Indexed OCR Text

Pages 101-120

فصل
ويتعلق بالخاتم مسائل كثيرة يذكرها الفقهاء متفرقة في أبواب الفقه،
ونحن نذكر ها هنا إن شاء الله تعالى منها ما تيسر على ترتيب أبواب الفقه .
١- دخول الخلاء بخاتم عليه ذكر الله(١):
فمن ذلك أنّ الخاتم إذا كان عليه ذكر الله ، فهل يُكْره استصحابه
في الخلاء لغير عُدْر أم لا ؟
ذَكَرَ طائفةٌ من الأصحاب فيه روايتين عن أحمد .
- إحداهما : يكره .
وهي المشهورة عند الأصحاب المتأخرين ، ونصّ عليها أحمد في
رواية إسحاق بن هانىء في الدرهم إذا كان فيه اسمُ اللّه أو مكتوباً
عليه ( قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ) فيُكْرِه أنْ يُدْخلَ اسمُ اللّه عز وجل
الخلاء ، وهذا يقتضي كراهة كلِّ ما فيه اسم اللّه من خاتمٍ وغيره .
وهو قول طائفة من السّلف كمجاهد ، والقاسم بن محمد ، ومحمد بن
عبد الرحمن بن يزيد ، والشّعْبيّ ، وأبي حنيفة .
ورَوَيْنَا عن همام عن ابن جريج ، عن الزهري عن أنس قال :
كان رسول اللّه ◌ُزائه إذا دخل الخلاء وضع خاتمه .
أخرجه أبو داود ، وابن ماجه ، والنسائي ، والترمذي ، وقال :
حديث حسن صحيح ، والحاكم وقال : صحيح على شرط الشيخين (١) .
(١) أخرجه أبو داود (٥/١) والترمذي ١٧٤٦ وقال: حسن غريب، والنسائي ١٧٨/٨
وابن ماجه رقم ٢٠٣ . وقال أبو داود :
- ١٠١ ـ

وله علّة قد ذكرها حذاق الحفاظ كأبي داود، والنسائي ،
والدار قطني وهي أنّ هماماً تفرّد به عن ابن جريج هكذا ، ولم يتابعْه
غير يحيى بن المتوكل ، ويحيى بن الضريس . ورواد بقيّةَ الثقات :
عبد الله بن الحارث المخزومي ، وحجاج ، وأبو عاصم ، وهشام بن
سليمان ، وموسى بن طارق ، عن ابن جريج ، عن زياد بن سعد ،
عن الزهري، عن أنس أنه رأى في يد النبي ◌َ شم خاتماً من ذهب ،
وهذا هو المحفوظ عن ابن جريج دون الأول .
وقد جاء في رواية هدية عن همام عن ابن جريج ، ولا أعلمه إلا
عن الزهري عن أنس ، وهذه تُشعرُ بعدم تيقن ، فإن كانت من همام
فقد قوي الظن بوهمه ، وإنْ كانت من هدبة فلا يؤثر لأنّ غيره
ضبطه عن همام كما أنّ بعض الرواة وقفه عن همام عن أنس ، ولم
يضر ذلك لاتفاق سائر الرواة عنه على الرفع .
وروى ابن عديّ أنّ هماماً إنما أوهم في إدراج قوله : ( كان إذا
دخل الخلاء وضعه ) . فإنّ هذا من قول الزهري.
وأما أولُ الحديث وهو أنّ النبي ◌َ هلِ اتخذ خاتماً ولبسه ، فهو
مرفوع ، وقد جاء هذا مبيناً في رواية عمر بن سبه ، حدثنا حبان بن
هلال ، حدثنا همام ، عن ابن جريج ، عن الزهري أن رسول الله عز اته
حيث لبس خاتمه كان إذا دخل الخلاء وضعه .
ووجه الحجة أنّه إنّما نزعه لأنّ نَقْشَه كان (محمدٌ رسول الله)
كما تقدم ، وقد جاء ذلك مفسراً في رواية البيهقي من حديث يحيى بن
المتوكل عن ابن جريج ، عن الزهري عن أنس أن النبي عزلهم لبس خاتماً
نقشه: ((محمد رسول اللّه)) وكان إذا دخل الخلاء وضعه (١).
هذا حديث منكر ، وإنما يعرف عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن
أنس أن النبي (ص) اتخذ خاتماً من ورق ثم ألقاه. والوهم فيه من همام، لم يروه إلا
حمام . اهـ.
(١) السنن الكبرى ١/ ٩٥.
١٠٢ ٠

وروى الحافظ أبو بكر الجوزقاني من حديث المنهال بن عمرو ،
عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس أنّ النبي عالم كان إذا دخل الخلاء
نزع خاتمه .
وقد أورد ابن أبي شيبة في كتابه من طريق عكرمة قال : كان
ابن عباس إذا دخل الخلاء ناولني خاتمه .
وعن ابن عباس أنه قال : كان سليمان بن داود - عليهما السلام -
إذا دخل الخلاء نزع خاتمه فأعطاه امرأته (١) .
- والرواية الثانية : لا تكره .
وهي اختيار أبي عليّ بن أبي موسى ، والسامريّ ، وصاحب المغني.
وبوّب الخلال في جامعه : ( باب الخاتم فيه ذكر الله - عز وجل -
أو الدرهم يدخل الجلاء وهو معه ) ..
ولم يذكر في الخاتم سوى هذه النصوص لأحمد ، وذكر في الدراهم
ما رواه صالح في الرجل يدخل الخلاء ومعه الدرهم فقال : ( أرجو
أن لا یکون به بأس ) ..
وهذا هو قول كثير من السلف كالحسن ، وابن سيرين ، وابن
المسيب ، وعطاء ، وعكرمة ، والنخعيّ ، وهو مذهب مالك ، واسحاق ،
وابن المنذر .
ولأن الأصل عدم الكراهة ، وصيانته تحصل بإطباق يده عليه ،
وهو في باطن الکف فلا يقع مع ذلك محذور .
ومتى كان في يساره أداره حوله إلى يمينه لأجل الاستنجاء .
وقد روي حديث عليّ أنّ النبي عائل كان إذا دخل الخلاء حوله
في يمينه ، فإذا توضأ حوّله في يساره .
(١). أورده ابن كثير في التفسير (٤/ ٣٥ - حلبي) من رواية ابن أبي حاتم وغيره ،
عن ابن عباس وقتادة ، وغيرهما موقوفة عليهم وقال : وهذه كلها من الاسرائيليات
ومن أنكرها ما قاله ابن أبي حاتم ... اه فأورد روايته هذه .
- ١٠٣ -

وأورده الجوزقاني من جهة عمرو بن خالد ، وقال : هو حديث
منكر، وعمرو : كذاب (١) .
وروى ابن عدي من حديث محمد بن عبيد اللّه العرزمي ، عن نافع
عن ابن عمر قال :
((كان رسول اللّه ◌َ لفل يتختم في خنصره الأيمن، وإذا دخل الخلاء
جعل الكتابة مما يلي كفه )). والعرزمي: متروك (٢).
فصل
٢- مس المحدث لخاتم نقش عليه قرآن
ومن أحكام الخاتم :
إذا كُتِبَ عليه شيء من القرآن فهل له مسّه مع الحَدَّث ؟
ذكر أبو البركات صاحب المحرر في شرح الهداية أنه لا يجوز .
ولم يخرجه على الروايتين في الدرهم المكتوب عليه القرآن ، وأشار إلى
الفرق بأن البلوى تعم بمسّ الدرهم لكثرة الحاجة اليه بخلاف الخاتم
فصار كالورقة .
وفي الكافي : لو مسّ ثوباً مطرزاً بما به من القرآن جاز لأنه لا يسمى
مصحفاً ، والقصد فيه غير القرآن .
وحُكيَ في الدرهم وجهين أحدهما : كذلك لهذا المعنى . والثاني :
لا يجوز لأنّ معظم ما فيه القرآن .
(١) وعمرو بن خالد هذا هو أبو خالد القرشي مولى بني هاشم. قال أحمد: متروك الحديث
ليس بشيء. وقال أيضاً : كذاب يروي عن زيد بن علي عن آبائه أحاديث موضوعة ،
يكذب. وقال ابن معين: كذاب غير ثقة ولا مأمون. وقال أيضاً : كذاب ليس بشيء.
وقال أبو زرعة : كان يضع الحديث .
(٢) هو محمد بن عبيد الله بن أبي سليمان الفزاري العرزمي أبو عبد الرحمن الكوفي .
قال أحمد : ترك الناس حديثه. وقال ابن معين: ليس بشيء ولا يكتب حديثه.
وقال البخاري : تركه ابن المبارك ويحيى ..
وقال النسائي : ليس بثقة ولا يكتب حديثه .
- ١٠٤ -

وهذه العلة مُطّردةٌ في الخاتم فيتعين إلحاقه به . وما ذكره صاحب
المحرر من الفرق بعموم البلوى بمس الدرهم يقابل عموم البلوى تحمل
المحدث للخاتم ، والمس والحمل بمعنى واحد .
فصل
٣- تحريك المتوضىء أو المغتسل للخاتم
ومن أحكام الخاتم ؛ أنّ المتوضىء والمغتسل إذا كان في يده خاتم
فَلَبه. وفيه حالتان: إحداهما (١) أن يكون ضيِّقاً بحيث يشك في
وصول الماء إلى ما تحته أو يغلب على الظن ذلك ، فها هنا يجب تحريكه
أو نزعه ليصل الماء إلى ما تحته .
قال حنبل : سألت أبا عبد الله عن حديث (٢) اغتسل وعليه خاتم
ضيق .
قال : يغسل موضع الخاتم .
قلت : فإنْ (٣) جفّ غُسْلِه.
قال : يغسله .
قلت : فإن صلى ثم ذكر ؟
قال : يغسل موضعه ، ثم يعيد الصلاة .
وهذا قول أصحاب الشافعي وغيرهم .
وحكي عن بعض الحنفية أنّه لا يجب ذلك بل يستحب .
الحالة الثانية : أن يكون واسعاً بحيث يصل الماء إلى ما تحته بدون
تحريكه ، فها هنا يستحب تحريكه ولا يجب في قول أصحابنا .
قال أبو داود : قيل لأحمد : مَنْ توضأ يحرِّك خاتمه ؟
(١) الأصل: أن أحدهما - ولعله تحريف.
(٢) الأصل : حيث - تحريف .
(٣) الأصل : فإنه - لعله تحريف .
- ١٠٥ -

قال : إن كان ضيقاً لا بد أن يحركه، وإنْ كان واسعاً يدخل الماء
أجزاءه ومراد إجزائه (١) عدم تحریکه . . .
وهذا يشعر بأن التحريك أولى ، وهو قول جمهور أهل العلم من
السلف كالحسن ، وابن سيرين ، وميمون بن مهران ، وعمر بن عبد
العزيز ، وعمرو بن دينار ، وعرفة بن الزبير ، وحماد ، ومالك، وأبي
حنيفة والشافعي ، وغيرهم .
و کان سالم بن عبد الله يتوضأ ولا يحر كه .
وعن محمد بن الحسن قال : ليس بشيء .
وقول الجمهور أصح ، لأن هذا من جنس تخليل الأصابع ، وقد
وردت فيه أحاديث متعددة عن النبي خلاله .
وقد روي في تحريك الخاتم حديث أيضاً رواه مُعَمّر بن محمد بن
عبيد اللّه (٢) بن أبي رافع عن أبيه ( عن عبيد اللّه ) عن أبي رافع قال:
كان رسول اللّه ◌ِ الفعلِ إذا توضأ حرّك خاتمه . أخرجه ابن ماجه،
والدارقطني، والبيهقي (٣). ولكن معمر هذا ، قال البخاري : هو
منكر الحديث . وقال ابن عدي : مقدار ما يرويه لا يتابع عليه .
وأبو محمد : قال ابن معين عنه : ليس بشيء . وقال البخاري :
منكر الحديث .
وقد رواه الطبراني في المعجم الكبير من حديث ابراهيم ابن عبيد
الله(٤) بن أبي رافع عن أبيه عن جده أن النبي ◌َّ ائم كان إذا توضأ وضوءه
للصلاة حرَّك خاتمه في إصبعه(٥).
(١) كذا بالأصل .
(٢) الأصل: عبد الله - تحريف .
(٣) أخرجه ابن ماجه في السنن ٤٤٩ - والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٥٧ - والدار قطني
في السنن أيضاً : ٨٣/١.
وقال الدارقطني عقبه : معمر وأبوه ضعيفان ولا يصح هذا .
(٤) الأصل - عبيد الله - تحريف أيضاً. (٥) أخرجه الدار قطني أيضاً في سنته ١ / ٩٤.
- ١٠٦ -

ولا يخلو إسناده أيضاً من نظر .
ويدل على عدم ثبوته أن الخلال ذكر عن هارون بن سفيان المستملي
أن أبا عبد الله أحمد بن حنبل أنكر تحريك الخاتم إلا ثلاثة أحاديث :
حديث علي عن داود العطار ، وحديث ابن مهدي عن ابن سيرين ،
والحسن ، وحديث جعفر ابن برقان عن حبيب بن أبي مرزوق لم يكن
عنده غير هذه الثلاثة أحاديث .
قلت : ويعني بالأحاديث : الآثار ، فإن لفظ الحديث في كلامهم
يدخل فيه المرفوع والموقوف .
ثم ذكر أن أبا عبد الله روى فيه أيضاً آثاراً عن عروة ، وعمرو بن
دينار . قال : وحديث سفيان بن عيينة الذي رواه عن فضل بن غزوان
عن نافع عن ابن عمر في تحريك الخاتم خطأ، إنما أخطأ فيه ابن عيينة ليس
هو في تحريك الخاتم وإنما هو في شيء آخر .
فهذا الكلام من أحمد يقتضي أنه لم يُثْبِتْ فيه حديثاً مرفوعاً البتة ،
وإنما فيه آثار معروفة كما روى مجمع بن غتاب بن شمير عن أبيه قال :
((وضّأتُ علياً فكان إذا توضأ حرك خاتمه)).
رواهما ابن أبي شيبة ، والبيهقي(١) .
وروى ابن أبي شيبة من طريق ابن لهيعة عن ابن هبيرة عن أبي تميم
الحياني أن أبا عبد الله بن عمر كان إذا توضأ حَرَّكَ خاتمه .
وذكر أبو محمد ابن قتيبة في كتاب ( غريب الحديث ) له من رواية
ابن لهيعة عن عمرو بن الحارث عن عقبة بن مسلم عن أبي عبد الرحمن
الحبلي عن الصبالحي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه رأى رجلاً يتوضأ
فقال : عليك بالمغفلة والمنشلة .
قال ابن قتيبة : قالوا : (المغفلة): العَنْفَقَةُ(٢)، سميت بذلك
لأن كثيراً من الناس يغفل عنها وعما تحتها .
(١) البيهقي ١ / ٥٧، وقال: الاعتماد في هذا الباب على الأثر عن علي وغيره. اهـ
(٢) العنفقة: شعيرات بين الشفة السفلى والذقن. (وهي تنبت أسفل الشفة اليسرى مباشرة).
- ١٠٧ -

و (المنشلة) موضع الخاتم من الخنصر. ولا أحسبه سَمّى موضع
الخاتم منشلة إلا أنه إذا أراد غَسْلاً نَشَلَ الخاتم من ذلك الموضع . أي :
اقتلعه منه ثم غسله وَرَدَّ الخاتم .
وكان ابن سيرين يغسل موضع الخاتم. ذكره البخاري في موضع
من صحيحه .
فصل
٤- من استنجی وفي يده خاتم
ولو استنجى وغسل بيده نجاسة وفيها خاتم . فقال بعض الأصحاب :
نجس ، ونجس ما تحته ، وينزعه لغسل ما تحته. وهذا إنما يجب في الضيق
الذي لا يصل الماء إلى ما تحته ، فأما إذا وصل بغير نزع كفى غسل ما
تحته ، وكذا يكفي تطهيره وهو في موضعه فإنه متى علم وصول الماء اليه
على المذهب المعتبر كفى ، ثم إنّ الضيق الذي لا يمكن وصول الماء إلى
ما تحته كيف يحكم بنجاسة ما تحته ؟
فصل
٥- الصلاة في الخاتم المحرم
ومن ذلك الصلاة في الخاتم المحرم كالذهب. المعروف صحتها ،
وهو قول أكثر الفقهاء لأن التحريم فيها لا يعود إلى شرط فيها ، ولا
ركن ، ولا واجب .
وحُكِيَ عن أبي بكر عبد العزيز ما يقتضي بطلانها وهو قول
طائفة من أهل الظاهر كإبن حزم وغيره نظراً إلى فعل الصلاة على وجه
مَنْهِيُّ عنه في الجملة .
فصل
٦- عد الآي والركعات في الصلاة بالخاتم
ومن ذلك عَد الآي والركعات في الصلاة بالخاتم .
- ١٠٨ -

روى الفضل بن شاذان الرازي المقري(١) في كتاب (عَدِّ الآي)
من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنها كانت إذا صلّت
المكتوبة عدَّت صلاتها بخاتمها تحوَّلُه في يديها حتى تفرغ من صلاتها
تحفظ به .
وعن أبي معشر عن ابراهيم قال :
لا بأس أن يحفظ الرجل صلاته بخاتمه .
فصل
٧ - نزع الخاتم من يد الميت
ومن ذلك أن الميت إذا كان في يده خاتم نزع عنه ولم يترك معه ،
فإن لم يخرج بُرِدَ وأزيلَ عنه. ذكره الأصحاب ، لأنَّ في تركِهِ إضاعةٌ
فلمال بغير غَرْضٍ صحيح .
وقد تقدم في ذكر خاتم الذهب أن أبا أسيد صاحب النبي
نزعوا عنه خاتمه بعد موته(٢) .
صلىالله
وقد روى ابن أبي الدنيا (٣) في كتاب (القبور ) بإسناده عن عنبسة
ابن سعيد وكان عالماً قال :
(١) هو الفضل بن شاذان بن الخليل الأزدي النيسابوري (٢٦٠ هـ) - (٨٧٤ م).
فقيه ، متكلم ، مشارك في التفسير، والقراءات ، والفرائض وغيرها . من تصانيفه :
كتاب التفسير ، كتاب القراءات ، السنن في الفقه ، فضائل علي بن أبي طالب ، كتاب
الإيمان .
أنظر في ترجمته :
الفهرست لابن النديم ٢٣١/١ - إيضاح المكنون ٢٣/١-٢١٣-٤٠٠-١٨٤/٢-
١٩٧ ... هدية العارفين ١/ ٨١٧ - ٨١٨.
(٢) أنظر صفحة (٣٤) وتعليقنا ص (٥٠) رقم ٢ .
(٣) هو عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس القرشي، الأموي، مولاهم، البغدادي
أبو بكر ، ويعرف بابن أبي الدنيا ( ٢٠٨ - ٢٨١ هـ) - (٨٢٣ - ٨٩٤) م. محدث
حافظ ، مشارك في أنواع من العلوم .
من تصانيفه : الفرج بعد الشدة ، مكارم الأخلاق، التهجد وقيام الليل، الصمت .
- ١٠٩ -

(وجد أبو موسى مع دانيال مصحفاً (و) وجده(١) فيها ودك،
ودراهم ، وخاتمه . وكتب أبو موسى بذلك إلى عمر ، فكتب إليه عمر:
أما المصحف فابعث به إلينا ، وأما الودك فابعث الينا منه، ومُرْ
من قبلك من المسلمين يستبقون به ، وأقسم الدراهم بينهم، وأما الخاتم
فقد نفّلّنا كه .
ثم روي من حديث ابن وهب عن عبد الرحمن بن أبي الزناد(٢)
عن أبيه قال : رأيت في يد أبي بردة - يعني ابن (أبي) موسى الأشعري
خاتماً نقش فصه أسدان بينهما رجل يلحسان ذلك الرجل .
فقال أبو بردة : هذا الخاتم خاتم ذلك الرجل الميت الذي زعم أهل
ذلك البلد أن (4) دانيال ، أخذه أبو موسى يوم دفنه .
قال أبو موسى : لعله علما تلك(٣) القرية عن نقش ذلك الخاتم فقال:
إنّ الملك الذي كان دانيال في سلطانه جاءه المنجمون وأصحاب العلم
فقالوا : إنه يولد ليلة كذا وكذا غلام يعوق ملكه ويفسده .
فقال الملك : والله لا ينبغي يولد تلك الليلة إلا مُثِّلَ، إلا أنهم
أخذوا دانيال فألقوه في أجمة (٤) الأسد فبات الأسد ولبوته يلحسانه ،
فجاءته أمه فوجدته يلحسانه ، فنجّه الله تعالى بذلك حتى بلغ ما بلغ .
- وأدب اللسان ، مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام .
وغالب مصنفاته لم تطبع، وينتشر في مصنفاته الموضوعات والأحاديث الضعيفة
والاسرائيليات . ورغم ذلك فانه ينبغي العناية بطبعها حتى يتمكن أهل التحقيق من بيان
درجة تلك الأحاديث من حيث القبول أو الرد ولا يتسنى لهم ذلك إلا بعد الاطلاع على
الأسانيد .
أنظر في ترجمته (تاريخ بغداد) ٨٩/١٠ - ٩١ - المنهج الأحمد ٨١ - ٨٢ -
تذكرة الحفاظ ٢/ ٢٢٤ : ٢٢٥. مروج الذهب ٨/ ٢٠٩ - ٢١٠ - الفهرست لابن
النديم ١ / ١٨٥ - طبقات الحنابلة لابن الفراء ١٣٩ - تهذيب التهذيب ٦/ ١٢ - ١٣.
(١) أي : ووجد فيها ودك .
(٢) الأصل : عنه أبيه .
(٣) كذا .
(٤) الأجمة : الشجر الكثير الملتف .
- ١١٠ -

قال أبو بردة : قال أبو موسى قال : علما ملك(١) القرية، ونقش
دانيال صورته وصورة الأسدين يلحسانه في خاتمه لثلا ينسى نعمة اللّه
عليه في ذلك .
قلت : كان التصوير بحاجة مباحة في غير هذه الملة كما أخبر الله
تعالى عن سليمان عليه السلام أنّ الجن يعملون له ما يشاء من محاريب
وتماثيل (٢) .
وقد روي في حديث أسلفناه أن النبي عائ قُبِضَ والخاتم في
يمينه (٣).
فلو ثبت تَدَلَّ على هذا الحكم فإنّ خاتمه لم يُدفَّن معه بل بقي
عند أبي بكر مدة خلافته ثم عند عمر وعثمان إلى أن سقط منه في بئر
أريس .
وقد کان بعض الناس يوصي بترك خاتمه معه إذا دفن كما روى ابن
أبي الدنيا في كتاب (المحتضرين) عن أبي إسحاق الدياجي عن مُرَجّا
ابن وداع قال :
كان شاب به دهق ، فاحتضر ، فقالت له أمه :
((يا بني أوصي بشيء)). قال: ((نعم، خاتمي لا تلبسينه فإنّ فيه
ذكر الله عز وجل لعل الله عز وجل أن يرحمني)). فمات فرؤيَ في
المنام فقال :
(١) كذا .
(٢) يريد قوله تعالى: ( يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور
راسيات اعملوا مال داوود شكراً وقليل من عبادي الشكور) ١٣/٣٤ - سبأ.
(٣) ضعيف وقد تقدم التعليق عليه برقم ١ ص ٣٠.
(٤) هو مرجى بن وداع بن الأسود الراسبي البصري. حكى عن عطاء السلمي ، وروى
عن غالب بن خطاف والمغيرة بن حبيب وغيرها. وروى عنه أحمد بن حنبل وزيد بن
الحباب وغيرهما .
قال أبو حاتم : لا بأس به . وضعفه يحيى بن معين في رواية وقال في أخرى :
صالح الحديث .
وهذه القصة موقوفة عليه فلا حجة فيها .
- ١١١ =

((أخبروا أمي أن الكلمة قد نفعتني، وأن الله قد غفر لي)).
ولكن لم يثبت عمن يعتد بقوله ، وليس في هذا غرض صحيح ،
فإنَّ دفن ما فيه ذكر اللّه مع الميت وإن كان قد نُقِل عن كثير بن العباس (١)
أنه أوصى أن يكتب(٢) معه على أكفانه .
وينبغي أن يتأكد كراهة ترك خاتم الحديد مع الميت ، لما ورد من
أنه حلية أهل النار ، ومتى دُفِنَ فهو كما لو وقع ما له قيمة يجوز نبشه
لأخذه .
وأما الشهيد فإن الأصحاب ذكروا أنه ينزع عنه سلاحه ، وآلات
القتال خاصة ويدفن في بقية ثيابه لأن النبي مع الله إنما أمر أن ينحِّي عنهم
الجلود والحديد وهما آلات القتال فهل يقال : الخاتم يلحق بالثياب
الملبوسة لأنه لباس أيضاً وإن كان زينة فهو كثياب الجمال التي عليه .
أو يقال : يلحق بالنفقة التي معه فيؤخذ منه ؟
هذا فيه تردد ، والأشبه تخريجه على وجهين من مسألة إلحاق الحُليّ
في سلب الكافر المقتول بثيابه فتكون لقاتله على المذهب المشهور. وعلى
وجهٍ يلحق بالنفقة الموجودة معه فتكون غنيمة .
والأقربُ: تركُ الخاتم ونزعِ غيرِه من الحُليّ لأنه قد يكون أكثير (٣)
الحما إذا قتلت المرأة في المعركة وعليها حلى كثير فترك مثل هذامعها
إضاعة للمال بغير فائدة. وقد نص عليه أحمد في رواية صالح على نزع
المنطقة عن الشهيد القتيل .
(١) هو كثير بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم أبو تمام المدني بن عم النبي (ص) أمه
أم ولد .
قال يعقوب بن شيبة : يعد في الطبقة الأولى من أهل المدينة ممن ولد على عهد النبي (ص).
وقال مصعب الزبيري : كان فقيهاً فاضلا لا عقب له . وقال ابن حبان : كان
رجلا صالحاً فاضلا فقيهاً، مات بالمدينة أيام عبد الملك بن مروان .
(٢) كذا .
(٣) كذا .
- ١١٢ -

وقد أورد ابن أبي الدنيا في كتاب (القبور ) من طريق ابن إسحاق
عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه حدث أن رجلاً
من أهل نجران في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حفر خربة من
خرب نجران لبعض حاجته فوجد عبد الله بن التامز تحت دفن فيها قاعداً
واضعاً يده على ضربة في رأسه ، فمسك عليها يده فإذا أحزت يده عنها
معثت دماً ، فإذا أرسلت يده ردها عليه فأمسك دمها ، وفي يده خاتم
مكتوب فيه : (( ربي الله)) .
فكتب فيه إلى عمر يخبره بأمره ، فكتب إليه عمر أن أقرؤه على
حاله وردوا عليه الدفن الذي عليه . ففعلوا
قلت : عبد الله بن التامر :
يقول بعض الناس أذ (4) الغلام الذي كان يتردد إلى الراهب والساحر
ولم يقدر الملك على قتله حتى قتله بسهم من كنانته بإشارته اليه بذلك وقال :
((بسم الله رب الغلام))؛ فآمن الناس حينئذ برب الغلام فَخَذَّ لهم
أخاديد ... وحديثُه في صحيح مسلم(١) .
ومن الناس من يقول هو غيره ، وقصته شبيهة بقصة على ما ذكره
أهل السير ، لكنها مخالفة لسياق الحديث .
وفي مصنف عبد الرزاق عن ابن جريج عن محمد بن عبد الرحمن
ابن أبي ليلى قال :
(( لا يدفن الشهيد في حذاء ولا خفين، ولا نعلين ولا سلاح ولا
خاتم)).
قال: ويدفن في المنطقة (٢) والثياب. انتهى!
. وروى عبد الرزاق - أيضاً - عن الثوري - أو غيره - عن أبي
إسحاق عن الحارث عن علي قال :
(١) صحيح مسلم ٢ / ٥٩٨ - ٥٩٩ .
(٢) المنطقة : ما يشد بها الخصر .
- ١١٣ -
أحكام الخواتيم م ٨

(( نزع عن القتيل خفاه وسراويله )).
فصل
٨- الزكاة فيما يلبس الرجل من خاتم الفضة
ومن ذلك : وجوب الزكاة فيما يلبسه الرجل من خاتم الفضة .
وذلك مبنيٌ على وجوب الزكاة في الحلي المباح للنساء ، والمذهب
الصحيح أنه لا زكاة فيه(١) .
قال أحمد : هو عن خمسة من الصحابة أن زكاته عارية ، وهو
قول مالك ، والشافعي ، وإسحاق، وأبي عبيد، وغيرهم. فأخرجّ
باللبس والاستعمال عن مشابهة النقود المعدة للانفاق إلى شبه ثياب الزينة
ونحوها .
وعن أحمد رواية أخرى بوجوب زكاته أيضاً كقول الثوري
والأوزاعي وأبي حنيفة وغيرهم .
وفي المسألة أحاديث من الطرفين لا يثبت فيها شيء مرفوع إلى النبي عد اله
وليس هاهنا موضع بسطها . وقد ذكر أبو علي ابن البنا في كتاب (الجعال
والأقسام): ليس أن (٢) حُليّ النساء المباح لا زكاة فيه. ولم يحك فيه
خلافاً . وحكى في حليّ الرجال المباح وجهين .
وهذا يقتضي على قولٍ بسقوط الزكاة في حليّ النساء يخرج في حليّ
الرجال وجهان ، وهذا غريب مخالف لما ذكره الأكثرون .
وأكثر ما يمكن أن يُفرَّقَ به (٣) بين حلي الرجال والنساء أنَّ تحلّي
المرأة غير مكروه، بل هي مُرَغّبةٌ فيه لأجل بَعْلِها بخلافٍ الرجل
فإنَّ تَحَلّيهِ بالفضة غير مستحبة وإنما هو مباح أو مكروه كما سبق.
(١) أي لا زكاة في حلي النساء لا الرجال.
(٢) كذا .
(٣) الأصل : وبين .
- ١١٤ -

والصحيح التسوية بينهما لأن هذا الفرق يقابله أن تحلي الرجال إنما يباح
باليسير من الفضة أولى ، وهذا كله في المباح، فأمّا المحظور كخاتم الذهب
الذي يلبسه الرجل ففيه الزكاة بلا نزاع.
وأما لنفيه الزكاة في الحلي فالنصاب يعتبر بالوزن ، ولا يكمل بالقيمة ،
فلو كان وزنه دون نصاب وقيمته نصاب لجودة صناعته فلا زكاة فيه
سواء كانت صناعته محرمة أو مباحة كما لو كانت النقود لا تبلغ نصاباً
وزنً وتبلغ قيمتها نصاباً لجودتها أو ضربها . هذا هو المشهور من المذهب ،
وقول الأئمة الثلاثة والثوري ، وقد حكاه بعض الأصحاب .
وفي المذهب وجهان آخران :
- أحدهما : أنه يكمل النصاب بالقيمة إن كانت الصياغة مباحة ،
لأنها مالية مثقومة شرعاً، ولهذا يعتبر قيمتها في الاخراج كما سنذكره
فكذا في النصاب بخلاف النقود . وهذا قول ابن عقيل ، وقد أشار إليه
أحمد رحمه الله في حلي التجارة أن تُقَوّمَ .
- والثاني : اعتبار قيمته في تكميل النصاب سواء كانت صياغته
مباحة أو محرمة .
وهذا اختيار ابن عقيل أيضاً في موضع من فصوله في دملج ذهب
يلبسه رجل أنه يقوم .
· وهذا متجه فيما كان جنسه يباح ليسه في الجملة كالدُ مْلُج(١) فإنه
يصلح للنساء ، وإنما المحرم استعمال الرجل له فلا يسقط استعماله تقويمه
بخلاف ما كان جنسه محرماً تحريماً مطلقاً كالخف فإنه لا يباح للرجال
ولا للنساءلأن العادة لم تجر (٢) بالتحلي به ولا حاجة إليه، بل هوسرَفِّمحض.
- وأما في إخراج زكاته إذا بلغ وَزْنُه نصاباً وكانت قيمَتُهُ أزيد
من وزنه :
فإن قلنا يعتبر القيمة في تكميل النصاب ففي الاخراج كذلك .
وإن قُلنا لا يعتبر في التكميل وهو يعتبر في الاخراج: هاهنا على وجهين:
(١) الدملج : المعضه .
(٢) في الأصل: تجد - لعله تحريف .
- ١١٥ -

.. - أحدهما: لا يعتبر أيضاً.
قالوا : وهو ظاهر كلام أحمد في رواية غير واحد ، وصححه
أبو عبد الله السامري ، وهو قول مالك ، ونحوه قول أبي حنيفة ، وأبي
يوسف .
- والثاني : يعتبر .
وهو اختيار القاضي وأصحابه : وأخذوه من إيماء أحمد أيضاً ،
وهو قول الشافعي ، ومحمد بن الحسن وغيرهما ..
ثم اختلفوا في معنى اعتبار القيمة في الاخراج ، فقالت طائفةٌ منهم :
تجعل زيادة القيمة مضمومة إلى الوزن كالمال المضموم إلى مالٍ آخر ويزكي
الجميع ، فإذا كان وزن المُصاغ مائتي درهم وقيمته ثلاثمائة درهم
أخرج عنه زكاة ثلاثمائة سبعة ونصفاً .
وهذا على قول ابن عقيل ظاهر فإنه جعل زيادة القيمة تضم إلى الوزن
في تكميل النصاب بها .
وأما الأكثرون فيقولون : إنما تضم القيمة إلى الوزن تبعاً لكمال
الوزن نصاباً. وهؤلاء يجيزون إخراج زكاة هذه الزيادة قيمة، ويجيزون
الاخراج من جنس ذلك الحلي مضافاً بحيث تجتمع زكاته من قيمة ووزن
. كأصل نصابه، ويجيزون أيضاً إخراج أجود منه صفةً ومثله وزناً مقابلة
للصنعة بالجودة.
وهذا قول القاضي ، والفتح الحلواني ، وأبو الخطاب ، وابن عقيل .
وقالت طائفة : بل يجب إخراج ربع عشر الحُلي على صفة خاصة
وليست زيادة القيمة مالاً مضموماً إلى النصاب بل الصناعة صفة في المال
فيجب إخراج الزكاة على صفة المال فيخرج ربع عشرة زنة وقيمة فإن
أخرج مثله وزناً من غيره وكان أجود منه بحيث تقابل جودته زيادة الصنعة :
جاز .
وأما إن أخرج من جنسه نفد وجَبّر زيادة الصنعة بزيادة في المخرج
- ١١٦ -

خرج على الخلاف في إخراج البهرجة عن الصحاح ومعها مقدار الفصل
بينهما .
وينبغي أيضاً أن يقال : إخراجُ شيء من جنسه أجود منه على غير
صفة صياغته يخرج على الوجهين في إخراج الهزيلة عن السمينة إذا كانت
بقيمتها . لأن الجنس والقيمة واحد ، والاختلاف في الصفة . إلا أن يقال
في الهزيلة عيب بخلاف هذا فإن فيه جودة ، فلهذا جعلوا الجواز هاهنا
إجماعاً وهذه طريقة صاحب الكافي والمحرر وغيرهما . هذا كله في
المباح .
فأما المحظور اتخاذه فأكثر الأصحاب على أن الاعتبار بوزنه دون
قيمته ، لأن صنعته مُلغاة شرعاً .
وذكر أبو الخطاب فيه الوجهين، وصرَّح في ((رؤوس المسائل))
له بأن فيه الروايتين ، ونَصَر اعتبار القيمة .
فصل
٩- رَمْيُ الجَمْرةِ بفَصِّ من حَجَرَ
ومن ذلك : لو كان في يده خاتم فَصُّه من حجرٍ كالمَرَمَر ، والرُّخام ،
ونحوهما فرمى به الجمرة ، هل يجزئه أم لا ؟
فيه وجهان حكاهما في المُغْني :
- أحدهما: لا يجزئه. وهو الذي رجّحَه، وعلله بأن الفَصّ
تابع للخاتم ، والمرميّ بالمتبوع ، والمتبوع لا يجزئ الرميُ به.
- والثاني : يجز ئه ، لأنه قد رمی بحجر .
وهذا الوجه هو ظاهر كلام أحمد ، والقاضي .
أما أحمد فإنه قال - في رواية المروزي - فيمن رمى بفص وكان
حجراً: لا يُرمى إلا بمثلِ ما رُوِيَ عن النبي ◌َ الله (و) بمثل ما أمر
الحاج .
- ١١٧ -

فلم يعلل المنع إلا بأنّ الفص ليس مثل حصى الخَذْف الذي أمر
بالرمي به ، وهذا يقتضي أنه لو كان كبيراً كحصى الخذف لأجزأ .
وفّصُّه هذا يدل على أنه لا يجزئ ما دون حصى الخذف ، ولذلك
رُويَ عنه في الحَجَرِّ الكبير ما يقتضي أنه لا يجزئ أيضاً.
وللأصحاب وجهٌ آخر بإجزاء الصغير والكبير . وأما القاضي (١)
فإنه ذكر في ((خلافه)) قصة سُكَيْنَة بنت الحسين (٢) رضي الله عنهما
وأنها رمَت بستة أحجارٍ فأعْوَزَها سابعٌ فرمَت بخاتمها ، وأجاب عنها
بجوابين .
أحدهما : أن الغرض يسقط بالست ، فالسابع غير واجب بناء على
قولنا أن الست مجزئة .
والثاني : أنه قد قيل يحتمل أن يكون فَصُّهُ حجراً فاعتدت بذلك ،
والخواتيم لا تخلو من فَصّ. (هذا لفظه في الثاني).
فصل
١٠- بيع الخواتيم
ومن ذلك : بيع (ال) خواتيم . ولها صورتان :
- إحداهما : أن يكون الخاتم من فضة وفصه غير فضة .
أو يكون الخاتم غير فضة، وهو ◌ُحَلّى بفضة ، ويباع بالدراهم.
(١) يعنى بالقاضي: أبا يعلى الفراء - إمام الحنابلة - في كتابه (الخلاف الكبير).
(٢) هي سكينة - بضم السين وفتح الكاف - بنت الحسين ابن علي بن أبي طالب رضي الله
عنه، وأمها : الرباب أم امرئ القيس بن عدي الكلبية وتكنى أم عبد الله وقيل سكينه
لقبها واسمها أمينة كما في الروض. شهدت الطف مع أبيها ، ولما رجعت إلى المدينة،
خطبها أشراف قريش فأبت وترفعت وقالت: لا يكون لي حم بعد رسول الله (ص) ،
وبقيت بعده لم يظلها سقف حتى ماتت كمداً عليه. وفيها يقول والدها :
كأن الليل موصول بليل - إذا زارت سكينة والرباب . قال السهيلي : أي إذا زارت
قومها وهم بنو عليم بن خباب. ( أنظر تاج العروس للزبيدي ٩/ ٢٣٩).
- ١١٨ -

فهذا من فروع المسألة الملقبة بـ ((مدعجوة )) . وفيها طريقان للأصحاب :
- أحدهما : وهو المشهور عند المتأخرين كالقاضي وأصحابه
أن فيها روايتين أصَحُّهُما : البُطلان بكل حال ، كقول الشافعي .
ولمالك تفصيلٌ بين الثُّلثِ وغيرِه، ولأحمد نصوصٌ في المنعِ
لصورة الخاتم بقُصوصه حتى تُفْصَلَ في رواية ابن منصور ، والحسن
ابن نوار ، وأحمد بن القاسم، وحنبل، وأبي طالب ، والأثرم .
- والثانية : الجواز بشرط أن يكون الدراهم المشترى بها أكثر من
الفضة التي في الخاتم ليكون بقية الثمن مقابلاً لما فيه من غير الفضة .
وهو قول أبي حنيفة . والأولى هو المذهب عندهم لما في صحيح
مسلم عن فضالة بن عبيد قال :
أتيَ النبي ◌َ لِ يوم حنين بقلادَة فيها ذهب وخَرَزِ ابتاعَها رجلٌ
بتسعة دنانير أو سبعة دنانير . فقال النبي مازلتِ:
(( لا حتى يميز بينه وبينه)).
فقال : إنما أردتُ الحجارة .
فقال النبي زائر: ((لا حتى تميز بينه وبينه)).
قال : فرده حتى ميز بينهما . (رواه أبو داود وهذا لفظه). وأصل
الحديث في صحيح مسلم ، وكذا النسائي ، والترمذي ، وصححه(١).
وأهلُ القولِ الثاني يحتجون عنه بأنّ مسلماً رواه في صحيحه مصرحاً
ولفظه :
(( اشتريت قلادةً يوم خيبر باثني عشر ديناراً فيها ذهب وخرز ،
(١) أخرجه مسلم (٦٩٤/١)، وأبو داود (٢/ ٢٢٣)، والترمذي (١٢٥٥)،
والنسائي (٧/ ٢٧٩). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح والعمل على هذا
عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي (ص) وغيرهم لم يروا أن يباع السيف محلى أو
منطقة مفضضة أو مثل هذا بدراهم حتى يميز ويفصل . وهو قول ابن المبارك ، والشافعي
وأحمد ، وإسحاق . وقد رخص بعض أهل العلم في ذلك من أصحاب النبي (ص) وغيرهم. أهـ

ففصلتها ، فوجدت فيها أكثر من اثني عشر ديناراً ، فذكرت ذلك
للنبي معَ العِ فقال :
((لا تباع حتى تفصل)) (١).
وفي لفظ له أيضاً :
.. أمر رسول الله صلاتهم بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده ، ثم قال
لهم رسول اللّه عَ للِ: ((الذهب بالذهب وَزْناً بوَزْنٍ )) .
فهذا صريح بأنَّ الذهب الذي في القلادة كان أكثر من الدنانير
التي اشتريت به ، ومثل هذا لا يجوز بلا ريب ، ولو لم يكن الذهب
مقصوداً لأن قيام المقتضي للمنع لا يزيله قصد غيره .
واستدل المجيزون أيضاً بقول: (حتى تُفصل) وما بعد الغاية
مخالفٌ لما قبلها، فدلَّ على أنه يجوزُ بيعُه بعد التفصيل، والعلم إذا
اقتضى ذلك النقد بجنسه وزناً بوزن ، وهو الذي جزم به أبو بكر في
((التنبيه)) .
والثاني : الجواز ، وهو الذي ذكره التميمي في خصاله .
ومأخذ الخلاف : الخلاف لمن يبيع الجنس بغيره جزافاً .
وقال الشيرازي : الأظهر المنع ، ويشهد لهذه الرواية من كلام
أحمد ما روى عنه البرزاطي قال: قيل لأحمد : رجلٌ كانت معه مائة
درهم فضة جياد ، فأضاف اليها مائة درهم نحاس ، وصاغها حلية لنفسه ،
.ثم احتاج إلى بيع ذلك .. هل يجوز أن يبيع ذلك بمائة درهم الفضة التي
كانت فيه ؟
قال :
لا يجوز بيع ذلك كله بالفضة ، ولا بالذهب ، ولا بوزنه من الفضة
والنحاس ، ولا يجوز بيعه حتى يخلص الفضة من النحاس ، ويبيع كل
واحد منهما وحده .
(١) صحيح مسلم ١/ ٦٩٤
- ١٢٠ -