Indexed OCR Text
Pages 321-340
ركنية ﴿الفاتحة﴾ وفضائلها
وأمر ◌ٍَّ (المسيء صلاته) أن يقرأ بها في صلاته ، وقال لمن لم يستطع
حفظها :
((قل : سبحان الله ، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول
ولا قوة إلا بالله)). وقال لـ (المسيء صلاته): ((فإن كان معك قرآن؛ فاقرأً
به ، وإلا ؛ فاحمد الله ، وكبِّره ، وهلله))(١) .
((﴿أم القرآن﴾ هي السبع المثاني، والقرآن العظيم)).
وله شاهد من حديث أبي سعيد بن المعلى قال :
كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله تَّة ، فلم أجبه . فقلت: يا رسول الله!
إني كنت أصلي . فقال :
((ألم يقل الله: ﴿استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم﴾؟)) . ثم قال لي :
((لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد)). ثم أخذ
بيدي ، فلما أراد أن يخرج ؛ قلت له : ألم تقل: ((لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في
القرآن»؟ قال :
((﴿الحمد لله رب العالمين) هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته)).
أخرجه البخاري (١٢٧/٨ - ١٢٩ و٢٤٧ و٣٠٧ و٤٤/٩)، وأبو داود ، والنسائي
(١٤٥/١)، والدارمي (٣٥٠/١)، وابن ماجه (٢١٧/٢)، والطحاوي في ((المشكل))
(٧٧/٢)، والبيهقي ((٣٦٨/٢ -٣٦٩)، والطيالسي (١٧٨)، وأحمد (٤٥٠/٣
و٢١١/٤) من طرق عن شعبة قال : ثني خُبيب بن عبدالرحمن عن حفص بن عاصم عنه .
(١) جاء ذلك في بعض طرق حديث رفاعة بن رافع - وقد سبق تخريجه في أول
الكتاب [ص٥٦] -؛ فروى أبو داود (١٣٧/١)، وعنه البيهقي (٣٧٤/٢)، وأحمد
(٣٤٠/٤) من طريق محمد بن عمرو عن علي بن يحيى بن خَلاَّد الزُّرَقي عن رِفَاعة قال :
٣٢١
ركنية ﴿الفاتحة﴾ وفضائلها
: :
جالس في المسجد ... الحديث . وفيه قال
جاء رجل ، ورسول الله
((إذا استقبلت القبلة ؛ فكبر، ثم اقرأ بـ: ﴿أم القرآن﴾، ثم اقرأ بما شئت ... »
الحديث .
وكذا رواه ابن حبان - كما في «الفتح» (٢٢١/٢) ..
لكن بهذا الإسناد منقطع - كما أشرنا إليه فيما سبق -، ومحمد بن عمرو: في
حفظه ضعف .
إلا أني وجدت له شاهداً قوياً في ((جزء القراءة» للبخاري ؛ قال (١١): ثنا يحيى
ابن بُكَير قال : ثنا عبدالله بن سُوَيد عن عيّاش عن بُكّير - وفي الأصل : بكر ، وهو
تحريف - ابن عبدالله عن علي بن يحيى عن أبي السائب [عن] رجل من أصحاب
النبي ﴾ [قال] :
صلى رجل والنبي ◌َّ﴾ ينظر إليه ، فلما قضى صلاته ؛ قال :
((ارجع فصلٌّ؛ فإنك لم تصل)). (ثلاثاً). فقام الرجل ، فلما قضى صلاته ؛ قال
النبي
:
((ارجع فصل)). (ثلاثاً).
قال : فحلف له : كيف؟! اجتهدتُ ! - كذا -. فقال له :
(ابدأ؛ فكبِّر ، وتحمد الله ، وتقرأ بـ: ﴿أم القرآن﴾، ثم تركع ... )) الحديث.
وإسناده صحيح. رجاله رجال ((الصحيح))؛ غير عبدالله بن سويد ، وهو ثقة .
وجاء تعيين ﴿الفاتحة﴾ في رواية أبي هريرة أيضاً في حديث (المسيء صلاته) عند
البيهقي (٣٧٣/٢) ، لكن في سنده عبدالله بن عمر العمري ، وهو ضعيف من جهة
حفظه ، وغيره لا يذكر ذلك ، وقد مضى لفظه في الموضع المشار إليه سابقاً .
٣٢٢
ركنية ﴿الفاتحة﴾ وفضائلها
هذا ، وفي رواية لأبي داود(١)، والترمذي، والبيهقي (٣٨٠/٢) من طريق إسماعيل
ابن جعفر: أخبرني يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع الزّرقي عن أبيه عن جده
عن رفاعة به بلفظ :
((إذا قمت إلى الصلاة؛ فتوضأ كما أمرك الله ، ثم تشهد، وأقم ، فإن كان معك
قرآن ؛ فاقرأ ، وإلا ؛ فاحمد الله ، وكبره ، وهلله ، ثم اركع ... )) الحديث .
وكذلك أخرجه الطحاوي (١٣٧/١)، والطيالسي (١٩٦). وقال الترمذي:
«حدیث حسن)) .
قلت : ورجاله رجال البخاري ؛ غير يحيى بن علي هذا ، وقد ذكره ابن حبان في
((الثقات))؛ إلا أن ابن القطان قال :
((لا يعرف إلا بهذا الخبر، وما علمت فيه ضعفاً). قال الذهبي :
«قلت : لکن فیه جهالة)» .
قلت: وأشار إلى ذلك الحافظ في ((التقريب)) بقوله:
((مقبول)) .
قلت : لكنه قد توبع على رواية هذا الحديث في الجملة - كما بينا فيما سبق -،
وتابعه على هذه اللفظة شريك بن أبي نمر عن علي بن يحيى عن عمه رفاعة بن رافع .
أخرجه الطحاوي هكذا منقطعاً ؛ لم يذكر في إسناده يحيى بن خلاد ، والوهم من
شريك هذا؛ فإنه - وإن كان من رجال الشيخين ؛ فإنه - كان يخطئ ، وبقية رجال
الإسناد ثقات رجال البخاري .
(١) {(«صحيح أبي داود)) (٨٠٧)}.
٣٢٣
ركنية ﴿الفاتحة﴾ وفضائلها
وبالجملة ؛ فهذه متابعة قوية في متن الحديث .
وله شاهد من حديث إبراهيم السكسكي عن عبدالله بن أبي أوفى قال :
جاء رجل إلى النبي ◌َّه، فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئاً، فعلمني
ما یجزئني منه . قال :
٠
((قل: سبحان الله، والحمد لله ، ولا إله إلا الله، والله أكبر ، ولا حول ولا قوة إلا
بالله)). قال: يا رسول الله ! هذا لله عز وجل ، فما لي؟ قال :
((قل: اللهم! ارحمني، وارزقني، وعافني، واهدني . (زاد في رواية: (واغفر لي)).
فلما قام ؛ قال هكذا بيده (وفي لفظ: فعدَّهن الرجل في يده عشراً) ؛ فقال رسول
الله
((أما هذا ؛ فقد ملأ يديه من الخير)).
أخرجه أبو داود (١٣٣/١)، والنسائي (١٤٦/١)، والحاكم (٢٤١/١)، والدارقطني
(١١٨)، والبيهقي (٣٨١/٢)، والطيالسي (١٠٩)، وأحمد (٣٥٣/٤ و٣٥٦ و٣٨٢)،
وابن حبان، {وابن خزيمة (٢/٨٠/١)، والطبراني} من طرق عنه . وقال الحاكم:
((صحيح على شرط البخاري)) . ووافقه الذهبي .
قلت : السكسكي هذا من رجال البخاري ، لكنه ضعيف من جهة حفظه عند
الجمهور ، حتى اعتُرض على البخاري من أجله . قال الحاكم :
«قلت للدارقطني : لِم ترك مسلم حديث السکسکي؟ فقال : تكلم فيه یحیی بن
سعید . قلت : بحجة؟ قال : هو ضعيف) . وکذا قال أحمد :
((ضعيف)) . وضعفه أيضاً النسائي ، والعقيلي ، وقال ابن عدي :
٣٢٤
ركنية ﴿الفاتحة﴾ وفضائلها
((لم أجد له حديثاً منكر المتن ، وهو إلى الصدق أقرب منه إلى غيره ، ويكتب حديثه
- كما قال النسائي ـ)). وفي ((التقريب)):
((صدوق، ضعيف الحفظ)). وفي ((التلخيص)) (٣٤١/٣):
((وهو من رجال البخاري ، لكن عِيْبَ عليه إخراج حديثه ، وذكره النووي في
((الخلاصة)) في فصل (الضعيف)، وقال في ((شرح المهذب)):
رواه أبو داود، والنسائي بإسناد ضعيف)». ثم قال الحافظ :
((لم ينفرد به ؛ بل رواه الطبراني، وابن حبان في ((صحيحه)) أيضاً من طريق طلحة
ابن مُصَرِّف عن ابن أبي أوفى ، ولكن في إسناده الفضل بن موفق؛ ضعفه أبو حاتم)). اهـ.
ونص کلام أبي حاتم :
((كان شيخاً صالحاً، ضعيف الحديث)). وفي («التقريب)):
«فیه ضعف» .
قلت : ولعل الحديث بهذين الإسنادين يصير حسناً. والله أعلم، {وهو في
«الإرواء)) (٣٠٣)، و((صحيح أبي داود)) (٧٨٥)}. قال السندي رحمه الله :
((قوله : (يجزئني) : من الإجزاء ؛ أي : يكفيني منه أيُّ قراءة مقام القرآن ما دام ما
أحفظه . وإلا ؛ فالسعي في حفظه لازم . وهذا يدل على أن العاجز عن القرآن يأتي
بالتسبيحات ، ولا يقرأ ترجمة القرآن - بعبارة أخرى: غير نظم القرآن » .
وقال الخطابي في ((المعالم)) (٢٠٧/١):
((الأصل أن الصلاة لا تجزئ إلا بقراءة ﴿فاتحة الكتاب﴾ ؛ لقوله
((لا صلاة إلا بـ: ﴿فاتحة الكتاب). ومعقول أن وجوب قراءتها إنما هو على من
أحسنها ، دون من لا يحسنها؛ فإذا كان المصلي لا يحسنها ، وكان يحسن شيئاً من
٣٢٥
ركنية ﴿الفاتحة﴾ وفضائلها
القرآن غيرها ؛ كان عليه أن يقرأ منه قدر سبع آيات ؛ لأن أولى الذكر بعد ﴿فاتحة الكتاب﴾
ما كان مثلاً لها من القرآن ، فإن كان رجل ليس في وسعه أن يتعلم شيئاً من القرآن ؛
لعجز في طبعه ، أو سوء حفظه ، أو عجمة لسان ، أو آفة تعرض له ؛ كان أولى الذكر بعد
القرآن ما علمه النبي :{18 من التسبيح، والتحميد، والتهليل ، والتكبير)). اهـ.
٩٫٠٠
٣٢٦
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
نَسْخُ القراءةِ وراءَ الإمام في الجهرية
وكان ◌َ﴾ قد أجاز للمؤتمين أن يقرؤوا بها وراء الإمام في الصلاة
الجهرية ؛ حيث كان في صلاة الفجر، فقرأ ، فثقلت عليه القراءة ، فلما
فرغ ؛ قال :
((لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟)). قلنا: نعم؛ هذاً(١) يا رسول الله ! قال:
((لا تفعلوا؛ إلا [أن يقرأ أحدكم] بـ: ﴿فاتحة الكتاب) ؛ فإنه لا صلاة
لمن لم يقرأ بها))(٢).
(١) بتشديد الذّال وتنوينها. قال الخطابي (٢٠٥/١):
((والهذّ : سرد القراءة ، ومداركتها في سرعة واستعجال)).
(٢) هذا حديث صحيح .
أخرجه البخاري في ((جزء القراءة» (٧ ٢٢)، وأبو داود (١٣١/١)، والترمذي
(١١٦/٢ -١١٧)، والطحاوي (١٢٧/١)، والدارقطني (١٢٠)، والحاكم (٢٣٨/١)،
والطبراني في ((الصغير)) (١٣٤)، والبيهقي (١٦٤/٢)، وأحمد (٣١٣/٥ و٣١٦ و٣٢٢)،
وابن حزم في ((المحلى» (٢٣٦/٣) من طرق عن محمد بن إسحاق عن مكحول عن
محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت قال :
کنا خلف رسول الله
٤ في صلاة الفجر ؛ فترأ ... الحديث .
وهذا إسناد جيد لا مطعن فيه - كما قال الخطابي في ((المعالم)) (٢٠٥/١) -؛ فقد
صرح ابن إسحاق بالتحديث في رواية لأحمد ، والدارقطني وقال :
«هذا إسناد حسن)) . وأعله البيهقي . وقال الترمذي :
((حديث حسن)). والحاكم :
٣٢٧
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
(إسناده مستقيم))(١).
وقال الحافظ في ((نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار» - بعد أن ساقه بإسناده
المتصل إلى أحمد ، والبخاري عن ابن إسحاق به -:
«هذا حديث حسن)). وكذا قال النووي في ((المجموع)) (٣٦٣/٣)، وقال في ((تهذيب
الأسماء)» (١٨٠/٢):
((حديث صحيح)). كما في ((إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام)) (١٨٩). قال:
((وأخرجه ابن خزيمة في «صحيحه))، ولم يتفرد به محمد بن إسحاق ، بل تابعه
عليه زيد بن واقد ؛ أحد الثقات من أهل الشام)) .
قلت : لكن خالفه في الإسناد ؛ فقال : عن مكحول عن نافع بن محمود بن الربيع :
أنه سمع عبادة بن الصامت . ولم يقل : عن محمود بن الربيع - كما في رواية ابن
إسحاق -. قال البيهقي :
((فكأنه سمعه منهما جميعاً)) .
أخرجه الدارقطني (١٢١)، وعنه البيهقي (١٦٥/٢) من طريق محمد بن المبارك
الصوري : ثنا صدقة بن خالد: ثنا زيد بن واقد عن حرام بن حكيم ومكحول عن نافع
ابن محمود بن الربيع - کذا قال -: أنه سمع عبادة بن الصامت به نحوه .
وكذا رواه البخاري في ((جزئه)) (٧) وفي ((أفعال العباد)) (٩٢)، والبيهقي من طريق
هشام بن عمار: نا صدقة بن خالد به .
(١) قال الحافظ في ((التلخيص)) (٣١١/٣):
((رواه أحمد، والبخاري في ((جزء القراءة)» - وصححه أبو داود -، والترمذي ، والدارقطني، وابن
حبان ... )) إلخ.
٣٢٨
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
ووقع في النسخة المطبوعة من ((جزء البخاري)) سقط وتحريف؛ كما يتبين من
مقابلته بما نقله الحافظ في ((النتائج)) عن البخاري .
وكذلك رواه النسائي (١٤٦/١) عن هشام ، لكن ليس فيه ذكر مكحول .
وعگس أبو داود ، فرواه من طريق الهيثم بن حميد : أخبرني زید بن واقد عن
مکحول عن نافع ابن محمود به . فلم یذکر فیه حرام بن حکیم .
وكذلك رواه الدارقطني ، والبيهقي من طريق أبي داود . وفيه اختلاف آخر على
مكحول ، ذكره الدارقطني ، والبيهقي. ثم قال الدارقطني :
(«هذا إسناد حسن، ورجاله ثقات كلهم)). وقال البيهقي:
((والحديث صحيح عن عبادة بن الصامت ، وله شواهد)). وتعقبهما ابن التركماني بقوله :
((قلت: نافع بن محمود لم يذكره البخاري في ((تاريخه))، ولا ابن أبي حاتم ، ولا
أخرج له الشيخان . وقال أبو عمر: مجهول . وقال الطحاوي : لا يعرف . فكيف يصح أن
یکون سنده حسناً ورجاله ثقاتاً؟!)) .
قلت : ومن شواهده التي تقويه ، وتأخذ بعضده: ما أخرجه البخاري (٧) ،
والبيهقي (١٦٦/٢)، وأحمد (٢٣٦/٤ و٦٠/٥ و٨١ و٤١٠) من طريقين عن خالد الحَذَّاء
عن أبي قلابة عن محمد بن أبي عائشة عن رجل من أصحاب النبي ◌َّة؛ قال: قال رسول
الله ◌ُ :
(لعلكم تقرؤون، والإمام يقرأ؟)) . قالوا : إنا لنفعل . قال :
((فلا تفعلوا ؛ إلا أن يقرأ أحدكم بـ: ﴿فاتحة الكتاب))).
وهذا إسناد صحيح عندي ؛ فإن رجاله كلهم ثقات رجال مسلم . وقال البيهقي :
((إسناد جيد)). والحافظ (٣١٢/٣):
٣٢٩
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
«إسناده حسن)).
ورواه ابن حبان من طريق أيوب عن أبي قلابة عن أنس . وزعم أن الطريقين
محفوظان . وخالفه البيهقي ؛ فقال :
((إن طريق أبي قلابة عن أنس ليست بمحفوظة)). اهـ.
زاد في ((النتائج)) :
«وهكذا قال غيره)). وقد أخرجه من هذه الطريق: البخاري (٢٢) ، والطحاوي
(١٢٨/١)، والدارقطني (١٢٩)، وأبو يعلى في («مسنده))، ومن طريقه رواه ابن حبان في
((صحيحه))، والطبراني في «الأوسط))، والبيهقي؛ كلهم عن عبيدالله بن عمرو الرَّقِّي
عن أيوب به . وقال البيهقي :
(«تفرد بروايته عن أنس عبيدالله بن عمرو، وهو ثقة؛ إلا أن هذا إنما يعرف عن أبي
قلابة عن محمد بن أبي عائشة)) .
ومن الشواهد : ما أخرجه أحمد (٣٠٨/٥): ثنا يزيد بن هارون: أنا سليمان - يعني:
التيمي - قال : حُدَّثْتُ عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه : أن رسول الله
لع قال :
«تقرؤون خلفي؟)» . قالوا : نعم . قال:
((فلا تفعلوا ؛ إلا بـ: ﴿أم الكتاب﴾)) .
ومن هذا الوجه أخرجه البيهقي أيضاً (١٦٦/٢) .
ورجاله رجال الستة ، غير الذي حدث التيمي ؛ فهو مجهول ؛ ولذا قال البيهقي :
«وهو مرسل)) .
وعن عبدالله بن عمر نحوه .
أخرجه البزار، والطبراني في ((الكبير)). قال الهيثمي (١١٠/٢):
٣٣٠
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
((وفيه مَسْلَمَة بن علي ، وهو ضعيف)).
وبالجملة ؛ فالحديث صحيح بمجموع هذه الطرق ، حسن من طريق ابن إسحاق .
واضطراب من تابعه فيه لا يضر في روايته - كما لا يخفى ..
فالحديث حجة في القراءة خلف الإمام في الجهرية ، ولكنه لا يدل على الوجوب؛
بل على الإباحة - كما يأتي بيانه قريباً ..
قال الخطابي في ((المعالم)) (٢٠٥/١):
((هذا الحديث نص بأن قراءة ﴿فاتحة الكتاب) واجبة على من صلى خلف
الإمام ، سواء جهر الإمام بالقراءة ، أو خافت بها)) . ثم قال (٢٠٦):
((وقد اختلف العلماء في هذه المسألة ؛ فروي عن جماعة من الصحابة أنهم أوجبوا
القراءة خلف الإمام . وروي عن آخرين أنهم كانوا لا يقرؤون . وافترق الفقهاء فيها على
ثلاثة أقاويل : فكان مكحول والأوزاعي والشافعي وأبو ثور يقولون : لا بد من أن يقرأ
خلف الإمام فيما يجهر به ، وفيما لا يجهر . وقال الزهري ومالك وابن المبارك وأحمد بن
حنبل وإسحاق : يقرأ فيما أسر الإمام فيه ، ولا يقرأ فيما جهر به (١) . وقال سفيان الثوري
وأصحاب الرأي: لا يقرأ أحد خلف الإمام ؛ جَهَرَ الإمام أو أُسَرَّ . واحتجوا بحديث رواه
:號
عبدالله بن شداد مرسلاً عن النبي
(من كان له إمام؛ فقراءة الإمام له قراءة)))). انتهى .
(١) {(فائدة): وقد ذهب إلى مشروعية القراءة خلف الإمام في السرية دون الجهرية الإمامُ
الشافعيُّ في القديم ، ومحمدٌ تلميذ أبي حنيفة في رواية عنه اختارها الشيخ علي القاري وبعض
مشايخ المذهب ، وهو قول الإمام الزهري ، ومالك ، وابن المبارك، وأحمد بن حنبل ، وجماعة من
المحدثين وغيرهم ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية} .
٣٣١
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
قلت : وهذا الحديث المرسل صحيح - كما سيأتي -؛ ولكنه لا يدل على المنع من
القراءة كما صنع علماؤنا! وإنما يدل على أن قراءة الإمام تغني عن قراءة المؤتم ، بحيث إنه
لو لم يقرأ؛ جازت صلاته . وأما حكم قراءته هو ؛ فإنما يؤخذ من أحاديث أخرى .
وأعدل هذه المذاهب الثلاثة ، وأقربها إلى الصواب: أوسطها ، وهو قول الإمام
الشافعي رحمه الله في القديم - كما في ((المهذب)) و((شرحه» (٣١٣/٣ - ٣١٤) وغيرهما ..
وليس مع القائلين بالوجوب دليل ؛ إلا هذا الحديث ، وإلا حديث عبادة بن الصامت :
((لا صلاة لمن لم يقرأ بـ: ﴿فاتحة الكتاب))). وقد مضى .
وفي الاستدلال على ذلك بهذا الحديث الذي نحن بصدده نظر بيِّن ؛ وذلك لأنه
قد تقرر في كتب الأصول : أن الاستثناء من حكم يدل على نقيضه فحسب ، ولا دلالة
له على زيادة حكم. فقوله تعَ له: ((لا تفعلوا))؛ نهي عن القراءة خلف الإمام في الجهرية ،
واستثناؤه قراءة ﴿الفاتحة) يدل على عدم النهي عن قراءة ﴿الفاتحة﴾، يعني: عدم
كراهتها وحرمتِها . ولا دلالة فيه بوجه من الوجوه على ركنية ﴿الفاتحة ﴾ أو وجوبها ، فإن
ثبت بدليل آخر ؛ فذاك ، وإلا ؛ فلا دلالة فيه على ما راموا منه من إثبات الوجوب أو
الركنية . قال بعض المتأخرين من المحققين الحنفيين :
((ونظيره: قوله تعالى: ﴿لا تواعدوهن سراً إلا أن تقولوا قولاً معروفاً﴾؛ فنهى الله عز
وجل عن تصريح المواعدة في العِدَّة، واستثنى منه التعريض والكناية . فالتعريض
والكناية بالاستثناء لم يبق حراماً ؛ لا أنه صار فرضاً أو واجباً ، ولا يبعد أن يكون قريباً
من الكراهة .
قال تعالى: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تتفقون ولستم بأخذيه إلا أن تُغْمِضوا فيه﴾ ؛
فهل هذا الإغماض والمسامحة واجب عند أحد؟! إنما هو إغضاء على القذى وسحب
الذيل على الأذى .
٣٣٢
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
فثبت من هذا الاستثناء : أن الاستثناء بعد النهي لا يفيد الوجوب والركنية ، وإنما
يفيد الإباحة ؛ لا سيما إذا وردت هذه الإباحة على سبب حادث؛ لا ابتداءً ؛ فلا يبقى
ريبة في أنها إباحة مرجوحة غير مستحسنة ولا مرضية ، ويدل على ذلك :
٠
ما رواه ابن أبي شيبة مرسلاً : أن رسول الله
قال لأصحابه :
((هل تقرؤون خلف إمامكم؟)). قال بعض: نعم . وقال بعض : لا . فقال :
((إن كنتم لا بدَّ فاعلين؛ فليقرأ أحدكم بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾ في نفسه)).
فمن قال: لا ؛ لم يأمره بالإعادة . ثم قال: ((إن كنتم فاعلین) - ووزانه وزان قول الله
عز وجل : ﴿وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين﴾ -، ثم قال :
((فليقرأ أحدكم))؛ فلفظُ: ((أحدكم)) ، لغير الاستغراق .
وأما قوله
((فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن))؛ فهو بيان وصف في ﴿الفاتحة﴾ ، وأنها من
وصفها کذا ، لا حکم به الآن ها هنا ، والوصف لا يستلزم الحکم ما لم یحکم ، ولم
یحکم إلا بالإباحة .
نعم ؛ يكون حكماً سابقاً، وهو إذن لغير المقتدي ، ثم سبق هنا ثانياً لغير المقتدي
على أنه بيان وصف في ﴿الفاتحة﴾، فجعلوه حكماً الآن، وليس كما ينبغي ! وهو كقولنا
لابن سَبْع: صلِّ؛ فإنه لا دين لمن لا صلاة له . فالصلاة ليست بواجبة على ابن سبع
بالإجماع؛ ولكن علله بقوله : فإنه لا دين لمن لا صلاة له . يعني : لما كان شأن الصلاة هكذا
- بأنه لا دين لمن لا صلاة له -؛ صح أن يقال لابن سبع: صل . من غير وجوب ولا افتراض .
فكذا قوله تعالي: ((لا تفعلوا إلا بـ: ﴿أم القرآن﴾؛ حكم بالإباحة ، ثم علل
لاستثناء ﴿الفاتحة ﴾ بقوله :
٣٣٣
٠٤.
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
((فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها))، يعني: لما كان شأن ﴿الفاتحة) هكذا - وهو أنه لا
صلاة إلا بها -؛ صح استثناؤها من النهي ، ولعل ضمير الشأن في قوله : ((فإنه لا
صلاة ... )). إلخ. أليق بهذا)) اهـ. كلام هذا المحقق .
وهو غاية في التحقيق ، لا يدع مجالاً لأحد بعد هذا البيان أن يحتج به على الوجوب .
ولذلك ؛ فقد تنبه لهذا المعنى الصحيح المحقّقُ السندي ، فقال :
((ظاهر هذه الرواية إباحة القراءة بـ: ﴿الفاتحة﴾، ولو جهر الإمام . فلعل من يمنع عنها
يقول : إن النهي مقدم على الإباحة عند التعارض . ولا يخفى أن المعارضة حال السر
مفقودة؛ فالمنع حينئذ غير ظاهر ؛ ولهذا مال محمد وبعض المشايخ وغيرهم إلى قراءة
﴿الفاتحة) حال السر، ورجحه علي القاري في ((شرح موطأ محمد)»، ورأى أنه
الأحوط)) . اهـ .
وإذا ثبت أن الحديث لا يدل على الوجوب - بل على الإباحة ؛ بل الإباحة المرجوحة -؛
دل هو بعد ذلك على أن حديث عبادة - وهو حجتهم الثانية والأخيرة على الوجوب - لا يشمل
المقتدي؛ بل هو خاص بغيره - الإمام والمنفرد -؛ لأنه قد استثنى المؤتم من إيجاب ﴿الفاتحة﴾
عليه ؛ مع الرخصة له بقراءتها ، وإنما يبقى النظر في هذه الرخصة ؛ هل ظلت باقية أم ارتفعت؟
والظاهر لنا أنها ارتفعت ؛ بدليل الحديث الذي بعد هذا في الكتاب ، ونحن وإن كنا
نعترف أنه لا نص لدينا يدل على أنه متأخر الورود عن هذا الحديث الذي نحن بصدد
التعليق عليه ؛ فإن النظر الصحيح ، والرأي الرجيح يقتضي ذلك ؛ لأنه ليس من المعقول
أن يكون عليه الصلاة والسلام نهى الصحابة عن القراءة وراءه في ابتداء الأمر ، ثم
يخالفونه؛ فيقرؤون وراءه ﴿الفاتحة﴾ وغيرها ! هذا بعيد جداً أن يصدر من الصحابة ،
وهم يتلون قوله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم
عذاب أليم﴾ .
٣٣٤
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
فثبت بذلك أن النهي كان بعد الرخصة ، ولعل هذا هو وجه قول علمائنا بنسخ هذا
الحديث - وإن كنت لم أقف على شيء من كلامهم في توجيه نسخه -، ويكون عليه
الصلاة والسلام قد تدرج في النهي ، ولم يفاجئهم بذلك ؛ فنهاهم أولاً عن القراءة وراءه
إلا بـ: ﴿الفاتحة﴾، ثم نهاهم عن القراءة كلها، وذلك بمقتضى قوله تعالى: ﴿وإذا قرئ
القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ . قال الشافعي في القديم:
((فهذا عندنا على القراءة التي تسمع خاصة)) . ويؤيد ذلك سبب نزول الآية ؛ كما
قال مجاهد :
كان رسول الله يقرأ في الصلاة ، فسمع قراءة فتى من الأنصار؛ فنزلت: ﴿وإذا قرئ
القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ .
أخرجه البيهقي (١٥٥/٢) وغيره .
وقد قيل في سبب نزولها غير ذلك من الأقوال ، ولكن ما ذكرنا أرجحُها ؛ كما بينه
أبو الحسنات اللكنوي في ((إمام الكلام)) (ص٧٧ - ١٠١). وقد بسط القول في هذا
الكتاب على هذا الحديث تخريجاً ، وتحقيقاً لفقهه ، مع إنصاف ؛ بما لا تجده في كتاب .
فراجعه (١٨٧ - ٢١١).
وقد استفدنا منه بعض ما ذكرنا في هذا البحث . ومثله في التحقيق من الناحية
الفقهية العلامة الشيخ محمد أنور الكشميري في كتابه («فيض الباري على صحيح
البخاري)) (٢٧١/٢ - ٢٨٠)، ولولا أن يطول البحث؛ لنقلت كلامه؛ فإنه غاية في
التحقيق ، وفيه شيء جديد لا تراه في الكتب المعروفة ، لكن فيما ذكرناه عن ذلك
المحقق كفاية ، وكلامه كان خلاصة كلام الكشميري هذا ، وأظنه هو الكشميري نفسه ،
لكني وجدت كلامه معلقاً عندي في بعض التعليقات منسوباً إليه غير مسمى ، ولا
أذكر الآن مصدره ، وغالب ظني أنه في كتابه هذا المذكور . والله أعلم .
٣٣٥
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
ثم نهاهم ◌َّارُ عن القراءة كلها في الجهرية ، وذلك حينما ((انصرف من
صلاة جهرَ فيها بالقراءة (وفي رواية: أنها صلاة الصبح) ، فقال :
((هل قرأ معي منكم أحد أنفاً؟!)) .
فقال رجل : نعم ؛ أنا يا رسول الله ! فقال :
((إني أقول: ما لي أُنَازَعَ (١)؟!)).
فیما جھر
[قال أبو هريرة :] فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله
فيه رسول اللّه ◌َظيم بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله
، [ وقرؤوا
في أنفسهم سرّاً فيما لا يجهر فيه الإمام](*)) (٢).
وأما المذاهب الأخرى ؛ فيأتي قريباً ذكر أدلتها .
(١) قال الخطابي :
((معناه: أُدَاخَلُ في القراءة وأُغَالَبُ عليها. وقد تكون المنازعة بمعنى المشاركة
والمناوبة ؛ ومنه منازعة الناس في النِّدام» .
قلت : والأنسب في هذا المقام: المعنى الآخر ، وهو المشاركة ؛ بدليل انتهائهم عن
القراءة . ولو كانوا فهموا أنه المعنى الأول ؛ لانتهوا عن المداخلة فقط .
(*) الزيادتان من ((صفة الصلاة)) المطبوع (ص٩٩).
(٢) هو من حديث ابن شهاب الزهري عن ابن أُكيْمة عن أبي هريرة رضي الله
عنه :
أن رسول الله
انصرف ... الحديث .
أخرجه عنه مالك (١٠٨/١)، ومن طريقه محمد في ((موطئه)) (٩٠ - ٩١)،
والبخاري في «جزئه» (٢٢)، وأبو داود (١٣١/١)، والنسائي (١٤٦/١)، والترمذي
٣٣٦
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
(١١٨/٢)، والطحاوي (١٢٧/١)، والبيهقي (١٥٧/٢)؛ كلهم عن مالك به .
وكذا هو في («المسند» (٣٠١/٢).
ثم أخرجه هو (٢٨٤/٢)، وأبو داود، وابن ماجه (٢٧٩/١)، والبيهقي من طريق
معمر عن الزهري قال : سمعت ابن أكيمة به .
وفي رواية لأبي داود : قال معمر عن الزهري : قال أبو هريرة: فانتهى الناس ... إلخ.
ثم أخرجه {الحميدي [رقم ٩٥٣]}، وأبو داود ، وابن ماجه ، والبيهقي ، وأحمد
(٢٤٠/٢) من طريق سفيان بن عيينة: ثنا الزهري - حفظته من فِيْهِ - قال : سمعت ابن
أکیمة يحدث سعيد بن المسيب قال : سمعت أبا هريرة به دون قوله : فانتھی الناس . قال
سفیان : وتکلم الزهري بكلمة لم أسمعها . فقال معمر : إنه قال : فانتھی الناس .
ثم أخرجه أحمد (٢٨٥/٢) عن ابن جريج، و(٤٨٧/٢) عن عبدالرحمن بن
إسحاق ؛ كلاهما عن الزهري به دون هذه الكلمة .
ثم أخرجه الطحاوي ، والبيهقي ، من طريق الأوزاعي : ثني الزهري عن سعيد بن
المسيب : أنه سمع أبا هريرة يقول :... فذكره بلفظ: قال الزهري : فاتعظ المسلمون
بذلك ؛ فلم يكونوا يقرؤون . هكذا قال الأوزاعي : عن سعيد . قال البيهقي :
((حفظ الأوزاعي كون هذا الكلام من قول الزهري؛ فَفَصَلَهُ عن الحديث ، إلا أنه لم
يحفظ إسناده . والصواب ما رواه ابن عيينة عن الزهري قال : سمعت ابن أكيمة يحدث
سعيد بن المسيب. وكذلك قاله يونس بن يزيدَ الأَيْلي)) . اهـ.
وروي على وجه آخر عند أحمد (٣٤٥/٥)، والمحاملي في ((الأمالي» (١/١٣٩/٦)،
والبيهقي من طريق يعقوب - هو : ابن إبراهيم الزهري -: ثنا ابن أخي ابن شهاب عن
عمه قال : أخبرني عبدالرحمن بن هرمز عن عبد الله ابن بُحينة - وكان من أصحاب
٣٣٧
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
* -: أن رسول الله
رسول الله
ـي قال :
((هل قرأ أحد منكم معي آنفاً؟)) . قالوا : نعم . قال :
((إني أقول: ما لي أنازع القرآن؟!)). فانتهى الناس عن القراءة معه حين قال ذلك.
وهذا إسناد رجاله رجال الستة ، لكن ابن أخي ابن شهاب - واسمه : محمد بن
عبدالله بن مسلم الزهري -: متكلم فيه ؛ لضعف في حفظه . وفي («التقريب)):
«صدوق له أوهام)) .
ولذلك قال يعقوب بن سفيان :
(«هذا خطأ لا شك فيه ولا ارتياب . ورواه مالك، ومعمر ، وابن عيينة ، والليث بن
سعد ، ويونس بن يزيد ، والزبيدي ؛ كلهم عن الزهري عن ابن أكيمة عن أبي هريرة)).
و کذا قال البزار - بعد أن رواه من هذا الوجه - :
((إنه أخطأ فيه ابن أخي ابن شهاب)).
ثم أشار إلى أن الصواب رواية الجماعة عن الزهري عن ابن أبي أُكَيْمة - كما في
((المجمع)) (١١٠/٢) ..
واعلم أنه قد اختلف في الحديث في أمرين :
الأول: قوله : فانتهى الناس ... إلخ. هل هو من قول أبي هريرة؛ كما هو ظاهرٌ
رواية مالك ومعمر ، ونص هذا في رواية ؛ أنه قول أبي هريرة قبله ؛ فهو متصل ، أم من
قول الزهري ؛ كما في رواية غير معمر، وصرح بذلك الأوزاعي؛ فهو حينئذٍ مرسل . أم
من قول معمر ؛ کما في رواية لأبي داود؟
ثم قال أبو داود :
((سمعت محمد بن يحيى بن فارس قال: قوله : (فانتهى الناس ... ) من كلام
الزهري)» .
٣٣٨
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
وكذلك قال البخاري ، ويعقوب بن سفيان ، والذُّهلي، والخطابي ، وغيرهم - كما في
((التلخيص)) (٣١٠/٣) -.
وقد أجاب عن ذلك أبو الحسنات (١٢٠) بقوله :
((إن هذا لا يقدح؛ لأن هذا الكلام - سواء كان من كلام أبي هريرة ، أو من كلام
الزهري ، أو غيرهما - يدل قطعاً على أن الصحابة تركوا القراءة خلف رسول الله فيما يجهر
فیه ، وهذا کاف للاستشهاد به)) .
قلت : وهذا الجواب لا يكفي ؛ لأننا إذا سلمنا أن هذا الكلام من قول الزهري ؛ فهو
حينئذ يكون مرسلاً منقطعاً؛ فلا يجوز أن يحتج به عند جمهور المحدثين ؛ خلافاً لمذهب
الحنفية وغيرهم .
وأحسن من ذلك قول الكشميري في ((الفيض)) (٢٧٤/٢):
(«لو سلمنا ما قالوا؛ فالزهري تابعي ، ولا يذكر إلا من حال الصحابة، ثم إنَّ مَن
جعله من قول الزهري ؛ غرضه أن الزهري قاله نقلاً عن أبي هريرة ، وأخفى به صوته ،
فثبّتهم معمر فيه ؛ فكان إسناد القول إلى معمر أو الزهري لهذا ، فزعموا أنه من تلقاء
أنفسهم . وهذا هو الحق : أن هذا الكلام من كلام أبي هريرة ؛ كما هو من كلام الزهري
ومعمر، فكل من نسبه إلى أحد منهم ؛ فهو صادق غير واهم . بذلك يصلح الحديث
حجة في الانتهاء من القراءة وراء الإمام في الجهرية . والله أعلم)).
ويبقى النظر في الأمر الثاني ؛ وهو: أنهم اختلفوا في صحة الحديث؛ فقال
الترمذي - بعد أن ساقه -:
(«هذا حديث حسن. وابن أكيمة اسمه: عمارة. ويقال: عمرو)).
وصححه أبو حاتم الرازي ۔ کما قال ابن کثیر (٢٨٠/٢) -، وابن حبان ، حيث أخرجه
٣٣٩
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
في («صحيحه)) (١) - كما قال ابن التركماني ؛ رداً على قول البيهقي :
((في صحة هذا الحديث نظر؛ وذلك لأن راويه ابن أكيمة الليثي، وهو: رجل
مجهول لم يحدث عنه غير الزهري . قال الحميدي : هذا حديث [رواه رجل] (*)
مجهول» ۔. قال ابن التركماني :
((أخرج حديثه ابن حبان في ((صحيحه))، وحسنه الترمذي ، وأخرجه أيضاً أبو
داود ، ولم يتعرض له بشيء ، وذلك دليل على حسنه عنده - كما عُرف -.
وفي ((الكمال)) : روى عن ابن أكيمة مالك ، ومحمد بن عمرو . وقال ابن سعد :
توفي سنة إحدى ومئة ، وهو ابن تسع وسبعين . وقال ابن أبي حاتم : سألت أبي عنه؟
فقال : صحيح الحديث مقبول . وقال ابن حبان : اسمه : عمرو ، هو وأخوه عمر : ثقتان .
وقال ابن معين : روى عنه محمد بن عمرو وغيره ، وحسبك برواية ابن شهاب عنه .
وفي «التمهيد)): كان يحدث في مجلس سعيد بن المسيب ، وهو يصغي إلى حديثه
وتحديثه ، وذلك دليل على جلالته عندهم وثقته . انتهى كلامه . وهذا كله ينفي عنه
الجهالة)) . انتهى كلام ابن التركماني.
وممن وثقه أيضاً يحيى بن سعيد - كما في ((التهذيب)) -. وقال ابن عبدالبر في
(باب من لم تشتهر عنه الرواية ، واحتملت روايته لرواية الثقات عنه) :
((ولم يُغْمَز ابن أكيمة الليثي)). ولذلك قال الحافظ في («التقريب)»:
((ثقة)) .
فتبين بهذا أن الحديث صحيح الإسناد ، وأن قول من قال في راويه : (مجهول) ؛ مردود
(١) (٤٥٤/١٢٦ - الموارد).
(*) ما بين المعقوفتين استدركناه من ((سنن البيهقي))، وقد ساق الشيخ رحمه الله قول البيهقي
باختصار .
٣٤٠