Indexed OCR Text
Pages 81-100
= ٨١ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين إن إيغار الصدور والتفريق بين الأحبة دناءة وخسة وغدر وشر، يقطع حبال المودة، ويُولِّد النفور، ويوقظ نار العداوة، ولن يستقيم أمر الجماعة إلا بالتعاون، ولن ينجح لهم عمل إلا بالتكاتُّف والتساند وقوة الرابطة، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَنَزَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَأَصْبِرُواْ إِنَّ اللََّ مَعَ الصَّبِينَ﴾(١). * فائدة: يعمد بعض الناس إلى وضع جريد النخل أو الأزهار والورود ونحوها على القبور عند زيارته المقبرة، وهذا العمل منكر، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفعله إلا في قبورٍ مخصوصة أَطْلِعَ على تعذيب أهلها، ولو كان مشروعًا لفعله في كل القبور، وكبارُ الصحابة - كالخلفاء - لم يفعلوه وهم أعلم بالسُّنة وأحرص على اتباعها. ولو كان خيرًا لسبقونا إليه. ما يرشد إليه الحديث: ١ - تحريم النميمة، وأنها من الكبائر التي تسبب لصاحبها العذاب في القبر. ٢ - وجوب الاستتار عند البول، ووجوب الاستبراء منه. (١) سورة الأنفال، الآية: ٤٦ . ٨٢ == أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين ٣ - إثبات عذاب القبر، وأن من أسبابه النميمة وعدم التوقّ من البول أو ترك الاستتار عنده. ٨٣ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين الحديث الحادي والعشرون من أنواع المعروف عن جابر بن عبدالله - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وَإِنَّ مِنَ المَعْرُوفِ أَنْ تَلْقَىْ أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ، وَأَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ أَخِيكَ))(١) . لغة الحديث: كل معروف: أي كل ما يُفعل من أعمال البر والخير، وهو اسم جامع لكلِّ ما عُرِفَ من طاعة الله والتقرُّب إليه والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع من المحسنات، وما نهى عنه من المُقَبَّحَات(٢) . صدقة: أي ثوابه كثوابها، طلق: يعني تلقاه منبسط الوجه وطَلِقٍ: بفتح المهملة وكسر اللام ككتِف: أي بوجه ضاحك مستبشر، وذلك لما فيه من إيناس الأخ المؤمن ودفع (١) أخرجه الترمذي (١٩٧٠) كتاب البر والصلة، باب ما جاء في طلاقة الوجه وحسن البشر. (٢) فضل الله الصمد للجيلاني (٣٢٦/١)، دليل الفالحين (ج٣٥٠/١). ٨٤ = أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين الإيحاش عنه وجبر خاطره، وبذلك يحصل التأليف المطلوب بين المؤمنين(١). تفرغ: من الإفراغ: أي تصب(٢). معنى الحديث: أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث إلى أن كل ما يُفْعَل من أنواع البِرِّ وثوابه من قول أو فعل فهو صدقة، والقول يشمل طيب الكلام وحُسن البِشْر والتَوَدد بجميل القول والباعث عليه حُسن الخُلق ورقة الطبع، والعمل ببذل الجاه والإسعاف بالنفس والمعونة في النائبة والدافع عليه حب الخير للناس وإيثار الصلاح لهم، وهذه الأفعال تعود بنفعين: نفع على فاعلها في اكتساب الأجر وجميل الذكر، ونفع على المُعان بها في التخفيف والمساعدة(٣). وإن من المعروف الذي هو صدقة أن تلقَ أخاك بوجهٍ طلق لا بوجه عبوس، وأن تلين له القول، وأن تُدْخِل عليه السرور. وإنَّ من المعروف أيضًا أن تفرغ أي تصبّ من دلوك في (١) دليل الفالحين (ج١ ص٣٥١). (٢) المرجع السابق. (٣) فيض القدير (٥٢/٥). = ٨٥ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين إناء أخيك، لئلا يحتاج إلى الاستقاء، أو لاحتياجه إلى الدلو، وفي حديث أبي ذر - رضي الله عنه - الذي يشهد لهذا الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((تبتُّمك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف صدقة، ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال صدقة، ونصرك الرجل الرديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك صدقة))(١). ما يرشد إليه الحديث: ١ - الحضُّ على فعل المعروف بأنواعه المشروعة. ٢ - أن كل ما يفعله المؤمن من أعمال البر والخير له ثواب وأجر كثواب الصدقة وأجرها (٢). (١) أخرجه أحمد (١٦٧/٢، ١٦٨). (٢) نزهة المتقين شرح رياض الصالحين (١٣٠/١). = ٨٧ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين الحديث الثاني والعشرون من اشتهر بشيء وُصِف به عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عَلَيْكُمْ بالصِّدْقِ! فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَىُ البِرِّ، وَإِنَّ البِرَّ يَهْدِي إِلَى الجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّىَ الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا. وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ! فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ العَبْدُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّىُ الكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا))(١). لغة الحديث: يَهدي: بفتح أوله من الهداية أي يرشد ويوصل(٢). البر: هو اسم جامع لكل الخيرات(٣). الفجور: قال الراغب: أصل الفَجْرِ: الشق، فالفجور، (١) أخرجه البخاري (٦٠٩٤)، كتاب الأدب، باب ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ﴾، ومسلم (٢٦٠٧) كتاب البر والصلة، باب قبح الكذب وحسن الصدق. (٢) المفهم (٦ / ٥٩٠). (٣) شرح صحيح مسلم للنووي (١٦/ ٣٩٧) فتح الباري (٥٠٨/١٠). ٨٨ = أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين شق ستر الديانة، ويطلق على الميل إلى الفساد، وعلى الانبعاث في المعاصي، وهو اسم جامع للشر(١). معنى الحديث: الصدق ينبغي أن يكون دعامة ركينة في خُلُق المسلم، وصبغة ثابتة في سلوكه، ويجب التعامل به في كل شأن، وتحريه في كل قضية، والمصير إليه في كل حكم، وهو قمة الخير التي لا يلتزم بها إلا مَنْ قوي إيمانه بالله تعالى. أما الكذب والإخلاف والتدليس والافتراء، فهو أمارة من أمارات النفاق وجهل بحقيقة هذا الدين. فيجب على المسلم أن يحاذر من هذا المرض الفتاك، لكي لا يحيق به قول الله تعالى في كتابه ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِى الْكَذِبَ ( اَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِثَايَتِ اللَّهِ وَأَوْلَكَئِكَ هُمُ الْكَذِبُونَ وقوله صلى الله عليه وسلم: ((عليكم بالصدق)) أي: الزموا الصدقَ، والصدقُ مطابقة الخبر للواقع. والصدق يكون بالأقوال والأفعال، فمتى طابق الخبر الواقع فهو صدق، ومتى طابقت أعمال الجوارح ما في القلب فهو صدق . (١) فتح الباري (٥٠٨/١٠). (٢) سورة النحل، الآية: ١٠٥ . = ٨٩ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين ثم بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم مصير الصادق وثوابه فقال: ((إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة)). البر كثرة الخير والبر من نتائج الصدق. وقوله: ((يهدي إلى الجنة)) أي أن صاحب البر يهديه بره إلى الجنة، وهو غاية كل مطلب(١). ثم قال صلى الله عليه وسلم: ((إن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقًا)) والصِّديق في المرتبة الثانية من الخلق، الذين أنعم الله عليهم، كما قال - سبحانه -: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأَوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِّئِنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَِّحِينَ﴾(٢). ثم حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من الكذب، فقال: ((إياكم والكذب))، وإياكم للتحذير، أي: احذروا الكذب، وهو الإخبار بما يخالف الواقع، سواء كان بالقول أو بالفعل. وقوله: ((إن الكذب يهدي إلى الفجور)) الفجور: الخروج عن طاعة الله، لأن الإنسان قد يفسق فيخرج عن طاعة فتح الباري (٥٠٨/١٠). (١) (٢) سورة النساء، الآية: ٦٩. ٩٠ = أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين الله إلى معصيته، وأعظم الفجور الكفر(١). فالكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، فالكذب كله حرام، وكله يهدي إلى الفجور، ولا يستثنى من ذلك إلا ثلاثة أشياء في الحرب والإصلاح بين الناس وحديث المرأة زوجها وحديثه إياها (٢). ودليل هذا حديث أم كلثوم - رضي الله عنها - أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ليس الكذاب الذي يُصلح بين الناس، فَيَنْمي خيرًا، أو يقول خيرًا)) متفق عليه(٣)، زاد مسلم في رواية: ((قالت أم كلثوم: ولم أسمعه يرخِّص في شيءٍ مما يقول الناس إلا في ثلاث)) تعني: الحرب والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها . ما يرشد إليه الحديث: ١ - الترغيب في الصدق، لأنه سبب كل خير. ٢ - التحذير من الكذب والتساهل فيه، لأنه سبب كل شر. ٣ - من اشتهر بشيء صح أن يوصف به. (١) فتح الباري (١٠ / ٥٠٨) وشرح صحيح مسلم (١٦/ ٣٩٧). (٢) المفهم (٦ / ٥٩٢). (٣) (صحيح البخاري)) (٢٩٩/٥ - مع الفتح)، ((صحيح مسلم)) (٢٦٠٥) ورواه أبوداود (٤٩٢١) والترمذي (١٩٣٩). = ٩١ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين الحديث الثالث والعشرون من حقوق المسلم على المسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ عَادَ مَرِيضًا، أَوْ زَارَ أَخَا لَهُ في اللهِ نَادَاهُ مُنَادٍ: أَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ، وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الجَنَّةِ مَنْزِلاً))(١) . لغة الحديث: طبت: انشرحت وسررت وطهرت. طاب ممشاك: عظم ثوابك. تبوأت من الجنة منزلاً: اتخذت منها دارًا تنزلها(٢). معنى الحديث: من حقوق المسلم على أخيه المسلم عيادته إذا مرض، وهي سنة وحقٌّ من حقوق المسلم على أخيه المسلم، ولها (١) أخرجه الترمذي (٢٠٠٨) كتاب البر والصلة، باب ما جاء في زيارة الإخوان، ويشهد له حديث: ((عائد المريض في مخرفة الجنة حتى يرجع)) أخرجه مسلم (٢٥٦٨). (٢) تحفة الأحوذي (٢٠٣/٢). = ٩٢ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين فوائد جمة وفضائل عظيمة، فهي تدخل إلى نفس المريض والمَزُورِ البهجة والسرور، وتزيل عن المريض الهم والغم. والزيارة تقوي أواصر المحبة والصلات بين الناس وتجبر خاطرهم، وتشعرهم بالمحبة والأخوة، ويحصل للعائد والزائر منها الأجر والثواب، فإذا عاد المسلم أخاه المريض، فكأنما دخل الجنة، وتبوء منها منزلاً . ما يرشد إليه الحديث: ١ - عيادة المريض من حقوق المسلم على أخيه المسلم. ٢ - عِظَم أجر من زار مريضًا. ٣ - الإخبار عن أمور الغيب ومشاهد القيامة معجزة من معجزاته صلى الله عليه وسلم. = ٩٣ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين الحديث الرابع والعشرون أسباب المحبة عن سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه - قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! دُلِّنِي على عمل إذا عَمِلتُهُ أحبني الله وأحبني الناس، فقال: ((ازهدْ في الدنيا يُحبُّك اللهُ، وازهدْ فيما في أيدي الناس يُحِبُّك الناسُ))(١). لغة الحديث: أحبني الله: المحبة صفة من صفات الله تعالى تليق بذاته من غير تشبيه ولا تعطيل. الزهد: الزهد في الشيء الإعراض عنه لاستقلاله أو احتقاره أو ارتفاع الهمة عنه أو طلبًا للورع وبعدًا عن الشبهات، يقال: شيء زهيد أي قليل حقير(٢). (١) أخرجه ابن ماجه (٤١٠٢) كتاب الزهد، باب الزهد في الدنيا، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (٩٢٢). (٢) جامع العلوم والحكم (ج٢/ ١٣٤ - ١٣٥). = ٩٤ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين معنى الحديث: اشتمل هذا الحديث على وصيتين عظيمتين : إحداهما: الزهد في الدنيا، وأنه مقتضٍ لمحبة الله عز وجل لعبده. والثانية: الزهد فيما في أيدي الناس، فإنه مقتضٍ لمحبة الناس. فأما الزهد في الدنيا، فقد كثر في القرآن الكريم الإشارة إلى مدحه وذم الرغبة في الدنيا، قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا (١)، وقال تعالى: ﴿ِلْكَ الدَّارُ (١) وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى اُلْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوَّ فِى الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ ﴾﴾(٢) ٨٣ لِلْمُتَّقِينَ ( والأحاديث في ذم الدنيا وحقارتها عند الله - عز وجل - كثيرة جدًّا، وهذا الحديث هو واحد منها. وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم ميزان الزهادة في الدنيا وحدَّه، فقال صلى الله عليه وسلم: ((الزهادة في الدنيا ليس بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا (١) سورة الأعلى، الآيتان: ١٦، ١٧ . (٢) سورة القصص، الآية: ٨٣. ٩٥ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين ألا تكون بما في يديك أوثق مما في يدي الله، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب فيها لو أنها بقيت لك))(١). أما الوصية الثانية: وهي الزهد فيما في أيدي الناس فقد تكاثرت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر بالاستعفاف عن مسألة الناس والاستغناء عنهم، فمن سأل الناس ما بأيديهم كرهوه وأبغضوه؛ لأن المال محبوب لنفوس بني آدم فمن طلب منهم ما يحبونه كرهوه لذلك، وأما من زهد عما في أيديهم وعفَّ عنهم، فإنهم يحبونه ويكرمونه(٢). ما يرشد إليه الحديث: ١ - القناعة بالرزق الحلال والرضا به بعد بذل الجهد في السعي والعمل. ٢ - التعقُّف عن الحرام والاحتياط للشبهة. ٣ - أن يكون ما في هذه الحياة من مال ومتاع في يد الإنسان لا في قلبه، وأن جميع ما فيها وسيلة لا غاية. (١) رواه الترمذي (٢٣٤٠) وقال غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وعمرو بن واقد منكر الحديث. وضعّفه الألباني في ضعيف الجامع (٣١٩٤) . (٢) جامع العلوم والحكم (١٣٤/٢ - ١٣٥). ٩٦ = أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين ٤ - ليس الزهد بالفقر والاستجداء والتذلَّل والكسل، وإنما هو بغنى النفس والتعقُّف. = ٩٧ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين الحديث الخامس والعشرون أهم أسباب الهلاك عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنَّ الدُّنيا حُلوةٌ خَضِرَةٌ، وإِنَّ اللهَ مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء؛ فإِنَّ أولَ فتنة بني إسرائيلَ كانت في النِّساء)) رواه (١) مسلم (١) . لغة الحديث: حلوة خضرة: تشبه في الميل إليها الفاكهة الحلوة في مذاقها، الخضرة في لونها. مستخلفكم: جعلكم خلفًا يخلف بعضكم بعضًا. اتقوا الدنيا: احذروا الاغترار بها. اتقوا النساء: احذروا الافتتان بهن (٢). (١) أخرجه مسلم (٢٧٤٢) كتاب الذكر والدعاء، باب أكثر أهل الجنة الفقراء. (٢) شرح صحيح مسلم (٤٦/٩)، وبهجة قلوب الأبرار (ص٢٠١، ٢٠٢). = ٩٨ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين معنى الحديث: في هذا الحديث حذّر النبي صلى الله عليه وسلم أمته من خصلتين ذميمتين . الخصلة الأولى: التحذير من حبِّ الدنيا. والخصلة الثانية: التحذير من حب النساء. فقال: ((إن الدنيا حلوة خضرة)): حُلوة في المذاق، خضرة في المرأى، والشيء إذا كان خضرًا حلوًا فإن العين تطلبه أولاً، ثم تطلبه النفس ثانيًا، والشيء إذا اجتمع فيه طلب العين وطلب النفس، فإنه يوشك للإنسان أن يقع فيه. فإخباره بأنها حلوة خضرة يعم أوصافها التي هي عليها، فهي حلوة في مذاقها وطعمها، ولذاتها وشهواتها، خضرة في رونقها وحسنها الظاهر، كما قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَاُلْقَنَطِيرِ الْمُقَنطَّرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَاُلْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَاُلْأَنْعَمِ وَالْحَرْثِ﴾(١)، وقال تعالى: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾(٢)، فهذه اللذات المُنوَّعة فيها، والمناظر البهيجة، جعلها الله ابتلاءً (١) سورة آل عمران، الآية: ١٤. (٢) سورة الكهف، الآية: ٧. = ٩٩ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين منه وامتحانًا واستخلف فيها العباد لينظر كيف يعملون. فمن تناولها من حِلّها، ووضعها في حقِّها، واستعان بها على ما خلق له من القيام بعبودية الله، كانت زادًا له وراحلة إلى دار أشرف منها وأبقى، وتمَّت له السعادة الدنيوية والأخروية، ومن جعلها أكبر همِّه، وغاية علمه ومراده، لم يؤتَ منها إلا ما كتب له، وكان مآله بعد ذلك إلى الشقاء. وأبلغ وأشد من حبِّ الدنيا فتنة النساء، فإن فتنتهن عظيمة، والوقوع فيها خطير وضررها كبير، فإنهن مصائد الشيطان وحبائله . ولهذا حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث منها على الخصوص، وأخبر بما جرَّت من الويلات على من قبلنا من الأمم، فإن في ذلك عبرة للمعتبرين، وموعظة للمتقين(١). والله أعلم. ما يرشد إليه الحديث: ١ - التحذير من فتنة الدنيا وعدم الجري وراء حطامها أو التعلُّق بأوهامها . ٢ - جعل الله بني آدم خلائف يخلف بعضهم بعضًا في الحياة (١) شرح صحيح مسلم (٤٦/٩) وبهجة قلوب الأبرار (ص٢٠١، ٢٠٢). أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين ١٠٠ = الدنيا، لينظر كيف يعملون، لأنها دار ابتلاء لا دار بقاء. ٣ - الحذر من الافتتان بالنساء.