Indexed OCR Text

Pages 61-80

=
٦١
أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين
ما يرشد إليه الحديث:
١ - الحثُّ على التزام الإيمان وسلوك سبل الهداية، والمعاملة
و
الحسنة، والخُلُق الطيب، وأن ذلك يقيه شر الفتن
والوقوع في النار.
٢ - أن من أحب أن يبعد عن النار ويدخل الجنة؛ فليعامل
الناس بما يحب أن يعاملوه به.

٦٣
أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين
الحديث السادس عشر
قبول الأعمال
عن مصْعَبِ بنِ سَعْدٍ قال: دَخَلَ عَبْدُاللهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى ابْنِ
عَامِرٍ يَعُودُهُ وَهُوَ مَرِيضٌ. فَقَالَ: أَلاَ تَدْعُو اللهَ لي، يَا ابْنَ عُمَرَ؟
قال: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ((لاَ
تُقْبَلُ صَلَةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ. وَلاَ صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ))(١)، وَكُنْتَ عَلَى
البَصْرَةِ.
لغة الحديث:
الطهور: بفتح الطاء وبضمِّها؛ فبالفتح الماء،
وبالضم الفعل، وقيل: هما سواء (٢).
الغُلول: بضم الغين(٣). والغلول: الخيانة، وأصله
السرقة من مال الغنيمة قبل القسمة. فالصدقة من مال حرام
في عدم القبول واستحقاق العقاب كالصلاة بغير طهور(٤).
(١) أخرجه مسلم (٢٢٤) كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة.
(٢) لسان العرب (٦٢٠/٢).
(٣) شرح صحيح مسلم للنووي (١٠٦/٣).
(٤) شرح صحيح مسلم للنووي (١٠٦/٣) والمفهم (٤٧٩/١).

=
٦٤
أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين
معنى الحديث:
هذا الحديث نصٌّ على وجوب الطهارة للصلاة، وقد
أجمعت الأمة على أن الطهارة شرط في صحة الصلاة. قال
النووي: وأجمعت الأمة على تحريم الصلاة بغير طهارة من
ماء أو تراب.
ولا فرق بين الصلاة المفروضة والنافلة، وسجود التلاوة
والشكر وصلاة الجنازة(١).
ولو صلَّى مُحدِثًا متعمدًا بغير عذرٍ من غير استحلال
فتلك معصيةٌ عظيمةٌ، يتعيّن على من فعل ذلك المبادرة
بالتوبة، وعدم العود لمثلها، وقال بعض أهل العلم إنه: يكفر
بذلك، والصواب: أنه لا يكفر إلا إذا كان مستهزئًا أو مستحلاً
للصلاة بغير طهارة.
وأما قوله: ((ولا صدقة من غلول))، أي: لا صدقة من
خيانة. وأصل الغلول السرقة من مال الغنيمة قبل القسمة.
وأما قول ابن عامر: ادع لي، فقال ابن عمر - رضي الله
عنه -: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا يقبل
الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول))، وكنت على
(١) عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي (٨/١) وشرح مسلم للنووي
(ج ٣/ ١٠٣).

٦٥
أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين
البصرة. وتعلّقت بك تبعات من حقوق الله تعالى وحقوق العباد،
ولا يقبل الدعاء لمن هذه صفته، كما لا تقبل الصلاة والصدقة إلا
من متصوِّن. والظاهر - والله أعلم - أن ابن عمر قصد زجر ابن
عامر، وحثَّه على التوبة، وتحريضه على الإقلاع عن المعصية،
ولم يُرد حقيقة القطع بأن الدعاء للفساق لا ينفع، فلم يزل النبي
صلى الله عليه وسلم والسلف والخلف يدعون للكفار وأصحاب
المعاصي بالهداية والتوبة. والله أعلم(١).
ما يرشد إليه الحديث:
١ - اشتراط الطهارة في صحة الصلاة.
٢ - أن الوضوء للدعاء مشروع، وهذا يؤخذ من قول ابن عمر
لعبدالله بن عامر، وقد سأله الدعاء: لا يقبل الله صلاة
بغير طهور (٢).
٣ - أن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، فلا يقبل الله صدقة من
سرقة .
٤ - جواز ردع العاصي بترك الدعاء له، لحثِّه على التوبة .
(١) شرح مسلم للنووي (٤٥٨/٣).
(٢) شرح مسلم للنووي (٤٥٩/١).

--
٦٧
أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين
الحديث السابع عشر
حُزْمَةُ المسلم
عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: ((سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ))(١).
لغة الحديث:
السِّبابُ: مصدر سبَّ، وهو أبلغ من السب، فإن السب
شتم الإنسان والتكلَّم في عرضه بما يعيبه. والسباب أن يقول
فيه بما فيه وما ليس فيه(٢).
الفِسقُ: الخروجُ. وفي الشرع: الخروج عن طاعة الله
ورسوله. وهو في عرف الشرع أشد من العصيان(٣).
قتاله كفر: أي قتله كالكفر في الإثم والتحريم (٤).
أما حقيقة الكفر الذي هو خروج عن الملة فهو غير
(١) أخرجه البخاري (٤٨) كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط
عمله وهو لا يشعر، ومسلم (٦٤) كتاب الإيمان باب بيان قول النبي
صلى الله عليه وسلم سباب المسلم فسوق وقتاله كفر.
(٢) فتح الباري (١/ ١١٢).
(٣) فتح الباري (١١٢/١) كتاب الإيمان ح رقم (٤٨).
(٤) فيض القدير للمناوي (ج٤ ص٨٤) حديث رقم (٤٦٣٣) هامش (١).

=
٦٨
أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين
مراد، بل أطلق الكفر مبالغة(١).
معنى الحديث:
حقُّ المسلم مصانٌ في هذه الشريعة المطهرة، قال
تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ بِغَيْرِ مَا أُكْتَسَبُواْ
فَقَدٍ أُحْتَمَلُواْبُهْتَنَّا وَإِثْمَّا مُبِينًا﴾(٢) .
لهذا كان الحكم على من سبَّ مسلمًا بغير حقِّ بالفسق.
ومن قتله فهو كافر إِن استحل ذلك؛ لأنه بفعله هذا قد شابه
أفعال الكفار.
وهذا في غاية التحذير من التعدِّي على المسلم بقول أو
فعل، وبيان شرف المسلم وفضله ومكانته وصيانة عرضه(٣)،
والله أعلم.
ما يرشد إليه الحديث:
١ - الزجر عن لعن المسلم وقتاله.
٢ - فيه تعظيم حقِّ المسلم ومكانته عند الله تعالى.
(١) فتح الباري (١/ ١١٢).
(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٥٨ .
(٣) فتح الباري (١١٢/١)، وشرح مسلم للنووي (٤١٤/٢).

=
٦٩
أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين
الحديث الثامن عشر
أثر الرفق
عن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: ((إِنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ في شَيْءٍ إِلاَّ
زَانَهُ، وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ)) (١).
لغة الحديث:
الرفق: هو اللين واليسر والسهولة، وضده الخُرْق
والاستعجال، ورجلٌ رفيق أي كثير الرفق وهو اللين، وقد
يأتي بمعنى التمهُّل في الأمر والتأنِّي فيه(٢).
زَانُهُ: حسَّنه وجمَّله. شانه: عابه وقبَّحه(٣)
معنى الحديث:
يرشد هذا الحديث إلى أن لين الجانب محبوب إلى الله
- عز وجل -، يعطي عليه في الدنيا من الثناء الجميل وفي
(١) أخرجه مسلم (٢٥٩٤) كتاب البر والصلة، باب فضل الرفق.
(٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٥٧٦/٦ - ٥٧٨).
(٣) نزهة المتقين (٤٥٦/١).

٧٠
=
أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين
الآخرة من الثواب الجزيل. وبيان هذا بأن يكون أمر ما من
الأمور سوَّغْ الشرع أن يتوصَّل إليه بالرفق وبالعنف، فسلوك
طريق الرفق أولى لما يحصل عليه من الثناء على فاعله بحسن
الخلق(١)، ولهذا ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نُزِعَ من
شيء إلا شانه، أي عابه وقبَّحه وكان له شيئًا، إذ قد يُفوّت
مصالح الدنيا، وقد يُفضي إلى تفويت ثواب الآخرة، ففي هذا
الحديث الحثُّ على أن يكون الإنسان رفيقًا في جميع شئونه،
رفيقًا في معاملة أهله، وفي معاملة إخوانه، وفي معاملة
أصدقائه، وفي معاملة الناس جميعًا.
قال أبوحاتم - رحمه الله _(٢): الواجب على العاقل لزوم
الرفق في الأمور كلها وترك العجلة والخفة فيها، إذ أن الله
تعالى يحبُّ الرفق في الأمور كلها، ومن حُرِمَ الرِفقَ حُرِمَ
الخيرَ، كما أن من أعطي الرفق أعطي الخير، ولا يكاد المرء
يتمكّن من بغيته في سلوك قصده في شيء من الأشياء على
حسب الذي يحب إلا بمقارنة الرفق ومفارقة العجلة، فإن
التقُّهم في الخير زيادة ورشد، ومن لا ينفعه الرفق يضرّه
الخَرق، ومن لا تنفعه التجارب لا يدرك المعالي، ولا يبلغ
الرجل مبلغ الرأي حتى يغلب حلمُه جهله وتصبُّره شهوته، ولا
(١) المفهم (٥٧٨/٦) وشرح صحيح مسلم للنووي (١٦/ ٣٨٢).
(٢) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء ص (١٩١/١٩٠).

=
٧١
أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين
يدرك ذلك إلا بقوة الحلم.
ما يرشد إليه الحديث:
١ - الحثُّ على لين الجانب بالقول والفعل.
٢ - ضرورة التحلّي بالرفق، فإنه يزين المرء ويجمِّله في أعين
الناس وعند الله.
٣ - البعد عن العنف والشدة والغلظة، لأنها تشين صاحبها .

=
=
٧٣
أربعون حديثا كل حديث في خصلتين
الحديث التاسع عشر
البشرى عند الموت
عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: ((مَن أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ
اللهُ لِقَاءَهُ))، فقالت عائشة أو بعض أزواجه: إنَّا لَنَكْرَهُ الموتَّ!
قال: (لَيْسَ ذَاكَ وَلَكِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ المَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ
اللهِ وَكَرَامَتِهِ، فَلَيْسَ شَيءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ فَأَحَبَّ لِقَّاءَ اللهِ
وَأَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حَضَرَهُ المَوْتُ بُثِّرِّ بِعَذَّابِ اللهِ
وَعُقُوبَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهُ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، فَكَرِهَ لِقَّاءَ اللهِ وَكَرِهَ
اللهُ لِقَاءَهُ)) (١).
لغة الحديث:
من أحب لقاء الله: المصير إلى الدار الآخرة، بمعنى أن
المؤمن عند الغرغرة يُبَشَّرُ برضوان الله وجنته، فيكون موته
أحبَّ إلیه من حیاته.
(١) أخرجه البخاري (٦٥٠٧) في الرقاق باب من أحب لقاء الله أحب الله
لقاءه، ومسلم (٢٦٨٣) في الذكر والدعاء والتوبة باب من أحب لقاء
الله أحب الله لقاءه .

٧٤
أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين
أحب الله لقاءه: لأنه ممن آمن بالله وصدَّق بوعده.
ومن كره لقاء الله: حين يرى ما له من العذاب حينئذٍ .
كره الله لقاءه: لأنه لم يؤمن بالله، ولم يصدّق بوعده.
أو كان مؤمنًا مفرِّطًا مقصّرًا في الأوامر، مرتكبًا للنواهي (١).
معنى الحديث:
إذا أحبَّ العبد لقاء الله - عز وجل - وذلك بسبب ما
يعرف العبد ما أعدَّ الله - عز وجل - للمؤمنين، مما لا عين
رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فقد أحب
الله - عز وجل - لقاءه، ولا يظن ظانٌّ أن كراهية تمني الموت
تعني كراهية لقاء الله - عز وجل - كلاَّ، فلقد وضّح النبي صلى
الله عليه وسلم في هذا الحديث أن المؤمن إذا بُشِّرَ برحمة الله
ورضوانه وجنته، أحبَّ لقاء الله، فأحب الله لقاءه، وإن الكافر
إذا بُشِّر بعذاب الله وسخطه، كره لقاء الله وكره الله لقاءه.
قال النووي في ((شرح مسلم)): هذا الحديث يفسِّر آخرُهُ
أوّلَهُ، ويبيّن المراد بباقي الأحاديث المطلقة، من أحب لقاء
الله ومن كره لقاء الله.
والكراهية المعتبرة هنا هي التي تكون عند النزع في
حالة لا تقبل توبته ولا غيرها، فحينئذٍ يُبشّر كل إنسان بما هو
(١) شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد السفاريني الحنبلي (٢٢/٢، ٢٣).

=
٧٥
أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين
صائر إليه وما أَعِدَّ له، ويُكشف له عن ذلك، فأهل السعادة
يحبون الموت ولقاء الله، ليُنقلوا إلى ما أَعِدَّ لهم، ويحبُّ الله
لقاءهم، أي: فيجزل لهم العطاء والكرامة، وأهل الشقاوة
يكرهون لقاء الله، لما علموا من سوء ما ينقلون إليه، وكراهية
الله لِلقَائِهِم صفة الله سبحانه تليق بجلاله وعظمته، فلا يشبهه
أحدٌ من خلقه في اتصافه بهذه الصفة، ومن لازم بغض الله
وكراهته لهم أن يبعدهم عن رحمته وكرامته(١).
ما يرشد إليه الحديث:
١ - حبُّ لقاء الله أو كراهية لقائه يكون عند النزع وخروج
الروح في حالة لا تقبل التوبة؛ حيث يبشر كل إنسان بما
هو صائر إليه.
٢ - كلُّ إنسان يرى مقامه في حالة الاحتضار والنزع.
٣ - حبُّ لقاء الله أو كراهية لقائه، لا تعني تمني الموت أو
کراهیته .
٤ - الحثُّ على القيام بالطاعات والدأب عليها والإخلاص
فيها، وأن المؤمن عند النزع يُبَشِّر بما هو قادم عليه من
(١) شرح صحيح مسلم للنووي (١٣/١٧، ١٤) والمفهم لما أشكل من
صحيح مسلم (٢/ ٦٤٣، ٦٤٤).

= ٧٦
أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين
نعيم الآخرة وإكرام الله له (١).
٥ - إثبات صفة المحبة لله تعالى، فالله يحبُّ من خلقه من هو
أهل للمحبة، كما أنه يكره ويبغض مِنْ خلقه مَنْ هو أهلٌ
لذلك .
(١) انظر: المرجع السابق.

=
٧٧
أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين
الحديث العشرون
من أسباب عذاب القبر
عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: مَرَّ رَسُولُ اللهِ
صلى الله عليه وسلم عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: ((إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا
يُعَذَّبَانِ في كَبِيرٍ: أَمَّا هَذَا فَكَانَ لَ يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وأما هَذا
فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ)). ثُمَّ دَعَا بِعَسيبٍ رَطْبٍ فَشَقَّه بِاثْنَيْنِ،
فَغَرَسَ عَلَى هَّذَا وَاحِدًا، وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا، ثُمَّ قَالَ: (لَعَّلَّهُ
يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْسَا))(١) .
لغة الحديث:
مَرَّ على قبرين: لم يُعَرفُ اسم المقبورين ولا أحدهما،
والظاهر أن ذلك كان على عمدٍ من الرواة لقصد الستر
عليهما، وهو عملٌ مستحسن، وينبغي ألا يبالغ في الفحص
(١) أخرجه البخاري برقم (٢١٦) كتاب الوضوء: باب من الكبائر أن لا
يستتر من بوله .
وخرَّجه أيضًا برقم (٢١٨) و(١٣٦١) و(١٣٧٨) و(٦٠٥٢) و(٦٠٥٥)
واللفظ المذكور هنا هو سياقه برقم (٦٠٥٢) كتاب الأدب: باب
الغيبة .

٧٨
=
أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين
عن تسمية من وقع في حقِّه ما يُذَمُّ به (١).
وما يعذبان في كبير: أي ليس بشاقّ عليهما تركه
والاجتناب عنه، أي كان هَيِّنًا الابتعاد عنه، وسبب كون عدم
التنُّه من البول كبيرة، لأنه يلزم منه بطلان الصلاة فتركه
كبيرة .
أما هذا ... وأما هذا ... لم يسمِّهما قصدًا، للتستر
عليهما، وخوفًا من الافتضاح على عادته أو شفقته، أو
أهملهما الراوي عمدًا.
لا يستتر لا يتنزَّهُ، ولا يتحرَّز من البول(٢).
... يمشي بالنميمة: أي يسعى بالنم بين الناس.
والنم: إظهار الحديث بالوشاية، والنميمة: الوشاية. وأصل
النميمة: الهمس والحركة الخفيفة(٣).
عسيب: جمعه عُسُب بالضمتين، أي جريدة من النخل،
وهي السَّعْفَةُ مما لا ينبت عليه الخوص (٤).
(١) ينظر: ((فتح الباري)) (٣/ ٣٦٠).
(٢) فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد للجيلاني (١٩٩/٢،
٢٠٠).
(٣) المفردات للراغب ص (٥٠٦).
(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير الجزري (٢٣٤/٣).

٧٩
أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين
معنى الحديث:
لا ريب أن الإسلام كما عُنَي بالطهارة المعنوية عُنَي
أيضًا بالطهارة الحسية، وجعلها جزءًا من حياة المسلم وطابعًا
لا غنى له عنه في یومه ولیله.
لهذا كان التطهُّر والنظافة نعمة عظيمة ومنة كبرى على
عباد الله، الذين طهَّروا قلوبهم من الشرك والنفاق وسوء
الأخلاق، كما طهّروا ظواهرهم من الجنابة والأحداث، وفي
هذا الحديث حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من خصلتين
ذميمتين .
الأولى: عدم التنُّه من البول.
والثانية: السعي بين الناس بالنميمة، والمراد بتخصيص
هذين الأمرين بالذكر تعظيم أمرهما، لا نفي الحكم عمَّا
عداهما، والظاهر من الاقتصار على ذكرهما؛ أنهما أشد من
غيرهما، لأن مخالطة النجاسة وإفساد ذات البين يوجب عذاب
القبر، إذ البرزخ مقدمة الآخرة. وأول ما يقضى فيه يوم القيامة
من حقوق الله تعالى الصلاة، ومن حقوق العباد الدماء.
ومفتاح الصلاة الطهور.
ومن مبادىء سفك الدماء الغيبة، والسعي بين الناس
بالنميمة بنشر الفتن، فالأولى أن يُسأل عنهما في أول موقف

= ٨٠
أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين
للبرزخ، ويمكن أن يقال أنه لمَّا كانت الملائكة تتأذى من
النجاسات، وأول ما يكون العبد في أيدي الملائكة في القبر
فيقع منهم التعذيب بهذا في أول وهلة، إذ البول نجاسة حسية
والنميمة نجاسة معنوية، لأنه أكل لحم ميت.
لهذا عُنَي الإسلام بالطهارة وجعلها شرطًا لصحة الصلاة
ومقدمة لها. وقد شدَّد النبي صلى الله عليه وسلم في
الاستنجاء، والتنُّه من بقايا البول، وإزالة أثره بقوله صلى الله
عليه وسلم: ((تنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه))
وحذَّر من النميمة، وجعلها رداءة وشرًّا ودناءة وغدرًا، فهي
تؤول إلى تقاطع المتواصلين، وتباعد المتقاربين، وتباغض
المتحابين، وهي محرمة بإجماع المسلمين، وقد تظاهرت
الأدلة الكثيرة على ذلك.
فعلى المسلم أن يتعهّد جسمه بالتنظيف والتهذيب،
ويتنزّه عن الأدران المكدرة والأحوال المنفرة والروائح
الكريهة .
وعليه أيضًا أن يستر عيب أخيه ولو صدق اتصافه به،
فصاحب الصدر السليم يأسى لآلام العباد، ويتلمس لهم
الأعذار، ويشتهي لهم العافية، ولا يتلهى بسرد الفضائح
وكشف المستور وتتبع السقطات وإبداء العورات، فهذا ليس
مسلك المسلم الحق.