معاً. فأما قوله : ((إذا
أمن الإمام ؛ فأمنوا))؛ فإنه لا يخالفه ، ولا يدل على أنهم يؤخرونه عن وقت تأمينه ، وإنما
هو كقول القائل : إذا رحل الأمير؛ فارحلوا . يريد : إذا أخذ الأمير في الرحيل ، فتهيأوا
للارتحال ؛ ليكون رحيلكم مع رحيله ، وبيان هذا في الحديث الآخر: ((إن الإمام يقول:
آمين ؛ والملائكة تقول : آمين . فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة ؛ غفر له ما تقدم من
ذنبه)). فأحب أن يجتمع التأمينان في وقت واحد ؛ رجاءَ المغفرة)). اهـ.
(١) فيه استحباب التأمين للمنفرد والمأموم أيضاً؛ لعموم قوله :
(أحدکم)). قال صاحب ((المفهم)) :
((وقد اتفقوا على أن الفذُّ يُؤَمِّن مطلقاً ، والإمام والمأموم فيما يُسِرّان فيه يُؤَمِّنان» .
كذا في ((طرح التثريب)) (٢٦٧/٢).
(٢) وأما زيادة: ((وما تأخر)). فشاذة ضعيفة في هذا الحديث - كما بينه الحافظ في
(الفتح)» (٢١١/٢) -، ومثلها: ((غفر لمن في المسجد)).
٣٨٣
القراءة / التأمين وجهر الإمام به
(٣) هو من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وله ألفاظ ، وقد ذكر منها ما يناسب
المقام ، وله طرق :
الأول : عن سُمي مولى أبي بكر عن أبي صالح السمان عنه .
أخرجه مالك (١١١/١)، ومن طريقه البخاري (٢١٢/٢ و١٣٠/٨) وفي ((جزئه))
(٢٠)، وأبو داود (١٤٨/١)، والنسائي (١٤٧/١)، والبيهقي (٥٥/٢)، وأحمد
(٤٥٩/٢) - كلهم عن مالك - عنه به.
وأخرجه مسلم (١٨/٢) عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه به .
ثم أخرجه هو (٢٠/٢)، وأحمد (٤٤٠/٢) عن الأعمش عن أبي صالح نحوه .
بلفظ :
((غفر لمن في المسجد)). وليس هذا عند مسلم.
الثاني : عن مَعْمَر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة به . وفيه
الزيادة .
أخرجه النسائي، والدارمي (٢٨٤/١)، وعبدالرزاق في ((مصنفه)) - كما في ((نصب
الراية» (٣٦٨/١) -، ومن طريقه رواه ابن حبان في («صحيحه))، وكذا أحمد في
(«مسنده)» (٢٧٠/٢).
وإسناده صحيح على شرط الشيخين .
{وعزا الزيادة الحافظ في ((الفتح)) لأبي داود أيضاً! وهو وهم }
ورواه البخاري (١٦٧/١١)، والنسائي، والبيهقي، وأحمد (٢٣٨/٢)، وكذا ابن
ماجه عن ابن عيينة عن الزهري باللفظ الأول .
وللزهري فيه شيخ آخر بلفظ آخر ، وهو اللفظ الثاني في الكتاب ، وهو الطريق :
٣٨٤
القراءة / التأمين وجهر الإمام به
الثالث : عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبدالرحمن : أنهما
أخبراه عن أبي هريرة به .
أخرجه مالك أيضاً (١٠٨/١)، وعنه البخاري (٢٠٩/٢)، ومسلم (١٧/٢)،
ومحمد في ((موطئه)) (١٠٣)، وأبو داود، والنسائي، وكذا الترمذي (٣٠/٢)، والبيهقي
(٥٥/٢ و٥٧)، وأحمد (٤٥٩/٢) - كلهم عن مالك - به .
ورواه مسلم، وابن ماجه (٢٨٠/١) من طريق يونس عن الزهري به .
ثم أخرجه ابن ماجه ، وأحمد (٢٣٣/٢) من طريق عبدالأعلى بن عبدالأعلى عن
الزهري به باللفظ الأول . وفيه الزيادة .
وأخرجه النسائي، والدارمي، والبيهقي، وأحمد (٤٤٩/٢) عن محمد بن عمرو
عن أبي سلمة وحده به . بدون الزيادة .
الرابع : عن ابن وهب : أخبرني عمرو: أن أبا يونُس حدثه عن أبي هريرة باللفظ
الثالث .
تفرد به مسلم .
الخامس : عن أبي الزناد عن الأعرج عنه بهذا اللفظ . دون قوله: ((في الصلاة)).
أخرجه مالك (١١١/١)، وعنه الشيخان، والنسائي، والبيهقي، وأحمد
(٤٥٩/٢) .
السادس : عن عبدالرزاق عن معمر عن هَمّام بن مُنَبّه عنه به .
أخرجه مسلم ، وأحمد (٣١٢/٢).
السابع: عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن أبي علقمة عنه .
٣٨٥
القراءة / التأمين وجهر الإمام به
وسنده صحيح؛ كما سبق في (القيام) في أثناء حديث (*).
واعلم أن البخاري ترجم لهذا الحديث بـ:
(باب جهر الإمام بالتأمين) .
وكذلك ترجم له ابن ماجه ، والنسائي . قال السندي :
(«أخذ منه المصنف الجهر بآمين، إذ لو أسر الإمام بآمين؛ لماَ عَلِمَ القومُ بتأمين الإمام،
فلا يحسن الأمر إياهم بالتأمين عند تأمينه .
وهذا استنباط دقيق يرجحه ما سبق من التصريح بالجهر، وهذا هو الظاهر المتبادر(١).
نعم ؛ قد يقال: يكفي في الأمر معرفتهم لتأمين الإمام بالسكوت عن القراءة . لكن تلك
معرفة ضعيفة ؛ بل كثيراً ما يسكت الإمام عن القراءة ، ثم يقول : آمين ؛ بل الفصل بين
القراءة والتأمين هو اللائق ؛ فيتقدم تأمين المقتدي على تأمين الإمام إذا اعتمد على هذه
الأمارة ، ولكن رواية: ((إذا قال الإمام: ﴿ولا الضالين﴾ ... )) ربما يرجح هذا التأويل، فليتأمل .
والأقرب أن أحد اللفظين من تصرفات الرواة . وحينئذ فرواية: ((إذا أمَّن)) أشهر
وأصح؛ فهي أشبه أن تكون الأصل . والله أعلم)) . اهـ.
(*) انظر (ص ٨٧) .
٠٠
(١) { والزيادة تبطل الاحتجاج بالحديث على أن الإمام لا يؤمن، كما يروى عن مالك، ولذلك
قال الحافظ :
۔ے
((وهو صريح في كون الإمام يؤمن)) .
قلت : ويشهد له اللفظ الثاني. قال ابن عبدالبر في ((التمهيد)» (١٣/٧):
من
(«وهو قول جمهور المسلمين ، ومنهم مالك في رواية المدنيين عنه ؛ لصحته عن رسول الله
حديث أبي هريرة (يعني : هذا) ووائل بن حُجْر)). يعني الذي قبله } .
٣٨٦
القراءة / التأمين وجهر الإمام به
((فقولوا: آمين؛ يُجبْكُم (١) الله))(٢) . وكان يقول :
(١) هو بالجيم؛ أي : يستجيب دعاءكم . وهذا حث عظيم على التأمين ؛ فيتأكد
الاهتمام به . قاله النووي .
(٢) هو من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال:
إن رسول الله { خطبنا؛ فبين لنا سنتنا، وعلَّمنا صلاتنا، فقال:
((إذا صليتم ؛ فأقيموا صفوفكم ، ثم ليؤمكم أحدكم ، فإذا كبّر ؛ فكبِّروا ، وإذا قال :
﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾؛ فقولوا: آمين؛ يُجِبْكُم الله، فإذا كبر وَرَكَعَ ؛
:
فكبِّروا ، واركعوا ؛ فإن الإمام يركع قبلكم ، ويرفع قبلكم)) . فقال رسول الله ثم
((فتلك بتلك ، وإذا قال : سمع الله لمن حمده؛ فقولوا : اللهم ! ربنا لك الحمد ؛
يسمع الله لكم؛ فإن الله تبارك وتعالى قال على لسان نبيه { 8} : سمع الله لمن حمده،
وإذا كبّر وسجد ؛ فكبروا واسجدوا ، فإن الإمام يسجد قبلكم ، ويرفع قبلكم» . فقال
رسول الله يلي :
((فتلك بتلك ، وإذا كان عند القَعْدة؛ فليكن من أول قول أحدكم : التحيات
الطيبات الصلوات لله ، السلام عليك أيها النبي ! ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا ،
وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)» .
أخرجه مسلم (١٤/٢ - ١٥)، وأبو عوانة (١٢٨/٢)، وأبو داود (١٥٣/١ - ١٥٤)،
والنسائي (١٦٢/١ و١٧٥ و١٨٨)، والدارمي (٣١٥/١)، والبيهقي (١٤٠/٢ - ١٤١)،
{والروياني في «مسنده)) (١/١١٩/٢٤)}، وأحمد (٤٠٩/٤) من طرق عن قتادة عن
يونُس بن جُبير عن حِطّان بن عبد الله الرِّقَاشي عنه .
وروى منه ابن ماجه (٢٩٢/١)، والطحاوي (١٥٦/١)، والدارقطني (١٣٤) قضية
التشهد فقط، وهو رواية للنسائي (١٣٢/١).
٣٨٧
القراءة / التأمين وجهر الإمام به
((ما حَسَدَتْكُم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين (١)
[خلف الإمام]»(٢).
وفي رواية للدارمي (٣٠٠/١ - ٣٠١)، والبيهقي (٩٦/٢)، وأحمد (٤٠١/٤ ،
٤٠٥) إلى قوله: «تلك بتلك» . وزاد أبو داود وغيره :
((وإذا قرأ؛ فأنصتوا)). وهي زيادة صحيحة. وقد سبق الكلام عليها في موضعه (١).
(١) لما علموا من فضلهما وبركتهما. أي: فاللائق بكم الإكثار منهما. قاله
السندي .
(٢) صح هذا عن جمع من الصحابة رضي الله عنهم (*)؛ وهم : عائشة أم
المؤمنین ، وعبد الله بن عباس ، وأنس بن مالك ، ومعاذ بن جبل :
أما حديث عائشة : فأخرجه ابن ماجه (٢٨١/١) : ثنا إسحاق بن منصور: أخبرنا
عبدالصمد بن عبدالوارث : ثنا حماد بن سلمة : ثنا سهيل بن أبي صالح عن أبيه عنها
به . قال في «الزوائد)) :
((هذا إسناد صحيح ، ورجاله ثقات. احتج مسلم بجميع رواته)) . وهو كما قال .
وقد صححه ابن خزيمة - كما في ((الفتح)) (١٦٧/١١) -، وصححه أيضاً المنذري في
(الترغيب)» (١٧٨/١)، وعزاه لابن خزيمة في ((صحيحه)).
وبهذا الإسناد أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (١٤٤).
وله طريق أخرى: أخرجه أحمد (١٣٤/٦ - ١٣٥)، والبيهقي (٥٦/٢) عن علي
ابن عاصم وسلیمان بن کثیر عن حُصین بن عبدالرحمن عن عمر بن قیس عن محمد
(١) ص (٣٤٩ - ٣٥٤).
(*) عزاه الشيخ رحمه الله في ((الصفة)) المطبوع للسّراج أيضاً .
٣٨٨
القراءة / التأمين وجهر الإمام به
ابن الأشعث قال :
دخلت على عائشة رضي الله عنها فحدثتني ؛ قالت :
١
جاء ثلاثة نفر من اليهود ، فاستأذن أحدهم ...
بينما أنا قاعدة عند رسول الله
قال :
وذكر الحديث ، وفيه عن النبي
(تدرين علامَ حسدونا؟)). قلت : الله ورسوله أعلم . قال :
«فإنهم حسدونا على القبلة التي هُدينا إليها ، وضلوا عنها ، وعلى الجمعة التي
هُدينا لها ، وضلوا عنها ، وعلى قولنا خلف الإمام : آمين)).
وهذا إسناد صحيح . رجاله عند البيهقي رجال مسلم ؛ غير عمر بن قيس ، وهو
ثقة ، وكذلك رجال أحمد ؛ غير علي بن عاصم ، فهو سيئ الحفظ ، ولا يضر ذلك هنا ؛
فروايته متابعة . وقد نقل المناوي عن الحافظ العراقي أنه قال :
((حديث صحيح)) . ووقع في رواية البيهقي : (عمرو) ؛ بزيادة : الواو . وقد قال البخاري :
((لا يصح)). يعني : أن الصواب : عمر؛ بحذف الواو - كما في رواية أحمد -.
ثم أخرجه البيهقي من طريق عبدالله بن ميسرة : ثنا إبراهيم بن أبي حَرَّة عن
مجاهد عن محمد بن الأشعث به نحوه باللفظ الأول ، وزاد :
((واللهم ! ربنا لك الحمد».
وعبدالله بن ميسرة : ضعيف - كما في ((التقريب)) وغيره ..
٤
وأما حديث ابن عباس : فأخرجه ابن ماجه عن طلحة بن عمرو عن عطاء عنه
مرفوعاً . قال في ((الزوائد)) :
((إسناده ضعيف؛ لاتفاقهم على ضعف طلحة بن عمرو)).
٣٨٩
القراءة / التأمين وجهر الإمام به
وأما حديث أنس: فأخرجه الضياء المقدسي في ((المختارة)) من طريق سليمان بن
المغيرة عن ثابت عنه رفعه :
((إن اليهود يحسدونكم على السلام، والتأمين».
وسنده صحيح إن شاء الله .
وأما حديث معاذ: فأخرجه الطبراني في ((الأوسط)) مطولاً بنحو حديث محمد بن
الأشعث عن عائشة ؛ إلا أنه ذكر: (رد السلام، وإقامة الصفوف) .. بدل : (القبلة ،
والجمعة). قال المنذري، وتبعه الهيثمي (١١٣/٢):
«وإسناده حسن)) .
٣٩٠
القراءة / قراءته وي بعد ﴿الفاتحة)
بعد ﴿الفاتحة﴾
م ـُ
قراءتُهُ #
ثم كان :﴿ يقرأ بعد ﴿الفاتحة﴾ سورة غيرها. وكان يطيلها أحياناً ،
ويقصرها أحياناً لعارض سفر ، أو سعال ، أو مرض ، أو بكاء صبي تصلي
أمُّه معه ◌َزٍ؛ كما قال أنس بن مالك رضي الله عنه :
(جوَّز ◌َ ﴾(١) ذات يوم في الفجر (وفي حديث آخر: صلى الصبح،
فقرأ بأقصر سورتين في القرآن) ، فقيل : يا رسول الله! لم جوَّزت؟ قال :
((سمعت بكاء صبي(٢) ، فظننت أن أمه معنا تصلي ؛ فأردت أن أفرغ له
أمه))) (٣).
(١) {أي: خفف} .
(٢) {وفي هذا الحديث وأمثاله: جوازُ إدخال الصبيان المساجد، وأما الحديث
المتداول على الألسنة :
«جنبوا مساجدکم صبيانكم ... ) الحديث .
فضعيف ، لا يحتج به اتفاقاً . وممن ضعفه ابن الجوزي ، والمنذري ، والهيثمي ،
والحافظ ابن حجر العسقلاني ، والبوصيري ، وقال عبدالحق الإشبيلي :
«لا أصل له))} .
(٣) أخرجه الإمام أحمد (٢٥٧/٣) قال: ثنا عفان: ثنا حماد بن زيد قال : أنا علي
ابن زید وحمید عنه . قال عفان : فوجدته عندي في غير موضع عن علي بن زيد وحمید
وثابت عن أنس بن مالك .
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ، إلا علي بن زيد ، وروايته متابعة .
ورواه الطبراني في ((الأوسط)» بنحوه ، وفيه :
٣٩١
بعد ﴿الفاتحة﴾
القراءة / قراءته
أنه صلى الفجر بأقصر سورتين من القرآن . قال الهيثمي (٧٤/٤) :
((وفيه أبو الربيع السمان ، وهو ضعيف)) .
{ و[أخرجه] ابن أبي داود في «المصاحف)) (٢/١٤/٤ = [٥٠٧/٥٠٥/١) عن البراء
ابن عازب به]} .
وأخرجه من حديثٍ ثابتٍ مسلمٌ (٤٤/٢)، والدارقطني (١٩٦)، والبيهقي
(٣٩٣/٢)، وأحمد أيضاً (١٥٣/٣، ١٥٦) من طريق جعفر بن سليمان عنه بلفظ:
كان رسول الله عَليه يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة ؛ فيقرأ بالسورة
الخفيفة ، أو بالسورة القصيرة .
وأخرجه من حديث حميد الترمذي (٢١٤/٢) عن مروان بن معاوية الفَزاري عنه
مرفوعاً بلفظ :
((والله! إني لأسمع بكاء الصبي وأنا في الصلاة؛ فأُخَفّف مخافة أن تفتتن أمه)).
وقال :
(حسن صحيح)) .
قلت : مروان بن معاوية : ثقة ، لكنه مدلس ، وقد عنعنه ، وقد خولف في لفظه ؛
فأخرجه أحمد (١٨٢/٣ و١٨٨ و٢٠٥) من طرق عن حميد بلفظ:
بينما رسول الله {﴿﴾ يصلي إذ سمع بكاء صبي؛ فتجوز في صلاته ، فظننا أنه إنما
خفف من أجل الصبي ؛ أنْ أمه كانت في الصلاة .
وإسناده صحيح على شرطهما . وهو ثلاثي .
وله في البخاري (١٦٠/٢)، و(«المسند» (٢٣٣/٣ و٢٤٠) طريق رابع: عن سليمان
ابن بلال عن شريك : أنه سمع أنس بن مالك يقول :
٣٩٢
بعد ﴿الفاتحة﴾
القراءة / قراءته
وكان يقول :
((إني لأدخل في الصلاة ، وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي،
فأتجوّز في صلاتي ؛ مما أعلم من شدة وَجْدٍ أمه من بكائه))(١) .
ما صليت خلف إمام أخفًّ صلاةً من رسول الله تَ له، ولا أتم ، وإن كان رسول
الله ﴾ ليسمع بكاء الصبي؛ فيخفف مخافة أن تفتتن أمه .
وإسناده على شرطهما أيضاً .
وله شاهد من حديث أبي هريرة . أخرجه أحمد (٤٣٢/٢) عن ابن عجلان قال :
سمعت أبي عن أبي هريرة :
سمع النبي ◌َ﴾ صوت صبي في الصلاة ؛ فخفف الصلاة .
وسنده حسن .
(١) هو من حديث أنس أيضاً.
أخرجه البخاري (١٦١/٢)، ومسلم (٤٤/٢)، وابن ماجه (٣١٢/١)، والبيهقي
(٣٩٣/٢)، وأحمد (١٠٩/٣) من طرق عن سعيد بن أبي عروبة قال: ثنا قتادة: أن
أنس بن مالك حدثه به .
وله شواهد :
منها : عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن عبدالله بن أبي قتادة عن أبيه
مرفوعاً مثله ، إلا أنه قال :
((كراهية أن أشق على أمه)) .
أخرجه البخاري (١٦٠/٢)، وأبو داود (١٢٦/١)، والنسائي (١٣٢/١)، وابن ماجه
أيضاً، وأحمد (٣٠٥/٥) من طرق عنه .
٣٩٣
بعد ﴿الفاتحة﴾
القراءة / قراءته
ومنها : عن أبي هريرة مختصراً بلفظ :
((مخافة أن تفتن أمه)).
رواه البزار. ورجاله ثقات - كما في «المجمع» (٧٤/٢) ..
قال النووي في «شرح مسلم)» :
((الوجد) يطلق على الحزن ، وعلى الحب أيضاً، وكلاهما سائغ هنا، والحزن أظهر؛
أي : من حزنها واشتغال قلبها به ، وفيه دليل على الرفق بالمأمومين وسائر الأتباع،
ومراعاة مصلحتهم ، وأن لا يدخل عليهم ما يشق عليهم؛ وإن كان يسيراً من غير
ضرورة ، وفيه جواز صلاة النساء مع الرجال في المسجد ، وأن الصبي يجوز إدخاله
المسجد ، وإن كان الأولى تنزيه المسجد عمن لا يُؤْمَنُ منه حدث)». اهـ.
وقال الخطابي (٢٠١/١):
(( فيه دليل على أن الإمام - وهو راكع - إذا أحس برجل يريد الصلاة معه ؛ كان له أن
ينتظره راكعاً ؛ ليدرك فضيلة الركعة مع الجماعة ؛ لأنه إذا كان له أن يحذف من طول
الصلاة لحاجة الإنسان في بعض أمور الدنيا ؛ كان له أن يزيد فيها لعبادة الله ، بل هو
أحق بذلك وأولى ، وقد كرهه بعض العلماء ، وشدد فيه بعضهم ، وقال : أخاف أن يكون
شركاً . وهو قول محمد بن الحسن)) . اهـ.
قلت : هذا القول ذكره علماؤنا من قول أبي حنيفة ، وأَوّلوه بأنه أراد الشرك في
العمل ؛ لأن أول الركوع كان لله تعالى ، وآخرَه للجائي . قالوا : ولا يكفر؛ لأنه ما أراد
التذلل والعبادة له ، وقالوا بكراهة إطالة الرکوع لإدراك اجائي ؛ إن عرفه ، وإلا ؛ فلا بأس
به ؛ أي : إن تركه أفضل . لكن قال ابن عابدين في ((حاشيته)) (٤٦٢/١):
((أقول: قصد الإعانة على إدراك الركعة مطلوب؛ فقد شرعت إطالة الركعة الأولى
٣٩٤
بعد ﴿الفاتحة﴾
القراءة / قراءته
وكان يبتدئ من أول السورة ، ويكملها في أغلب أحواله(١) . ويقول :
في الفجر اتفاقاً ، وكذا في غيره على الخلاف؛ إعانةً للناس على إدراكها ؛ لأنه وقت نوم
* -. ونقل في ((الحلبة)) عن عبدالله بن
وغفلة - كما فهم الصحابة ذلك من فعله
المبارك ، وإسحاق ، وإبراهيم ، والثوري : أنه يستحب للإمام أن يسبح خمس تسبيحات ؛
ليدرك من خلفه الثلاث» . اهـ .
فعلى هذا : إذا قصد إعانة الجاني ؛ فهو أفضل ، بعد أن لا يخطر بباله التودد إليه ،
ولا الحياء منه ونحوه. ولهذا نقل في ((المعراج)) عن ((الجامع)):
«لا ضير أنه مأجور؛ لقوله تعالى : ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾)). ثم قال ابن عابدين :
((قال الطحاوي: ويظهر أن من التقرب إطالة الإمام الركوع ؛ لإدراك مكبر لو رفع
الإمام رأسه قبل إدراكه ، يظن أنه أدرك الركعة - كما يقع لكثير من العوام -، فيسلم مع
الإمام بناءً على ظنه ، ولا يتمكن الإمام من أمره بالإعادة أو الإتمام)).
(١) { يدل لذلك أحاديث كثيرة ستأتي فيما بعد}. قال الزين بن المُنَيِّر:
٠٠
((ذهب مالك إلى أن يقرأ المصلي في كل ركعة بسورة ؛ كما قال ابن عمر : لكل
سورة حظها من الركوع والسجود . قال : ولا تقسم السورة في ركعتين ، ولا يقتصر على
بعضها ، ويترك الباقي. قال: فإن فعل ذلك؛ لم تفسد صلاته ، بل هو خلاف الأولى)) .
ذكره في «الفتح» (٢٠٤/٢) ، وقال :
(وهو مذهب الشافعي. ثم قال ابن المُنَيِّر: والذي يظهر أن التكرير أخف من قَسْم
السورة في ركعتين .ا هـ. وسبب الكراهة فيما يظهر أن السورة مرتبط بعضها ببعض؛
فأي موضع قطع فيه ، لم يكن كانتهائه إلى آخر السورة ، فإنه إن قطع في وقف غير تام ؛
كانت الكراهة ظاهرة ، وإن قطع في وقف تام ؛ فلا يخفى أنه خلاف الأولى . وقد تقدم
في (الطهارة) قصة الأنصاري الذي رماه العدو بسهم ، فلم يقطع صلاته ، وقال :
٣٩٥
٠٠
بعد ﴿الفاتحة)
القراءة / قراءته.
(«أعطوا كل سورة حَظْها من الركوع والسجود (وفي لفظ: لكل سورة
ركعة))(١).
كنت في سورة ، فكرهت أن أقطعها .
على ذلك)) .
وأقره النبي
قلت : هو حدیث طویل أخرجه أبو داود (٣٠/١ - ٣١) وغيره بإسناد حسن.
(١) أخرجه الطحاوي (٢٠٤/١) من طريق سفيان عن عاصم عن أبي العالية قال :
يقول : ... فذكره .
أخبرني من سمع النبي {پ﴾
ثم أخرجه من طريق زهير بن معاوية قال : أنا عاصم الأحول عن أبي العالية قال :
**:... فذكره. قال: فذكرت ذلك لابن سيرين ؛ فقال: أُسَمَّى لك من
قال رسول الله
حَدَّثه؟ قلت : لا . قال: أفلا تسأله؟ فسألته: فقلت: من حدثك؟ فقال: إني لأعلم من
حدثني ، وفي أي مكان حدثني ، وقد كنت أصلي بين عشرين حتى بلغني هذا الحديث .
وأخرجه الإمام أحمد (٦٥/٥) عن يحيى بن سعيد الأموي ، وابن نصر في ((قيام
الليل)) (٦١) عن عبدالواحد بن زياد ؛ كلاهما عن عاصم به بلفظ :
(لكل سورة حظها ... )) إلخ. وزاد أحمد :
قال : ثم لقيته بعد ، فقلت له : إن ابن عمر كان يقرأ في الركعة بالسور، فَتَعْرِفُ مَنْ
حدّثك هذا الحديث؟
قال : إني لأعرفه ، وأعرف منذ كم حدثنيه ؛ حدثني منذ خمسين سنة .
ثم أخرجه أحمد (٥٩/٥): ثنا أبو معاوية وعبدة قالا : ثنا عاصم به بلفظ :
((أعطوا كل سورة ... )). والباقي مثله(*).
(*) وعزاه الشيخ رحمه الله في ((الصفة)) المطبوع لـ ((عبدالغني المقدسي في ((السنن)) (٢/٩)
بسند صحيح)» .
٣٩٦
بعد ﴿الفاتحة)
القراءة / قراءته
وهذا حديث صحيح . رجاله كلهم ثقات رجال الستة ، وطرقه كلها إلى عاصم
صحيحة ، ولا يقدح جهالة الصحابي ؛ لأن الصحابة كلهم عدول - كما ذكرنا ذلك مراراً -.
وقد رواه ابن أبي شيبة {(١/١٠٠/١) = [٣٧١٠/٣٢٤/١]} باللفظ الثالث ،
وسكت عليه عبدالحق مصححاً له . قال ابن القطان :
(«وهو كما ذكره ، وزَعْمُ ضعفه باطل» .
هذا، ولم أجد من شرح الحديث وأبان عن المراد منه ؛ إلا المناوي في ((فيض
القدير)) ، ولم يصب حيث قال :
((أي : فلا يكره قراءة القرآن في الركوع والسجود)) . وقال في مكان آخر:
((ويحتمل أن المراد : إذا قرأتم سورة ؛ فصلوا عقبها صلاة قبل الشروع في الأخرى .
ويحتمل أن المراد : أوفوا القراءة حقها من الخشوع والخضوع اللذين هما بمنزلة الركوع
والسجود في الصلاة ، وإذا مررتم بآية سجدة؛ فاسجدوا)). اهـ.
وهذان الاحتمالان بعيدان جداً عن لفظ الحديث ؛ لا سيما اللفظ الثاني ، والمعنى
الثاني لم يذهب إلى العمل به أحد من العلماء فيما علمت .
والمعنى الأول هو أقرب ما يكون إلى ظاهر الحديث ؛ لكن الرواة لم يفهموا منه ذلك
- كما سبق في تخريجه -؛ فإن أبا العالية - أحد رواته - كان يجمع بين عشرين سورة في
ركعة قبل أن يبلغه الحديث ، فلما بلغه ؛ ترك ذلك . وكذلك لما بَلَّغه ابن سيرين ؛
استغرب ذلك ، وعارضه بأن ابن عمر كان يجمع بين السور ؛ فأراد أن يتحقق من
الحديث . فقد اتفق أبو العالية وابن سيرين [على] أن معنى الحديث : أنه ينبغي
الاقتصار على سورة في كل ركعة .
وأقرب الألفاظ دلالة لهذا المعنى هو اللفظ الثاني :
٣٩٧
بعد ﴿الفاتحة﴾
القراءة / قراءته
(لكل سورة ركعة)). ولذلك أورده الطحاوي في (باب جمع السور في ركعة) ، ثم قال:
((وقد ذهب إلى هذا قوم ، فقالوا : لا ينبغي للرجل أن يزيد في كل ركعة من صلاته
على سورة مع ﴿فاتحة الكتاب). واحتجوا في ذلك بهذا الحديث)). اهـ.
ويحتمل أن معنى الحديث : لكل سورة ركعة ؛ أي : سورة كاملة في كل ركعة ؛
أي : فلا يقتصر على بعضها ؛ بل عليه أن يُتِمَّها ؛ ليكون حظ الركعة بها كاملاً .
وقد أشار إلى هذا المعنى وإلى الذي قبله ابنُ نصر ؛ حيث بوب للحديث بقوله :
(باب كراهة تقطيع السور، والجمع بين السور في ركعة) ، ثم ساق هذا الحديث بألفاظه الثلاثة .
وبالجملة ؛ فالحديث لا يحتمل إلا هذين المعنيين . وأنا إلى المعنى الثاني (*) أَمْيَلُ
منه إلى الأول ، وإن ذهب إليه من علمت؛ لأن أقواله :﴿ لا يمكن فهمها فهماً
صحيحاً، إلا ضمن أقواله الأخرى وأفعاله، وقد ذكرنا في الأصل أن الغالب من
هديه * إتمام السورة؛ دون الاقتصار على بعضها إلا نادراً.
وعليه ؛ فالحديث يدل على الكمال من القراءة ، وهي السورة الكاملة . واقتصاره
على بعضها نادراً ؛ إنما هو للدلالة على جواز ذلك مع الكراهة التنزيهية ؛ لأنها خلاف
الأفضل ؛ ولكنه لا ينفي الزيادة على السورة ، وأنها أكمل وأفضل .
كان يقرأ السورتين فأكثر في ركعة واحدة ، وأنه
كان يقول :
كيف ذلك ؛ وقد صح عنه أنه
((أفضل الصلاة طول القيام)) !
فهذا نص صريح في أن الصلاة كلما كان قيامها أطول - وإنما يكون ذلك بطول
(*) وبهذا جزم الشيخ رحمه الله - أخيراً - كما في ((الصفة)) المطبوعة ؛ فقال:
((ومعنى الحديث عندي : اجعلوا لكل ركعة سورة كاملة ؛ حتى يكون حظ الركعة بها كاملاً!
والأمر للندب ؛ بدليل ما يأتي عقبه)».
٣٩٨
بعد ﴿الفاتحة﴾
القراءة / قراءته
وكان تارة يقسمها في ركعتين(*) .
وتارة يعيدها كلها في الركعة الثانية(١) .
وكان أحياناً يجمع في الركعة الواحدة بين السورتين أو أكثر (٢).
القراءة ، وبضم السورة إلى الأخرى -؛ كانت أفضل عند الله تعالى .
فإن لم نذهب إلى هذا المعنى الذي اخترناه ، وذهبنا إلى المعنى الأول ؛ تعارض
قوله ﴾ هذا مع الحديث الذي نتكلم عليه ، وقد تقرر في الأصول أنه: يجب الجمع بين
الحديثين الصحيحين ما أمكن ذلك . وهذا لا يمكن إلا بهذا الوجه . والله تعالى أعلم .
(*) كتب الشيخ رحمه الله هنا ملاحظة لنفسه: ((انظر ((المجمع)) (٢٧٤/٢)».
وخرَّجه في («صفة الصلاة)) المطبوع ؛ فقال :
٩٠
([رواه] أحمد، وأبو يعلى من طريقين. وانظر: (القراءة في صلاة الفجر) [ص ٤٣٠])).
(١) { كما فعل في صلاة الفجر، ويأتي قريباً [ص ٤٣٥]}.
(٢) سيأتي توضيح ذلك وتخريجه قريباً . قال أبو عبيد:
((والذي عليه أمر الناس : أن الجمع بين السور في الركعة حسن غير مكروه ، وهذا
الذي فعله عثمان بن عفان، وتميم الداري ، وغيرهما؛ هو من وراء كل جمع . إلا أن
الذي أختار من ذلك : أن لا يقرأ القرآن في أقل من ثلاث ؛ للأحاديث التي رويت عن
وأصحابه من الكراهة لذلك)).
النبي
ذكره ابن نصر في ((قيام الليل)) (٦٢). قال الحافظ (٢٠٤/٢) :
((وقد نقل البيهقي في ((مناقب الشافعي)) عنه أن الجمع بين السور مستحب)).
وروی أحمد (١٣/٢ و٦٦/٥)، والبيهقي (٦٠/٢)، والطحاوي (٢٠٥/١) عن نافع قال :
ربما أَمِّنَا ابن عمر بالسورتين والثلاث في الفريضة .
٣٩٩
:
٧
بعد ﴿الفاتحة)
القراءة / قراءته
وقد ((كان رجل من الأنصار (*) يؤمهم في مسجد قُباء ، وكان كلما
افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به (١)؛ افتتح بـ: ﴿قل هو الله
أحد﴾ (٢) حتى يفرغ منها ، ثم يقرأ سورة أخرى معها؛ وكان يصنع ذلك في
كل ركعة . فكلمه أصحابه ؛ فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة ، ثم لا ترى
أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى ؛ فإما أن تقرأ بها ، وإما أن تدعها ، وتقرأ
بأخرى . فقال: ما أنا بتاركها ، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك ؛ فعلت ، وإن
كرهتم ؛ تركتكم . وكانوا يرون أنه من أفضلهم ، وكرهوا أن يؤمهم غيره .
فلما أتاهم النبي :﴿ ؛ أخبروه الخبر؛ فقال :
(يا فلان ! ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟ وما يحملك على
لزوم هذه السورة في كل ركعة؟)).
على شرطهما .
(*) كتب الشيخ رحمه الله هنا - ملاحظة لنفسه -: ((يراجع اسمه)).
وللفائدة نقول : هو كٌلْثوم بن الهدْم. أو كلثوم بن زهدم . أو كُرز بن زهدم؛ على
خلاف تراه في ((الفتح)) (٣٣٤/٢).
(١) أي: من السورة بعد ﴿الفاتحة).
(٢) قال الحافظ (٢٠٥/٢):
(تمسك به من قال: لا يشترط قراءة ﴿الفاتحة). وأجيب بأن الراوي لم يذكر
﴿الفاتحة)؛ اغتناء بالعلم؛ لأنه لا بد منها، فيكون معناه: افتتح بسورة بعد
﴿الفاتحة﴾. أو كان ذلك قبل ورود الدليل الدال على اشتراط ﴿الفاتحة))).
٤٠٠