Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
ما يرشد إليه الحديث:
١ - حرص الصحابة - رضوان الله عليهم - على تعلم أمور دينهم وما ينفعهم.
٢ - أمانة تعلم العلم النافع وتعليمه للناس وعدم كتمه، واستحباب الدعاء وأنه
مأمور به.
٣ - الكرم والشجاعة وانتهاز الفرص وعدم الاغترار بمتع الدنيا والإيمان بعذاب
القبر ونعيمه فضائل ينبغي للمؤمن أن يحرص عليها ويتعوذ بالله من ضدها.
٤ - الإيمان بعذاب القبر ونعيمه جزء من عقيدة المسلم.

١٢٢
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
٢٦
الحديث السادس والعشرون
الترغيب في فعل الخير والاتصاف به
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَّ ◌َّهِيَا أَبَا هُرَيْرَةَ:
((كُنْ وَرِعًا تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَكُنْ قَنِعًا تَكُنْ أَشْكَرَ النَّاسِ، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا
تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحْسِنْ جِوَارَ مَنْ جَاوَرَكَ تَكُنْ مُسْلِمَا، وَأَقِلَّ
الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُميتُ الْقَلْبَ))(١).
لغة الحديث:
الوَرَعُ: تجنب الشبهات خوف الوقوع في محرم، وقيل هو ملازمة الأعمال
الجميلة(٢)
القَنَاعَةُ: لغةً الرضا بالقسمة، وعرفاً الاقتصار على الكفاف، ويقال
الاجتزاء باليسير من الأعراض المحتاج إليها (٣).
الشُّكْرُ: الوصف بالجميل على جهة التعظيم على النعمة من اللسان
والجنان والأركان، وقيل هو الثناء على المحسن بذكر إحسانه؛ فالعبد يشكر الله،
أي يثني عليه بذكر إحسانه الذي هو نعمة (٤).
(١) حديث صحيح، انظر: صحيح سنن ابن ماجه للألباني ٤٢١٧، وصحيح الجامع الصغير
للألباني ٤٥٨٠، وصحیح الترغيب والترهيب للألباني ١٧٤١ .
(٢) انظر: التعاريف ص ٧٢٤ ، والتعريفات ٣٢٥.
(٣) انظر: التعاريف ص ٥٩٠ ، والتعريفات ٢٢٩.
(٤) انظر: التعاريف ص ٤٣٥، والتعريفات ١٦٨.

١٢٣
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
=
معنى الحديث:
الهدى والتقى مبتغى من أراد الاقتداء بالهادي البشير النذير محمد واله،
فهداه هو الطريق المستقيم، وبه يكون النجاة يوم الدين، وفي هذا الحديث ذكر وَل
خمس خصال من يعمل بهن ينال سعادة الدنيا، والآخرة وفي رواية أخرى
للحديث يقول ◌َّ﴿((مَنْ يَأْخُذُ عَنِّ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ فَيَعْمَلُ بِهِنَّ أَوْ يُعَلِّمُ مَنْ يَعْمَلُ
مِنَّ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ أَنَا يَا رَسُولَ اللهَّ فَأَخَذَ بِيَدِي فَعَدَّ خَمْسًا))(١) فذكر النبي
وَّ هذه الخصال وهو الورع: والورع هو اجتناب الشبهات خوفاً من الوقوع في
المحرم وفي رواية أخرى ((اتَّقِ الْمُحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ))(٢) والمعنى المداومة على
مراقبة الله عزوجل في جميع الحالات والاشتغال بأفضل العبادات في الظاهر
والباطن بإيثار حقك على حظك وهذا من كمال العبودية لله، ولهذا قال الحسن
- رحمه الله -ملاك الدين الورع، وقد رجع ابن المبارك من خراسان إلى الشام في رد
قلم استعاره منها(٣) نسأل الله العافية!
والخصلة الثانية هي: فإن العبد إذا رضي بما رزقه الله كان مطمئن القلب
هادئ النفس، فیشکر ربه على نعمه شکر قانع غير طامع، فیزیده ربه فیزداد
سروراً وفرحاً وشكراً قال - تعالى -: ﴿لَبِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾(٤) ومن ذلك
أنه يبارك له فيها أعطاه، يقول وَله: ((أَنَّ اللهَ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - يَبْتَلِى عَبْدَهُ بِمَا أَعْطَاهُ
(١) حديث صحيح، انظر: صحيح سنن الترمذي للألباني ٢٣٠٥، والمسند للإمام أحمد ٨٠٣٤.
(٢) حديث صحيح، انظر: صحيح سنن الترمذي للألباني ٢٣٠٥، والمسند للإمام أحمد ٨٠٣٤.
(٣) فيض القدير ٥٢/٥ .
(٤) إبراهيم : ٧ .

١٢٤
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
فَمَنْ رَضِيَ بِمَا قَسَمَ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لَهُ بَارَكَ اللهُ لَهُ فِيهِ وَوَسَّعَهُ وَمَنْ لَمْ يَرْضَ لَمْ
يُبَارِكْ لَهُ))(١).
وثالث هذه الخصال أن يحب المرء للناس ما يحبه لنفسه ((فإن فعل ذلك
فقد كمل إيمانه؛ فإن انتفت المحبة لنحو حقد أو غل أو حسد انتفى عنه كمال
الإيمان))(٢)، قال وَلِهِ:((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)) (٣)
فجعله وَّليه من شروط الإيمان أن يحب المرء لأخيه ما يحب لنفسه.
ورابع هذه الخصال أن يحسن جوار من جاوره وقد صح عنه وَ له أنه قَالَ:
((لَا وَاللهَّ لَا يُؤْمِنُ لَا وَاللهَ لَا يُؤْمِنُ لَا وَاللهَ لَا يُؤْمِنُ! قَالُوا: وَمَنْ ذَاكَ يَا رَسُولَ الهَّ؟
قَالَ جَارٌّ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ قِيلَ: وَمَا بَوَائِقُهُ؟ قَالَ شَرُّهُ))(٤) فالمسلم من أمنه أخاه
المسلم وشعر في جواره بالمحبة والسكينة والطمأنينة واستأمنه على ماله وعرضه.
وخامس هذه الخصال أن يقلل من الضحك «فإن كثرة الضحك تصيِّ
القلب مغموراً في الظلمات بمنزلة الميت الذي لا ينفع نفسه بنافعة ولا يدفع عنها
مكروهاً وأبعد القلوب من الله القلب القاسي، وحياة القلب وإشراقه مادة كل
خير وموت القلب وظلمته مادة كل شر، وبحياته تكون قوته وسمعه وبصره
وتصور المعلومات، وحقائقها على ما هي عليه، فإن كثرة الضحك المورثة للغفلة
عن الاستعداد للموت وما بعده تجعل القلب ميتاً إن كان حياً، ويزيد اسوداداً إن
(١) حديث صحيح، انظر: المسند للإمام أحمد ١٩٧٦٨، السلسلة الصحيحة ١٦٥٨.
(٢) انظر: تحفة الأحوذي ٦ / ٤٨٧، وفيض القدير ١٢٤/١.
(٣) رواه البخاري (١٣).
(٤) حديث صحيح ، انظر: المسند للإمام أحمد ٨٢٢٧، ومشكاة المصابيح ٤٩٦٢، وصحيح الجامع
الصغیر للألباني ٧١٠٢، وصحیح الترغيب والترهيب للألباني ٢٥٥١.

١٢٥
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
كان ميتاً))(١) ولنا في رسول الله و آله وأصحابه المهديين الأسوة الحسنة، فقد كانوا لا
يكثرون من الضَّحِك؛ فعَنْ سِمَاكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - رضي
الله عنه - أَكُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللهَّ ◌َّةِ؟ قَالَ نَعَمْ: «فَكَانَ طَوِيلَ الصَّمْتِ قَلِيلَ
الضَّحِكِ وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَذْكُرُونَ عِنْدَهُ الشِّعْرَ وَأَشْيَاءَ مِنْ أُمُورِهِمْ فَيَضْحَكُونَ وَرُبَّمَا
تَبَسَّمَ))(٢).
ما يرشد إليه الحديث:
١ - من هذا العرض المجمل لهذه الفضائل الخمس التي وردت في الحديث نستبين
متانة الأواصر التي تربط الدين بالخلق فالإيمان القوي يلد الخلق القوي
وانهيار الأخلاق والفضائل والسجايا مرده إلى ضعف الإيمان.
٢- الإيمان يزيد بالطاعات والمأمورات وينقص بالمعاصي وفعل المنكرات.
٣- فضيلة الورع والقناعة وحب إيصال الخير إلى الغير وحسن الجوار وقلة
الضحك والاشتغال بما هو مفيد ونافع للإنسان في دينه ودنياه.
(١) التيسير بشرح الجامع الصغير ٢٧/١
(٢) حديث صحيح ، انظر: المسند للإمام أحمد ٢٠٢٨٦، وصحيح الجامع الصغير للألباني ٤٨٢٢.

١٢٦
٢٧
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
الحديث السابع والعشرون
محرمات ومحاذير ينبغي اجتنابها
عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ رَضِيَ اللهُ عَنْه وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَنَّ
رَسُولَ اللهَِ ◌ّ قَالَ: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى مِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَلَيْسَ عَلَى
ابْنِ آدَمَ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ،
وَمَنْ لَعَنَ مُؤْمِنَا فَهُوَ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنَا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ))(١).
لغة الحديث:
الِلَّهُ: قال الراغب: هي اسمٌ لما شرعه الله لعباده على لسان أنبيائه ليتوصلوا
به إلى جواره. والفرق بينها وبين الدِّين أن الملةَ لا تضاف إلى النبي الذي يستند
إليه، ولا تكاد توجد مضافة إلى الله ولا إلى آحاد الأمة ولا تستعمل إلا في جملة
الشرائع دون آحادها(٢))
القَذْفُ: الرمي البعيد، واستعير القذف للشتم والعيب، كما استغير
للرمي(٣).
اللَعْنُ: هو من الله إبعاد العبد بِسَخَطِه ومن الإنسان الدعاء بِسَخَطِهِ. وقال
الراغب: ((اللعن طرد وإبعاد على سبيل السخط، وهو لله - تعالى - في الدنيا انقطاع
عن قبول فيضه، وتوقيعه في الآخرة عقوبة، ومن الإنسان دعاء على غيره (٤)».
(١) رواه البخاري ٦٠٤٧ ومسلم ١١٠.
(٢) التعاريف ٦٧٤/١ .
(٣) التعاريف ١/ ٥٧٧ .
(٤) التعاريف ١/ ٦٢١.

١٢٧
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
معنى الحديث :
التعظیم والإ جلال لله - سبحانه وتعالى - وحده، ولا ينبغي لأحد سواه،
فمن حلف فليحلف بالله، ومن نذر فلينذر لله وحده وليتقه وحده؛ لأننا مخلوقون
لعبادته والعمل بشرعه، فمن أطاع فقد فاز ومن تعدى فقد حَقَّ عليه العقاب،
وفي هذا الحديث خمس من الخصال التي بين لنا المصطفى وَلّ فيها محاذير
ومحرمات يجب الحذر منها:
وأول هذه المحرمات المنهي عنها في قوله {وَّ﴾ ((مَنْ حَلَفَ عَلَى مِلَّةٍ غَيْرِ
الْإِسْلَامِ فَهُوَ كَمَّا قَالَ)) (أي من حلف بيمين ملة غير الإسلام: كاليهودية أو
النصرانية فإنه يختل إسلامه بهذا الحلف ويصير كما قال (١)) فلا يحلف إن كان
حالفاً بغير الله سواء أكان على ملة غير الإسلام أو على ملة الإسلام ولكن بغير
الله. وفي الحديث عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رضي الله
عنهما - سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لَا وَالْكَعْبَةِ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ لَا يُحْلَفُ بِغَيْرِ اللهَّ فَإِّي سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهَّفَ لَ يَقُولُ (مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ)) (٢) فمن حلف
فَلْيَحْلِفِ بالله وحده يقول نَّ ((مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهَّ أَوْ لِيَصْمُتْ))(٣) يقول
شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: ((فليس لأحد أن يحلف لا بِمَلَكِ ولا نبي ولا
(١) مرقاة المفاتيح ٦ /٥٢٨.
(٢)حدیث صحیح ، انظر: صحيح سنن أبي داود للألباني ٣٢٥١، وصحيح سنن الترمذي للألباني
١٥٣٥، وصحيح الجامع الصغير للألباني ٦٢٠٤، وغاية المرام في تخريج أحاديث الحلال
والحرام ٢٥٩، والسلسة الصحيحة ٢٠٤٢، وإرواء الغليل ٢٥٦١ .
(٣) رواه البخاري ٢٦٧٩ .

١٢٨
أربعون حديثاً کل حديث في خمس خصال
غير ذلك من المخلوقات ولا يحلف إلا باسم من أسماء الله أو صفة من صفاته(١))،
فغير ذلك جرم وذنب يصير به على ما حلف به؛ لأنه لم يقنع بالحلف بالله استهزاءً
أو تنقصاً أو جهلاً مُصرّا عليه فعلى المسلم ألا يحلف إلا بالله - تعالى - صادقاً في
حلفه، ومن حُلِفَ له بالله فليرض من لم يرض؛ فليس من الله في شيء !!
وثاني هذه الأعمال المنهي عنها في قوله وَلّ: ((وَلَيْسَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَذْرٌ فِيَا لَا
يَمْلِكُ)) أي لا يصح النذر ولا ينعقد في شيء لا يملكه حين النذر حتى لو ملكه
بعده لم يلزمه الوفاء به ولا الكفارة عليه كأن يَنْذُرَ بأن يضحي بشاة غيره(٢).
وثالث هذه الأعمال المنهي عنها في قوله بَّةِ: ((وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي
الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) (فمن قتل نفسه بشيء من آلات القتل أو بتناول السم
أو غير ذلك فقد جنى على نفسه، و جناية الإنسان على نفسه کجنايته على غيره في
الإثم؛ لأن نفسه ليست ملكاً له مطلقاً بل هي لله - تعالى - فلا يتصرف فيها إلا بما
أذن له فيه؛ لأنه استحل قتل نفسه (٢) فإنه حينئذ يعذب يوم القيامة بما قتل نفسه
به، وفي رواية أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِّ ◌َِّ قَالَ ((مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلِ
فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ تَحَسَّى سُمّا فَقَتَلَ
نَفْسَهُ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ
بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ بِجَأْ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا))(٤)
فالبدن ملك له - سبحانه - فمن جنى عليه عوقب يوم القيامة من جنس ما
(١) مختصر الفتاوى المصرية ١/ ٥٤٨ .
(٢) انظر: تحفة الأحوذي ٥/ ١٠٤، وعون المعبود ٩ / ٦١،.
(٣) انظر: فتح الباري ٦/ ٥٣٩/١١،٩١،.
(٤) رواه البخاري ٥٧٧٨، ومسلم ١٠٩ .

١٢٩
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
اعتدى به على نفسه، قال الله - تعالى -: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُم
بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ إِلَّ أَن تَكُونَ تِجِرَةً عَن تَرَاضِ مِّنكُمْ وَلَا تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ
ج
اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا
ـ) وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا
٢٩
وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ( إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآبِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِرْ عَنكُمْ
سَبِئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلَا كَرِيمًا﴾(١).
وقد عدها الذهبي في كتابه "الكبائر" (الكبيرة الخامسة والعشرون)) قال:
قاتل نفسه .. من أعظم الكبائر(٢)).
ورابع هذه الأعمال المنهي عنها في قوله بَّهِ: ((وَمَنْ لَعَنَ مُؤْمِنًا فَهُوَ كَقَتْلِهِ))
أي في الإثم؛ لأن اللاعن يقطعه عن منافع الآخرة، قال الطَّيبي - رحمه الله -: (أي
في التحريم أو في العقاب فلعنه كقتله (٣)) فالمحبة والمودة هي أصل العلاقة بين
المسلم وأخيه المسلم، أما اللعان فهو ليس من صفات المؤمنين، وقد صح عنه وَل
أنه قال: ((لَا يَنْبَغِي لِصِدِّيِقٍ أَنْ يَكُونَ لَغَّانًا))(٤) .
وخامس هذه الأعمال المنهي عنها في قوله ◌َّ: ((وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ
فَهُوَ كَقَتْلِهِ)» في عظم الوزر وشدة الإصر عند الله، لكن لا يلزم تساوي قدر
الوزرين، فمن قال لمؤمن يا كافر أو أنت كافر فهو كقتله في الإثم وشبهه بقتله
إياه؛ لأن القاتل يقطع المقتول من منافع، الدنيا قال الإمام الطبري: (وأجمعوا أنه لا
-
(١) النساء: ٢٩-٣١.
(٢) كتاب الكبائر وتنبيه المحارم للذهبي ص٩٦.
(٣) عمدة القاري ١٢٥/٢٢، ومرقاة المفاتيح ٥٢٩/٦
(٤) رواه مسلم ٢٥٩٧ .

١٣٠
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
يقتل في رميه له بالكفر(١)) فإذا نطق بذلك فقد أظهر كفراً بواحاً؛ لأن الرمي
بالكفر من أعظم الأمور، ومما جاء في الوعيد تحذيراً من هذا الأمر ما روي عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللهَ وَّهِ قَالَ: ((إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ
بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا))(٢) فهذه جملة من الأعمال التي لا تكون في مؤمن ولا من طباع
المؤمنين لأن من سمات المجتمع المسلم المودة والمحبة والتسامح، وهي من أصول
الإيمان، روى البخاري في صحيحه بسنده قال ◌َّ:((المسلم من سلم المسلمون من
لسانه ويده))(٣).
ما يرشد إليه الحديث:
١ - إخلاص التوحيد لله يكون بالقلب واللسان، والأعمال تتفاضل فيما بينهما.
٢ - تحريم أعراض الناس وحفظ اللسان عن الولوغ فيها وكف الأذى عن
المؤمنین بالید واللسان.
٣- عظم تكريم الله للإنسان وفضل منزلته عنده - سبحانه -.
٤- من حكمة التشريع وأسرار سماحة الإسلام ويسر أحكامه أنه لا تكليف بما
ليس في الطاقة والوسع وما يشق على الإنسان فعله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن ◌ُخَفِفَ
عَنْكُمْ وَخُلِقَ آلْإِنسَنُ ضَعِيفًا﴾ (٤).
(١) عمدة القاري ١٢٥/٢٢، وانظر: مرقاة المفاتيح ٥٢٩/٦، وفيض القدير ٣٧١/٥.
(٢) رواه البخاري ٦١٠٣ .
(٣) رواه البخاري ١٠.
(٤) النساء: ٢٨.

١٣١
أربعون حديثاً کل حديث في خمس خصال
٢٨
الحديث الثامن والعشرون
من آداب المشي إلى الصلاة
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْه - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهَّ ◌َلِ يَقُولُ:
((إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ، وَأَتُوهَا تَمْشُونَ، وَعَلَيْكُمْ الَسَّكِينَةَ، فَمَا
أَذْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَمُّو))(١).
لغة الحديث:
من السَّعْيُ: والسعي: هنا: العَدْو، وهو الإسراع في الأمر(٢).
السَّكِيْنَةُ: ما يجده القلب من الطمأنينة عند تنزل الغيب، وهي نور في
القلب يسكن إلى شاهده ويطمئن، وهو مبادئ عين اليقين(٣).
معنى الحديث:
الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام وهي لُبُّ الصلة بين العبد
وربه ومناجاته له - سبحانه - ، ووقارها وتعظيم شأنها من تقواه سبحانه قال
- تعالى -: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَتِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى اٌلْقُلُوبِ﴾ (٤) (٥)، والذهاب إلى
الصلاة طاعة وعبادة يجب أن يحسن المرء تأديتها، وقد صح عَنْ النَّبِيِّ وَِِّّ أنه قَالَ:
((صَلَاةُ الْجَمِيعِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً؛
فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَوَضَّأَ؛ فَأَحْسَنَ، وَأَتَى الْمُسْجِدَ لَا يُرِيدُ إِلَّ الصَّلاَةَ لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا
(١) رواه البخاري ٦٠٤٧، ومسلم ٦٠٢.
(٢) لسان العرب المحيط ٢/ ١٥١.
(٣) التعريفات ١٥٩/١
(٤) الحج: ٣٢.
(٥) رواه البخاري ٦٠٤٧، ومسلم ٦٠٢.

١٣٢
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
رَفَعَهُ اللهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ خَطِيئَةً حَتَّى يَدْخُلَ الْمُسْجِدَ))(١) وفي هذا الحديث يبين
لنا الرسول ﴿ آداب إتيان الصلاة. وأول هذه الآداب بقوله «إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ
فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ)) أي لا تأتوا إلى الصلاة مسرعين في المشي وإن خفتم فوت
الصلاة ، قال الإمام الطيبي - رحمه الله -: ((لا يقال هذا مناف لقوله تعالى:
﴿فاسعوا﴾ لأنا نقول المراد بالسعي في الآية القصد وليس الإسراع، وعلى هذا
يكون إتيان الصلاة دون إسراع لأن الخطوة مجازى عليها له بها الأجر ومكفرة عنه
خطيئة)) (٢).
وثاني هذه الآداب في قوله {وَّله: ((وَأَتُوهَا تَمْشُونَ)) أي اؤتوها مطمئنين؛ لأن
الطمأنينة هي مدار الطاعة؛ إذ المقصود من العبادة الحضور مع المعبود، قال الإمام
ابن حجر: ((وهو أبلغ في النهي من لا تسعوا؛ لتصويره حالة سوء الأدب وأنه
مناف لما هو أولى به من الوقار والسكينة، ومن ثم عقبه بما ينبه على حسن الأدب؛
فقال وأتوها حال كونكم تمشون لقوله - تعالى -: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ
يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾(٣) فالمأمور به هو إتيانها ماشين مطمئنين)) (٤).
وثالث هذه الآداب في قوله وَ له: ((وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ)) أي وعليكم الوقار
في مشيكم الذي قد بدأتموه بعدم الإسراع والطمأنينة في المشي، قال النووي - رحمه
(١) رواه البخاري ٤٧٧.
(٢) مرقاة المفاتيح ٢/ ٣٥٥، وانظر: عون المعبود ١٩٥/٢.
(٣) الفرقان: ٦٣.
(٤) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح تأليف: علي بن سلطان محمد القاري ٣٥٦/٢، وانظر:
عون المعبود ١٩٥/٢ .

١٣٣
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
=
الله -: ((المراد التأني في الحركات واجتناب العبث)) (١)، والحكمة من هذه الآداب
هو عدم الإسراع ووجوب التأني في المشي مع السكينة والوقار.
ورابع هذه الآداب في قوله {وَاله: ((فَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلَّوا)) أي إذا فعلتم الذي
أمرتكم به من السكينة وترك الإسراع فما أدركتم من الصلاة فصلوا.
قال الإمام ابن حجر - رحمه الله -: ((واستدل الجمهور بهذا الحديث على
حصول فضيلة الجماعة بإدراك جزء من الصلاة لقوله: فما أدركتم فصلوا ولم
يفصل بين القليل والكثير، فإن فعل المرء ذلك يحصل له الثواب كاملاً، وبإطلاقه
أخذ جماعة من العلماء أن الجماعة تدرك بأي جزء أدرك قبل سلام الإمام، ويحصل
للمأموم فضل الجماعة، وهو السبع والعشرون درجة لكن من أدركها من أوّلها
تكون درجته أكمل»(٢).
وخامس هذه الآداب: قوله وَله: ((وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتُِّّوا)) أي أتموا ما فاتكم من
صلاتكم فحصل فيه تنبيه وتأكيد لئلا يتوهم متوهم أن النهي إنما هو لمن لم يخف
فوت بعض الصلاة فصرح بالنهي وإن فات من الصلاة ما فات)).
قال الإمام الخطابي في المعالم: ((قوله فأتموا دليل على أن الذي يدركه المرء
من صلاة إمامه هو أول صلاته؛ لأن لفظ الإتمام واقع على باقي من شيء قد تقدم
أوله(٣) فهذا مذهب كثير من أهل العلم))(٤)؛ فهذه آداب إتيان الصلاة في الجماعة
(١) تحفة الأحوذي ٢/ ٢٤٢، وانظر: عون المعبود ١٩٧/٢
(٢) مرقاة المفاتيح ٣٥٧/٢ .
(٣) تنوير الحوالك ٦٧/١، وانظر: عون المعبود ١٩٦/٢.
(٤) ذهب إلى هذا الإمام الشافعي والإمام أحمد وقال الإمام الطيبي وهو مذهب الإمام علي كرم الله
وجهه وأبي الدرداء رضي الله عنه وإليه ذهب الإمام أبو حنيفة إلا في القراءة وقال الإمام ابن =

١٣٤
1
١
!
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
علَّمها معلم البشرية وخاتم الأنبياء والمرسلين رغبة في حصول الثواب والأجر
وإتيان العبادة على القدر والهيئة المطلوبة وعدم الإخلال بها .
ما يرشد إليه الحديث:
١ - السكينة والوقار وعدم الإسراع والطمأنينة آداب من آداب الإسلام العامة
وخاصة عند الذهاب لتأدية الصلاة.
٢ - وجوب سعي المؤمن وحرصه على ما ينفعه ويرفع درجته ویزید أجر عبادته.
٣ - الأداء يحكي القضاء في الصلاة وغيرها من العبادات التي يجب فيها ذلك،
وهي مفصلة في مواضعها.
٤ - حرص النبي وَلّ على أمته وتعليمهم أمور دينهم وآداب شريعتهم.
=حجر وهو مذهب جمع من الصحابة والتابعين (مرقاة المفاتيح ٢/ ٣٥٧).

١٣٥
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
٢٩
الحديث التاسع والعشرون
التحذير مما يوفر الصدور ويفسد المودة
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّوَمَ: ((لَا
تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَعْ الْمُرْءُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا يَخْطُّبْ المُرْءُ
عَلَى خِطْبَةٍ أَخِيهِ وَلَا تَسْأَلَّ المُرْأَةُ طَلَاقَ الْأَخْرَى لِتَكْتَفِىَ مَا فِي إِنَائِهَا))(١).
لغة الحديث:
التَّنَّاجُشْ: ((هو أن يزيد الرجل في ثمن السلعة وهو لا يريد شراءها ولكن
ليسمعه غيره فیزید بزیادته(٢))
لا يبيع حَاضِرٌ لِبَادٍ: «الحاضر المقيم في المدن والقرى، والبادي المقيم
بالبادية والمنهي عنه أن يأتي البدوي البلدة ومعه قوت يبغي التسارع إلى بيعه
رخيصاً فيقول له الحضري اتركه عندي لأغالي في بيعه(٣)).
لِتَكْتَفِىَ مَا فِي إِنَائِهَا: كَفَأْتَ الإناء إذا كَبَبْتَه، يفعل ذلك ليفرغ ما فيها وقيل
صورته أن يخطب الرجل المرأة وله امرأة؛ فتشترط عليه طلاق الأولى لتنفرد به،
قال النووي - رحمه الله -: (المراد بأختها غيرها سواء أكانت أختها في النسب أم
الإسلام أم كانت كافرة(٤)).
معنى الحديث:
ليس الإسلام رابطة تجمع بين عدد قل أو كثر من الناس فحسب ولكنه
٠
(١)رواه مسلم ١٤١٣.
(٢) لسان العرب ٣٥١/٦.
(٣) لسان العرب ٤/ ١٩٧.
(٤) انظر عمدة القاري بشرح صحيح البخاري للعيني ٢٥٩/١١.

١٣٦
٠
٠
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
جملة الحقائق التي تقر الأوضاع الصحيحة بين الناس وربهم ثم بين الناس
أجمعين، وكل رابطة توطد هذا المفهوم وتزيح من طريقة العوائق فهي رابطة يجب
تدعيمها والانتفاع بخصائصها. إن الأخوة في الله هي روح الإيمان الحي ولباب
المشاعر الرقيقة التي يكنها المسلم لإخوانه فلا يسلمهم ولا يظلمهم ولا يفتئت
عليهم في بيع أو شراء فمن حق أخيك عليك أن تكره مضرته وأن تبادر إلى دفعها
عنه فإذا اجتهدت في تحقيق هذا النفع؛ فقد تقربت إلى الله بأزكى الطاعات
وأجزلها مثوبة عنده سبحانه ولهذا نهى الإسلام عن كل ما من شأنه أن ينال من
الترابط والتآلف بين المسلمين سواءٌ، أكان هذا الشيء يخص المعاملات التجارية
أو الحياة الاجتماعية أو يشمل الآداب العامة والسلوك القويم للمسلم، ومن هذا
ما خصه ◌َير بالذكر في هذا الحديث لما فيها من إحداث العداوات التي تدخل
تحت التغرير والغش والتدليس والخداع.
وأولى هذه المنهيات في قوله وَ له: ((لَا تَنَاجَشُوا)) وهو أن يمدح سلعة
لينفقها ويروجها أو يزيد في الثمن ولا يريد شراءها ليوقع غيره في شرائها فيزيد في
ثمن المبيع بلا رغبة ليخدع غيره فيوقعه ويغرر به(١) فَفِعْلُ ذلك من الغبن
والخديعة، وهما لا يكونان في مؤمن أبداً ... وفي هذا ما روي عنه،﴿ ﴿ قال: ((لَا
يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ))(٢) قال الحافظ ابن حجر - رحمه
الله - : (ذِكْرُهُ بصيغة التفاعل (لا تناجشوا) لأن التاجر إذا فعل لصاحبه ذلك كان
(١) عمدة القاري ٢٢/ ١٣٧.
(٢) رواه البخاري ١٣ .

١٣٧
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
بصدد أن يفعل صاحبه له مثله (١)) فهذا العمل يُنْبِت الضغينة ويغذي الفرقة
ويورث الشحناء والبغضاء وهذا لا يكون بين أفراد المجتمع المسلم .
وثانية هذه المنهيات في قوله ◌َله: ((وَلَا يَبِعْ المُرْءُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ)) وهو أن
يتعدى على بيع أخيه أو شرائه دون مراعاة أن ذلك ضرر لأخيه وصورة ذلك كما
قال الإمام النووي: هو (أن يقول لمن اشترى شيئاً في مدة الخيار: افسخ هذا البيع
وأنا أبيعك مثله بأرخص من ثمنه أو أجود منه بثمنه ونحو ذلك، وهذا حرام؛
لأنه يحرم أيضا الشراء على شراء أخيه، وهو أن يقول للبائع في مدة الخيار: افسخ
هذا البيع وأنا أشتريه منك بأكثر من هذا الثمن(٢))؛ فلا يجوز له فعل ذلك حتى
يبتاع أو يذر، وقد صح تحريم ذلك عن النبي وَ له بقوله: ((لَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ
أَخِيهِ حَتَّى يَبْتَاعَ أَوْ يَذَرَ))(٣) فَفِعْلُ ذلك لا يكون إلا ممن ساء خلقه، والإسلام
یمقت ذلك ويحرمه.
وثالثة هذه المنهيات في قوله وَلغة: ((وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ)) والمنهي عنه: أن
يأتي البدوي البلدة، ومعه قوت يريد التسارع إلى بيعه رخيصاً فيقول له الحضري:
اتركه عندي لأغالي في بيعه؛ فهذا الصنيع محرم؛ لما فيه من الإضرار بالغير (٤)
فيكون بذلك سمساراً، وقد سئل ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - عن قَوْله: ((لَا يَبِیعُ
حَاضِرٌ لِبَادٍ) قَالَ: ((لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا))(٥)، فإن كان فعله بدون أجر أو في غير
(١) تحفة الأحوذي ٤/ ٤٤١، وانظر: حاشية السندي ٧٧/ ٢٥٦ ، شرح سنن ابن ماجه ١/ ١٥٧ .
(٢) شرح النووي على مسلم ١٥٨/١٠ .
(٣) حديث صحيح ، انظر: صحيح سنن النسائي للألباني ٤٥٠٤.
(٤) لسان العرب ٤/ ١٩٧.
(٥) رواه البخاري ٢١٥٨.

١٣٨
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
القوت الأساسي لأهل بلده أو كان القوت غير شحيح في البلدة جاز ذلك، قال
شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: (وهذا نُّهِيَ عنه لما فيه من ضرر المشترين)
فإن المقيم إذا توكل للقادم في بيع سلعة يحتاج الناس إليها والقادم لا يعرف السِّعر
ضَرَّ ذلك بالمشتري(١)).
ورابعة هذه المنهيات في قوله {َله: ((وَلَا يَخْطُبْ الْمُرْءُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِیهِ)) فهو
أن يعلم المرء بخطبة أخيه، ثم يخطب على خطبته، فهذا محرم بنص الحديث، قال
الإمام النووي - رحمه الله -: (وأجمعوا على تحريمها إذا كان قد صرح للخاطب
بالإجابة ولم يأذن ولم يترك فلو خطب على خطبته وتزوج والحالة هذه عصى
وصح النكاح ولم يفسخ هذا مذهبنا ومذهب الجمهور(٢)). فإذا أذن له يخاطب
الأول أو يترك جاز ذلك، روي عنه وَ له في حديث آخر قوله: ((وَلَا يَخْطُبَ الرَّجُلُ
عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الْخَاطِبُ))(٣).
وخامسة هذه المنهيات في قوله {وَ له: ((وَلَا تَسْأَلَ الْمُرْأَةُ طَلَاقَ الْأُخْرَى
لِتَكْتَفِئَ مَا فِي إِنَائِهَا)) (فتشترط المرأة على من أراد الزواج منها أن يطلّق امرأته
الأولى أولاً وتكون لها نفقتها ولا يكون إلا لها (٤)) وهذا لا يفيدها إذ كُلُّ شيء
مكتوب ومقدر بعلمه - سبحانه - جاء عن النبي وَله قوله: ((لَا يَحِلُّ لإِمْرَأَةٍ تَسْأَلُ
طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَمَا))(٥)، قال الحافظ ابن حجر: (لو
(١) كتب ورسائل وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٧٥/٢٨ .
(٢) شرح النووي على مسلم ٩/ ١٩٧ .
A
(٣) رواه البخاري ٥١٤٢.
(٤) عمدة القاري ٣٠٠/١٣ .
(٥) رواه البخاري ٥١٥٢ .

١٣٩
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
أجابها وطلق من تظن أنها تزاحمها في رزقها؛ فإنه لا يحصل لها من ذلك إلا ما كتب
الله لها سواء أجابها أو لم يجبها، وهو كقول الله - تعالى - في الآية الأخرى: ﴿ قُل لَّن
يُصِيبَنَآ إِلَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾(١) (٢))، فهذه منهيات من شأنها أن تفرق الجماعة
التي يجب أن يكون عليها المسلمون وتولد في صدورهم الضغينة والبغضاء،
فيجب على المسلم أن يتخذرها، ويحذِّر منها وأن تكون همته كهمم ذوي النفوس
السليمة والعقود الصحيحة البراء من المكر والغش والخديعة وعليه أن يحوي
فضائل الأبرار وسجايا الفضلاء، فلا يظلمهم ولا يحقرهم، وبهذا يستنير وجهه
ويستريح ضميره ويحرز ثواب الله الموعود في الدنيا والآخرة.
ما يرشد إليه الحديث:
١- التناجش والتباغض والأثرة والخداع والغش كلها رذائل حاربها الإسلام
وحذر منها؛ لأنها تناقض آداب الأخوة بين المسلمين وتجفف عواطف المودة
بينهم وتثير حفائظهم وتؤجج نار العداوة بينهم.
٢ - كل افتئات أو مطلب يتعارض مع أحكام الشرع وقواعده وآدابه فهو محرم أو
مکروه منهي عنه.
٣- حرص النبي ◌َّليل على أمته وتوجيههم إلى ما يؤلف قلوبهم ويوحد بينهم ويزيل
الأثرة البغيضة من نفوسهم ويجعلهم متحابين متعاونين على الخير دائماً.
(١) فتح الباري ١١/ ٤٩٥.
(٢) التوبة: ٥١.

١٤٠
=
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
٣٠
الحديث الثلاثون
سرعة انقضاء أيام الدنيا وتقلبها بأهلها
عَنْ أَبَ هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَّ ◌َِّ: (( يَتَّقَارَبُ
الزَّمَانُ، وَيُقْبَضُ الْعِلْمُ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ، وَيُلْقَى الشُّخُ، وَيَكْثُرُ اَهُرْجُ، قَالُوا: وَمَا
الْمُرْجُ؟ قَالَ الْقَتْلُ))(١).
لغة الحديث:
يَتَقَارَبُ: أي تُقَرَّبُ الساعات، وقيل المراد أهل الزمان تَقْصُر أعمارهم (٢).
الْفِتَزُ: الفتنة العذاب، والفتنة أن يفتن الله قوماً أي يبتليهم(٣).
الشَّخُ: هو أشد البخل، وقيل البخل في أفراد الأمور وآحادها والشح
يكون في جميعها (٤).
معنى الحديث:
جعل الله ليوم القيامة أشراطاً وعلاماتٍ، وأرسل رسلاً مبشرين
ومنذرين، وختمهم بخاتم الأنبياء والمرسلين محمد مَّه الذي قال: ((بُعِثْتُ أَنَّا
وَالسَّاعَةَ كَهَذِهِ مِنْ هَذِهِ أَوْ كَهَاتَيْنِ وَقَرَنَ بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى))(٥)؛ إشارة لقربها
ولدنو وقوعها وذكر ◌َ ◌ّليه في أكثر من حديث علامات الساعة وأشراطها إضافة
إلى ما ذكره القرآن الكريم في وصفها تفصيلاً وبياناً لها، وفي هذا دعوة للإيمان بالله
(١) رواه البخاري ١٠٣٦، ومسلم ١٥٧.
(٢) مشارق الأنوار ١/ ٣١١.
(٣) العين ١٢٧/٨.
(٤)العين ٨/ ١٢٧.
(٥) رواه البخاري ٥٣٠١ .