Indexed OCR Text

Pages 81-100

القيام
وأما في السفر؛ فكان يصلي على راحلته النافلة .
وسَنَّ لأمته أن يصلوا في الخوف الشديد على أقدامهم، أو ركباناً - كما
تقدم ـ، وذلك قوله تعالی :
﴿حَافظُوا عَلَى الصَّلواتِ والصَّلاة الوُسطى (١) وقُومُوا لله قانتينَ . فإنْ
ومفروضها، ومسنونها ، واقتضى النهي عن كل فعل ليس بطاعة فيها . والله الموفق والمعين)).
(١) هي صلاة العصر على القول الصحيح عند جمهور العلماء؛ منهم: أبو حنيفة
وصاحباه ؛ لقوله ﴿ يوم الأحزاب :
((شغلونا عن الصلاة الوسطى؛ صلاة العصر، ملأ الله قبورهم(*) وبيوتهم ناراً ... ))
الحديث .
رواه الشيخان وغيرهما عن شُتَير بن شَكَل عنه( ** ) . وله عنه طرق أخرى.
ورواه عن النبي ﴾ جمع آخر من الصحابة. وقد ساق أحاديثهم بطرقها الحافظ ابن
كثير في «تفسيره)» . فليراجعها من شاء .
وأما قول الإمام محمد عبده في «تفسيره)) :
((ولولا أنهم اتفقوا على أنها إحدى الخمس ؛ لكان يتبادر إلى فهمي من قوله :
﴿وَالصَّلاةِ الوُسْطَى﴾: أن المراد بالصلاة الفعل، و بـ (الوسطى) : الفضلى ؛ أي : حافظوا
على أفضل أنواع الصلاة ؛ وهي الصلاة التي يحضر فيها القلب ... )) إلخ. وقول السيد
رشيد رضا (٤٣٣/١) :
(*) في أصل الشيخ رحمه الله: ((قلوبهم))؛ تبعاً لابن كثير في تفسيره))، والصواب ما أثبتناه؛
كما في مسلم وغيره .
( ** ) كذا الأصل، وطريق شتير هذه تفرد بها مسلم ، ثم رواه هو والبخاري من طريق عَبِيدة
السَّلماني عن علي به .
٨١

القيام
خِفْتُمْ فَرِجالاً أو رُكْبَاناً(١) فإذا أمِنْتُم فاذكُرُوا اللهَ كما عَلَّمِكُم مَا لَمْ تكُونُوا
تعلمون﴾ (البقرة: ٢٣٨) .
((ليس عندنا نص صريح في الحديث المرفوع ينافي ما ذكره الأستاذ الإمام في
الصلاة الوسطى؛ فقد قال بعض المحدثين : إن لفظ: ((صلاة العصر)) في حديث علي
مدرج من تفسير الراوي)» .
قلت : فهذا منه مما لا يلتفت إليه بعد ثبوت الأحاديث الكثيرة في أنها صلاة
العصر. (وإذا جاء نهر الله ؛ بطل نهر معقل) .
وأما ما أشار إليه السيد من إعلال الحديث بالإدراج ؛ فليس بشيء ؛ لأمور يطول
الكلام بذكرها ، ويكفي في بيان ذلك أن هذا الإدراج إنما قيل بخصوص طريق واحد من
طرق حديث علي ؛ وهو طريق شُتَيْرِ هذا .
وأما بقية طرقه عنه ، والطرق الأخرى عن غيره من الصحابة ؛ فليس فيها هذا
الإدراج المزعوم، ومن طرقه في ((المسند)) (رقم ١٣١٣) من طريق عبيدة قال:
كنا نرى أن صلاة الوسطى صلاة الصبح. قال : فحدثنا عليّ أنهم يوم الأحزاب
اقتتلوا ، وحبسونا عن صلاة العصر ؛ فقال
«اللهم! املأ قبورهم ناراً - أو: املأ بطونهم ناراً -؛ كما حبسونا عن صلاة
الوسطى)) . قال : فعرفنا يومئذ أن صلاة الوسطى صلاة العصر.
فهذا نص في إبطال الإدراج المزعوم - كما لا يخفى -، ومن شاء الوقوف على طرق
حديث علي الأخرى المصرحة برفع ذلك إلى النبي ◌َ ل*؛ فلينظر ((المسند)) رقم: (٩٩٠
و٩٩٤ و١٠٣٦ و١١٣٢ و١١٣٤ و١١٥٠ و١١٥١ و١٢٨٧ و١٣٠٥٠ و١٣٠٧٠ و١٣١٣٠
و ١٣٢٦٠).
(١) أي: فصلّوا رجالاً أو ركباناً . قال القرطبي:
٨٢

القيام
و(صلّى﴿ في مرضٍ موته جالساً)(١).
((والرِّجَالُ: جمع راجل أو رجل؛ من قولهم: رَجَلَ الإنسان يَرْجَل رجلاً؛ إذا عدم
الركوب ومشى على قدميه ؛ فهو رَجِل وراجل ورجُل ... )). ثم قال:
((قال أبو حنيفة : إن القتال يفسد الصلاة . وحديث ابن عمر يرد عليه ، وظاهر الآية
أقوى دليل عليه ... قال الشافعي : لما رخص تبارك وتعالى في جواز ترك بعض الأركان؛
دلَّ ذلك على أن القتال في الصلاة لا يفسدها)).
(١) أخرجه الترمذي (١٩٦/٢)، والطحاوي (٢٣٦/١)، وأحمد (١٥٩/٦) من
حديث شَبَابَة بن سَوَّار: نا شعبة عن نعيم ابن أبي هند عن أبي وائل عن مسروق عن
عائشة قالت :
صلى رسول الله خلف أبي بكر قاعداً في مرضه الذي مات فيه .
وقال الترمذي :
((حديث حسن صحيح غريب)) .
قلت : وهو على شرط مسلم .
وقد أخرجه النسائي (١٢٧/١) ، وأحمد أيضاً من حديث بكر بن عيسى - صاحب
البصري - قال : سمعت شعبة به نحوه ، وليس فيه : قاعداً .
وله شاهد من حديث أنس :
٠
أخرجه الترمذي أيضاً (١٩٧/٢ - ١٩٨)، والطحاوي (٢٣٦/١)، وأحمد
(٢٤٣/٣) من طرق عن حميد عن ثابت - قال: ثني ثابت البناني - عن أنس بن مالك
قال :
٨٣

القيام
صلى رسول الله تَ# في مرضه خلف أبي بكر قاعداً في ثوب متوشحاً به . زاد
الطحاوي :
فكانت آخر صلاة صلاها . وقال الترمذي :
(حسن صحيح)) .
قلت : وهو على شرط الشيخين .
وقد أخرجه النسائي (١٢٧/١)، وأحمد (١٥٩/٣ و٢٣٣ و ٢٤٣) من طرق عن
أنس؛ فلم يذكر فيه ثابتاً . قال الترمذي :
((والرواية الأولى أصح)) .
قلت: وحديث عائشة في البخاري (١٢٢/٢ و١٣٢ و١٣٧ -١٣٨)، ومسلم (٢٠/٢
- ٢٤)، والنسائي (١٣٣/١ -١٣٤)، والدارمي (٢٨٧/١)، وابن ماجه (٣٧١/١ - ٣٧٣)
والدارقطني (١٥٢)، والطحاوي أيضاً، والبيهقي (٣٠٤/٢)، وأحمد (٢٢٤/٦ و٢٤٩
و٢٥١) من طرق عنها بلفظ :
فكان رسول الله ث# يصلي بالناس جالساً ، وأبو بكر قائماً يقتدي أبو بكر بصلاة
النبي # ، ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر .
ففي هذه الرواية أن النبي ﴿ كان إماماً بخلاف الأولى ؛ ففيها أنه كان مقتدياً،
وقد اختلف العلماء في التوفيق بين الروايات على وجوه ذكرها الحافظ في ((الفتح)) ؛ أَوْلاها
أن النبي ﴾ صلى صلاتين في المسجد؛ كان في إحداهما مأموماً، وفي الأخرى
إماماً. وإليه ذهب ابن حزم في ((المحلى)) (٤٧/٣)، والبيهقي ، وقبله ابن حبان ، وقد
ذكر الزيلعي في ((نصب الراية)) (٤٤/٢ - ٤٨) أقوالهما في ذلك ؛ فارجع إليه إن
شئت .
٨٤

القيام
وصلاها كذلكَ مرةً أخرى قبل هذه؛ حينَ ((اشتكى ، وصلّى الناسُ
وراءَهُ قياماً؛ فأشارَ إليهم أنِ اجْلِسُوا ؛ فجلسوا ، فلما انصرفَ ؛ قال :
((إن كِدْتُم آنفاً لتفعلون فِعْلَ فارس والروم : يقومون على مُلوكهم وهم
قُعود ، فلا تفعلوا ؛ إنما جُعِلَ الإمامُ ليُؤْتَمَّ به ؛ فإذا ركع ؛ فاركعوا ، وإذا رفع ؛
فارفعوا، وإذا صلى جالساً؛ فصلُّوا جلوساً [أجمعون]))(١) .
(١) أخرجه البخاري (١٣٨/٢ و٤٦٧)، ومسلم (١٩/٢)، ومالك (١٥٥/١)، وأبو
داود (٩٩/١)، وابن ماجه (٣٧٤/١)، والطحاوي (٢٣٥/١)، والبيهقي (٢٠٤/٢
و٢٦١)، وأحمد (٥١/٦ و٥٧ و٦٨ و١٤٨ و١٩٤) من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه
عن عائشة قالت :
فدخل عليه ناس من أصحابه يعودونه ، فصلى رسول
اشتكى رسول الله
الله تَّ جالساً، فصلوا بصلاته قياماً ، فأشار إليهم : أن اجلسوا ... إلخ الحديث.
وقد جاءت هذه القصة من حديث أنس أيضاً .
أخرجه الشيخان ، ومالك، ومن طريقه محمد في ((الموطأ)) (١١٣)، وكذا الدارمي
(٢٨٦/١)، وأحمد، والترمذي (١٩٤/٢)، والنسائي (١٢٨/١ و١٦٤)، وسائر الذين
أخرجوا الحديث الأول ؛ رووه من طرق عن الزهري قال : سمعت أنس بن مالك يقول :
سقط النبي ﴿﴿ عن فرس ، فَجُحِش شقه الأيمن ، فدخلنا عليه نعوده ، فحضرت
الصلاة ، فصلى بنا قاعداً ، فصلينا وراءه قعوداً ، فلما قضى الصلاة ؛ قال :
((إنما جعل الإمام ليؤتم به ... )) الحديث . وزاد في آخره:
((أجمعون)) .
وله في «المسند» (٢٠٠/٣) طريق آخر، وكذا الطحاوي .
٨٥

القيام
ومن حديث جابر قال :
اشتكى رسول الله {﴾ ، فصلينا وراءه وهو قاعد، وأبو بكر يُسمع الناس تكبيرَه،
فالتفت إلينا ؛ فرأنا قياماً ، فأشار إلينا ؛ فقعدنا فصلينا بصلاته قعوداً ، فلما سلم ؛ قال :
((إن كدتم آنفاً لتفعلون فعل فارس والروم؛ يقومون على ملوكهم وهم قعود! فلا
تفعلوا ؛ ائتموا بأئمتكم : إن صلى قائماً؛ فصلوا قياماً ، وإن صلى قاعداً ؛ فصلوا قعوداً)).
أخرجه مسلم (١٩/٢)، والنسائي (١٧٨/١)، وابن ماجه (٣٧٥/١)، والبيهقي
(٢٦١/٢)، وأحمد (٣٣٤/٣) من طريق الليث بن سعد عن أبي الزبير عنه .
وأخرجه مسلم ، والنسائي (١٢٨/١)، والطحاوي (٢٣٤/١) من طريق عبدالرحمن
ابن حميد الرؤاسي عن أبي الزبير نحوه .
وفيه أن الصلاة صلاة الظهر .
وله طریق ثان: أخرجه أبو داود (٩٩/١)، والدارقطني (١٦٢)، وأحمد (٣٠٠/٣)
عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال :
صُرِعَ النبيُّ {/ من فرس على جذع نخلة فانفكّت قدمُه؛ فدخلنا عليه نعوده ....
الحديث بنحوه .
وهذا سند صحيح على شرط مسلم .
وله طريق ثالث: أخرجه أحمد (٣٩٥/٣) عن سالم بن أبي الجعد عن جابر
نحوه .
وسنده صحيح على شرط مسلم .
{والحديث مخرج في كتابي ((إرواء الغليل)) تحت الحديث (٣٩٤)}.
واعلم أن في هذه الأحاديث دلالة على أن الإمام إذا صلى جالساً لمرض به ؛
٨٦

القيام
صلى مَن وراءه جالسين ؛ ولو كانوا قادرين على القيام ، والدليل على ذلك أن النبي
جعل اتباع الإمام في الجلوس من طاعة الأئمة الواجبة بكتاب الله تعالى ، كما
:
قال :
((من أطاعني ؛ فقد أطاع الله، ومن عصاني ؛ فقد عصى الله ، ومن أطاع الأمير؛
فقد أطاعني ، ومن عصى الأمير؛ فقد عصاني، إنما الإمام جنة ، فإن صلى قاعداً؛ فصلوا
قعوداً ، وإذا قال : سمع الله لمن حمده ؛ فقولوا : اللهم ربنا ! ولك الحمد . فإذا وافق قول
أهل الأرض قول أهل السماء ؛ غفر له ما مضى من ذنبه)) .
أخرجه الطيالسي (٣٣٦)، ومن طريقه الطحاوي (٢٣٥/١)، و{أبو عوانة [١٠٩/٢]}،
وأحمد (٣٨٦/٢ - ٣٨٧ و٤١٦ و٤٦٧) - واللفظ له -، من طرق عن يعلى بن عطاء قال :
سمعت أبا علقمة يقول : سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﴿﴿ يقول : ... به .
وهذا سند صحيح على شرط مسلم . وأبو علقمة هذا - هو: المصري مولى بني هاشم -:
لا يعرف إلا بكنيته(*)، وهو ثقة - كما في «التقريب» ..
وله شاهد من حديث ابن عمر :
أخرجه الطحاوي، وأحمد (٩٣/٢)، والطبراني في «الكبير))، وأبو يعلى، وعن
الثلاثة المقدسي في ((المختارة))، وأبو حاتم البستي عن أبي يعلى وحده من طرق عن عقبة
ابن أبي الصهباء قال : سمعت سالماً يقول : ثني عبدالله بن عمر:
أنه کان يوماً من الأيام عند رسول الله ټ/﴾ ، وهو في نفر من أصحابه فقال لهم:
((ألستم تعلمون أني رسول الله إليكم؟)). فقالوا : بلى ؛ نشهد أنك رسول الله . قال :
((أفلستم تعلمون [أن] الله قد أنزل في كتابه أن من أطاعني ؛ فقد أطاع الله؟)) .
(*) في الأصل : (باسمه)، والصواب ما أثبتنا .
٨٧

القيام
قالوا : بلى ؛ نشهد أنه من أطاعك ؛ فقد أطاع الله . قال :
(«فإن من طاعة الله أن تطيعوني ، وإن من طاعتي أن تطيعوا أثمتكم ، فإن صلوا
قعوداً؛ فصلوا قعوداً أجمعين» .
وهذا إسناد صحيح أيضاً . قال الترمذي - بعد أن ساق حديث أنس المذكور آنفاً -:
((وقد ذهب بعض أصحاب النبي ت إلى هذا الحديث؛ منهم: جابر بن عبد الله،
وأُسيد بن حضير، وأبو هريرة ، وغيرهم . وبهذا الحديث يقول أحمد وإسحاق)). قال
الحافظ (١٤٠/٢) :
((وقد قال بقول أحمد جماعة من محدثي الشافعية ؛ كابن خزيمة ، وابن المنذر، وابن
حبان)) . اهـ .
وقد نقل الزيلعي في ((نصب الراية)) (٤٩/٢) كلام ابن حبان في ذلك ، وهاك
نصه :
((قال في ((صحيحه)): وفي هذا الخبر بيان واضح أن الإمام إذا صلى قاعداً؛ كان
على المأمومين أن يصلوا قعوداً . وأفتى به من الصحابة : جابر بن عبدالله ، وأبو هريرة ،
وأسيد بن حضير ، وقيس بن قَهْد (بفتح القاف وسكون الهاء) . ولم يُروّ عن غيرهم من
الصحابة خلاف هذا بإسناد متصل ولا منقطع ؛ فكان إجماعاً ، والإجماع عندنا إجماع
الصحابة . وقد أفتى به من التابعين جابر بن زيد ، ولم يُروّ عن غيره من التابعين خلافه
بإسناد صحيح ولا واه؛ فكان إجماعاً من التابعين أيضاً . وأول من أبطل ذلك في الأمة
المغيرة بن مِقْسَم ، وأخذ عنه حماد بن أبي سليمان ، ثم أخذه عن حماد أبو حنيفة ، ثم
عنه أصحابه . وأعلى حديث احتجوا به حديثٌ رواه جابر الجعفي عن الشعبي : قال
عليه الصلاة والسلام :
٨٨

القيام
«لا يَؤُمَّنَّ أحد بعدي جالساً» .
وهذا لو صح إسناده؛ لكان مرسلاً ، والمرسل عندنا وما لم يُروَ سيان ، لأنا لو قبلنا
إرسال تابعي - وإن كان ثقة -؛ لَلَزِمَنَا قبول مثله عن أتباع التابعين ، وإذا قبلنا ؛ لَزِمَنًا قبوله
من أتباع أتباع التابعين ، ويؤدي ذلك إليه أن يقبل من كل أحد إذا قال : قال رسول
الله ###!
وفي هذا نقض الشريعة ، والعجب أن أبا حنيفة يجرح جابراً الجعفي ویکذبه ، ثم لما
اضطره الأمر؛ جعل يحتج بحديثه . وذلك كما أخبرنا به)) .
قلت : فساق إسناده إلى أبي يحيى الحماني: ((سمعت أبا حنيفة يقول:
=
ما رأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء ، ولا لقيت فيمن لقيت أكذب من جابر
الجعفي؛ وما أتيته بشيء من رأي قط إلا جاءني فيه بحديث)). اهـ. ما في ((نصب
الراية)) ببعض اختصار.
وحديث جابر هذا أخرجه الإمام محمد في ((الموطأ» (١١٣)، واحتج به على نسخ
قوله عليه الصلاة والسلام :
((إذا صلى الإمام جالساً؛ فصلوا جلوساً أجمعين)) . وقد علمت ما فيه .
وقد احتجوا بحجة أخرى على النسخ ؛ وهي ما تقدم من صلاته في مرض موته
بالناس قاعداً وهم قائمون خلفه ، ولم يأمرهم بالقعود . قال الحافظ :
((وأنكر أحمد نسخ الأمر المذكور بذلك ، وجمع بين الحديثين بتنزيلهما على حالتين :
إحداهما : إذا ابتدأ الإمام الراتب الصلاة قاعداً لمرض يرجى برؤه ؛ فحينئذ يصلون
خلفه قعوداً .
ثانيهما: إذا ابتدأ الإمام الراتب قائماً؛ لزم المأمومين أن يصلوا خلفه قياماً ، سواء طرأ
٨٩

القيام
ما يقتضي صلاة إمامهم قاعداً أم لا؛ كما في الأحاديث التي في مرض موت
النبي {* ، فإن تقريره لهم على القيام دل على أنه لا يلزمهم الجلوس في تلك الحالة ؛
لأن أبا بكر ابتدأ بالصلاة بهم قائماً ، فصلوا معه قياماً؛ بخلاف الحالة الأولى ؛ فإنه
ابتدأ الصلاة جالساً ، فلما صلوا خلفه قياماً ؛ أنكر عليهم .
ويقوي هذا الجمعَ أن الأصل عدم النسخ ؛ لا سيما وهو في هذه الحالة يستلزم دعوى
النسخ مرتين ؛ لأن الأصل في حكم القادر على القيام أن لا يصلي قاعداً ، وقد نسخ إلى
القعود في حق من صلى إمامه قاعداً ، فدعوى نسخ القعود بعد ذلك يقتضي وقوع النسخ
مرتين ، وهو بعيد)) . اهـ .
وللمانعين لدعوى النسخ أجوبة كثيرة تراجع في المطولات ، وقد لخصها المحقق
السندي في «حاشيته على البخاري» ، ثم قال :
(«ومما يدل على بقاء الحكم المذكور: أنه قد جعل قعود المقتدي عند قعود الإمام من
جملة الاقتداء بالإمام ، والإجماع على بقاء الاقتداء به ؛ فالظاهر بقاء ما هو من جملة
الاقتداء . وكذا يدل على بقاء الحكم : أنه قد عَلّلَ في بعض الروايات حكم القعود ؛ بأن
القيام عند قعود الإمام من أفعال أهل فارس بعظمائها - يعني : أنه يشبه تعظيم المخلوق
فيما وُضعَ لتعظيم الخالق من الصلاة -، ولا يخفى بقاء هذه العلة ، والأصل بقاء الحكم
عند دوام العلة .
وللطرفين ها هنا كلمات ، وما ذكرنا فيه كفاية في بيان أن دعوى النسخ لا يخلو عن
نظر)» . اهـ .
ويَرُدُّ هذه الدعوى أيضاً حديثا أبي هريرة وابن عمر المُصَدِّرُ بهما هذا البحث ؛ فقد
جعل وا الصلاة وراء الإمام الجالس جلوساً من طاعة الأئمة ، التي هي من
طاعته ◌َّ ، وغير معقول أن ينسخ شيء منها . والله أعلم .
٩٠

سـ
القيام / صلاة المريض جالساً
صلاة المريض جالساً
وقال عمران بن حصين رضي الله عنه :
((كانت بي بَوَاسير(١)، فسألت رسولَ الله عَ ◌ٍّ؟ فقال:
((صلِّ قائماً، فإنْ لم تستطعْ؛ فقاعداً ، فإن لم تستطعْ؛ فعلى جنب)))(٢).
(١) جمع (باسور)؛ يقال بالموحدة ، وبالنون . والذي بالموحدة : ورم في باطن
المقعدة . والذي بالنون: قرحة فاسدة ، لا تقبل البُرْءَ ما دام فيها ذلك الفساد. ((فتح)).
(٢) أخرجه البخاري (٤٦٩/٢)، وأبو داود (١٥٠/١)، والترمذي (٢٠٨/٢)، وابن
ماجه (٣٦٩/١)، والطحاوي في ((المشكل)) (٢٨١/٢ - ٢٨٢)، والدارقطني (١٤٦)،
والحاكم (٣١٥/١)، والبيهقي (٣٠٤/٢)، وأحمد (٤٢٦/٢) عن إبراهيم بن طهمان عن
حسين المعلم عن عبدالله بن بريدة عنه . وقال الحاكم :
((صحيح على شرط الشيخين. ولم يخرجاه بهذا اللفظ))!
فوهم في استدراكه على البخاري .
وعزاه الزيلعي (١٧٥/٢)، والحافظ في ((التلخيص)) (٢٨٥/٣) [للنسائي](*)
بزيادة :
((فإن لم تستطع؛ فمستلقياً، ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسَاً إلا وُسْعَهَا))) .
ولم أجده في ((سننه الصغرى))؛ فلعله في ((الكبرى)) له . قال الحافظ (٤٧٠/٢) :
((استدل به من قال : لا ينتقل المريض إلى القعود؛ إلا بعد عدم القدرة على القيام.
وقد حکاه عیاض عن الشافعي ، وعن مالك ، وأحمد - قال ابنه عبدالله : سئل أبي عن
(*) ما بين المعقوفتين سقط من قلم الشيخ رحمه الله .
٩١
:

القيام / صلاة المريض جالساً
المريض متى يصلى قاعداً؟ قال : إذا كان قيامه يضعفه ويوهنه ؛ أحب إلي أن يصلي
قاعداً -، وإسحاق لا يشترط العدم؛ بل وجود المشقة . والمعروف عند الشافعية أن المراد
بنفي الاستطاعة وجود المشقة الشديدة بالقيام ، أو خوف زيادة المرض أو الهلاك ، ولا
يكتفى بأدنى مشقة ؛ ومن المشقة الشديدة دوران الرأس في حق راكب السفينة ، وخوف
الغرق لو صلى قائماً فيها)). اهـ.
قلت: وما ذكره عن الشافعية هو الأصح عند الحنفية - كما في ((البحر الرائق))
(١٢١/٢) وغيره من كتب المذهب -.
وقد يستدل لذلك بما أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) من حديث ابن عباس
مرفوعاً :
(يصلي المريض قائماً، فإن نالته مشقة؛ صلَّى جالساً، فإن نالته مشقة؛ صلَّى
نائماً، يومئ برأسه ، فإن نالته مشقة؛ سبح)) . وقال الطبراني :
(لم يروه عن ابن جريج إلا حلس بن محمد الضبعي)). قال الهيثمي (١٤٩/٢):
((ولم أجد من ترجمه ، وبقية رجاله ثقات)) .
وسكت عليه الحافظ في ((الفتح))، وقال في ((التلخيص)) (٢٩٤/٣) :
«في إسناده ضعف)).
قال الترمذي :
((واختلف أهل العلم في صلاة المريض إذا لم يستطع أن يصلي جالساً؛ فقال بعض
أهل العلم : يصلي على جنبه الأيمن . وقال بعضهم: يصلي مستلقياً على قفاه ورجلاه
إلى القبلة)).
٩٢

القيام / صلاة المريض جالساً
قلت: وبه قال الحنفية، وبعض الشافعية - كما في ((الفتحين)): ((فتح الباري))
و((فتح القدير)) -.
والقول الأول هو الصحيح عند الشافعية ۔ کما في «المجموع» ۔، واحتجوا على ذلك
بحديث علي رضي الله عنه مرفوعاً :
(يصلي المريض قائماً إن استطاع، فإن لم يستطع ؛ صلى قاعداً ، فإن لم يستطع أن
يسجد ؛ أومأ ، وجعل سجوده أخفض من ركوعه ، فإن لم يستطع أن يصلي قاعداً ؛ صلَّى
على جنبه الأيمن مستقبل القبلة ، فإن لم يستطع أن يصلي على جنبه الأيمن ؛ صلَّى
مستلقياً ، ورجلاه مما يلي القبلة)).
أخرجه الدارقطني (١٧٩)، وعنه البيهقي (٣٠٧/٢ - ٣٠٨) من طريق حسن بن
حسين العرني : ثنا حسين بن زيد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن حسين عن
الحسين بن علي عن علي بن أبي طالب به .
وهذا سند ضعيف - كما قال النووي (٣١٦/٤) -؛ وعلته حسين بن زيد: قال في
«التلخيص)» (٢٩٣/٣):
(ضعفه ابن المديني. والحسن بن الحسين العرني؛ وهو متروك)). وقال في ((الدراية))
(١٢٧) :
((وإسناده واه جداً».
قلت : فلا يعتمد على هذا الحديث ، ولا يحتج به ؛ وإنما الحجة في حديث عمران ؛
ففيه النص على أنه يصلي على جنبه إن لم يستطع الصلاة قاعداً ؛ لا سيما على رواية
النسائي :
٩٣

القيام / صلاة المريض جالساً
وقال أيضاً: ((سألتُهُ مَل عن صلاة الرجل وهو قاعد؟ فقال :
((مَن صلّى قائماً؛ فهو أفضلُ ، ومن صلى قاعداً؛ فله نصف أجر القائم (١)،
(«فإن لم تستطع ؛ فمستلقياً» .
فجعلَ الاستلقاءَ بعدَ الصلاة على الجَنْبِ ، وهذا خلاف مذهب الحنفية .
ولذلك حاول ابن الهمام في ((الفتح)) (٣٧٦/١) أن يجعله خاصاً بعمران بن
حصين ؛ فلا يكون خطاباً للأمّة .
وهذا كلام لا برهان عليه ؛ فإن الأصل المتفق عليه بين العلماء أن كلامه
محمول على العموم ، وإن كان المخاطَبُ به فرداً من الأمة؛ ما لم يَرِدْ دليل على
التخصيص ، ولا يوجد شيء من ذلك هنا؛ فالحق ما ذهب إليه الشافعية إن شاء الله تعالى .
(١) قال الحافظ :
(يستثنى من عمومه النبي ◌َّله؛ فإن صلاته قاعداً لا ينقص أجرها عن صلاته
ج قال :
قائماً ؛ لحديث عبد الله بن عمرو قال : بلغني أن النبي
«صلاة الرجل قاعداً على نصف الصلاة)) . فوجدته يصلي جالساً؛ فوضعت يدي
على رأسي ، فقال :
«ما لك يا عبدالله ؟!)) . فأخبرته . فقال :
((أجل؛ ولكني لست كأحد منكم)).
أخرجه مسلم ، وأبو داود ، والنسائي)) .
قلت: وكذلك أخرجه الدارمي (٣٢١/١)، وأحمد (٢٠٣/٢). ثم قال [الحافظُ] :
* «وهو ينبني على أن المتكلم داخلٌ في عموم خطابه ، وهو الصحيح ، وقد عد
هذه المسألة)) .
الشافعية في خصائصه
٩٤

القيام / صلاة المريض جالساً
ومن صلى نائماً(١) (وفي رواية: مضطجعاً)، فله نصف أجر القاعد)))(٢).
(١) قال البخاري :
(( ... نائماً عندي : مضطجعاً ها هنا ... )).
قلت : وهو رواية للإمام أحمد . وفيه دلالة على جواز التنفل مضطجعاً . وقد نفاه
الخطابي ، وتبعه ابن بطال ، وزاد :
«لكن الخلاف ثابت؛ فقد نقله الترمذي بإسناده إلى الحسن البصري قال: إن شاء
الرجل ؛ صلى صلاة التطوع قائماً وجالساً ومضطجعاً . وقال به جماعة من أهل العلم .
وهو أحد الوجهين للشافعية ، وصححه المتأخرون . وحكاه عياض وجهاً عند المالكية
أيضاً ، وهو اختيار الأبهري منهم ، واحتج بهذا الحديث)) .
(تنبيه) : سؤال عمران عن الرجل خرج مخرج الغالب ؛ فلا مفهوم له ؛ بل الرجل
والمرأة في ذلك سواء. كذا في ((الفتح)) (٢٤٨/٢).
(٢) أخرجه البخاري (٤٦٧/٢ و٤٦٩)، وأبو داود (١٥٠/١)، والنسائي (٢٤٥/١)،
والترمذي (٢٠٧/٢) وصححه، وابن ماجه (٣٧٠/١)، وابن نصر (٨٣)، والدارقطني
(١٦٢)، والبيهقي (٤٩١/٢)، وأحمد (٤٣٣/٤ و٤٣٥ و٤٤٢) من طرق عن حسين
المعلم عن عبدالله بن بريدة عنه .
والحديث حمله جمهور العلماء على المتنفل ، وحمله الخطابي على المفترض على
التفصيل الآتي . والظاهر أن الحديث يشمل النوعين ؛ فقال الخطابي :
(المراد بحديث عمران: المريض المفترض الذي يمكنه أن يتحامل فيقوم مع مشقة ،
فجعل أجر القاعد على النصف من أجر القائم؛ ترغيباً له في القيام ، مع جواز قعوده)).
انتهى . قال الحافظ (٤٦٨/٢) :
((وهو حمل متجه ... )). قال :
٩٥

القيام / صلاة المريض جالساً
((فمن صلى فرضاً قاعداً ، وكان يشق عليه القيام ؛ أجزأه ، وكان هو ومن صلى قائماً
سواء ، فلو تحامل هذا المعذور وتكلّف القیام ، ولو شق علیه ؛ كان أفضل لمزيد أجر تكلف
القيام ، فلا يمتنع أن يكون أجره على ذلك نظير أجره على أصل الصلاة؛ فيصح أن أجر
القاعد على النصف من أجر القائم . ومن صلى النفل قاعداً مع القدرة على القيام؛
أجزأه ، وكان أجره على النصف من أجر القائم بغير إشكال .
وأما قول الباجي : إن الحديث في المفترض والمتنفل معاً . فإن أراد بالمفترض ما
قررناه ؛ فذاك ، وإلا ؛ فقد أبى ذلك أكثر العلماء ... ، وحملوا الحديث على المتنفل)). قال :
(«ولا يلزم من ذلك أن لا ترد الصورة التي ذكرها الخطابي ، وقد ورد في الحديث ما
یشهد لها ؛ فعند أحمد من طريق ابن جريج عن ابن شهاب عن أنس قال :
قدم النبي ◌َ﴿﴿ المدينة وهي مُحَمَّةٌ، فَحُمَّ الناس، فدخل النبي ◌َ ه المسجد والناس
يصلون من قعود ، فقال :
((صلاة القاعد نصف صلاة القائم)).
رجاله ثقات ، وعند النسائي متابع له من وجه آخر. وهو وارد في المعذور؛ فيحمل
على من تكلف القيام مع مشقته عليه ؛ كما بحثه الخطابي)) .
قلت : الحديث الذي عزاه لأحمد هو في «مسنده)) (١٣٦/٣) قال : ثنا محمد بن
بكر قال : ثنا ابن جريج قال : قال ابن شهاب : أخبرني أنس به ، وزاد في آخره :
فتجشم الناس [الصلاة] قياماً .
وهذا إسناد رجاله ثقات - كما قال الحافظ -، ورجاله رجال الستة ، ولكن ابن جريج
مدلس ، وقد ذكره بصورة التعليق : (قال ابن شهاب) .
وأما المتابع الآخر؛ فهو الآتي :
٩٦

القيام / صلاة المريض جالساً
والمراد به المريض ؛ فقد قال أنس رضي الله عنه :
((خرج رسول الله عليه على ناس وهم يصلون قعوداً من مرض ، فقال:
((إن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم)))(١).
مريضاً ، فرآه يصلي على وسادة؛ فأخذها ، فرمى بها ، فأخذ
و«عاد
عوداً(٢) ؛ ليصلي عليه ، فأخذه ، فرمى به ، وقال :
((صلِّ على الأرض إن استطعت ، وإلا ؛ فَأَوْم إيماءٌ ، واجعل سجودك
أخفض من ركوعك»»(٣).
(١) [أخرجه] ابن ماجه (٣٧٠/١)، وأحمد (٢١٤/٣ و٢٤٠) من طرق عن عبدالله
ابن جعفر عن إسماعيل بن محمد بن سعد عن أنس بن مالك به .
وهذا سند صحيح . رجاله رجال مسلم .
وله شاهد من حديث الزهري عن عبدالله بن عمرو به نحوه . وفيه أن صلاتهم
كانت سبحة - أي : نافلةً -، لكنه منقطع؛ لأن الزهري لم يَلْقَ ابن عمرو.
وأخرجه الإمام محمد (١١٢): أخبرنا مالك: ثنا الزهري به. وهو في ((موطأ مالك))
(١٥٦/١ - ١٥٧).
(٢) { أي: خشبة؛ في «لسان العرب»:
(((العود): كل خشبة دَقَّت . وقيل : (العود): خشبة كل شجرة - دَقَّ أو غلُظَ .».
قلت : والحديث يؤيد القول الثاني ؛ فإن تفسيره بالقول الأول بعيد} .
(٣) أخرجه البيهقي في ((السنن)) (٣٠٦/٢) وفي ((المعرفة)) - كما في ((نصب الراية))
(١٧٥/٢) وغيره -، والبزار في ((مسنده)) من طريق أبي بكر الحنفي وعبد الوهاب بن عطاء
قالا : ثنا سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله به .
٩٧

القيام / صلاة المريض جالساً
وهذا سند على شرط مسلم. وقال الحافظ في ((الدراية)) (١٢٧) :
((ورواته ثقات)). وقال في ((بلوغ المرام)) (٢٨٤/١):
إنه «قوي)) .
قلت : لولا عنعنة أبي الزبير؛ فقد اشتهر بكونه مدلساً . لكن يقويه ما يأتي .
وقد سئل أبو حاتم عن هذا الحديث من رواية أبي بكر الحنفي عن الثوري؟ فأجاب بقوله :
((هذا خطأ؛ إنما هو عن جابر قوله ؛ أنه دخل على مريض ... . فقيل له : فإن أبا
أسامة قد روى عن الثوري هذا الحديث مرفوعاً ؟! فقال: ليس بشيء ؛ هو موقوف)).
كذا في ((العلل)) لابن أبي حاتم (١١٣/١). وقد تعقبه الحافظ في ((التلخيص))
(٢٩٤/٣) بقوله :
((قلت : فاجتمع ثلاثة : أبو أسامة ، وأبو بكر الحنفي ، وعبدالوهاب)». اهـ.
فرواية هؤلاء الثلاثة للحديث مرفوعاً هو المعتمد ، ورواية من رواه موقوفاً لا يعله ؛
لا سيما وأن أبا حاتم لم يذكر من رواه موقوفاً، وإنما عِلَّةُ الحديث ما أشرت إليه من التدليس .
لكن أخرجه أبو يعلى في «مسنده» من طريق أخرى عن حفص بن أبي داود عن
محمد بن عبدالرحمن عن عطاء عن جابر به .
وحفص هذا هو ابن سليمان الغاضري القاري ، وهو متروك الحديث .
ومحمد بن عبدالرحمن هو ابن أبي ليلى ، وهو ضعيف من قبل حفظه .
وله شاهد من حديث ابن عمر .
أخرجه الطبراني في «الكبير»؛ فقال: ثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل : ثني شَبَابٌ
العُصْفُرِيُّ : ثنا سهل أبو عَتَّاب : نا حفص بن سليمان عن قيس بن مسلم - وهو: كوفي -
٩٨

القیام / صلاة المريض جالساً
عن طارق بن شهاب عنه به . وهو ثاني حديث في (مسند ابن عمر) .
وهذا سند صحيح ؛ رجاله كلهم ثقات .
وشَبَابٌ - بفتح المعجمة ، وموحدتين ؛ الأولى خفيفة -: لقبه ، واسمه : خليفة بن
خيَّاط ، وهو صدوق من رجال البخاري .
وسهل هو ابن حماد البصري ، صدوق أيضاً من رجال مسلم .
وحفص بن سليمان هو المِنْقَري البصري ، ثقة اتفاقاً. وبقية الرجال ثقات
مشهورون .
وقد وهم الهيثمي حيث قال في ((المجمع)) (١٤٨/٢) :
(رواه الطبراني في «الكبير))، وفيه حفص بن سليمان المنقري ، وهو متروك.
واختلفت الرواية عن أحمد في توثيقه ، والصحيح أنه ضعفه . والله أعلم)) .
فخلط الهيثمي بین حفص بن سلیمان أبي داود الغاضري ، وبین حفص بن
سليمان المنقري ؛ فالأول متروك - كما تقدم آنفاً -، وهو متفق على تضعيفه ، وهو الذي
اختلفت الرواية عن أحمد فیه .
وأما المنقري ؛ فهو متفق على توثيقه ، ولم تختلف الرواية عن أحمد في توثيقه ، وقد
قال ابن حبان :
((وليس هذا بحفص بن سليمان البزار أبي عمر القاري؛ ذاك ضعيف ، وهذا ثبت».
وعلى هذا مشى العلماء في كتب الرجال ، وقد قال الحافظ في («التقريب)) في الأول :
((متروك)). وفي الآخر: ((ثقة)).
ثم إن الحديث أورده الهيثمي عن ابن عمر مرفوعاً بلفظ :
٩٩

القيام / صلاة المريض جالساً
((من استطاع منكم أن يسجد ؛ فليسجد ، ومن لم يستطع ؛ فلا يرفع إلى جبهته
شيئاً يسجد عليه ؛ ولكن ركوعه وسجوده يُومئ إيماء)) . وقال :
(رواه الطبراني في ((الأوسط))، ورجاله موثقون، ليس فيهم كلام يضر)) . والله أعلم .
قلت : وأورده في ((نصب الراية)) (١٧٦/٢)، لكن بلفظ :
«ولیکن ركوعه وسجوده یومئ برأسه» .
وساق إسناد الطبراني هكذا: ثنا عبدالله بن بكر السراج : ثنا سريج بن يونس : ثنا
قُرّان بن تمام عن عبدالله بن عمر عن نافع عنه .
قلت : وهذا سند ضعيف ؛ عبدالله بن عمر هو العمري ، وهو ضعيف ؛ لسوء حفظه .
وفي ((التقريب)) :
«ضعيف عابد)) .
وعبدالله بن بكر السراج لم أجد من ذكره . وبقية الرجال ثقات .
ويظهر من كلام البيهقي أنه قد روي مرفوعاً من طريق أخرى ؛ فقال : وروى عبدالله
ابن عامر الأسلمي عن نافع مرفوعاً . وليس بشيء.
ثم رواه من طريق مالك عن نافع عنه موقوفاً بلفظ :
(إذا لم يستطع المريض السجود؛ أومأ برأسه إيماء، ولم يرفع إلى جبهته شيئاً).
ثم رواه من طريق اخری بسند صحيح عنه به نحوه ، وزاد :
«واجعل السجود آخفض من الركوع)»
ثم أخرجه هو ، والطبراني في «الكبير)) عن ابن مسعود بنحوه .
وسنده حسن . وانظر «صحيح أبي عوانة)) (٣٣٨/٢) {و«الصحيحة» (٣٢٣)}(*).
(*) وعزاه الشيخ في ((الصفة)) المطبوع (ص٧٩) لـ ((ابن السماك في ((حديثه)) (٢/٦٧)».
١٠٠