Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
" ...
((النصیحة
فختم (الهدَّام) تخريجه المشار إليه بقوله (١٣٦/١):
((قلت: وأحسن هذه الأحاديث حديث أبي سعيد، وأرى (!) أن يُتَمهَّل
في تحسين هذا الحديث أو تصحيحه بهذه الشواهد))!
ثم قال: ((قلت: والاستعاذة قبل القراءة في الصلاة لم يصحَّ فيه حديث
أصلاً ... فحديث أبي سعيد الخدري سبق ضعفه، وحديث عائشة سبق
نکارته)) !!
أقولُ: لا أريد - الآن- الرَّدَّ عليه، والكلامَ على طرق الحديث، وما يصحُّ
منها وما لا يصحُّ ... فذلك مبسوطٌ في ((الإرواء)) -كما أشرت آنفاً-، وإنَّما
أريد نصح القراء بالكشف عن شيء من خيانته للعلم، وكتمانه الحقائق
تدليساً وتلبيساً على القراء؛ فأقول:
أوّلاَ: كَتَمَ أثر عمر الصحيحَ إسنادُهُ عنه، أنَّه كان إذا كبر للصلاة، كبّر، ثم
قال: ((سبحانك اللهم وبحمدك ... )) إلخ ... يُسمع ذلك من يليه ويُعَلِّمهم، ثم
يتعوَّذ، ولقد رآه (الهدَّام) مخرجاً هناك من رواية جمع من الحفاظ - كمسلم
وغيره-، وصرّح بعضهم بصحته - كالدّارقطني وغيره-؛ ولكنّه كتمه؛ لأنَّه يعلم
أنَّه يُبطل قوليه المذكورين آنفاً، ويجعل تخريجه في صفحتين هباءً منثوراً!
لأنَّ العلم يشهد أنَّ عمر ما كان يستفتح بهذا الاستفتاح ويجهر به لِيُعَلِّم الناس
الذين يصلّون خلفه -وهم يُقِرُّونه على ذلك ولا ينكرونه- إلا وهو قد تلقَّاه عن
رسول الله گێ﴾.
وفي مثل هذا يظهر أهميّة قوله وَالر: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء
الرّاشدين من بعدي))، وقوله: ((اقتدوا باللَّذين بعدي أبي بكر وعمر))! ولكنَّ
(الهدَّام) -تمهيداً منه لعدم الاحتجاج بهذا الأثر العُمَري ونحوه- قد ضعَّفهما

١٠٢
((النصيحة ... ))
-أيضاً-كما تقدم بيانه برقم (٢)-؛ فما أجهلَه، وأضرَّه على السنة والأمّة!
وإنَّ ممَّن صحح هذا الأثر الإمامَ ابن القَيِّم - رحمه الله- في ((زاد
المعاد))، وذكر أنَّ الإمام أحمد اختاره على أدعية الاستفتاح الأخرى -لوجوهٍ
ذكرها-؛ منها: جهرُ عمر به يعلِّمه الناس.
ثانياً: كتم قول العُقيلي عَقِبَ حديث أبي سعيد:
((وقد رُوي من غير وجه بأسانيد جياد)).
كتمه، وقد رآه في تخريجي (٥٢/٢)؛ والسبب واضحٌ لا يحتاج إلى بيان!
ثالثاً: كتم حديث أنس بن مالك المخرَّج هناك من طريقين عن حُميد
عنه، وصحَّحت أحدهما، فكتم كل ذلك تدليساً وتضليلاً، ولتأكيد صحّته، فقد
أفردته بالتخريج في ((الصحيحة)) (٢٩٩٦)، وذكرت فيه متابعاً لحميد؛ فازداد
الحديث صحة على صحة، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
٣٢- حديث: ((لِجَوْفِه أزيزٌ كأزيز المِرْجَل من البكاء)):
قلت: صحَّحه المقلِّد -مصيباً- من حديث عبد الله بن الشِّخِّير، برواية
أبي داود والنسائي، وهذا التقليد منه خيرٌ - بلا شكّ- من اجتهاداته التي
يضعّف فيها الأحاديث الصحيحة! وإنَّما قلت هذا، لأنَّ في إسناده (حمّاد بن
سلمة)، وهو سيِّئ الرّأي فيه؛ وبخاصة إذا وجده في إسناد حديث لا يُعجبه!
ولا يطابق مزاجه أو عقيدته! أعلّه به - كما فعل بالحديث المتقدم رقم (٦)-
مع تخريج مسلم إياه، وتَتَابُع أئمة السنَّة على الاحتجاج به! وهو لا يرى أيَّ
حرج في رَدِّ أيِّ حديثٍ صحَّحه العلماء عنده فيه أدنى شبهة -ولو كان من
المقلِّدة الجهلة-؛ فقد رأيت له - أخيراً- تعليقاً كشف فيه عن القاعدة التي
ينطلق منها لرد السنة وتعطيلها، فذكر فيه أن قوله - تعالى -: ﴿فليحذر الذين

١٠٣
((النصيحة ... ))
يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يُصِيبَهُم عذابٌ أليم﴾ لا تتنزّل على من
ردَّ حديثاً عنده فيه شبهةٌ على عدم صحَّته! ولم يقيِّد ذلك بأهل العلم؛ بل
أطلقه فشمل به الجهلة من أمثاله فَمَن دونه! فقال:
((لا تتنزّل الآية إلا على من ردَّ آيَةً محكمة أو حديثاً صحيحاً نُسَلِّم (!)
بصحته، ولا تدخل الآية فيمن اعتقد بحديثٍ ما ضعفاً وصحَّحه آخرون، أو من
قَلَّد ولم يدرك عقلُه صحة ما قَلَّد أو ضعفَه))! انظر تعليقه على ((مجموعة
الرسائل)) (١) (ص١٢٦).
(١) قلت: هذه المجموعة تأليف الشيخ محمد نسيب الرفاعي الحلبي -رحمه الله-،
جرى فيها على المنهج السلفي، لكن أفسدها (الهدَّام) بتعليقه عليها.
ومن المؤسف أن يكون الطابعُ لها صاحبَ المكتب الإسلامي، الذي كانت له اليد
الطولى في نشر كتب السنة وعقيدة السلف الصالح، فإِذا به في آخر حياته يتعاون على هدمها
مع خليفة (السقاف) في ذلك، وإلا كيف طبع لهذا (الهدَّام) تعليقاتِهِ عليها؛ وفيها نفضّ لتلك
الجهود بصورة واضحة فاضحة، وهاك البيان بأكثر ما يمكن مِن الإيجاز:
أولاً: لقد ضعّف كثيراً - إن لم أقل: أكثر- أحاديث ((الرسائل))؛ كما فعل في كثيرٍ من
تساويدهِ وتعليقاتِهِ-، وهي:
١- «يد الله على الجماعة)).
٢- ((عليكم بسنّي ... )) - وتقدم - هنا- برقم (٢) -.
٣- ((ما تركت شيئاً يقربّكم إلى الله إلا وأمرتكم به ... )).
٤- ((اللهمَّ رَبّ جبرائيل ... )) من أدعية الاستفتاح في ((صحيح مسلم))!
٥- ((أوّل ما خلق الله القلم ... )) خرّجه عن أربعة من الصحابة، من طرق متعدِّدة
أكثرها سالمة من الضعف الشديد!
٦- (مسح ظھر آدم ... )).
٧- ((كنت نبيّاً وآدم بين الروح والجسد ... )).
٨- ((يا جابر ألا أبشّرك ... )).
٩ - ((اقتدوا باللذين بعدي ... ))-وتقدم -هنا- تحت الحديث (٢) -.
١٠ - ((من قرأ القرآن في أقل من ثلاث ... )).
=

((النصيحة ... ))
١٠٤
١١- ((رأيت رسول الله وَ ل﴿ يَدْلُكُ بخنصره ... )).
١٢ - ((ارجع فأحسن وضوءك ... )).
١٣ - ((رُفع القلم عن النائم ... )).
١٤ - ((وُضع عن أمّتي الخطأ ... )).
١٥- ((من ترك صلاة متعمداً ... )).
١٦ - ((حُبسنا يوم الخندق عن صلاة الظهر ... )).
١٧ - ((أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ... )).
١٨- ((لا صلاة لمن لا يقيم صلبه ... )).
١٩ - ((صلاة التسابيح)).
ثانياً: لم يصحّح حديث الفرقة الناجية، وأحال في تخريجه على كتابيّ ((الصحيحة))،
و((السنة)) (ص٣٣)! وكذلك لم يصحِّح حديث: ((من سُئل عن علم فكتمه ... ))؛ والظاهر أنَّ
ذلك لأنَّ فيه (حماد بن سلمة)؛ وهو يغمز منه في غير ما موضع، وبخاصة إذا لم يجد سبيلاً
إلى الطعن في الحديث الصحيح إلا الحطَّ عليه، كما فعل في حديثه - المتقدم برقم (٦)-
في نظر أهل الجنّة إلى ربّهم -تبارك وتعالى- جعلني الله منهم -.
ثالثاً: قال (ص ٩٣) في همِّ الرجل بتقبيل يده وَّة، وقوله: ((هذه فعلة الأعاجم
بملوكها)»: ((لم أجده، ولعله اختلط عليه بحديث: ((لا تقوموا كما تقوم الأعاجم ... ))، وهو
ضعيف، انظر تفصيله في ((سلسلة الأحاديث الضعيفة)) (٣٤٦).
قلت: وهذا مما يدلُّ على حداثته وجهله بهذا العلم الشريف، وأنَّه لا عِناية له، ولا
حفظ، ولا معرفة، وإنَّما هو عالةٌ في التخريج على غيره غالباً، أو على الفهارس(١) !!
ولمّا كان الشيخ نسيب -رحمه الله- أورده بالمعنى، لم يساعده فهرس ((السلسلة
الضعيفة)) في الكشف عنه، وهو فيها برقم (٨٩)، -محكوماً عليه بالوضع، معزوّاً لجمع من
الحفاظ! وقد خفي وضعه على الشيخ -رحمه الله-، كما خفي أصله على (الهدَّام) !! ومع
هذا الجهل يتعالم ويقول فيه: ((ولعله اختلط عليه ... ))!
رابعاً: وليس هذا فقط، بل يفتري عليه في وصفه النبيَّ بَّر بأنّه كان أفصح الناطقين
بالضاد، فيقول: (ص٥٨): ((أخذه من حديث ((أنا أفصح من نطق بالضاد))، ولا أصل له))!
فهذا كذبٌ على الشيخ -رحمه الله-، فالصفة المذكورة معروفة فيه وَله إجماعاً؛ ما يحتاج
مثبتُها إلى مثل هذا الحديث، ولكنَّه التعالي، والتشبُّع بما لم يعطَ.
( أ ) سيأتي بعض الأمثلة الأخرى، فانظر الحديث (٥٦).
=

١٠٥
((النصيحة ... ))
قلتُ: فالأمر عنده فوضى؛ لا قيود ولا شروط! وأمَّا النصوصُ الواردةُ في
الكتاب والسنة، الآمرةُ لمن لا يعلم أن يسأل أهلَ العلم؛ فهي عنده مقيدةٌ
بالقناعة الشخصية! فلا مانع عنده أن يردَّ الجاهلُ ما صَخَّحوه! أو يصحِّح ما
ضعّفوه! فهو يلخّص بذلك مذهب الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله، وغفر
له-؛ الذي كشف عنه في كتابه - الأخير- ((السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل
الحديث))! فهذا (الهدَّام) يحذو حَذْوَه، ويتبع ظِلَّهُ!
وقد بيَّنت أمثلةً من مذهب الشيخ تمثِّل انحرافه عن السنة، ومخالفته
السبيل المؤمنين في ردّي عليه في مقدمة كتابي ((الرَّد على ابن حزم في إباحته
الملاهي)) -وفيما بعدها-، وقد شمل الرَّد -في بعض جوانبه- ظُلْمَ هذا
=
خامساً: لقد كشف أيضاً عن انحرافه عن عقيدة السلف، بتضعيفه كلمة مالك
المشهورة: ((الاستواء معلوم، والكيف مجهولِ ... ))؛ فسوَّد صفحتين بالحرف الصغير، متتبِّعاً طرقه
الكثيرة عن مالك -مضعفاً إياها كلها-، مصرحاً بجهله لحال بعض رواتها -وهو في ذلك
مخطئ، بل خاطئ !- ، متجاهلاً قول الإمام النقّاد الحافظ الذهبي: ((هذا ثابت عن مالك،
وتقدم نحوه عن ربيعة شيخ مالك، وهو قول أهل السنة قاطبةً»؛ وكذلك تجاهل تجويد
الحافظ لأحد طرقه عنه، بل إنَّه تطاول عليهما، فردَّ ذلك عليهما مع تصريحه بأنَّه لم يعرف
أحد رواته؛ فهو يردُّ عليهم بجهله! كما تجاهل كثرة الطرق بذلك عن مالك، كما تجاهل
صحة ذلك عن ربيعة شيخ مالك، وتقوية شيخ الإسلام ابن تيميّة وابن قيم الجوزية !!
وكلُّ هذا - منه -: ﴿ ظلمات بعضها فوق بعض ﴾، وختم ذلك بقوله: ((وعلى أيٍّ؛
فالقضية تبقى رأياً من عالم، غير ملزم للناس، ولا قاطع للجدل والفهم، بل لكلِّ متسع فيما
یری ... ؛ والله أعلم)).
فتأمل -أيها القارئ !- كيف يكابر ويجحد الحقائق؟ فيزعم أنَّه رأي مالك، وهو قول
أهل السنَّة قاطبةً -كما قال الإمام الذهبي - وهو أعرف الناس بأقوالهم-، وقد سردها -رحمه
الله- في كتابه ((العلو- مختصره))-طبع المكتب الإسلامي !!-.
فالسؤال الذي يطرح نفسه - كما يُقال -: ما حال من نشر ذاك الهدى هناك؛ ثم نشر
هذا الضلال هنا؟! هل هي النكسة عن السلفية، أم أنَّ الغاية تبرر الوسيلة؟! أحلاهما مرّ!

١٠٦
((النصيحة ... )
(الهدّام)، والكتاب مطبوعٌ - بحمد الله ومِنّته -.
وأمّا حديث الأزيز؛ فهو مخرج في ((صحيح أبي داود)) (٨٣٩).
٣٣- حديث البراء بن عازب: لقينا المشركين يومئذ [يعني: يومَ أَحُد]،
وأجلس النبي وَلّر جيشاً من الرّماة، وأمّر عليهم عبد الله، وقال: ((لا تبرحوا إن
رأيتمونا ظهرْنا عليهم ... ))؛ الحديث:
قلت: ساقه (الهدَّام) (١٤٤/١)، وقد أشار إليه ابن القيم، فلم يزد
(الهدَّام) في تخريجه إيّاه على قوله: ((أخرجه البخاري)) (٤٠٤٣)).
قلت: وهذا التخريج المُبْتَسَرُ؛ من الأدلة الكثيرة على أنّ (الهدَّام) لا
يهمّه التحقيق الذي يدّعيه، إلا للهدم فقط، وليس للتصحيح والبناء !! وإلا: فما
باله اقتصر على هذا العزو، وهو بحاجة إلى دعم بِغَيره؛ لأنّ الحديث في
الموضع الذي أشار إليه من ((البخاري)) هو من رواية إسرائيل، عن أبي
إسحاق، عن البراء؟!
وهو يعلم أن في هذا الإسناد علّتين: إسرائيل، وجدَّه أبا إسحاق
السبيعي، وأن هذا مجروح بالاختلاط والتدليس، وقد ضعّف به حديث خطبة
الحاجة كما سبق رقم (١٩)، وحفيده لا يُعرف بسماعه منه قبل الاختلاط،
ولذلك كان لا بدّ من إزالة عِلَّتَي التدليس والاختلاط؛ خشية أن يتشبّث بهما
غيرُه من المحدّثين والهَدَّامين - بجهلهم أو بسوء نيّتهم -!
فأقول: لقد قصّر (الهدَّام) -جهلاً أو تجاهلاً !- تقصيراً فاحشاً في العزو
المذكور؛ لِما يأتي:
أوّلاً: أنّ البخاريَّ قد أخرجه في مكان آخرَ (٣٠٣٨) بإسناد قوي؛ من
طريق زهير: حدّثنا أبو إسحاق، قال: سمعت البراء ...

١٠٧
((النصيحة ... ))
فهذه متابعةٌ قويةٌ من زهير -وهو ابن معاوية، أبو خيثمة الكوفي - صرّح
فيها بسماع أبي إسحاق من البراء، أزالت علّةَ التدليس؛ والحمد لله.
ثانياً: لو توسّع قليلاً في التخريج، وأطال نفَسَه فيه - ولا كإطالته في
التضعيف !!- لوجد تصريح إسرائيل نفْسِه بتحديث جده؛ في رواية أبي عَوانة
في ((صحيحه)) عنه (٣٠٦/٤).
ثالثاً: بقيت عِلّةُ الاختلاط، وعهدي بـ (الهدَّام) أنّه كثيراً ما يُضعِّف
الأحاديثَ الصحيحةَ بمثل هذه العلّة !! وسيأتي على ذلك بعضُ الأمثلة.
ولذلك؛ فإنّي أخشى (!) أن يكون كتمها لغايةٍ في نفْسه؛ قد يُبديها عند
الحاجة !! وإلا لدفعها - كما تقتضيه الأمانةُ العلميةُ- بطريقةٍ أو بأُخرى !!
وأنا - شخصيّاً- كنت دفعتها بشاهدٍ قويٍّ من حديث عبد الله بن عباس
-رضي الله عنهما-؛ كنت خرَّجته في ((تخريج فقه السيرة)) (٢٥٠ و٢٥١/
القلم)، ولذلك أوردته في ((صحيح أبي داود)) (٢٣٩٠)، وقد أخرجه مسلسلا
من طريق زهير بالتحديث، وخرّجت له -فيه- شاهداً آخرَ من حديث عبد الله
ابن مسعود.
وأمّا قول الحافظ في ((مقدّمة فتح الباري)) في ترجمة أبي أسحاق
السَّبيعي (٤٣١):
((ولم أرَ في ((البخاري)) من الرواية عنه إلا عن القدماء من أصحابه؛
كالثوريّ وشعبةَ، لا عَنِ المتأخرين؛ كابن عيينة وغيرِهِ)).
فهذا من عجائبه -رحمه الله -! فإنّه الحافظ بحقّ-؛ فهذا الحديث
- برواية إسرائيلَ وزهير- يردّه، وهناك أحاديث أُخرى لهما؛ قد كنت نبهّت على
ذلك في بعض المواضع، فجلَّ الله؛ ﴿لا يَضِلُّ ربّي ولا يَنْسى﴾.

١٠٨
((النصيحة ... ))
(تنبيه): لقدِ اكتفى المُعلِّق على ((الإحسان)) (٤٠/١١ - ٤١) بتخريج
الحديث من رواية البخاريّ وغيره؛ دون أن يقوّيَه بالتّحديث والشواهد !!
٣٤- قال ابن القيِّم: ((وفي الحديث المشهور: ((إنّ لِلمَلَك بقلب ابن آدم
لَمَّةَ ... ))؛ الحديث، وفيه: ثمّ قرأ: ﴿الشّيطانُ يعِدُكُمُ الفقرَ ... ﴾ الآية)):
خرّجه (الهدَّام) من رواية التِّرمذي وابن حبّان من طريق عطاء بن
السّائب - بسنده-، عن عبد الله بن مسعود ... -مرفوعاً-، وكتمَ تحسينَ
التّرمذي إيّاه !! ثمّ أعلّه باختلاط عطاء، وبقول أبي حاتم: ((أن الصحيح وقفُه
على ابن مسعود، والناس يحدّثون من وجوه عن عبد الله - موقوفاً-؛ ورواه
الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن مسعود ... موقوف)).
فأقول: إسناد هذا الموقوف صحيحٌ غايةً، أخرجه الطبريّ في ((تفسيره))
(٥٩/٣)، ثم أخرجه من طريق عامر بن عَبْدَةَ، عن ابن مسعود، وهو صحيحٌ
-أيضاً-، وهذا يكفي في تصحيح الحديث المرفوع؛ لأنّه لا يقال بمجرّد
الرّأي !! كما هو معروفٌ عند أهل العلم، ولذلك قوّاه العلامة أحمد شاكر
-رحمه الله- في تعليقه على ((تفسير الطّبري)) (٥٧٢/٥)، فقال:
((فإنّ هذا الحديث ممّا لا يُعلم بالرأي، ولا يدخله القياس، فلا يُعلم إلا
بالوحي من المعصوم بَّرَ، فالرّوايات الموقوفة لفظاً هي مرفوعةٌ حكماً)).
قلت: ولا سيّما وهي في تفسير القرآن؛ الأمر الذي يؤكّد أنّها في حكم
الرّفع، وهذا ممّا يجهلُه أو يتجاهله (الهدَّام) !! والله المستعان.
٣٥- ((رأى النّبِيّ ◌َّهِ فِي رَؤياه الزّناةَ والزّواني عراةً باديةً سوآتهم)»:
قال (الهدَّام) في تعليقه عليه (١٥٨/١):
((أخرجه البخاري (١٣٨٦) من حديث سَمُرة بن جُنْدَب)).

١٠٩
((النصيحة ... )
فأقول: هذا التخريجُ أقولُ فيه نحو ما تقدَّم في حديث البراء (٣٣) - أو
أكثر-؛ فإن في إسناده في الموضع المشار إليه من البخاري (جرير بن حازم)؛
وهو من المضعَّفين عند (الهدَّام)! ولذلك لم تُساعده نفسُه على الجزم
بتحسين حديث له، فقال فيه: ((أرجو أن يكون حسناً)! (انظر الحديث الآتي)؛
فهذا التخريجُ -ونحوه مما سبق، ويأتي - مما يوكِّد ما قلتُه في المقدّمة؛ أن
عزوه الحديث للبخاري أو مسلم لا يعني عنده أنَّه صحيحٌ، فإنه يعزو إليه
ويكتم ما في نفسه من الضعف فيه؛ ستراً على نفسه، أو تضليلاً لقرَّائه!
على أنَّ هذا الحديث لم يتفرّد به (جرير بن حازم) الذي قال: حدّثنا أبو
رجاء، عن سَمُرة؛ مع كونه ثقة حجّة -كما سيأتي هناك-، فقد تابعه عوف:
حدّثنا أبو رجاء: حدّثنا سَمُرة ... أخرجه البخاري أيضاً (٧٠٤٧)؛ فلِمَ لَمْ يَعْزُهُ
إليه تقويةً لرواية جرير؟! هل كان ذلك منه مكراً، أم ذلك هو مبلغُ التحقيقِ
عنده؟ أحلاهما مُرّ!
٣٦- ((وقد سُئل عبد الله بن مسعود -عن مسألة المفوّضة- شهراً؟
فقال بعد الشهر: أقول فيها برأيي، فإن يكن صواباً فمن الله ... )):
قلت: أعلّه (الهدَّام) بقوله (١٧٥/١): ((ورجاله ثقات، غير أنَّ فيه عنعنة
قتادة)).
قلت: هذا الإعلال عليلٌ كصاحبه! فإنَّ عنعنة قتادة مغتفرةٌ لِقِلَّتها بالنسبة
لحفظه وكثرة حديثه، وقد أشار إلى ذلك الحافظ في ترجمته من ((مقدمة
الفتح)) بقوله: ((ربَّما دَلَّس))؛ وكأنَّه لذلك لم يذكره هو في ((التقريب)) بتدليس،
وكذلك الذهبي في ((الكاشف)).

١١٠
-
(النصيحة ... ))
ونجد في ((الصحيحين)) -وغيرهما- أحاديثَ كثيرةً جداً لقتادة بالعنعنة،
حتى ابن حبّان الذي وصفه بالتَّدليس؛ قد أكثر عنه بها، ويحتمل أنَّ ذلك كان
منهم لأنَّه كان - كما قال الحاكم- لا يدلِّس إلا عن ثقة، كما نقله العلائي في
كتابه القيِّم ((جامع التحصيل)) (ص١١٢)؛ هذا - أولا -.
وأمّا ثانياً: فقد عقّب الإمام أحمد -روايةَ قتادةَ هذه- بروايةٍ أخرى
(٢٧٩/٤ - ٢٨٠) ليس فيها قتادة؛ وسنده صحيح، وفيه أنّ ابن مسعود - رضي
الله عنه- أفتى بما وافق السنة، وهو مخرّج في ((الإرواء)) من طرق (٣٥٧/٦ -
٣٦٠).
٣٧- ((وقال عُمر - رضي الله عنه -: أيَّها الناس! اتَّهِموا الرأي على
الدين، فقد رأيتُني يوم أبي جَنْدَل؛ ولو أستطيع أن أردَّ أمْرَ رسول الله وَّه
لَرَدَدْتُه»:
قال (الهدَّام) (١٧٥/١): ((ذكره السيوطي في ((الجامع الكبير)) -كما في
((الكنز)) (٣٥٢/١١) - عن شَقِيق أبي وائل؛ قال: سمعت سهل بن حُنَيَف
يقول بصفِّين: أيَّها الناس! اتهموا رأيكم ... فذكره، ولم ينسبه إلى عمر، وأشار
إلى أنَّ ابن أبي شيبة ونعيم بن حَمَّاد في ((الفتن)) قد أخرجاه))!
قلت: هذا التخريج كسابقه المتقدم برقم (١٨) -ونحوه (٢١)-، مما
يدلُّ على قلَّة عنايته بكتب السنة ودراستها، فهو يجهل ما فيها من الأحاديث
إلا بمقدار ما تدلّه عليها الفهارس الموضوعة والمتكاثرة في هذا الزمان، فإنَّ
حديث سهل هذا قد أخرجه الشيخان وغيرهما، وهو مخرّج في الفصل الثامن
من ((الرد على ابن حزم ... ))؛ فكيف يليق بمن يَدَّعي الاجتهاد (!) في هذا
العلم -حتى يَرُدَّ على الحفّاظ النّقّاد- أن ينزلَ إلى هذا المستوى من التقليد

١١١
((النصيحة ... ))
والجهل، فيقلّد السيوطي في هذا التخريج المخزي؟! ثم هو لا يعود إلى كتاب
ابن أبي شيبة الذي عزاه إليه ليدرسَ إسناده على الأقل، ويقدّم للقراء درجته
من الصّحة! كان ينبغي أن يفعل ذلك لو كان يريد بهم النَّصْحَ والعلمَ؛ ولكنْ
هيهاتَ هيهاتَ! فقديماً قالوا: فاقد الشيء لا يعطيه!
والحديث في ((مصنف ابن أبي شيبة)) (١٩٧١٧/٢٩٩/١٥).
٣٨- ((وقد نهى رسولُ الله وَلَه؛ أن يوطّن الرجلُ المكانَ للصلاة كما
يوطِّن البعير)):
أقول: جزم المؤلف بنسبته إلى النبي وَّةٍ، وهو الصواب؛ وقد صحّحه ابن
خزيمة وابن حبّان والحاكم والذهبي، وكنت حسّنته في ((الصحيحة)) (١١٦٨)
بشاهدٍ خرَّجته هناك؛ فجاء (الهدَّام) فاختصر التخريج هنا (١٧٨/١)، أخذ منه
ما شاء، وأعرض عن التصحيح والتحسين معاً!
٣٩- ((ولم يزد على ثلاث، بل أخبر أنَّ من زاد عليها فقد أساء وتعَدَّى
وظلم)):
خرجه (الهدَّام) (١ / ١٨٠-١٨١) من رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه،
عن جدِّه، فقال:
((أميل إلى تضعيفها، ولم يرها من بابة الصحيح البخاريُّ ومسلمٌ وابنُ
حبّان))!
كذا قال في رواية عَمْروِ هذه -هنا -! وقال في أخرى له -في حديث
آخر، قال فيه التّرمذي: ((حسن غريب)»؛ فعقَّبَ عليه بقوله: ((وهو كما قال))!
انظر الحديث المتقدم برقم (١٦).

١١٢
((النصيحة ... ))
وهكذا؛ فهو يكيل بكيلين، ويلعب على الحبلين! والحق أنَّه إسناد
حسن عند العلماء، وقال الحافظ -في هذا- (٤٣٣/١): ((إسناده جيد)).
وفي قوله: (( ... ولم يرها من بابة الصحيح البخاريُّ و ... )) تضليلٌ مقصودٌ؛
وذلك لأنَّ من الثابت في علم المصطلح أنَّ هناك مرتبة دون (الصحيح) وفوق
(الضعيف) وهي مرتبة الحسن، - كما تقدم بيانه غير مرة-، و(الهدَّام) نفسه
يطلقه أحياناً على بعض الأسانيد والأحاديث، ومن ذلك موافقته للترمذي
المذكورة.
وأشدّ ما في قوله المتقدم من التضليل: ما يتعلّق بالبخاري، فإِنَّه يُکثر
من استعمال هذه المرتبة، وأشاعها التِّرمذي في ((سننه))، وكثيراً ما ينقل عنه
تحسينه لبعض الأحاديث؛ كحديث (حَمْنَةَ) -مثلاً -.
وقد رددتُ عليه - مفصلاً-، وبيَّنتُ ما في قوله المذكور من غِشِّ وكتمان
للحقائق في تخريج هذا الحديث في ((الصحيحة)) (٢٩٨٠)؛ فلا داعي للإطالة.
٤٠- (وقوله وَله: ((الإثم ما حاك في صدرك)):
قال (الهدَّام) (١٨٣/١): ((أخرجه مسلم (٢٥٥٣) من حديث النَّوَّاس
ابن سمعان)».
قلت: وهو حديثٌ صحيحٌ عندنا بلا ريب، وأما عند (الهدَّام) فكان
ينبغي عليه أن يشدّ من عضده، لأنَّه من رواية معاوية بن صالح، عن عبد
الرحمن بن جبير بن نُفير، عن أبيه، عنه؛ فإِنَّ معاوية هذا مع احتجاج مسلم
به؛ فإنَّ (الهدَّام) في كثير من الأحيان يطعن فيه، ويضع فيه ضعفاً! موهماً
القراء أنَّ حديثَه ضعيفٌ! فقد قال في حديثه في (المعازف): ((له غرائب))
-كما سيأتي تحت الحديث (٧٩)-، وقال في حديث آخر له -صحّحه

١١٣
((النصيحة ... ))
التّرمذي (١٦٢٦) -: ((فيه معاوية بن صالح وليس بالمتين))! كذا في ((ضعيفته))
التي في ذيل ((رياضه)) (ص ٥٤٤).
من أجل هذا كان (يجب) على (الهدَّام) أن يُبَيِّنَ هذه العلة في حديث
مسلم هذا، ليزداد النّاس معرفةً به وبفضائحه، وأن يذكر ما يقويه - إن كان
یری صحّته- من متابع أو شاهد!
وقد وجدتُ له متابعاً قويّاً؛ فرأيت أن أذكره هنا تأكيداً لصحة الحديث،
وردّاً على المرتابين والمشكِّكين؛ فأقول: أخرجه الدّارمي (٣٢٢/٢)، وأحمد
(٤ / ١٨٢) من طريق صفوان بن عمرو: حدثني يحيى بن جابر القاضي، عن
النواس بن سمعان ... به.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ لولا أنَّه منقطع بين يحيى والنواس؛ والظاهر أنَّ
بينهما عبد الرحمن بن جُبير بن نُفير، عن أبيه، عن النواس، كذلك قال في
حديث آخر له -طويل- في خروج الدّجال وقيام الساعة؛ رواه مسلم
(١٩٧/٦) وأحمد (١٨١/٤-١٨٢) وغيرهما.
وأمّا شواهده؛ فكثيرةٌ، وقد خرَّج الحافظُ ابنُ رجب الكثيرَ الطيِّبَ منها في
شرحه على ((الأربعين النووية)) (ص ١٨١ - ١٨٢) تحت هذا الحديث،
فلْيراجعها من شاء.
وممن رواه: التِّرمذي (٢٣٩٠) -وصحَّحه-، وابن حبّان (٣٩٨)، وهو
مخرَّج في ((التعليق الرغيب)) (٢٥٦/٣)، وهو مُلْحَقٌ ببعض الأحاديث المخرَّجة
في (الصحيحين)) - أو في أحدهما-، من التي طعن (الهدَّام) في بعض
رواتها، كالحديثين المتقدمين برقم (٣٣ و ٣٥).

١١٤
((النصيحة ... ))
٤١- ((وقال أنس -رضي الله عنه -: قال رسول الله وَالر: ((لا تشدّدوا
على أنفسكم فيشدِّد الله عليكم، فإنَّ قوماً شدَّدوا على أنفسهم؛ فشَدَّد الله
عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات، ﴿رهبانيَّةً ابتدعوها ما كتبناها
عليهم))):
قلت: جزم ابن القيم بنسبته إلى النبي بقّة، وهو الصواب، وأمَّا (الهدَّام)
فأعلّه بـ(سعيد بن عبدالرحمن بن أبي العمياء)؛ قال (١٨٧/١): ((ولم يوثقه
غير ابن حبّان))؛ وعزّاه لأبي داود (٤٩٠٤) فقط!
هذا هو مبلغُ تحقيقِهِ وعلمهِ! وهو مما (يساعده) على تضعيف الأحاديث
الصحيحة وهدمه! فاعلم - أيها القارئ الكريم !- أنَّ الحديث رواه ابن أبي
العمياء، عن سهل بن أبي أمامة، عن أنس - مرفوعاً -... به، وفيه قصة، وابن
أبي العمياء هذا مجهول الحال، ولهذا كنت خرَّجت حديثه هذا بتمامه في
((الضعيفة)) (٣٤٦٨).
وأمّا هذا القدر الذي ذكره ابن القيم فهو صحيحٌ، لأنَّه قد توبع سعيدٌ
هذا عليه، وإن كان خولف في إسناده:
فقال أبو شُريح عبدالرحمن بن شريح الإسكندراني -الثقة -: عن سهل
ابن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف، عن أبيه، عن جده - مرفوعاً -... به نحوه،
إلى قوله: ((والديارات))، دون ما بعده.
قلت: فجعله من مسند (سهل بن حُنَيف)، وهذا إسنادٌ صحيحٌ؛ أخرجه
البخاري في ((التاريخ))، والطبراني في ((المعجم الكبير))، و((الأوسط))، والبيهقي
وغيرهم، وقد خرّجته في ((الصحيحة)) (٣١٢٤)، وتكلّمت فيه على إسناده،
ودعمته فيه بشاهدين مرسلين، إسناد أحدهما صحيح، بما لا يشكُّ الواقف
على ذلك أنَّ الحديث صحيحٌ بلا ریب.

١١٥
((النصيحة ... ))
فماذا يقول القراء فيمن جهل - أو تجاهل - هذه الحقائقَ والطرق
والمصادر، واقتصر على طريق ابن أبي العمياء ومصدره الواحد؟! فاللهم هداك!
٤٢- ((قال ◌َّه: ((رُفع القلم عن ثلاثة: المجنون حتى يفيق، والنائم حتى
يستيقظ، والصبي حتى يبلغ)»»:
ضعفه (الهدَّام) (١٩١/١) بعد أن عزَاه لجماعة من أصحاب ((السنن))
-وغيرهم؛ كابن الجارود، وابن حبان، والحاكم من أصحاب ((الصِّحاح))- من
حديث عائشة - رضي الله عنها-؛ وقال بجهلٍ بالغ: ((وفي حماد بن أبي
سليمان ضعفٌ، وله شواهد عن علي، وابن عباس، وأبي هريرة وغيرهم، وفي
أسانيدها كلها كلام؛ ويشبه أن يكون موقوفاً(١))) !!
كذا قال (الْمُتَمَجهد) المتعالم! غيرَ مُبالٍ بمخالفته لجميع العلماء من
المحدِّثين والمفسّرين والأصوليين والفقهاء؛ الذين احتجوا به تقعيداً وتفريعاً،
ومنهم أبو الوفاء ابن عَقِيل الذي احتَ به - كما ذكر ابن القيم- على الموسوس
الذي انغمس في الماء مراراً كثيراً، ثم سأل: هل صحَّ غُسلي أم لا؟ فأجابه ابن
عَقِيل بقوله: ((قد سقطت عنك الصلاة)) !... واحتج عليه بالحديث قائلا: ((من
ينغمس في الماء مراراً ويشك: هل أصابه الماء أم لا؟ فهو مجنون!)).
لقد تعامى (الهدَّام) عن هذا، كما تعامى عن تصحيح أصحاب
((الصِّحاح)) المذكورين - وغيرهم؛ كابن خزيمة، وعبدالحق الإشبيلي، وابن دقيق
العيد، والذهبي، والعسقلاني-وغيرهم-، كما خالف الجمهور الَّذين وثَّقوا الإمام
الفقيه حماد بن أبي سليمان؛ لكلام يسيرٍ فيه من بعضهم.
وقال الحافظ النّقّاد الذهبي: ((ثقة إمام مجتهد، كريم جواد)).
واحتج به مسلم.
(١) وكذا قال في تعليقه على ((رسائل الشيخ نسيب -رحمه الله-)) (ص١٧٦)!

١١٦
((النصيحة ... ))
وقول (الهدَّام): ((وفي أسانيدها كلها كلام)): كذبٌ مكشوفٌ؛ فإنَّ حديث
عَلِيٍّ - الذي تهرَّب من تخريجه- له وحده أربعةٌ طرقٍ أَحَدُها صحيح، كما
تراه محقَّقاً في ((الإرواء)) (٤/٢-٧)، وصحّحه الحاكم، والذهبي، وكذا ابن
خزيمة، وعبدالحق، وحسّن التِّرمذي أحد أسانيده الأخرى.
وقوله: ((ويُشبه أن يكون موقوفاً))!
فأقول: على مَن؛ أيُّها الْـ .. ؟! أعلى عائشة؟! أم علي؟! أم ابن
عباس؟! أم أبي هريرة؟! وغيرهم ممن طَوَيْتَ ذكرَهم -مثل ثوبان، وشداد-؟!
فَمَنْ يقول في مثل هذا الحديث المرويِّ عن هؤلاء الصحابة قولَك هذا؛
فإنَّ أحسن أحواله أن يكون كالذي قال فيه ابنُ عَقِيل ما تقدّم!
وأخيراً، فهذا الحديث من الأمثلة الكثيرة التي تدل على أنّ (الهدَّام) لا
يتبنّى ما عليه العلماء من تقوية الحديث بكثرة الطرق الخالية من الضعف
الشديد - كما تقدّم بيانه في المقدمة رقم (٢) -.
٤٣- ((وقد روى أبو داود في «سننه)) من حديث عبدالله بن مُغَفَّل، قال:
سمعت رسول الله ( يقول: ((سيكون في هذه الأمّة قوم يعتدون في الطهور
والدعاء)))):
قلت: خرّجه (الهدَّام) من طريق حماد بن سلمة، عن سعيد الْجُرَيْري،
عن أبي نَعَامة قيس بن عَبَايَةَ، عن عبدالله بن مُغَفَّل، وأعلّه بالانقطاع بين
قيس وعبدالله؛ تمسُّكاً منه بشرط اللقاء الذي أثبتنا في المقدمة أنَّه شرطُ
كمال وليس شرطَ صحة، فلا نطيل الكلام برَدّه-، وأعلّه بقوله: ((ولا يَبْعُدُ أن
يكون حمّاد بن سلمة سمعه من الْجُرَيْري في اختلاطه))! وهذا مما يؤكد
محاربته للسنة، لأنَّه مجردُ استظهارٍ قائم على التشَهِّي لهدمها، ولو عارضه أحدٌ
وقلب عليه قوله؛ لم يستطع ردّه!

١١٧
((النصيحة ... ))
على أنَّ قولَه باطلٌ؛ لأنَّه معارِضٌ لقول الحافظ العِجْلي في ((تاريخ
الثقات)) (٥٣١/١٨١) بأنَّ حماد بن سلمة سمع منه قبل الاختلاط، وهو قول
أبي داود أيضاً؛ وصنيع مسلم بروايته له عنه في ((صحيحه).
ثم أعَلَّه (الهدَّام) بعلَّةِ أخرى؛ وهي مخالفة زياد بن مِخْرَاق الذي رواه
عن قيس، عن مولى لسعد بن أبي وقاص، عن ابن لسعدٍ ... -مرفوعاً -؛ فقال:
((وهذا عندي (!) أصحّ؛ على ضعف إسناده))!
وهذا كسابقه؛ عمدتُه التشهّي والهوى! على أنَّ الضعف الذي أشار إليه؛
ليس هو جهالةَ المولى -فقط-كما يُشعر به كتمانُه للعلة الحقيقية التي صَرَّح
بها الإمام أحمد-؛ فقد سُئلَ عن حديث زياد هذا؟ فقال:
((لم يُقِمْ إسناده)).
يشير إلى أنَّه اضطرب فيه، وقد بيّنت ذلك في ((صحيح أبي داود))
(١٣٣٠).
ثم إنَّ مما يُسقط العللَ المدّعاةَ - من جذرها- تتابعَ العلماءِ على
تصحيح الحديث؛ مثل ابن حبان، والحاكم، والنووي، وابن كثير، والعسقلاني
-وغيرهم-، وهو مخرّج في ((صحيح أبي داود)) برقم (٨٦).
وسيأتي حديثٌ آخرُ صحيحٌ، احتجَّ به ابن القيِّم، ورواه مسلم في ((صحيحه))؛
ومع ذلك أعَّه (الهدَّامِ) باختلاط الجُرَيْري! فانتظر الرَّد عليه برقم (٧٦).
٤٤- ((روى أبو داود عن امرأةٍ من بني عبدالأشهل؛ قالت: قلت: يا
رسول الله! إن لنا طريقاً إلى المسجد منتنةً، فكيف نفعل إذا مُطِرنا؟ (١) قال:
(١) الأصل (تطهرنا)! وكذلك في الطبعة الأولى (١/ ١٤٥) !!
وهذا الخطأ؛ من الأدلة الكثيرة على أنَّ الرجل لا تحقيقَ عنده ولا فقه! وله أمثلةٌ أخرى
تقدم -ويأتي- بعضها.

١١٨
((النصيحة ... ))
((أوليس بعدها طريق أطيب منها؟!))، قالت: قلت: بلى، قال: ((فهذه بهذه)))):
قلت: خرّجه (الهدَّام) (١ /٢٠٧) عن المرأة، وقال: ((رجاله ثقات))! ثم خرّجه
من حديث أم سلمة، وقال: ((وفيه جهالة، وقال العُقيلي: إسناد صالح جيد)).
هكذا قال (الهدَّام)، فعمّى على القراء رأيه في إسناد الحديث؛ فقال:
((رجاله ثقات))، ولم يُصخِّحه ولم يُحسِّنه! وهو يعلم الفرقَ بين هذا وبين ما
قال، ولذلك عمّى ولم يبيِّن! وقال في حديث أم سلمة: ((فيه جهالة ... ))، ولم
يحدّد موقفَه من قول العُقَيلي المذكور، وأعاد قولَه بالجهالة - فيما يأتي
(٢١١/١) - بلفظ: ((يطهّره ما بعده)).
والحقُّ أن إسناد حديث المرأة الأشهلية صحيحٌ، كما كنت قُلْتُهُ في
((المشكاة)) (١٥٨/١/ ٥١٢)؛ تبعاً لمن سبقني من الحفاظ، مثل عبدالحق
الإشبيلي، والمنذري، كما حقّقته في ((صحيح أبي داود)).
وإنَّما لم يُصَحِّحه (الهدَّام) لجهله بلقاء (موسى بن عبدالله بن يزيد
الخَطْمي) الراوي عن المرأة الأشهلية، مع أنَّهم قد ذكروا له روايةً عن جمع
من الصحابة، منهم المرأةُ هذه، وهو ثقةٌ، ولم يُرْمَ بتدليس، فروايته محمولةٌ
على الاتصال، كما سبقت الإشارة إلى ذلك في الحديث الذي قبله.
ومع هذا؛ فيشهد له حديثُ أم سلمةَ الذي جوَّد العقيليُّ إسنادَه،
وصَحَّحه ابن العربي وابن حجر الهَيْتَمي، وهو مُخَرَّجٌ - أيضاً- في ((صحيح أبي
داود)) (٤٠٩)، وذكرت تحته شاهداً آخر من حديث أبي هريرة، لكن (الهدَّام)
لا يعبأ بالشواهد وتصحيح العلماء ما خَالَفَتْ هواه!
٤٥- ((وقال عبدالله بن مسعود: كنّا لا نتوضأ من موطئ)):
قلت: إسناده صحيح، ولكن (الهدَّام) لم يزد في تخريجه إياه على قوله
(١ / ٢٠٧):

١١٩
((النصيحة ... ))
((أخرجه أبو داود (٢٠٤) ورجاله ثقات))!
فأقول: ما فائدة هذا التوثيق - وهو لا يعني تصحيحاً-كما تقدم بيانه
آنفاً-؟!، بل ذلك قد يعني عنده أنَّ فيه عِلَّة، فإن كان كذلك؛ فما هي؟! وهل
هي قادحةٌ في صحته أم لا؟! كل ذلك كان يجب على (الهدَّام) بيانه لو كان
محقّقاً - حَقّاً- كما يزعم!
والحقيقة؛ أنَّ الحديث رواه جماعةٌ من الثقات، عن الأعمش، عن
شَقِيق، عن عبدالله بن مسعود ... به، ومن أولئك الثقات أبو معاوية الضرير،
فوافقهم تارة، وخالفهم مَرَّة، فزاد في الإسناد (مسروقاً) بين شقيق وعبدالله، ولا
شك أنَّ روايته الموافقةَ للجماعة هي الصوابُ، ولذلك صحَّحها الحاكم على
شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وقد بيّنت هذا الذي أجملتُه هنا في ((صحيح
أبي داود)) (٢٠٠)، وأزيد الآن فأقول:
قال ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٥٦/١): حدّثنا شَرِيك، وهُشَيم،
وابن إدريس، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبدالله، قال ... فذكره.
فمَن وقف على هذه الحقائق، كيف لا يبادر إلى التصريح بصحة
إسناده، وهو عالمٌ به ناصحٌ لقرائه؟!
فإن قيل: لعله لم يصحّحه لعنعنة الأعمش! فأقول: ليس الأمرُ كذلك،
فقد صَرَّح بتصحيح حديثٍ آخرَ للأعمش من روايته عن شقيق - فيما تقدم
عنده (١٢٥/١) -.
٤٦- (روى أبو هريرة، أنَّ رسول الله وَّل قال: ((إذا وطئ أحدكم بنعله
الأذى؛ فإنَّ التراب له طهور))، وفي لفظ ... ؛ رواهما أبو داود)):
قلت: مدارهما على الأوزاعي، وقد اختُلف عليه فيه على وجهين

١٢٠
((النصيحة ... ))
- ذكرتهما في ((صحيح أبي داود))-، أرجحهما أنَّه: عنه، قال: نُبِّئْت أنَّ سعيد
ابن أبي سعيد المَقْبُري حدَّث عن أبيه، عن أبي هريرة، فالعلة جهالة من أنبأ
الأوزاعي.
وقد عزاه (الهدَّام) (٢٠٩/١) إلى جمع دون طائلٍ؛ لأنَّه لم يبين العلة
الحقيقيّة، ثم ختمه بالنقل عن الحافظ أنَّه ضعَّف سنده في ((التلخيص))، وكتم
شواهده التي عقّب بها عليه مشيراً إلى تقويته بقوله:
((ورُوي عن الأوزاعي من طريق عائشةَ -أيضاً-، أخرجه أبو داود
-أيضاً-، وساقه ابن ماجه من وجهٍ آخرَ عن أبي هريرة - مرفوعاً - نحوه،
وإسناده ضعيف، وفي الباب حديث أُمّ سَلّمة: ((يُطَهِّره ما بعده))؛ رواه الأربعة،
وفي الباب -أيضاً- عن أنس، رواه البيهقي في ((الخلافيات))).
وأقول: ليس في هذه الشواهد ما يُمكن الاعتضادُ به، إلا حديث عائشة،
فقد أخرجه أبو داود وغيره من طريق محمد بن الوليد: أخبرني سعيد بن أبي
سعيد، عن القعقاع بن حكيم، عنها، وهذا إسنادٌ صحيحٌ، رجاله كلَّهم ثقات
-كما بيّنت في ((صحيح أبي داود)) رقم (٤١٣) -.
وحديث أم سلمة المذكور تقدّم تحت الحديث (٤٤).
ومما يشهد للحديث ويُقَوِّيهِ؛ حديثُ أبي سعيد - الآتي عَقِبَ هذا، مع
بيان زَوَغان (الهدَّام) عن بيان صِخَّته !-.
٤٧- ((وروى أبو سعيد الخدري ...: ((فإذا جاء أحدُكم المسجدَ فليقلِّب
نعليه، ثم لْينظر؛ إنْ رأى خبثاً فلْيمسحه بالأرض، ثم ليصلِّ فيهما))؛ رواه الإمام
أحمد»:
قلت: هو من رواية حماد بن سلمة، عن أبي نَعَامة السَّعْدي، عن أبي