Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ ((النصيحة ... )) . نَضْرَةَ، عن أبي سعيد الخُدْري، وهذا إسناد صحيح، وقد صحَّحه جماعةٌ؛ كابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم، والنووي، والذهبي - وغيرهم-، ومع ذلك لم يزد (الهدَّام)، على قوله بعد عزوه لأحمد وأبي داود فقط: ((ورجاله ثقات، قال الحافظ: واختُلف في وصله وإرساله، وَرَجَّح أبو حاتم في ((العلل)) الموصولَ)). قلت: هذا ما نقله (الهدَّام) فَلِمَ لَمْ يصحّحه؟! في ظَنِّي أنَّه لموقفه المعروف من إمام السُّنَّة حماد بن سلمة - كما تقدّم-، مع أنَّ له شاهدين صحيحين؛ أحدهما عن أنس، والآخر من مرسل بكر بن عبدالله المزني، وهو على معرفةٍ بهما من ((إرواء الغليل)) (٣١٤/١-٣١٥)، ولكنَّه الكبر، والأنانية، وبَطَرُ الحق! وهو مخرَّج أيضاً في ((صحيح أبي داود)) (٦٥٧ و ٦٥٨). ٤٨ - ((رخّص النبي ◌َّه للمرأة أن تُرخي ذيلها ذراعاً»: قال (الهدَّام) (٢١١/١): ((حديث صحيح، أخرجه مالك ... )) إلخ. عمَّى - كعادته- حالَ إسناده، وهو صحيحٌ؛ فَلِمَ عَدَلَ عن التصريح إلى التعمية؟! ما أظنّ ذلك إلا حُبّاً للمشاكسة والمعاكسة! وهو مخرَّج في ((الصحيحة)) (١٨٦٤). ٤٩- ((وقال وَّ: ((الأرض كلّها مسجدٌ إلا المقبرة والحمام))؛ رواه أهل ((السنَّن)) إلا النسائي)): قلت: جاء من طرق عن عمرو بن يحيى الأنصاري، عن أبيه، عن أبي سعيد الخُدْري ... -مرفوعاً-، وهذا إسنادٌ صحيحٌ، ولذلك جزم المؤلف بنسبته إلى النبي ◌َّة؛ وعليه جميع العلماء المتقدّمين منهم والمتأخرين من أصحاب ١٢٢ ((النصيحة ... )) ((الصحاح)) -وغيرهم-؛ مِمَّن صحّحه أو أشار إلى صحّته كالبخاري، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وابن حزم، وابن تيميّة، وابن دقيق العيد، وابن التُّزْكُماني وغيرهم، وهو مخرج في ((الإرواء)) (٣٢٠/١)، و((أحكام الجنائز)) (٢٧٠)، و((صحيح أبي داود)) (٥٠٧). وأمَّا (الهدَّام)؛ فقد عاند وكابر -كعادتهِ-؛ فسوَّد صفحتين عَبَثاً؛ محاولاً إعلالَه بالإرسال من الثوري وغيره، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، لم يذكر فيه (أبا سعيد)! وهو يعلم أنَّه قد وصله عبدُ الواحد بن زياد، وحمّاد بن سلمة، ومحمد بن إسحاق، فتجاهل ذلك كلَّه، ولم يتعامل مع قاعدة علماء المصطلح ((زيادة الثقة مقبولة))، فكيف وهم ثقاتٌ؟! ولم يقف عناده عند هذا الحدِّ حينما اصطدم مع رواية عمارة بن غَزِيَّةَ، عن يحيى بن عمارة الأنصاري، عن أبي سعيد، عند ابن خُزيمة في ((صحيحه)) وغيره، فهذه متابعةٌ قويةٌ من عمارة بن غَزِيَّةً لعمرو بن يحيى الأنصاري، وبالسند الصحيح إليه، مما يؤكِّد صِحَّة الرواية الموصولة عن (عمرو بن يحيى)، فماذا فعل (الهدَّام)؟! لقد وضع في رواية (يحيى بن عمارة) اضطراباً -تدليساً وتضليلاً؛ فإن الاضطراب المدَّعْى إنّما هو في رواية ابنه (عمرو بن يحيى)، فعليه اختلف الرواةُ، وليس على أبيه (يحيى) - كما هو ظاهرٌ-، وأمّا رواية عمارة بن غَزِيَّةً فهي في منجاة من ذاك الاضطراب، على أنَّه غير مُؤَثِّر، لأنَّه مرجوحٌ - كما تقدم-، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((أسانيده جيدة، ومن تكلّم فيه فما استوفى طرقه)). هذا؛ وإنّ مِن جَهْلِ هذا الرجل بالفقِه؛ قولَهُ في آخر تخريجه: ((والحديث معارض بحديث جابر: ((أُعطيت خمساً لم يعطهن أحد ١٢٣ ((النصيحة ... )) قبلي ... وجُعلت لي الأرض طيِّبة طهوراً ومسجداً، فأيّما رَجُل أدركته الصلاة، صلّی حیث کان)))). قلت: يريد (الهدَّام) بهذا أن يضع ضعفاً في متن الحديث، كما وضع ضعفاً في سنده، وهو على كلِّ حالٍ خاسرٌّ، فإنَّ هذا الحديث كسائر الأحاديث الصحيحة التي تنهى عن الصلاة في المقابر، وفي المساجد المبنيّة على القبور، وعن الصلاة في معاطِن الإبل، ونحو ذلك، فهذه خاصَّةٌ، وحديث جابر عامٌّ، فهو مُخَصَّصٌ بها - كما لا يخفى على الفقهاء-، فإلى الله المشتكى من زمان يَتَكلَّم فيه الرويبضة! ٥٠- ((قول ابن مسعود: لأنتم أهدى من أصحاب محمد، أو أنتم على شعبة ضلالة»: عزاء (الهدَّام) (٢١٦/١) للدارمي، وأعلّه بقوله: ((وهذا إسناد ضعيف، عمرو بن يحيى بن عمرو بن سَلِمة الهَمْداني، قال ابن معين: ليس حديثه بشيء، ولم يوثقه أحد، وأبوه (يحيى) ذكره ابن أبي حاتم في ((الجرح))، وسكت عنه)). قلت: وفي هذا التخريج على اختصاره بلايا! أولاً: ليس الأثر عند الدارمي باللفظ المذكور، وإنَّما بلفظ: ((إنَّكم لعلى مِلَّة هي أهدى من ملة محمد، أو مُفْتَتِحُو باب ضلالة)). ثانياً: ما نقله عن ابن معين لا يصحّ عنه، رواه ابن عدي (١٢٢/٥) من طريق أحمد بن أبي يحيى -وهو الأنطاكي-؛ قال فيه إبراهيم بن أُورمة: كذّاب، رواه عنه ابن عدي (١٩٥/٥) وقال فيه: (روى عن يحيى بن معين وأحمد بن حنبل ((تاريخاً)) في الرجال)). ١٢٤ ((النصيحة ... )). ثالثاً: قوله: ((ولم يوثّقه أحد)) من جملة ادِّعاءاته الطويلة العريضة، فإِنَّه مع كونه نفياً - وإثباتُه من أصعب الأمور كما معروفٌ عند العلماء-؛ فإِنَّه لم يقله قبله أحدٌ فيما علمت، بل هو كذب -كما يأتي -. رابعاً: قد وثّقه ابن معين - فيما رواه ابن أبي حاتم (٢٦٩/١/٣/ ١٤٨٧) بالسند الصحيح عنه-، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٤٨٠/٨)، وهذا التوثيق مقدّمٌ -بداهةً- عند العلماء على تضعيف ابن معين المذكور -لو صَعَّ-؛ لأنَّه جَرٌِ مبهمٌ غير مُفَسَّرٍ؛ فكيف وهو غير صحيح؟! ولا سيما وقد روى عنه جَمْعٌ من الثقات الحفّاظ، كابن أبي شيبة، وعبدالله ابن نُمَير، وعبدالله بن سعيد الأشجّ -وغيرهم-كما تراه عند ابن أبي حاتم -. خامساً: قوله في أبيه (يحيى): ((ذكره ابن أبي حاتم في ((الجرح)) وسكت عنه))! فيه آفتان: إحداهما: كتمانه قولَ أبي حاتم فيه: ((روى عنه شعبة، والثوري، والمسعودي، وقيس بن الربيع، وابنه عمرو)). فهذا يفيد أن (يحيى) هذا معروفٌ غير مجهول، خلافاً لما يُشعر به نقلُ (الهدَّام) المبتور. والأخرى: كتمانه قولَ العجلي في كتابه (١٨١٩/٤٧٤): ((كوفيٌّ ثقة)). فهذا التوثيقُ -مع رواية أولئك الثقات عنه، وملاحظة كونه من أتباع التابعين-؛ مما يُلقي في النفس أنَّ الرجل صدوق، وأنَّ إسناد هذا الأثر جَيِّدٌ، رغم أنف (الهدَّام) المحارب للآثار السلفية، ولا غرابة في ذلك من رجل متخَصِّصٍ في تضعيف الأحاديث النبوية الصحيحة -عامله الله بما يستحق !-. سادساً: هَب أنَّ الرجل فيه جهالةٌ؛ ولكنها جهالةُ حالٍ -يقيناً-، فمثله ١٢٥ ((النصيحة ... )) . تتقَوَّى روايته بمجيئها من طريق أخرى، فكيف وقد جاءت من طرق؟! فقد أخرجه عبدالرزّاق في ((المصنف)) (٢٢١/٣ -٢٢٢)، وعبدالله بن أحمد في ((زوائد الزهد)) (ص٣٥٣)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٣٣/٩-١٣٤)، وأبو نُعيم في ((الحلية)) (٣٨٠/٤-٣٨١) من طرق؛ عن عبدالله بن مسعود ... بقصة أصحاب الذكر المبتدع، وأقربها إلى لفظ الكتاب طريق قيس بن أبي حازمٍ، قال: ذُكر لابن مسعود قاصّ يجلس بالليل، ويقول للناس: قولوا كذا، قولوا كذا! قال: فجاء عبدالله مُتقَنِّعاً، فقال: مَن عرفني فقد عرفني، ومَن لم يعرفني فأنا عبدالله بن مسعود؛ تعلمون أنَّكم لأهدى من محمدٍ وأصحابه؛ أو إنكم لَمتعلِّقون بذنب ضلالة! وقد صحّح هذه الطريقَ الهيثميُّ في ((المجمع)) (١٨١/١ -١٨٢)، ورجاله ثقات؛ لكنْ فيه إسحاق بن إبراهيم الدَّبَري، وفيه كلامٌ معروفٌ، لكن يقوّيه رواية الطبراني، وأبي نعيم من طريقِ سَلَمة بن كُهيل، عن أبي الزعراء ... نحوه. قلت: وإسناده جید. فماذا يمكن أن يقولَ القائلُ في هذا المعلّق المضعِّف الذي كتم كلّ هذه الطرق، ولم يُشِرْ إليها أدنى إشارة؟! أهو عالم يكتم علمه، ولا يؤدّي الأمانة؟! أم هو جاهلٌ متعالم، لا علم عنده؟! (تنبيه): لفظ الدّارمي أتمُّ من لفظ قيس بن أبي حازم؛ وهو مخرّج في ((ردّي على الشيخ الحبشي)) (ص٤٥ -٤٦ / الطبعة الأولى). ٥١- ((قال أبو هريرة: كنّا مع النبي وَّل في صلاة العشاء، فلَمّا سجد ١٢٦ ((النصيحة ... )) وثب الحسن والحسين على ظهره ... حتى قضى صلاته؛ رواه الإمام أحمد»: أعلَّه (الهدَّام) (٢٢٣/١) بقوله: ((وفي إسناده كامل بن العلاء؛ وفيه ضعف)»! قلت: هذه من تضليلاته ومراوغاته الكثيرة، فكلّ ثقةٍ فيه ضعفٌ يسيرٌ؟ يصِحُ أن يقال فيه: ((فيه ضعف))! حتى بعض رجال ((الصحيحين)) - كما لا يخفى على العارفين بهذا العلم-؛ ومع ذلك يكون حديثه مُحتَجّاً به، ولو في مرتبة الحسن، وهذه حالُ (كاملٍ) هذا، فقد وثّقه ابن معين، وقال النسائي: ((ليس بالقوي))، ولهذا قال الحافظ: ((صدوق يخطئ)). فهو - إذن- وَسَطٌ؛ فـ(الهدَّام) بَدَلَ أن يصرِّح بتحسين إسناده، راوغ؛ فقال: ((فيه ضعف))! ومع ذلك؛ فهذا الضعف يزول ويرتقي حديثه إلى مرتبة الصِّحّة بالشاهد الذي ساقه (الهدَّام) عَقِبَهُ من رواية أحمد (٤٤/٥و ٥١) من طريقين، عن المبارك بن فَضَالَة، عن الحسن البصري، عن أبي بكرة ... نحوه؛ ولكنّه زاغ عن الحقّ أيضاً؛ فأعلّه بعلتين: ١- قال: ((وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف المبارك بن فَضَالة))! قلت: فهذا التضعيفُ المطلق مخالِفٌ لما استقرّ عليه قولُ الحفّاظ من تقييد ضعفه بما إذا عنعن؛ كما قال أبو داود وأبو زُرعة: ((إذا قال: ((حدّثنا))؛ فهو ثقةٌ))؛ ولَخَّصَ الحافظُ هذا فقال: ((صدوق يُدَلِّس)) (١). و(الهدَّام) يعرفُ هذه الحقيقةَ، ولذلك كان من تمام زَوَغانِهِ أنَّه ساق إسناده المعنعن - من الموضع الثاني المشار إليه بصفحة (٥١)-، وكتم سياقَه (١) أمّا قوله: ((وَيُسَوِّي))؛ ففيه نَظَرٌ بيَّنْتُهُ في غير ما موضع. ١٢٧ ((النصيحة ... )) . الذي صَرَّح فيه المباركُ بتحديثهِ وتحديثِ الحسن البصري -أيضاً-، وهو في الموضع الأوّل (٤٤)! فقال أحمد: ثنا هاشم: ثنا المبارك: ثنا الحسن: ثنا أبو بكرة ... وهذا إسناد جَيِّد قوي، فماذا يقال عَمَّن يُدَلِّس على القراء، ويكتم عنهم الحقائق؟! على أنَّ هناك شواهدَ أخرى يزداد بها الحديث قُوَّةً على قوة؛ عند ابن خزيمة وابن حِبّان في ((صحيحيهما))؛ وهو مخرَّج في ((الصحيحة)) برقم (٤٠٠٢). ٢- وأمّا العِلّة الأخرى؛ فهي زَعمه أنَّه: «رواه جَمْعٌ عن الحسن البصري لم يذكروا قِصَّة الوثب! وأثبتوا آخره)). قلت: لا يزال مستمرّاً في التعمية على القرَّاء! فهو يعني بـ(آخره))؛ قولَه وَالر: ((إن ابني هذا سَيِّدٌ ... )) الحديث، وهذا لم يذكره ابن القيم، فكان عليه البيان، وجواباً عليه أقول: ما رواه الجمع قِصَّةٌ أخرى، بدليل أنَّ في رواية للبخاري برقم (٣٧٤٦) - الذي أحال (الهدَّام) عليه- أنَّ النبي ◌َِّ كان على المنبر، والحسنُ إلى جنبه، ينظر إلى النّاس مَرَّةً؛ وإليه مرَّةً، ويقول ... فذكره. قلت: فهذه القصةُ لا تدفع قِصَّة المبارك، لا سيما ولم يتفَرَّد بها - كما تَقَدَّم-، فهما قِصَّتان، ومن الممكن أنهما وقعتا في يوم واحدٍ، إحداهما متمِّمةٌ للأخرى، وفيه قال وَالر: ((إنَّ ابني هذا سيد ... )) الحديث، هذا هو الواجبُ عند العلماء الغيورين على حديث رسول الله وَّة؛ الحِرْصُ على الجمع بين أحاديثه؛ وليس ضربَ بعضها ببعض، كما يفعل (الهدَّام) وأهل الأهواء - من أمثالهِ-، نسأل الله السلامة! ١٢٨ ((النصيحة ... )) ومن شواهد الحديث ما أَتْبَعهُ به ابن القيِّم - رحمه الله-؛ وفضح (الهدَّام) نفسه بتخريجه -کما ستری -. ٥٢- ((قال شدّاد بن الهادِ: خرج علينا رسولُ اللهِ وَ لَه وهو حاملٌ الحسن أو الحسينَ، فوضعه، ثم كَبَّ للصلاة، فَصَلّى، فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها، فلما قضى الصلاة، قال: ((إنَّ ابني ارتحلني؛ فكرهت أن اُعْجِلَه))؛ رواه أحمد، والنسائي)»: عزاه (الهدَّام) إليهما - وإلى البيهقي (٢٦٣/٢)-، فقال (٢٢٤/١): (من طريق جرير بن حازم، عن محمد بن أبي يعقوب التميمي، عن عبدالله بن شدّاد، عن أبيه، وأرجو أن يكون حسن الإسناد))! و فأقول: جرى على عادته من تعمية الأمور، فلم يُبَيِّن السبب في إعراضه عن تصحيحه، واقتصاره على التحسين، وفي تشكيكه فيه أيضاً !! والسبب الرئيسي هو الشذوذُ، والمخالفةُ لمن صحّحوه، ويتسَتّر بالتمسُّك بما قيل في (جرير بن حازم) من جرحٍ غير قادح عند الحفّاظ، أمّا (الهدَّام): فهو ينظر إلى نفسه أنَّه إمامٌ في الجرح والتعديل (!) لا يقلّد فيهما أحداً! قال الذهبي في (جرير): ((ثقة إمام؛ تغيَّر قبل موته، فحجَبَه ابنه (وهب)، فما حدَّث حتى مات، قال ابن معين: هو في قتادةَ ضعيفٌ، وقال (خ): ربّما وهم)). كذا قال في ((المغني))، ولهذا الكلام اليسير -فيه- أورده في ((الميزان))، ولكنّه قال: ((أحد الأئمة الكبار الثقات، ولولا ذِكْرُ ابن عديٍّ لما أوردته)). قلت: والبخاري قد احتَجَّ به في ((صحيحه))، فقوله فيه: ((ربما وهم)) ١٢٩ ((النصيحة ... )) ليس جرحاً مسقطاً لحديثه عن مرتبة الصحة - كما لا يخفى-، ولذلك لما صحّح الحاكمُ حديثَه هذا في ((المستدرك)) (١٦٥/٣-١٦٦) - على شرط الشيخين-؛ وافقه الذهبي في ((تلخيصه))، وأقرّه عليه الحافظ العراقي في ((تخريج الإحياء)) (٢١٨/٢). وعلى مثل هذا التصحيح جرى الحفّاظ في أحاديث أخرى لجرير بن حازم، مثل حديث: ((ما استجار عبدٌ من النار سبع مَرّات ... )) إلخ؛ فقد صحّحه على شرط الشيخين الحافظُ ضياءُ الدين المقدسي، وزكي الدين المنذري، وابن القيِّم في ((حادي الأرواح)) - كما تراه مخرجاً في أوّل المجلد السادس من ((الصحيحة)) رقم (٢٥٠٦)-، وهذا يعني - عندهم - أنَّ ما قيل في جرير ليس جرحاً. وهنا تنكشفُ لنا فضيحةٌ من فضائح (الهدَّام) الكثيرة، وهي كتمانه عزو الحديث للحاكم وتصحيحه هو والذهبي إيّاه، وتتجَسَّد الفضيحة إذا علم القراء أنَّ البيهقي الذي عزاه (الهدَّام) إليه؛ إنّما رواه من طريق شيخه الحاكم! فليت شِعري لم استجاز (الهدَّام) العزوَ للتلميذ وهوغير ملتزم الصِّحَّة في كتابه، وأعرض عن العزو إلى شيخه؛ وهو ملتزم الصحة في كتابه -وقد صَرَّح بها-كما سبق؟ !- ؛ الجواب ندعه للقراء الألِيَّاء. وإن من فوائد رواية الحاكم؛ أنَّها من طريق وهب بن جرير، الذي حجب أباه من التحديث بعد تَغَيُّره؛ مما يسدُّ الطريق على (الهدَّام) وأمثاله أن يُعِلُّوا الحديثَ به، فصَحَّ الحديث والحمدُ لله، ولم يبق للشك في صِحَّته -فضلاً عن حُسنه- معنىَ، إلا حبُّ المخالفة والمشاكسة، والعياذ بالله! وإذا كان الحديث عنده حسناً فيما يرجو؛ فلماذا لم يُقَوِّ به حديث أبي هريرة وحديث أبي بكرة -اللَّذين ضعَّفهما-كما تقدم؟ ! -؛ الجواب لدى القراء الألِبَّاء - أيضاً -. ١٣٠ ((النصيحة ... )) والحديث مخرَّجُ في ((صفة الصلاة)) (ص١٤٨ / المعارف). ٥٣- ((وقد قال رسول الله وَله: ((إنَّها ليست بنجس، إنَّها من الطوّافين عليكم والطوّافات))، وكان يُصغي لها الإناء حتى تشرب)): هكذا جزم المؤلف بنسبته إلى النبي ◌َّلة؛ وهو الصواب الموافق لتصحيح الحُفَّاظِ إياه؛ كالبخاري، والترمذي، وابن خزيمة، وابن حبّان، والعُقيلي، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، وابن عبدالبر في ((التمهيد) (٣٢٤/١)، والنووي، والذهبي -وغيرهم -. وأمّا (الهدَّام) فقال (٢٢٧/١) -بعد أن عزاه لأصحاب ((السنن))، وابن حبان من حديث أبي قتادة -: ((وفيه حُميدة بنت عبيد، لم يُوثقُّها غير ابن حبان، وصحّح الحديث جَمْعٌ، انظر ((التلخيص)) (٤١/١))). قلت: قد ذكر له في ((التلخيص)) طرقاً وشواهد يدلُّ مجموعها على أنَّ للحديث أصلاً أصيلاً، فلا جَرَمَ أنَّه صحّحه من ذكرنا من الحفّاظ، وأمَّا (الهدَّام)؛ فترك قُرَّاءه في حيرة؛ فهو مِن جهةٍ أعَلّ الطريق المذكور بـ(حُميدة)، ومن جهةٍ أخرى قال: ((صحَّحه جَمْعٌ))؛ فهو مع من يا ترى؟! أظن أنَّه هو في نفسه حيران ﴿ .. لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء﴾ !! لأنَّه لا علم عنده، ولا بصيرة يهتدي بها، وأقلّها أن يتبع ﴿ ... سبيل المؤمنين﴾! والحديث مخرَّج في ((الإرواء)) (١٩٢/١-١٩٣)، و((صحيح أبي داود)) (٦٨ و ٦٩). ٥٤- ((وقال ابن عباس -رضي الله عنهما -: قال رسول الله وَله: ((الماء لا ينجِّسه شيء))؛ رواه الإمام أحمد»: ١٣١ ((النصيحة ... )) قلت: جزم به المؤلّف -رحمه الله-؛ وهو الصواب، وخالف (الهدَّام) - كعادته- فقال -بعدما عزاه لجماعة غير أحمد (!) -: ((وهذا الإسناد ضعيف))! هكذا يُطْلِق ولا يبيِّن؛ لأنَّه الإمام (!) الذي يجب الانقياد له! والتسليم لقوله !! وأمّا هو فلا يسلّم لحفّاظ الأمّة بدون دليل !! وهو إنَّما يُطلق ولا يبيّن -ستراً لجهله ومخالفته لقواعد علم المصطلح-، والواقع أنَّ سِمَاكاً هذا - وهو ابن حرب- قد اختلف فيه العلماء على ثلاثة أقوال: التوثيق مطلقاً، التضعيف مطلقاً، والتفصيلُ؛ وهو قول الحافظ يعقوب بن شيبة : ((من سمع منه قديماً مثل شعبة وسفيان، فحديثهم عنه صحيحٌ مستقيمٌ، وقول ابن المبارك فيه: ((ضعيف)) إنَّما هو -فيما نرى- فيمن سمع منه بأخرة)). ونحوه عن الدّارقطني، ولذلك إنَّما أخرج له مسلم من رواية سفيان وشعبة عنه، كما في ((تهذيب المزي))، وعليه جرى الحافظ، فقال في حديثه هذا (١ / ٣٠٠ - فتح): ((وقد أعلّه قومٌ بِسِمَاك بن حرب، لأنَّه كان يقبل التلقين، لكن قد رواه عنه شعبة؛ وهو لا يحمل عن مشايخه إلا صحيح حديثهم)). وقال في موضع آخر منه (١/ ٣٤٢): (وهو حديث صحيح؛ رواه الأربعة، وابن خزيمة - وغيرهم-)). وحديث شعبة الذي أشار إليه الحافظ، أخرجه البزّار في ((مسنده)) (٢٥٠/١٣٢/١- ((كشف الأستار)))، والحاكم (١٥٩/١)، وقال: (صحيح، ولا يُحفظ له عِلّة))؛ ووافقه الذهبي. وتابعه سفيان: عند أحمد (٢٣٥/١ و٢٨٤ و ٣٠٨)، وابن حبان (٢/ ٢٧١/ ١٣٢ ((النصيحة ... )) ١٢٣٩)؛ فصحّ الحديث من روایتهما عنه. وهو مخرَّجُ في ((صحيح أبي داود)) (٦١)؛ وقد صحّحه -أيضاً- التِّرمذي، وابن خزيمة، وابن حبان -كما تقدم-، وابن الجارود. ويشهد له حديث أبي سعيد -الآتي بعده مع الرّد على (الهدَّام) -. ٥٥- ((وفي ((المسند)) و(السنن)) عن أبي سعيدٍ، قال: قيل: يا رسول الله! أنتوضّأ من بئر بُضاعة؟ ... فقال: ((الماء طهور لا ينجِّسه شيء))، قال التِّرمذي: ((حديث حسن))، وقال الإمام أحمد: ((حديث بئر بضاعة صحيح)))): قلت: وكذلك صحّحه يحيى بن معين، والنووي، وقال التِّرمذي -عَقِبَ تحسینہ المذکور -: ((وقد رُوي هذا الحديث من غير وجه عن أبي سعيد)). وأمّا (الهدَّام) فقال (٢٢٩/١) - بعد أن عزاه لجمع -: ((وفيه ضَعْفٌ بيّته في غير هذا الموضع)»! تحے وأقول: ليس فيه إلا جهالةٌ حالِ أحد رواته؛ فيتقوّى بالطرق التي أشار إليها التّرمذي، وبشواهدَ له خرّجتها في ((صحيح أبي داود)) (٥٩ و ٦٠)، واحتجّ ببعضها ابن حزم، فانظر ((التلخيص الحبير)) (١٢/١-١٤)، و((إرواء الغليل)) (٤٥/١ -٤٦). ولكن (الهدَّام) لا يُقيم وزناً لما عليه العلماءُ من تقوية الحديث بكثرة الطرق، وهذا من أسباب انحرافه عن ﴿سبيل المؤمنين﴾، وموافقتهِ لأهل الأهواءِ المُضِلِّين! ٥٦- ((كان وَلَّ يجيبُ من دعاه، فيأكل من طعامه، وأضافه يهودي بخبز شعير، وإهالةٍ سَنِخَة)»: ٠ ١٣٣ ((النصيحة ... )). قال (الهدَّام) (٢٣٠/١): ((انظر (مسند أحمد)) (١٨٠/٣ و٢٣٨)))! قلت: وهذا مع كونهِ إحالة وليس تخريجاً؛ فهو خَطَأُ مخالف لما عليه العلماء، وأنَّه لا يجوز العزو لغير ((الصحيحَيْن)) أو أحدهما، إذا كان الحديث فيهما أو في أحدهما، لأنَّ ذلك لا يُفيد صِحَّةً؛ بخلاف العكس، وهذا إنْ دَلَّ على شيء - كما يقولون اليوم-؛ فإنَّما يدلُّ على جهل (الهدَّام) بكتب السنّة وأحاديثها، إلا بمقدار ما تساعده الفهارس الموضوعة قديماً وحديثاً للدلالة على موضع الأحاديث فيها، وتسهيل الوقوف عليها؛ وهذا إن كان يُحْسِنُ استعمالها، أو ينشط للاستفادة منها! أقول هذا للأسباب التالية: أولاً: ليس في الموضعين المشار إليها من ((المسند)) لفظ: (يهودي)! ففي الإحالة عليهما كذبٌ واضحٌ، لكن (الهدَّام) لا يباليه؛ لأنَّه شيءٌ اعتاد عليه !! ثانياً: الحديث في موضعين آخرين من ((المسند)) (٢١٠/٣ - ٢١١ و٢٧٠) من طريق أَبَان: ثنا قتادة، عن أنس: أن يهوديّاً دعا النبي وَّل إلى خُبزِ شعيرٍ وإهالةِ سَنِخَةٍ، فأجابه. ثالثاً: هو في موضعين من ((صحيح البخاري)) (٢٠٦٩، ٢٥٠٨) من طريق أخرى عن قتادة ... به نحوه؛ دون لفظ اليهودي -وهو مخرّج في ((الإرواء)) (٢٣١/٥)، و(مختصر الشمائل)) (١٧٧ /٢٨٧) -. رابعاً: كان من الضروري عَزْوُهُ للبخاري لتقوية إسناد أحمد، لأنَّه لا يلتزم الصحة، وبخاصة أن فيه عنعنة قتادة -كما رأيتَ-؛ فإنَّ من المعروف عن (الهدَّام) أنَّه يُعَلِّلُ السند الصحيح بها - كما فعل بالحديث المتقدم (٣٦)-، ولعلّه تعمّد ترك عزوه إليه - إن كان مستحضراً لروايته-؛ كي لا يزدادَ فضيحةً ١٣٤ ((النصيحة ... ) بإعلالهِ بالعنعنة! إذ كل أحد يدري أن عزو الحديث للبخاري ليس كعزوه لأحمد؛ فإعراضه عنه إليه - أو على الأقل عدم جمعِهِ بينهما-؛ لا بد أنه كان عن جهلٍ، أو عن تجاهُل -عمداً -لما ذكرت آنفاً -! وأحلاهما مرّ! خامساً: أنّ عزوه المذكور لأحمد؛ يدلُّ من جهة أُخرى على جهله بالسنة وأحاديثها؛ لأنه ليس عند أحمد -كما رأيتَ- الطرفُ الأول من فقرة ((الإغاثة)): ((كان يجيب من دعاه))، وفيها أحاديث كثيرة كنت خرّجتها في المجلد الخامس من ((الصحيحة)) (٢١٢٥)، فأكتفي بالإشارة إليها: فرواه التِّرمذي وابن ماجه عن أنس، والطبراني عن ابن عباس، وابن عدي عن أبي هريرة، وأبو الشيخ والحاكم وصحّحه هو والذهبي - عن أبي موسى، وابن سعد والبزّار عن جابر، وعنِ الحسن البصري -وغيره- مرسلا. ٥٧- ((وقد روى الإمام أحمد في ((مسنده)) عنه وَّلَه: ((بُعثتُ بالحنيفيّة السمحة)). قال (الهدَّام) (١ / ٢٣١): ((لم يصحَّ فيه حديثٌ))! ثمّ خرّجه من حديث عائشة، وابن عبّاس، وأبي أمامة، وجابر، ثمّ قال: ((وفي كلّ منها ضعف))! وأقول: الإطلاق غير مسلّم، فقد حسّن أحدَها الحافظُ، وعلى التّسليم به؛ فذلك يعني عند العلماء أنّه حديثٌ صحيحٌ لغيرهِ، لكنّ (الهدَّام) يعاند ويستكبر عنِ اتّباع ﴿سبيل المؤمنين﴾ -كما ذكرنا وأثبتنا مراراً !!- ، ثم إنّه قد جهل - أو تجاهل- شاهدين آخرين مرسلين؛ إسناد أَحدهما صحيحٌ، وهما -مع غيرهما- مخرّجان في أوّل كتابي («تمام المنّة في التّعليق على فقه السّنّة». ثم وجدتُ له شاهداً آخرَ من حديث أُميّةَ بن سعد بن عبدالله الخُزَاعيّ؛ رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٦٣١/٧)، وقد أشار الحافظ ابن كثير إلى تقويته بمجموع طرقه في ((تفسيره)) (٢١٧/١)، (٢٥٤/٢، ٤٠٣)، ١٣٥ ((النصيحة ... )) وصحّحه جمع؛ منهمُ الإمامُ ابن مفلح في ((الفروع)) (٢٣٤/٢). ٥٨- ((وقال ابن أبي شيبة: حدّثنا أبو أسامة، عن مِسْعَر، قال: أخرج إليّ مَعْنُ بن عبدالرحمن كتاباً، وحلف بالله أنّه خطّ أبيه، فإذا فيه: قال عبدالله: والذي لا إله غيره؛ ما رأيت أحداً كان أشدّ على المتنطّعين من رسول الله وَالر ... )) إلخ: قال (الهدَّام) (٢٣٢/١): ((أخرجه الدّارمي؛ ورجاله ثقات)). قلت: هذا التّخريج خطأٌ من وجوه: الأوّل: أنه نزل في العزو إلى الدّارمي، وهو تلميذ ابن أبي شيبة واسمه: عبدالله؛ أبو بكر، وقد عزاه إليه ابن القيِّم، فكان من مقتضى التّحقيق الذي س يدّعيه: أنْ يعلوَ فيستخرجَه من بعض كتبه إن تيسّر، وإلا فبواسطة بعض تلاميذه من الحفّاظ المشهورين؛ مثل أبي يعلى؛ فقد أخرجه في ((مسنده))؛ فقال (٥٠٢٢/٤٣٧/٨): حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة: حدّثنا أبو أسامة ... به. ولابن أبي شيبة أخٌ حافظٌ اسمه (عثمان)، قد شاركه في رواية كثير من أحاديثه عن شيوخه، وهذا منها، فأخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير))، قال (١٥٣٦٧/٢١٦/١٠): حدّثنا الحسين بن إسحاق التُّسْتَري: ثنا عثمان بن أبي شيبة: ثنا أبو أسامة ... به. وقال الهيثمي (٢٥١/١٠): ((رواه أبو يعلى والطبراني، ورجالهما ثقات)). كذا قال! وحقُّه أن يقول: ((ورجالهما رجال الصحيح أو الصحيحين))؛ فإنهم جميعاً من رجالهما، وَمَعْن: هو ابن عبدالرحمن بن عبدالله بن مسعود، فالإسناد صحيح. الثّاني: قوله: ((ورجاله ثقات)) فيه نظر من ناحيتين: ١٣٦ ((النصيحة ... )) الأولى: أن الدّارميَّ رواه عن شيخه أحمد بن محمد بن قدامة: ثنا أبو أسامة ... إلخ، وفي طبقة أحمد بن محمد بن قدامة سبعة؛ منهم الثّقة، والضّعيف، والمجهول، فكان من الواجب على (الهدَّام) -لو كان يهتمّ بالواجب- أن يبيِّن مَنْ هوَ مِن بَيْنِهم؟! ومع أنّه لا يهمّني أنا شخصيّاً معرفتُه؛ فقد أغناني عنه رواية ابنَي أبي شيبة عن شيخهما أبي أسامة، فقد تتبّعتُ تراجمَ السّبعةِ المشارِ إليهم، فوجدت اثنين منهم رويا عن أبي أسامة؛ أحدَهما يُكْنَى بأبي عبدالله؛ وهو ثقةٌ، والآخرُ يُكْنَى بأبي جعفرٍ البغداديِّ؛ وهو ضعيفٌ، لكنّهم لم يذكروا في ترجمتهما أنّ الدّارميّ روى عن أحدهما، فقوله: ((ورجاله ثقات)) مجازفة، ولكنّها دون مجازفاتِه الكثيرةِ في تضعيف الأحاديثِ الصّحيحة! والعجيب أنّ هذا منها -كما سترى -! و والأخرى: إذا كنتَ صادقاً في توثيقك المذكور؛ فما الّذي منعك من القول بصحّة إسناده -كما تقدّم منّي-؟! إن كان: لكونه من كتاب؛ فهو طريقٌ من طرق التّحمل؛ كما هو معروفٌ في المصطلح، وإن كان: غيره؛ فما هو؟! ليس هو إلا العِناد والهدم !! ٥٩- ((وقال أنس -رضي الله عنه -: كنّا عند عمر - رضي الله عنه-، فسمعته يقول: نُهِينا عنِ التّكلَّف)). أقول: حديث صحيح موقوف في حكم المرفوع، أخرجه البخاري (٧٢٩٣)، ورواه غيره بأتمَّ منه، وخرّجه الحافظ في ((شرحه)) (٢٧٠/١٣ ٢٧١)، ورواه الحاكم وغيره - مرفوعاً- من حديث سلمانَ الفارسيِّ -رضي الله عنه-، وهو مخرّج في ((الصّحيحة)) (٢٣٩٢). ١٣٧ ((النصيحة ... )) ولقد تجاوزه (الهدَّام) فلم يخرِّجْه، وغالب الظّنِّ أنّه لم يعرِفْه! وبخاصّةٍ أنّه لم يُذكرْ فيه النّبيُّ وَّةَ، ولعلّه لا يعلمُ - أيضاً- أنّه في حكم المرفوع! وما ذلك عنه ببعید !! ٦٠- ((خبر ابن مسعود في التّشهّد: إذا قلتَ هذا؛ فقد تمّت صلاتك)): قال (الهدَّام) (٢٦١/١): ((انظر ((نصب الراية)) (٤٢٤/١)، و((البيهقي)) (١٧٤/٢)))! قلت: هذه إحالةٌ كسابقتها - رقم (٥٦)-، بل أنكرُ! لأنّه لا فائدةَ منها بالنّسبة لعامّة القرّاء؛ لأنّهم سوف لا يرجعون إليها، ومن قد يفعل فسوف لا يستطيع استخلاصَ المرادِ من تخريجهما، إلا من كان على معرفة بهذا العلم، فقد بيّنا أن الخبر مُدْرَجٌ في حديث ابن مسعود المرفوع في التّشهّد؛ أي: أنّ بعض الرّواة أخطأ، فأدرج في حديثه ﴿ ﴿ قولَ ابنِ مسعودٍ هذا: ((إذا قلت ... ))، على أنه لا يصحّ إسناده إلى ابن مسعود، بل قد صحّ عنه أنّه قال: ((مفتاح الصّلاة التّكبيرُ، وانقضاؤُها التّسليمُ، إذا سلّم الإمامُ؛ فَقُمْ إذا شئتَ)). وهذا الصّواب -حديثاً وفقهاً-؛ أي: أَنّ الخروج من الصّلاة لا يصحّ إلا بالتّسليم؛ للحديث الآتي. وفي اعتقادي؛ أنّ إحالته المذكورةَ ما هي إلا وسيلةٌ لستر جهله وعجزه 3 عنِ الخوضِ في هذا الخبر؛ حديثاً وفقهاً !! وقد فصّلتُ القول في الإدراج المذكور في ((صحيح أبي داود)) (٨٩١). ٦١- ((قوله ◌َّله: ((تحريمها التكبير، وتحليلها التّسليم)): حديثٌ صحيحٌ، مخرّج في (الإرواء)) (٨/٢ ٩)، وغيره، وهو من الأحاديث الّتي تجاوزها (الهدَّام) فلم يخرّجها مطلقاً! وهذا من الأدلّة على ١٣٨ ((النصيحة ... )). زهده في أحاديث الأحكام، وعدم عنايته بها، ومن ذلك تَخْرِيجُهُ للحديث الآتي: ٦٢- ((قال رسول الله وَله: ((أنتم الغُرُّ المحجّلون يوم القيامة من أثر الوضوء))؛ فمن استطاع منكم؛ فلْيُطل غُرَّته وتحجيله، متّفق علیه)): قال المعلِّق (٤٦٤/١): ((أخرجه البخاري (١٣٦)، ومسلم (٢٤٦) من حديث أبي هريرة). فأقول: هذا التّخريج منَ (الهدَّام) ممّا يؤكّد -لي- أنّ تضعيفاتِه الكثيرةَ للأحاديثِ الصّحيحة؛ ليست عن قناعةٍ منه أدّاه إليها علمهُ -لو كان عنده علمٌ -! وإنّما هي منه مشاكسةٌ ومعاندةٌ لأئمة الحديث؛ أقول هذا لأن هذا الحديث قد أعَلَّ الحفّاظُ منه جملةَ: ((فمن استطاع منكم فلْيُطل غُرّته وتحجيله))؛ أعلّوها بالإدراج، وأنّه من قول أبي هريرة، ومنهم الحافظ المنذري، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن قيم الجوزية، وابن حجر العسقلاني، وذكر هذا -رحمه الله- أنَّه لم يَرَ هذه الجملة في رواية أحدٍ مِمَّن روى هذا الحديث من الصحابة -وهم عشرة-، ولا ممَّن رواه عن أبي هريرة غير رواية نُعيم المُجْمِرِ -الراوي لهذه الزيادة عن أبي هريرة-؛ وهذا معناه - على ما تقتضيه القواعد الحديثيّة- أنَّ هذه الجملة شاذّةٌ غيرُ صحيحةٍ -مرفوعاً-، وإنّما هي من قول أبي هريرة، ويشهد لذلك أنَّ نُعيماً - هذا- شكّ -في روايةٍ لأحمد- في رفعها، فقال: ((لا أدري قوله: ((من استطاع ... )) من قول رسول الله وَل أو من قول أبي هريرة!)). قلت: فأعرض (الهدَّام المشاكس) عن تحقيق هؤلاء الحفاظ وتجاهَلَهُ! ولولا ذلك لبادر هو إلى إعلاله بهذا الشك الذي لا ينهض وحدَه بالإعلال إلا س عند مثله من الهَدَّامين، ولذلك جعلته شاهداً؛ وإنما العلة القادحة الشذوذُ ١٣٩ ((النصيحة ... )) والمخالفةُ - كما تقدم عن الحافظ -رحمه الله -. وقد خرَّجت الحديثَ، وَبَسَطْتُ القولَ في شذوذ هذه الجملة في ((الإرواء)) (١/ ١٣٢ -١٣٣). وكذلك مرّ المشاكسُ على الحديث في طبعته لـ((رياض الصالحين)) (٢٨٥/٢٩٥)؛ ولا أدري ما سيكون تعليقه على جزم ابن القيِّم بالإدراج المذكور في ((حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح)) - إذا عَبِثَ به، وخرّبه-؟! هل سيَرُدّ عليه ويكابر؟! أم يمرُّ عليه كما مَرّ على الحديث هنا، لأنَّه لا يهمّه التحقيقُ في مثله؟! ٦٣ - ((الحِلية تبلغ من المؤمن حيث يبلغ الوضوء)): قلت: حديثٌ صحيحٌ من رواية أبي هريرة -أيضاً-؛ رواه مسلم وغيره من طريق أبي حازم عنه، وفيه قِصَّةٌ؛ وهو مخرّجٌ في ((الصحيحة)) برقم (٢٥٢) من طرقٍ عنه. ولم يخرِّجه (الهدَّام)، والسبب -في ظني - أنَّه لم يقع في الكتاب مُصَرَّحاً بِنِسْبِتِهِ إلى النبيِ وََّ، فلم يتنبّه له ليستخرجه بواسطة الفهارس التي هو عالةٌ عليها! وليس هو في حفظه؛ لِقِلّة عنايته بالأحاديث النبويّة وجهله بها، إلا لنقدها ! - كما نبّهت على ذلك مراراً -. هذا عذره إن كان الجهل عذراً مقبولاً من مثل هذا الناقد المُبْطِلِ! ويمكن أن يكون السببُ غيرَ الجهل؛ وذلك يعود إلى شيئين: أحدهما: عدم اهتمامه بتخريج ما ليس له فيه هوى، فقد ختم ابن القيم هذا الفصل -الذي ساق فيه الحديثَ الذي قبله، ثم هذا- بقوله: ((وأمّا حديث الحِلية، فالحِلية المزيّنة ما كان في محَلِّه، فإذا جاوز محلّه ١٤٠ ((النصيحة ... )) لم يكن زينةً». فقوله: ((حديث الحِلية)) كافٍ لتنبيه الغافل! والآخر: أن لا يكون (الهدَّام) يخرّج الأحاديث وهي في محالّها من الكتاب، وإنَّما تُقَدَّمُ إليه من بعض الجهلة في أوراقٍ بِيضٍ ليسوِّدها هو بتخريجها! ثم تُقَدَّم إلى المطبعة، فهو لا يدري الأحاديث التي يُراد تخريجها 3 إلا بواسطة مَن يُقَدِّمُها إليه !! ومِمّا يؤيدٍّ هذا؛ وقوعُ بعض التعليقات في غير مكانها؛ كما سيأتي التنبيه عليه عند تعليقي على إشارة (الهدَّام) إلى حديث الأعمى رقم (٧٣). وأيّاً كان السببُ؛ فهو به يخرُج من زمرة الكتاب المحقّقين والمخرِّجين، وَيَصُفُّ في مصافِّ تجار الكتب، الذين لا هَمَّ لهم من طبعها إلا الكسب الماديُّ؛ وهي ظاهرَةٌ خطيرةٌ جدّاً، قد لا ينجو منها إلا القليل من المؤلِّفين والناشرين؛ والله المستعان. ٦٤ - ((قال البخاري: حدثنا ... عن ابن جُريج، قال: قال عطاء، عن ابن عبّاس: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد ... ))؛ وفيه قِصَّة (وُدّ) و(سُواعٍ) و(يغوث) و(يعوق) و(نَسْر)، وأنهم كانوا رجالا صالحين؛ فأوحى الشيطان إلى قومهم أن انصِبوا لهم أصناماً، فعبدوهم: قال (الهدَّام) (٢٦٨/١): (أخرجه البخاري (٤٩٢٠)؛ وإسناده ضعيف، يقولون: عطاء هذا هو الخراساني، والأدلّة تؤيد هذا، وهذا الحديث مما أوخذ البخاري -رحمه الله- إخراجه في ((صحيحه))؛ انظر ((الفتح)) (٦٦٧/٨ -٦٦٨))). قلت: وفي إحالته على ((الفتح)) تدليسٌ خبيثٌ من ناحيتين: