Indexed OCR Text
Pages 341-360
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
بتوثيق من وثقه من العلماء الثقات النقاد ، وبتصحيح من صححه منهم .
وقد وجدت له شاهداً مرسلاً بمعناه .
أخرجه الحازمي في ((الاعتبار)) (٧٣) من طريق أبي العالية قال :
كان نبي الله ﴿ إذا قرأ ؛ قرأ أصحابه أجمعون خلفه ، حتى أنزلت : ﴿وإذا قرئ
القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾؛ فسكت القوم، وقرأ رسول الله ﴿الله .
وكذا أخرجه عبد بن حميد، وأبو الشيخ، والبيهقي في ((القراءة)» - كما في «إمام
الكلام» (٧٨) ..
وله شاهد مرسل آخر مضى قريباً .
ثم رواه الحازمي موصولاً من حديث ابن عباس .
وفيه ابن لهيعة .
إذا علمت ذلك ؛ فقد احتج بالحديث من ذهب إلى منع القراءة وراء الإمام في
الجهرية ، وهم جمهور العلماء؛ كالأئمة الثلاثة ، وغيرهم - كما سبق -، وهو اختيار أكثر
أصحاب الحديث؛ كما قال الترمذي ، لكن ذكر هو والبيهقي وغيرهما أن الحديث لا
يدل على ذلك؛ لأن أبا هريرة الذي روى هذا الحديث قد صح عنه أنه سئل في قراءة
﴿الفاتحة﴾ وراء الإمام؟ فقال:
اقرأ بها في نفسك .
أخرجه مسلم (٢/ ٩ - ١٠)، وغيره. فلو كان الحديث ثابتاً ، أو كان دالاً على المنع ؛
لما أفتى بخلاف ذلك .
قلت : لو كانت هذه الحجة صحيحة ؛ للزم منها رد كثير من السنن الصحيحة ،
ولكان أول من يخالفها هم الذين أوردوها في هذا المكان، كما لا يخفى على البصير .
٣٤١
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
بطرق الاستدلال عند العلماء على اختلافهم . وإليك مثالاً على ذلك: فقد صح
عنه ﴿﴿ أنه قال :
((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم؛ فليُرِقْه، ثم ليغسله سبع مرات)) .
أخرجه مسلم ، والنسائي ، وغيرهما .
ومن روى هذا الحديث أبو هريرة ، ثم ثبت عنه أنه كان يفتي بالغسل من ولوغه
ثلاثاً ، فلم يأخذ به الجمهور؛ لأنه مخالف لقواعدهم ، ولذلك تعقب ابن التركماني
البيهقيَّ هنا بقوله :
(«مذهب الشافعي والمحدثين: أن الراوي إذا روى حديثاً ثم خالف ؛ كان العبرة لما
روی ، لا لما رأى ، ولا يكون رأيه جرحاً في الحديث ؛ فكيف تكون فتوى أبي هريرة دليلاً
على ضعف حديثه المرفوع؟!)) . انتهى .
وهذا اعتراض قوي لا جواب لهم عليه ، كما أنه اعتراض قوي على الحنفية الذين
خالفوا الجمهور في هذه القاعدة ؛ فقالوا :
((العبرة برأي الراوي لا بمرويه)). فيلزم على ذلك أن يَدَعوا الاحتجاج بالحديث؛
الإفتاء أبي هريرة بخلافه - كما ذكرنا - ، ويأخذوا به .
وأما الجواب عن ذلك - كما صنع أبو الحسنات (١٢٥) - بأن يحمل قول أبي هريرة:
اقرأ بها في نفسك . على السرية ، فحينئذ لا تعارض بين رأيه ومرويه ، ولا إلزام به :
فليس بشيء؛ لأنه ثبت في ((جزء البخاري)) (٨)، و((سنن البيهقي)) (١٦٦/٢) أن
السائل سأله عن الصلاة الجهرية بلفظ: قال عبدالرحمن أبو العلاء: قلت : يا أبا هريرة !
كيف أصنع إذا كنت مع الإمام ، وقد جهر بالقراءة؟ فأجابه بما تقدم .
وأما حمله على سكتات الإمام؛ فشيء لا يخطر على بال أبي هريرة ، إذ ليس في
٣٤٢
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
السنة سكتات تتسع لقراءة ﴿الفاتحة﴾. ويأتي بيان ذلك قريباً إن شاء الله .
وبالجملة ؛ فإن هذا الحديث قد أظهر اضطراب العلماء أحياناً في قواعدهم وفي
فروعهم ؛ تأييداً لمذاهبهم ؛ فالحنفية أخذوا بالحديث ، وليس على قواعدهم؛ فكان عليهم
إما : أن يردوه - كما ردوا حديث الولوغ وغيره -، أو: أن يُعَدّلوا هذه القاعدة لما هو الحق .
وقد أشار إلى ذلك أبو الحسنات - وهي من حسناته -.
والشافعية عكسوا ذلك؛ فلم يأخذوا به ، وأجابوا عنه بما هو مخالف لقاعدتهم ،
فكان عليهم إما : أن يَدَعوها ليصحَّ جوابهم ، أو: يظلوا متمسكين بها ، ويأخذوا
بالحديث ، وهو الصواب . و: ﴿إن في ذلك لذکری لمن كان له قلب﴾ .
هذا ، وأيد الجمهور مذهبهم هذا بالآية السابقة الذكر ، وسبب نزولها - وقد ذكرناه
آنفاً -، وقال ابن تيمية في ((الفتاوى)) (١٤٢/٢ - ١٤٣):
(«إنه استفاض عن السلف أنها نزلت في القراءة في الصلاة ، وذكر الإمام أحمد
الإجماع على أنها نزلت في ذلك ، وذكر الإجماع على أنه لا تجب القراءة على المأموم
حال الجهر .
ثم نقول : قوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ .
لفظ عام، فإما أن يختص في القراءة في الصلاة ، أو في القراءة في غير الصلاة ، أو
یعمهما .
والثاني باطل قطعاً؛ لأنه لم يقل أحد من المسلمين ، أنه يجبُ الاستماع خارج
الصلاة ، ولا يجب في الصلاة . ولأن استماع المستمع إلى قراءة الإمام الذي يأتم به ،
ويجب عليه متابعته ؛ أولى من استماعه إلى قراءة من يقرأ خارج الصلاة ، [وذلك]
داخل في الآية : إما على سبيل الخصوص ، وإما على سبيل العموم . وعلى التقديرين ؛
٣٤٣
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
فالآية دالة على أمر المأموم بالإنصات لقراءة الإمام، والمنازع يسلم بذلك إلا في
﴿الفاتحة)، والآية أمرت بالإنصات إذا قرئ القرآن، و﴿الفاتحة﴾: أم القرآن ، وهي التي
لا بد من قراءتها في كل صلاة ، وهي أفضل سور القرآن ، وهي التي لم ينزل في التوراة ،
ولا في الإنجيل ، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها ؛ فيمتنع أن يكون المراد بالآية
الاستماع إلى غيرها دونها ، مع إطلاق لفظ الآية وعمومها ، مع أن قراءتها أكثر وأشهر .
والعادل عن استماعها إلى قراءتها ، إنما يعدل لكون قراءتها أفضل من الاستماع،
وهذا غلط مخالف للنص والإجماع؛ فإن الكتاب والسنة أمرت المؤتم بالاستماع دون
القراءة ، والأمة متفقة على أن استماعه لما زاد على ﴿الفاتحة ﴾ أفضل من قراءة ما زاد
عليها . فلو كانت القراءة لما يقرؤه الإمام أفضل من الاستماع لقراءته ؛ لكان قراءة المأموم
أفضل من قراءته لما زاد على ﴿الفاتحة﴾.
وهذا لم يقله أحد ، وإنما نازع من نازع في ﴿الفاتحة﴾ ؛ لظنه أنها واجبة على المأموم،
أو مستحبة .
وجوابه ؛ أن المصلحة الحاصلة له بالقراءة يحصل بالاستماع ما هو أفضل منها ؛
بدليل استماعه لما زاد على ﴿الفاتحة﴾، فلولا أنه يحصل له بالاستماع ما هو أفضل من
القراءة ؛ لكان الأولى أن يفعل أفضل الأمرين وهو: القراءة . فلما دلَّ الكتاب والسنة ،
والإجماع على أن الاستماع أفضل من القراءة ؛ [دل] على أن المستمع يحصل له أفضل
مما يحصل للقارئ، وهذا المعنى موجود في ﴿الفاتحة﴾ وغيرها، وحينئذ فلا يجوز أن يؤمر
بالأدنى ، ويُنهى عن الأعلى ، وثبت أنه في هذه الحال قراءة الإمام له قراءة؛ كما قال
ذلك جماهير السلف والخلف من الصحابة ، والتابعين لهم بإحسان ، وفي ذلك الحديث
المعروف عن النبي ◌ّ أنه قال :
((من كان له إمام؛ فقراءة الإمام له قراءة)).
٣٤٤
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
وهذا الحديث روي مرسلاً ومسنداً ، ولكن أكثر الأئمة الثقات رووه مرسلاً عن
عبدالله بن شداد عن النبي ◌َّه، وأسنده بعضهم، ورواه ابن ماجه مسنداً ، وهذا المرسل
قد عضده ظاهر القرآن والسنة ، وقال به جماهير أهل العلم من الصحابة والتابعين ،
ومرسله من أكابر التابعين ، ومثل هذا المرسل يحتج به باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم .
وقد نص الشافعي على جواز الاحتجاج بمثل هذا المرسل .
فتبين أن الاستماع إلى قراءة الإمام أمر دل عليه القرآن دلالة قاطعة ، ولأن هذا من
الأمور الظاهرة التي تحتاج إليها الأمة ؛ فكان بيانها في القرآن بما يحصل به المقصود ،
وجاءت السنة بموافقة القرآن)).
ثم ذكر هذا الحديث الذي نتكلم عليه ، وقواه ، ورد على البيهقي تضعيفه إياه بنحو
ما ذكرنا آنفاً ، ثم ساق أيضاً الحديث الآتي بعده - وسنعلق كلامه عليه هناك (*).، ثم قال:
((وأيضاً: فلو كانت القراءة في الجهر واجبة على المأموم ؛ للزم أحد أمرين : إما أن يقرأ
مع الإمام ، وإما أن يجب على الإمام أن يسكت له حتى يقرأ . ولم نعلم نزاعاً بين
العلماء أنه لا يجب على الإمام أن يسكت ليقرأ المأموم ﴿الفاتحة﴾ ولا غيرها، وقراءته
معه منهي عنها بالكتاب والسنة ، فثبت أنه لا تجب عليه القراءة معه في حال الجهر؛ بل
نقول : لو كان قراءة المأموم في حال الجهر مستحبة ؛ لاستحب للإمام أن يسكت ليقرأ
المأموم ، ولا يستحب للإمام السكوت ليقرأ المأموم عند جماهير العلماء، وهذا مذهب
مالك، وأبي حنيفة ، وأحمد، وغيرهم، وحجتهم في ذلك أن النبي ◌َمٍ لم يكن
يسكت ليقرأ المأمومون ، ولا نقل أحد هذا عنه ؛ بل ثبت عنه في ((الصحيح)) سكوته بعد
تكبيرة الافتتاح .
(*) (ص٣٥٤) .
٣٤٥
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
وفي ((السنن)): أنه كانت له سكتتان: سكتة في أول القراءة ، وسكتة بعد القراءة ،
وهي لطيفة للفصل ؛ لا تتسع لقراءة ﴿الفاتحة﴾ ، وقد روي أن هذه السكتة كانت بعد
﴿الفاتحة)، ولم يقل أحد منهم أنه كان له ثلاث سكتات ، ولا أربع سكتات، فمن
نقل عن النبي ◌َ* ثلاث سكتات، أو أربعاً؛ فقد قال قولاً لم ينقله عنه أحد من
المسلمين ، والسكتة التي عقب قوله : ﴿ولا الضالين﴾. من جنس السكتات التي عند
رؤوس الآي ، ومثل هذا لا يسمى سكوتاً ، ولم يقل أحد من العلماء أنه يقرأ في مثل
هذا .
وكان بعض من أدركنا من أصحابنا يقرأ عقب السكوت عند رؤوس الآي ، فإذا قال
الإمام: ﴿الحمد لله رب العالمين). قال: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾. فإذا قال: ﴿ إياك
نعبد وإياك نستعين﴾. قال: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾. وهذا لم يقله أحد من
العلماء» .
قلت : وَيَرِدُ على هذا ما سبق؛ وهو : أنه لا يجب الوقوف على رؤوس الآي ، وإن
كان مستحباً ؛ لما سبق ، ولكن قد لا يفعل الإمام ذلك؛ إما ترخصاً في بعض الأحيان ،
وإما جهلاً بسنة خير الأنام - كما هو الغالب في أئمة هذا الزمان -، حتى ولو سکت ؛ لا
تتسع هذه السكتة لقراءة الآية فيها بتمامها ، فلا بد أن يقع بعضها والإمام يقرأ؛ فلا
مناص من الوقوع في مخالفة النص القرآني .
وحديث السكتتين هو من رواية الحسن البصري عن سمرة . وفي سماع الحسن منه
خلاف ؛ قال ابن القيم في ((الزاد)) (٧٤/١) :
((ومن يحتج بالحسن عن سمرة ؛ يحتج بهذا)) .
والراجح أنه سمع منه بعض الأحاديث . وقد قال الدارقطني - بعد أن ساق هذا
الحديث (١٢٨) -:
٣٤٦
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
(«الحسن مختلف في سماعه من سمرة ، وقد سمع منه حديثاً واحداً ، وهو حديث
العقيقة)) .
قلت : والحسن - على جلالته ومنزلته في العلم -: مشهور بالتدليس والإرسال ؛
ولذلك فالقواعد الحديثية تقتضي أن لا يحتج بشيء من حديثه عن سمرة وغيره ، إلا بما
صرح فيه بالتحديث ، وقد تأملت جميع طرق هذا الحديث - فيما لدي من كتب السنة
المطهرة -؛ فلم أجده إلا معنعناً؛ غير مصرح بسماعه له من سمرة ، وقد جهدت أن أجد
له شاهداً ۔ ولو بإسناد فیه ضعف ۔؛ فلم أجد . ولذلك فهو غیر حجة عندي ، وإن حسنه
الترمذي وغيره ! ولذلك جرَّدت الكتاب منه ، على أن الحدیث قد اضطرب فيه في محل
السكتة الثانية - كما أشار شيخ الإسلام إلی ذلك -، وإليك توضيح ذلك باختصار :
اعلم أن الحديث رواه عن الحسن أربعة من الثقات؛ وهم : يونس بن عُبيد ، وقتادة ،
وأشعث الحُمْراني ، وحُميد الطويل ، وقد اتفقوا جميعاً على أن محلها بعد القراءة ؛ قبل
الركوع ، إلا أن يونس وقتادة اختلف عليهما في ذلك ؛ فقيل عنهما : إنها قبل الركوع .
وقيل : إنها بعد ﴿الفاتحة)؛ قبل السورة . ولا شك أن رواية أشعث وحميد التي لم
يختلف عليهما فيها أصح وأولى ؛ لا سيما وقد وافقهما الآخران في رواية على ذلك.
ومن شاء التفصيل؛ فعليه مراجعة رسالة ((الصلاة)) لابن القيم، و«تعليقاتنا الجياد))
على كتابه ((زاد المعاد)).
ثم قال شيخ الإسلام :
(ومعلوم أن النبي ﴿ لو كان يسكت سكتةً تتسع لقراءة ﴿الفاتحة) ؛ لكان هذا مما
تتوافر الهمم والدواعي على نقله ، فلما لم ينقل هذا أحد ؛ عُلم أنه لم يكن ، وأيضاً فلو
كان الصحابة كلهم يقرؤون ﴿الفاتحة ﴾ خلفه؛ إما في السكتة الأولى، وإما في الثانية ؛
لكان هذا مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله ؛ فكيف ولم ينقل أحد عن أحد من
٣٤٧
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
الصحابة أنهم كانوا في السكتة الثانية يقرؤون ﴿الفاتحة﴾ ؟! مع أن ذلك لو كان
مشروعاً ؛ لكان الصحابة أحق الناس بعلمه وعمله ؛ فعُلم أنه بدعة .
وأيضاً؛ فالمقصود بالجهر: استماع المأمومين ؛ ولهذا يؤمّنون على قراءة الإمام في
الجهر دون السر، فإذا كانوا مشغولين عنه بالقراءة ، فقد أُمِرَ أن يقرأ على قوم لا يستمعون
لقراءته ، وهو بمنزلة من يحدث من لا يستمع لحديثه ، ويخطُّب من لا يستمع لخطبته !
وهذا سَفَةٌ تتنزه عنه الشريعة ؛ ولهذا رُوي في الحديث :
((مثل الذي يتكلّم، والإمام يخطب؛ كمثل الحمار يحمل أسفاراً)(*) . فهكذا إذا
كان يقرأ والإمام يقرأ عليه)) . ١ هـ كلام شيخ الإسلام باختصار.
وهو ما يدل على علو كعبه في علوم المنقول والمعقول رحمه الله .
واعلم أنه قد اشتهر بين علمائنا الاحتجاج بالآية السابقة الذكر على النهي عن ترك
القراءة وراء الإمام حتى في السرية ؛ قال ابن الهُمَام في ((الفتح)) (٢٤١/١):
((وحصل الاستدلال بالآية أن المطلوب أمران: الاستماع، والسكوت . فيعمل بكل
منهما ، والأول : يخص الجهرية ، والثاني : لا ؛ فيجري على إطلاقه ، فيجب السكوت
عند القراءة مطلقاً» .
وقد تعقبه أبو الحسنات اللكنوي بقوله (١٠٤) :
(وفيه نظر؛ وهو أن الأمر باستماع القرآن والسكوت ليس أمراً تعبدياً غير معلل - كما
هو ظاهر -، بل هو حكم معلل بإجماع القائسين والمعللين ؛ كوجوب السكوت عند
الخطبة، والقراءة خارج الصلاة ، ونحو ذلك، ولا تظهر له علة - ولو بعد التأمل -؛ إلا
كون القرآن منزلاً للتدبر والتأمل ، وهو لا يحصل بدون الاستماع والإنصات . ومن المعلوم
(*) هو ضعيف كما في ((السلسلة الضعيفة)) (١٧٦٠).
٣٤٨
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
وجعل الإنصات لقراءة الإمام من تمام الائتمام به ؛ فقال :
((إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر؛ فكبروا، وإذا قرأ؛ فأنصتوا))(١).
كما جعل الاستماع له مُغْنِيّاً عن القراءة وراءه ؛ فقال :
أن هذا خاص بالجهرية ؛ التي يقرأ فيها الإمام جهراً ، فيلزم على المقتدين التدبر ؛ فيجب
عليهم الإنصات .
وأما في السرية ؛ فالإمام لا يقرأ إلا سراً، بحيث لا يقرع صِماخ المقتدين ؛ فلا يمكن
أن يحصل التدبر لهم فيها - وإن كانوا منصتين -؛ فلا يظهر لوجوب السكوت عليهم فيها
وجه معتد به .
والقول بأن وجوب السكوت أمر تعبدي غير معقول: مطالب بالدليل المعقول ، على
أن كثيراً من أصحابنا وغيرهم أخذوا بعموم الآية المذكورة ، وعدم اختصاصها بالموارد
المأثورة ؛ حتى فَرَّعوا عليه كون سماع القرآن مطلقاً - ولو خارج الصلاة - فرض عين أو
كفاية ، فلو كان المأمور فيها أمرين - الاستماع، والسكوت؛ الأول في الجهر ، والثاني في
السر -؛ لزم أن يقال بوجوب سكوت من يقرأ القرآن عنده خارج الصلاة سراً؛ كفاية أو
عيناً ، وهو خلاف الإجماع بلا نزاع)) . اهـ.
وإنما أمر تعالى بالاستماع بعد الأمر بالإنصات ؛ لأنه قد يقول قائل : أقرأ وأسمع .
كما يفعله بعض المتزهدين في خطبة الجمعة ؛ فإنك تراهم يذكرون الله بالسبحة ، ولو
سألتهم؛ لقالوا : نحن نسمع ونقرأ! و: ﴿ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه﴾.
فكان من الحكمة أن يُتْبعَ الأمرَ بالاستماع الأمرَ بالإنصات. هذا ما ظهر لي . والله أعلم .
(١) أخرجه {ابن أبي شيبة (١/٩٧/١) = [٣٧٩٩/٣٣١/١]}، وأبو داود
(٩٩/١)، والنسائي (١٤٦/١)، وابن ماجه (٢٧٩/١)، والطحاوي (١٢٨/١)،
والدارقطني (١٢٤)، وأحمد (٤٢٠/٢) من طريق أبي خالد سليمان بن حَيَّان عن محمد
٣٤٩
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً به .
وهذا سند حسن . وقد أُعِلَّ بعلتين :
الأولى : تفرد أبي خالد عن محمد بن عجلان .
والأخرى : تفرد ابن عجلان عن أبي صالح .
أما الأولی : فقال أبو داود :
((قوله : ((فأنصتوا)): ليست بمحفوظة ؛ الوهم من أبي خالد)).
قلت : أبو خالد : ثقة ، أخرج له الجماعة ؛ فنسبة الوهم إليه دون ابن عجلان تدل
على أن ابن عجلان أحسن حالاً عنده من أبي خالد! وهذا أعجب ؛ فإن ابن عجلان
فیه کلام . وأبو خالد ثقة بلا شك - کما قال ابن الترکماني وغیرہ ۔. ثم إنه لم یتفرد به ؛
بل تابعه علیه جمع :
منهم: محمد بن سعد الأنصاري: عند النسائي ، ومن طريقه الدارقطني (١٢٥)،
وهو ثقة - كما ذكر النسائي -.
ومنهم : أبو سعد الصاغاني محمد بن مُيسّر - بتحتانية ومهملة ؛ وزن محمد -.
أخرجه الدارقطني، وأحمد (٣٧٦/٢) ؛ وقال الأول :
((ضعيف)).
وإسماعيل بن أَبَان الغَنَوي: عنده، وعند البيهقي (١٥٦/٢)، وضعفه الدارقطني أيضاً .
قلت : ومتابعة هذين - على ضعفهما - يعطي الحديث قوة - كما لا يخفى -؛ ولا
سيما وقد تابعا ثقتين : سليمانَ بنَ حيان، ومحمدَ بنَ سعد. فانتفت العلة الأولى .
وأما العلة الأخرى: فالحق يقال ؛ إنها أقوى من الأولى. فروى البيهقي (١٥٧/٢)
عن ابن أبي حاتم قال :
٣٥٠
.
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
(«سمعت أبي - وذكر هذا الحديث ، فقال أبي -: ليست هذه الكلمة محفوظة ؛ هي
من تخاليط ابن عجلان . قال : وقد رواه خارجة بن مصعب أيضاً - يعني : عن زيد بن
أسلم .. وخارجة أيضاً : ليس بالقوي)) . قال البيهقي :
(«وقد رواه يحيى بن العلاء الرازي - كما روياه -؛ ويحيى بن العلاء: متروك)). اهـ.
وفي «التقریب» :
(رمي بالوضع)) . وعن خارجة :
(«متروك، وكان يدلس عن الكذابين)).
فمتابعة هذين لا تعطي الحديث قوة؛ فيبقى متفرداً به ابنُ عجلان ، وهو وإن كان
ثقة ؛ ففيه كلام من جهة حفظه - كما أشار أبو حاتم إلى ذلك -، وفي («التقريب)):
((صدوق. اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة)). اهـ.
وهو حسن الحديث ما لم يخالف ، وقد خولف هنا ؛ فقد رواه الأعمش عن أبي
صالح به ؛ بدون قوله :
«وإذا قرأ ؛ فأنصتوا)).
أخرجه ابن ماجه (٣٠٥/١)، وأحمد (٤٤٠/٢).
وسنده صحيح على شرطهما .
وكذلك رواه مصعب بن محمد عن أبي صالح بدون هذه الزيادة ، وقد مضى لفظه
في (التكبير) .
وكذلك رُوي الحديث من طرق عن أبي هريرة: عند البخاري (١٦٦/٢ - ١٧٢)،
ومسلم (١٩/٢ - ٢٠)، وابن ماجه أيضاً (٣٧٤/١)، والدارمي (٣٠٠/١)، وأحمد
(٢٣٠/٢ و٢١٤ و٤١١ و٤٣٨) بدونها .
٣٥١
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
فهذا مما يجعل النفس لا تطمئن لتفرد ابن عجلان بها . ومع ذلك ؛ فقد صححها
الإمام مسلم - كما سيأتي -، وابن حزم في ((المحلى)) (٢٤٠/٣)، والإمام أحمد ، وابن
خزيمة - كما في ((إمام الكلام)) (١١٣) -، وغيرهم من الأئمة. فراجع (التعليق) على
((نصب الراية)» (١٥/٢) .
ونحن نقطع بأنه صحيح لغيره ؛ فإن له شاهداً من حديث أبي موسى الأشعري مرفوعاً بلفظ :
((إذا قمتم إلى الصلاة؛ فليؤمكم أحدكم ، وإذا قرأ الإمام؛ فأنصتوا)).
أخرجه أحمد (٤١٥/٤) والسياق له، ومسلم (١٥/٢)، {وأبو عوانة [١٣٣/٢]}،
وابن ماجه (٢٧٩/١)، والدارقطني (١٢٥)، والبيهقي (١٥٥/٢) من طريق جرير عن
سليمان التيمي عن قتادة عن أبي غَلاب عن حِطّان بن عبدالله الرِّقَاشي عنه .
وهذا سند صحيح. {وهو مخرج في «الإرواء» (٣٣٢ و٣٩٤)}.
وقد أخرجه {أبو عوانة [١٣٣/٢]}، وأبو داود (١٥٤/١) من طريق المعتمر بن
سليمان قال : سمعت أبي : ثنا قتادة به . ثم أعله بقوله :
((وقوله: ((فأنصتوا)) ليس بمحفوظ؛ لم يجئ به إلا سليمان التيمي في هذا الحديث)).
كذا قال ! وليس بصواب ؛ فقد تابعه عليه سفيان الثوري (*) ، فقد قال الدارقطني -
بعد أن ساق الحديث -:
«وكذلك رواه سفيان الثوري عن سليمان التيمي ، ورواه هشام الدستوائي وسعيد
وشعبة وهمام وأبو عوانة وأبان وعدي بن أبي عمارة؛ كلهم عن قتادة ، فلم يقل أحد
منهم : ((وإذا قرأ ؛ فأنصتوا)). وهم أصحاب قتادة الحفاظ عنه)).
قلت : وقد أخرجه مسلم وغيره عن بعض هؤلاء عن قتادة به مطولاً - كما سيأتي
(*) كذا الأصل ، وفي العبارة نظر؛ كأنه انتقال بصر. والله أعلم .
٣٥٢
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
في (التأمين) -، ولم يذكر أحد منهم هذه الزيادة .
لكن لا يخفى أنها زيادة من ثقتين حجتين ؛ فيجب الأخذ بها ، لا سيما وأنها لا
تخالف المزيد ، بل توافق معناه؛ فإن الإنصات إلى قراءة القارئ من تمام الائتمام به ، فإن
من قرأ على قوم لا يستمعون لقراءته ؛ لم يكونوا مؤتمين به - كما قال شيخ الإسلام
(١٤٤/٢) -. على أنه لم ينفردا بها، بل تابعهما جمع آخر؛ منهم: عمر بن عامر،
وسعيد بن أبي عَرُوبة .
أخرجه الدارقطني ، وعنه البيهقي (١٥٦/٢) من طريق سالم بن نوح عنهما . ثم قال:
«سالم بن نوح : ليس بالقوي)) .
قلت: وهو من رجال مسلم ، وفي («التقريب)):
«صدوق له أوهام)) .
وكذا قال في شيخه عمر بن عامر ، وهو من رجال مسلم أيضاً .
وأما سعيد بن أبي عروبة : فمن رجال الشيخين ، وهو من أثبت الناس في قتادة .
وبالجملة : فهذه الزيادة صحيحة من حديث أبي موسى ، وقد صححها مسلم ؛ ففى
«صحیحه)) بعد أن ساق الحديث :
«قال أبو إسحاق - يعني : صاحب مسلم وراوي کتابه ۔: قال أبو بكر ابن أخت أبي
النضر في هذا الحديث - أي: طَعَنَّ فيه -. فقال مسلم: تريد أحفظ من سليمان؟! فقال
له أبو بكر: فحديث أبي هريرة؟ فقال: هو صحيح - يعني: ((وإذا قرأ؛ فأنصتوا)) .. فقال :
هو عندي صحيح. فقال : لم تضعه ها هنا - يعني : في كتابه ؟ قال : ليس كل شيء
عندي صحيح وضعته ها هنا ، إنما وضعت ها هنا ما أجمعوا عليه)) . قال أبو الحسنات :
٣٥٣
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
((وبالجملة : فالحكم بصحة هذا الحديث هو الأرجح بالنظر الدقيق؛ فيكفي
للاستدلال به ، ومن حكم بضعفها؛ ليس له دليل معتد به يقبله أرباب التحقيق».
وهذا الحديث كالآية المذكورة سابقاً في الدلالة على وجوب الاستماع لقراءة القرآن
من الإمام ، ولكنه أعمُّ منها - كما لا يخفى -، وهو - كهي - يشمل بعمومه ﴿الفاتحة ﴾
وغيرها ، وقد خصه الشافعية وغيرهم ممن سبق ذكرهم بما عدا ﴿الفاتحة ﴾ ، وقالوا بوجوب
قراءتها ، وقد ذكرنا فيما سبق أن الحديث الذي احتجوا به على الوجوب لا يدل على
ذلك ؛ بل على الإباحة ، والإباحة المرجوحة - كما سلف بيانه عن الكشميري -.
وحينئذ فإذا كان لا بد من المصير إلى التخصيص ؛ فإنما يخصص بجواز قراءة
﴿الفاتحة﴾ جوازاً مرجوحاً؛ لا بوجوبها، وحينئذٍ فالتباين بين هذا الجواز وبين النهي
المستفاد من الآية والحديث يسيرٌ؛ لأن النتيجة ترك القراءة والاستماع للإمام ، وهذا هو
المطلوب .
هذا يقال ؛ إن أردنا أن نذهب مذهب الجمع ، ولكننا قد بينا أن حديث الجواز
منسوخ بحديث أبي هريرة وبسبب نزول الآية ، وبين أيضاً شيخ الإسلام أن الاعتبار يدل
على بقاء الآية على عمومها ؛ فیقال عن الحديث - الذي نحن في صدد الكلام عنه - ما
قيل فيها .
وإليك الآن بقية كلام شيخ الإسلام المتعلق بالحديث ؛ قال :
((وهذا يبين حكمة سقوط القراءة عن المأموم ، وأن متابعته لإمامه مقدمة على غيرها
حتى في الأفعال ، فإذا أدركه ساجداً ؛ سجد معه ، وإذا أدركه في وتر من صلاته ؛ تشهد
عقب الوتر ، وهذا لو فعله منفرداً؛ لم يجز، وإنما فعله لأجل الائتمام ؛ فدل على أن
الائتمام يجب به ما لا يجب على المنفرد، [ويسقط به ما يجب على المنفرد])). وقال في
موضع آخر (٤١٢/٢) :
٣٥٤
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
«من كان له إمام؛ فقراءة الإمام له قراءة))(١) ، هذا في الجهرية .
((فكيف لا يستمع لقراءته ، مع أنه بالاستماع يحصل له مصلحة القراءة؟! فإن
المستمع له مثل أجر القارئ .
وما يبين هذا اتفاقُهُم كلهم على أنه لا يقرأ معه فيما زاد على ﴿الفاتحة﴾؛ إذا
جهر، فلولا أنه يحصل له أجر القراءة بإنصاته له ؛ لكانت قراءته لنفسه أفضل من
استماعه للإمام ، وإذا كان يحصل له بالإنصات أجر القارئ ؛ لم يَحْتَجْ إلى قراءته ، فلا
يكون فيها منفعة ، بل فيها مضرة شغلته عن الاستماع المأمور به .
وقد تنازعوا إذا لم يسمع الإمام ؛ لكون الصلاة صلاة مخافتة ، أو لبعد المأموم ، أو
الطرشه ، أو نحو ذلك ؛ هل الأولى له أن يقرأ ، أو يسكت؟
والصحيح : أن الأولى أن يقرأ في نفسه ، وأنه أنفع ؛ لأنه لا يستمع قراءة يحصل له
بها مقصود القراءة . فإذا قرأ لنفسه ؛ حصل له أجر القراءة ، وإلا ؛ بقي ساكتاً ، لا قارئاً
ولا مستمعاً، ومن سكت غير مستمع ولا قارئ في الصلاة ؛ لم يكن مأجوراً بذلك
ولا محموداً ؛ بل جميع أفعال الصلاة لا بد فيها من ذكر الله تعالى؛ كالقراءة والتسبيح
والدعاء أو الاستماع للذكر، وإذا قيل بأن الإمام يحمل عنه فرض القراءة ؛ فقراءته
لنفسه أكمل له ، وأنفع له ، وأصلح لقلبه ، وأرفع له عند ربه . والإنصات لا يؤمر به إلا
حال الجهر، فأما حال المخافتة ؛ فليس فيه صوت مسموع حتى ينصت له)). اهـ.
(١) هو من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه. رواه أبو حنيفة الإمام قال : ثنا
أبو الحسن موسى بن أبي عائشة عن عبدالله بن شداد بن الهاد عنه مرفوعاً به .
أخرجه الإمام محمد في («الموطأ) (٩٤ - ٩٦) وفي ((الآثار)) (١٦)، والطحاوي
(١٢٨/١)، والدارقطني (١٢٢ و١٢٣)، والبيهقي (١٥٩/٢)؛ كلهم عن أبي حنيفة به .
ورواه عبدالله بن المبارك عنه ، وعن غيره مرسلاً ؛ بدون ذكر : جابر .
٣٥٥
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
أخرجه البيهقي (١٦٠/٢) عنه: أنبأ سفيان وشعبة وأبو حنيفة عن موسى بن أبي
عائشة عن عبدالله بن شداد قال: قال رسول الله تَطٍ :... فذكره.
وكذا رواه الطحاوي من طريق سفيان وحده . وكذلك رواه منصور بن المعتمر ، وابن
عيينة ، وإسرائيل بن يونس ، وأبو عوانة ، وأبو الأحوص ، وجرير بن عبدالحميد ، وغيرهم
من الثقات الأثبات عن موسى عن ابن شداد مرسلاً . قال الدارقطني والبيهقي :
«وهو الصواب)).
قلت: وتعقبهما ابن الهمام في ((الفتح)) (٢٣٩/١) بقوله :
«قال أحمد بن منيع في «مسنده»: أخبرنا إسحاق الأزرق: ثنا سفيان وشريك عن
موسى بن أبي عائشة عن عبدالله بن شداد عن جابر رضي الله عنه مرفوعاً به)) . ثم قال :
((وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم ، فقد وصله سفيان وشريك ؛ فبطل عدهم
فیمن رواه مرسلاً» .
قلت: فإذا صح وثبت هذا الإسناد في ((مسند أحمد بن منيع)) - فإنه مفقود اليوم(*) ،
حتى إنها لم تكن عند الحافظ ابن حجر كما ذكر الكشميري في ((الفيض» (٢٧٧/٢) -.
أقول : إذا ثبت ذلك ؛ فالحدیث صحیح موصولاً ، ویکون أبو حنيفة لم ينفرد به ،
وإلا ؛ فهو مرسل صحيح الإسناد . ثم إن مرسله عبدالله بن شداد من كبار التابعين
الثقات، ولد على عهد النبي ﴿، وكان معدوداً في الفقهاء - كما في ((التقريب)) -،
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فيما سبق :
((ومثل هذا المرسل يحتج به باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم، وقد نص الشافعي على
(*) هو أحد كتب ((المطالب العالية)) الذي ألّفه ابن حجر. وقد أورده بهذا الإسناد نفسه الإمامُ
البوصيري في («إتحاف الخيرة المهرة)) (١٥٦٧) و(١٨٣٢) وصحح إسناده.
٣٥٦
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
جواز الاحتجاج بمثل هذا المرسل)» .
قلت: ولا سيما وأن له طرقاً أخرى يشد بعضها بعضاً - كما قال الزيلعي في
((نصب الراية)) (٧/٢) -:
الطريق الأولى : عن جابر الجعفي عن أبي الزبير عن جابر.
أخرجه ابن ماجه (٢٨٠/١)، والطحاوي، والدارقطني (١٢٦) من طريقين عن
الحسن بن صالح عن جابر الجعفي به .
وجابر: ضعيف . وقد تابعه ليث بن أبي سليم ، وهو خير منه ؛ فإنه ضعيف لسوء حفظه .
أخرجه الطحاوي ، والدارقطني ، والبيهقي (١٦٠/٢) من طريق يحيى بن أبي بُكَير
وإسحاق بن منصور السَّلُولي قالا: ثنا الحسن بن صالح بن حَيّ عن جابر وليث بن أبي
سُلَیم عن أبي الزبير به . قال الدارقطني :
((جابر وليث : ضعيفان)) .
قلت : وقد ورد بإسقاطهما من بين الحسن بن صالح وأبي الزبير؛ قال ابن
التركماني :
((قلت: في ((مصنف ابن أبي شيبة)): ثنا مالك بن إسماعيل عن حسن بن صالح
عن أبي الزبير عن جابر به مرفوعاً .
وهذا سند صحيح. وكذا رواه أبو نعيم عن الحسن بن صالح عن أبي الزبير ، ولم
يذكر الجعفي. كذا في ((أطراف المزي)).
وتوفي أبو الزبير سنة ثمان وعشرين ومئة . ذكره الترمذي وعمرو بن علي . والحسن
ابن صالح ولد سنة مئة ، وتوفي سنة سبع وستين ومئة ، وسماعه من أبي الزبير ممكن .
ومذهب الجمهور: إن أمكن لقاؤه لشخص ، وروى عنه ؛ فروايته محمولة على الاتصال ،
٣٥٧
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
فيُحمل على أن الحسن سمعه من أبي الزبير مرة بلا واسطة ، ومرة أخرى بواسطة
الجعفي ولیث)) . ا هـ.
وما ذكره عن أبي نعيم لعله رواية عنه ، وإلا ؛ فقد رواه الدارقطني من طريقه عن
الحسن عن جابر به .
وقد رواه أحمد في «المسند» (٣٣٩/٣) - مثل ابن أبي شيبة {(١/٩٧/١)} -؛
فقال: ثنا أسود بن عامر: أنا حسن بن صالح عن أبي الزبير عن جابر به مرفوعاً . ونقل
المعلق على ((نصب الراية)) عن (الشرح الكبير للمقنع)) (١١/٢) أنه قال:
«وهذا إسناد صحيح متصل ، رجاله كلهم ثقات ؛ الأسود بن عامر روى له البخاري .
والحسن بن صالح أدرك أبا الزبير؛ ولد قبل وفاته بنيف وعشرين سنة)). اهـ.
قلت : وفي قوله أنه ((متصل)) نظر؛ فإن أبا الزبير مشهور بالتدليس ، وقد عنعن ، ولم
يصرح بالسماع؛ فهو محمول على الانقطاع .
ثم وجدت للحديث طريقاً أخرى عن أبي الزبير.
أخرجه الإمام محمد في ((الموطأ)) (٩٦)، والدارقطني (١٥٤)، والطبراني في
(«الأوسط)) عن سهل بن العباس الترمذي: ثنا إسماعيل ابن عُلَيّة عن أيوب عن أبي
الزبير به . وقال الدارقطني :
«هذا حديث منكر ، وسهل بن العباس: متروك)) .
وتراجع طرق هذا الحديث في كتاب ((إمام الكلام)) (ص ١٣٣ - ١٣٨). ثم قال في
نهاية ذلك :
((والحاصل : أن طرق الحديث بعضها صحيحة أو حسنة ، وبعضها ضعيفة ينجبر
ضعفها بغيرها من الطرق الكثيرة ، فالقول بأنه حديث غير ثابت ، أو غير محتج به ، ونحو
٣٥٨
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
ذلك ؛ غیر معتدًّ به)) .
وللحديث شواهد كثيرة عن ابن عمر ، وأبي سعيد ، وأبي هريرة ، وابن عباس ،
وأنس .
خرجها الزيلعي في ((نصب الراية)) (١٠/٢ - ١٢)، و[الحافظ ابن حجر في]
((الدراية)) (٩٣) .
{وقواه شيخ الإسلام ابن تيمية - كما في ((الفروع)) لابن عبدالهادي (ق٢/٤٨) -(١)،
وصحح بعض طرقه البوصيري ، وقد تكلمت عليه بتفصيل ، وتتبعت طرقه في ((إرواء
الغلیل)) (٥٠٠)} .
[ فائدة] : والذي يتبادر من الحديث أن معناه : إن قراءة الإمام تکفیه ، وتنوب عن
قراءته ؛ أي : المؤتم ؛ فلا تجب عليه . وشرحه الشيخ علي القاري في ((شرح مسند أبي
حنيفة)) (ص ١٥٠) بقوله :
((أي: فلا يجب على المأموم قراءة ، ولا يجوز له أن يقرأ وراءه، وظاهره الإطلاق ،
يعني : سواء كان في الصلاة السرية أو الجهرية)). اهـ.
وفي دلالة الحديث على أنه لا يجوز القراءة وراءه بُعْدٌ ظاهر ، وقد وجهه الشيخ ابن
الهُمَام بقوله (٢٣٩):
((إن القراءة ثابتة من المقتدي شرعاً؛ فإن قراءة الإمام قراءة له ، فلو قرأ ؛ لكان له
قراءتان في صلاة واحدة، وهو غير مشروع)). وقد رد عليه أبو الحسنات بقوله (١٤٨):
((إن قراءة الإمام ليست بقراءة المأموم حقيقة؛ لا عرفاً ولا شرعاً، وإنما هي قراءة له
حكماً ، فلو قرأ المؤتم ؛ لا يلزم إلا أن تكون له قراءتان: إحداهما حقيقية ، وثانيهما
(١) ثم رأيته في ((الفتاوى)) (٢٧١/٢٣ - ٢٧٢). كذا في نسخة الشيخ الخاصة من («الصفة».
٣٥٩
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
حكمية . ولا عائبة في اجتماعهما ، ولا دليل يدل على قبح اجتماعهما)) .
وقد أوضح ذلك في حاشيته المسماة: ((غيث الغمام))، فراجعه؛ فإنه - كما قال : -
من النفائس .
واعلم أن علماءنا قد اختلفوا في القراءة خلف الإمام على أقوال :
الأول : أنهم اختاروا ترك القراءة ، لا أنهم لم يجيزوه ؛ بأن كرهوه أو حرموه .
الثاني : أنها مكروهة كراهة تحريم . وهو الذي اختاره ابن الهمام ، وتبعه كثيرٌ من
بعدہ ، وبه صرح جمعٌ ممن قبله .
الثالث : أن قراءة الفاتحة مستحبة في السرية ، ومكروهة في الجهرية في رواية عن
محمد - كما ذكره صاحب ((الهداية)) و((الذخيرة)) وغيرهما -، وهو رواية عن أبي حنيفة
- كما ذكره الزاهدي في (المجتبى)» -، وهو الذي اختاره أبو حفص الكبير - من كبار
تلامذة الإمام محمد -، وغيره من الحنفية .
والرابع : أن الإنصات واجب ؛ كما ذكره الكيداني .
وذكر في بحث المحرمات : أن ترك كل واجب في الصلاة حرام . فيعلم منه أنه قائل
بحرمة القراءة خلف الإمام .
والخامس : أن الصلاة تفسد بالقراءة خلف الإمام ، ويكون فاسقاً - كما نقله في
((الدر)) (٥٠٨/١ - بحاشية ابن عابدين) ..
وقد ذكر هذه الأقوال أبو الحسنات اللكنوي في ((الإمام)) (ص٢١ - ٢٩) معزوة إلى
مصادرها المشهورة من كتب الحنفية ، ثم قال :
((فهذه خمسة أقوال لأصحابنا ، أضعفها وأوهنها ؛ بل أوهن جميع الأقوال الواقعة
في هذه المسألة : القول الخامس . وهو نظير رواية مكحول الدمشقي الشاذة المروية عن أبي
٣٦٠