Indexed OCR Text

Pages 1-20

V
الحَدِيْثِ
تَأليفْ
الإمَامِ الَحافظ مُحمَد بن أحمد الجماعيِّي الصَّاحِّ
الشّهيُرْ
بابن عَبد الهاِي
(٧٤٤ هـ)
تحقيق
محمّدَ عَلُّوشٌ
عَادل الهَدْبا
يُطَبَع كامِلًا لأُولٌ مَّرَة
دَائِ القَطَائِ
لِلنشْر وَالتّوزيع

2
5
0
5 3
-

ے
3
في
الحَديثِ

1
جَميْع الْحُقوق محفوظة
الطَّبَعَة الأولى
١٤٢٢هـ - ٢٠٠١م
دَارُ القَطَاء
للنشْر وَالتّوزيع
الملڪَة العَربيّة السّعوديّة
الَِّاضِْ - شَارِعِ السويديْ العَامٌ - غَرَبْ النَّفَق
تلفَاكس: ٢٦٧٢٧١٠
صَربْ: ٦٥٩١١ - الرمز البريدي: ١١٥٦٦

٥
مقدمة التحقيق
ל
بِسْمِ اللَّهِ الرََّى آلز
إن الحمدَ لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا،
وسيئات أعمالنا، مَنْ يهده الله فلا مُضلَّ له، ومَنْ يضللْ فلا هادي له، ونشهدُ
أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهدُ أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد :
فإن الله تعالى لم يُخْلِ الأرضَ من قائمٍ له بحجة، وداعٍ إليه على بصيرة،
لكي لا تبطلَ حجج الله وبيِّناته، فهم كما وصفهم عليٍّ رضي الله عنه: ((أولئك
هم الأقلون عدداً، الأعظمون عند الله قدراً، هجمَ بهم العلم على حقيقة الأمر،
فاستلانوا ما اسْتَوعَره المُتْرَفونَ، وأَنِسُوا بما استوحشَ منه الجاهلون، صَحِبوا
الدنيا بأبداٍ قلوبُها معلّقةٌ بالآخرة)) ا. هـ.
وحتى ترقى النفوس إلى مصافِّ أولئك، لا بدَّ من تزكيتها، وتطهيرها،
ولا يمكن لها أن تصل إلا من خلال أمرين لا ثالث لهما، وهما: العلمُ النافع،
والعملُ الصالح.
وفي زمننا هذا كثرت الأهواء، وتشعبت الآراء، وافترقت الأحزاب،
واختلفت الجماعات، وكلٌّ يدعي أن ما هم عليه هو الحق المبين، وأن ما سواه
هو الضلال البعيد، ويقيمون على ذلك دلائل من آرائهم، وحُججاً من
أفكارهم، ويدعي خصومهم مثل ذلك، فكلٌّ بكلِّ معارض، وبعضٌ لبعضٍ
مناقض، وليس فيه شفاءُ عليلٍ، ولا إرواءُ غليلٍ، فأين الحق ؟ ومع من
الهدى ؟ وما هو المورد العذب الفرات ؟ وما المرجع والمقياس والميزان! ؟
لا شك أن إجابة الحصيف، الموَفَّق للهدى، هي: كتاب الله العزيز

٦
مقدمة التحقيق
الحميد؛ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، الذي تولى الله تعالى
حفظه بنفسه، حيث قال: ﴿إِنَّا غَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّ لَهُ لَحَفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ونقل
إلينا كاملاً متواتراً.
وسنة نبيه محمد ◌ّ، حيث هيّأ الله تعالى لها حفاظاً عارفين، وجهابذة
عالمين، وصيارفة ناقدين، ينفون عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين،
وتأويل الجاهلين .
ولا بد أن يفهم هذان المصدران الجليلان على فهم من زكَّاهم الله تعالى بعد
ذكر المهاجرين والأنصار من صحابة النبي ود لّ بقوله:
﴿﴿وَلَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا
بِ لْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِ قُلُوبِنَا غِلَّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْرَبَّنَآَ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
وبقوله تعالى: ﴿وَالسَِّقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُم
بِإِحْسَنٍ رَضِ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَذَّ لَهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ
فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
ويلخص لك هذا المنهج العظيم قول الإمام أحمد (١) رحمه الله:
نعم المطية للفتى آثـار
دين النبي محمد أخبار
فالرأي ليل والحديث نهار
لا ترغبن عن الحديث وآله
والشمس بازغة لها أنوار
ولربما جهل الفتى أثر الهدى
ولما كان منهجهم منهجَ التثبت في النقل، والتحري عن الدليل، وضعوا
أصولاً وضوابطَ لتمييز الأحاديث الصحيحة من السقيمة، ومعرفة أحوال رواتها
جرحاً وتعديلاً، والوقوف على ما خفي من العلل فيها، فنخرت هذه الأمة
بالإسناد، وحُفِظَ كلامُ رسول الله وَ لّ من الزيادة والنقص.
(١) أخرجه ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) ٣٥/٢.

٧
كتب الأحكام
تدوين السنة
ألَّف العلماء دواوين السنة المطهرة من الموطآت، ثم المسانيد، ثم
الجوامع، وأبرزها وأعلاها قدراً: صحيحا الإمامين البخاري ومسلم، ثم ألفت
السنن. وهكذا تفنن العلماء في تنويع تصنيف علوم الحديث، وذلك حتى
القرن الخامس الهجري، وبعد ذلك سلكوا مسلكاً آخر في التصنيف، حيث
عكفوا على كتب السابقين، دراسة وتمحيصاً واستدراكاً، فجردوا منها أحاديث
تتعلق بأبواب متفرقة من الدين، فصنف المنذري (٦٥٦هـ) ((الترغيب
والترهيب))، وتبعه النووي (٦٧٦هـ) فألف ((رياض الصالحين)) .. إلى غير
ذلك .
كتب الأحكام
ومن أهم المواضيع التي جرَّدها المحققون بالتصنيف أحاديثُ الأحكام،
لما لها من أهمية بالغة، ومنزلة رفيعة بين علوم الدين .
وكان أشهر من ألف في هذا الفن: الإمام أبو محمد عبد الحق الإشبيلي
(٥٨١هـ)، حيث صنف ((الأحكام الكبرى)) و((الأحكام الوسطى)) و((الصغرى))
وألف حولها العلماء مصنفات عديدة منها: ((بيان الوهم والإيهام)) لابن القطان
(٦٢٨ هـ).
ثم ألف الإمام عبد الغني المقدسي (٦٠٠هـ) كتابه ((عمدة الأحكام))،
وشرحه الحافظ ابن دقيق العيد (٧٠٢هـ) في ((إحكام الأحكام شرح عمدة
الأحکام)).
وكذلك ألف مجد الدين أبو البركات ابن تيمية (٦٥٣هـ) كتابه ((الأحكام
الكبرى)) ثم انتقى منه كتاب ((المنتقى في أخبار المصطفى وَي)). وهذا الكتاب

٨
منهج ابن عبد الهادي في «المحرر))
مختصر لـ((الأحكام الكبرى)) وقد شرح هذا الكتاب العديد من العلماء وممن
شرحه ابن عبد الهادي مصنف كتابنا. وكذلك الشوكاني في (نيل الأوطار)).
ومن هذه الكتب (الإلمام في أحاديث الأحكام)) لابن دقيق العيد (٧٠٢هـ)
و((بلوغ المرام)) للحافظ ابن حجر العسقلاني (٨٥٢هـ).
((المحرر)) لابن عبد الهادي
أما ((المحرر)) فهو مختصر من كتاب ((الإلمام)) لابن دقيق العيد، مع زيادات
وتعليقات مهمة جداً. نص على ذلك الذهبي في ((المعجم المختص)) نقل ذلك
عنه الشوكاني في ((البدر الطالع)) ١٠٨/٢. ونص عليه أيضاً الحافظ ابن حجر
في ((الدرر الكامنة)) ٣٣٢/٣. فقال: ((المحرر في الحديث، اختصره من الإلمام
فجوده جداً».
منهج الحافظ ابن عبد الهادي في ((المحرر))
١ - الاختصار:
نص على ذلك في مقدمته فقال: ((هذا مختصر يشتمل على جملة من
الأحاديث النبوية في الأحكام الشرعية)) فقد اجتهد في اختصاره، وانتقاء
أحاديثه، حيث يأتي بالأحاديث الجامعة للمعاني في كل باب، وقد قال في
مقدمته ((واجتهدت في اختصاره وتحرير ألفاظه)) فيقدم ما اتُّفِقَ عليه، وينبه على
الاختلاف في الألفاظ، ثم يأتي بما دون ذلك.
٢- الانتقاء :
نص على ذلك في مقدمته فقال: ((انتخبته من كتب الأئمة المشهورين
والحفاظ المعتمدین)).

٩
منهج ابن عبد الهادي في ((المحرر))
٣- الترتيب :
نص على ذلك في مقدمته فقال: ((ورتبته على ترتيب بعض فقهاء زماننا
ليسهل الكشف منه)) وهذه ميزة تدل على علم الحافظ ابن عبد الهادي، وقد سار
في ذلك على ترتيب الحنابلة في الفقه، ومنهم أبو البركات المجد ابن تيمية
الحراني.
٤- التصحيح والتعليل :
وهذه ميزة أخرى للكتاب حيث يقول عنه: ((وذكرت بعض من صحح
الحدیث أو ضعفه، والكلام على بعض رواته، من جرح أو تعديل)».
منهجه في تعليقاته على الحديث :
يعدُّ هذا الكتاب مختصراً في علل الأحاديث حسبما يتبين لنا من منهجه،
حيث يذكر من يصحح الحديث، أو من يضعفه، من كلام الأئمة النقاد، انظر
حديث رقم (٣)، وإذا كان يميل لصحته مع وجود من أعله رد كلامه رداً علمياً
قوياً منصفاً انظر رقم (٥٦). وغالباً ما يعتمد كلام الإمامين الجليلين أحمد بن
حنبل، والبخاري - رحمهما الله - تصحيحاً وتضعيفاً وإعلالاً، كما في رقم
(١٢٣). معتمداً بذلك على منهج المتقدمين الذي ألمح إليه الحافظ ابن رجب
رحمه الله بقوله: ((وأما الفقهاء المتأخرون، فكثير منهم نظر إلى ثقة رجاله فظن
صحته، وهؤلاء يظنون أن كل حديث رواه ثقة فهو حديث صحيح،
ولا يتفطنون إلى دقائق علل الحديث)) انظر: حديث (١٢٣) من هذا الكتاب.
وقال الحافظ الذهبي عنهم في ((السير)) ١١ / ٨٢ في ترجمة يحيى بن معين:
((فإذا اتفقوا على تضعيف حديث أو تصحيحه، أو تعديل أو جرح، فتمسك

١٠
منزلة كتاب ((المحرر))
به، واعضض عليه بناجذيك، ولا تتجاوزه فتندم، ومن شذ عنهم فلا عبرة به،
فخل عنك العناء، وأعط القوس باريها، فوالله لولا الحفاظ الأكابر، لخطبت
الزنادقة على المنابر)).
منزلة الكتاب بالمقارنة مع غيره:
وحتى تعرف أخي الكريم منزلة ((المحرر)) من بين كتب الأحكام؛ سنجري
لك مقارنة من خلال حديث واحد عند ابن عبد الهادي، والمجد في
((المنتقى))، وابن حجر في ((بلوغ المرام)).
١- الحديث عند المجد في ((المنتقى)):
ولأبي داود عن عائشة قالت: ((كان رسول الله وَ ل ينام وهو جُنب،
ولا یمس ماء)).
٢- الحديث عند ابن حجر في ((البلوغ)):
وللأربعة عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كان رسول الله صَ ل ينام وهو
جنب من غير أن يمس ماء)» وهو معلول.
٣- الحديث عند ابن عبد الهادي في ((المحرر)):
وعن أبي إسحاق السبيعي، عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها قالت:
((كان رسول الله وَّل ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء)) رواه أحمد، وأبو
داود، وابن ماجه، والنسائي، والترمذي، وقال: ((يرون أن هذا الحديث غلط
من أبي إسحاق)). وقال يزيد بن هارون: هذا الحديث وهم. وقال أحمد: ليس
صحيحاً. وصححه البيهقي وغيره.
وقال بعض الحذاق من المتأخرين: ((أجمع من تقدم من المحدثين، ومن

١١
منزلة كتاب ((المحرر))
تأخر منهم أن هذا الحديث غلط منذ زمان أبي إسحاق إلى اليوم، وعلى ذلك
تلقوه منه، وحملوه عنه، وهو أول حديث أو ثانٍ مما ذكره مسلم في كتاب
التمييز له مما حمل من الحديث على الخطأ)).
وروى أحمد من حديث شريك، عن محمد، عن عبد الرحمن، عن
كريب، عن عائشة قالت: ((كان النبي ◌ُّه يجنب، ثم ينام، ثم ينتبه، ثم ينام،
ولا يمس ماء)) وإسناده غير قوي.
إن هذه المقارنة غنية عن التعليق لما احتوته من فوائد قل أن تجدها في غير
(المحرر)).

١٢
ترجمة المصنف
ترجمة الحافظ ابن عبد الهادي
اسمه وولادته :
هو الإمام الحافظ المحدث الفقيه محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن
عبد الحميد بن يوسف بن محمد بن قدامة الجمّاعيلي الأصل ثم الصالحي
الدمشقي.
ولد في رجب سنة (٧٠٥هـ) على الراجح من الأقوال في الصالحية بدمشق
لأسرة المقادسة التي اشتهرت بالعلم والزهد.
ويشترك في هذا الاسم ابن عبد الهادي عشر من العلماء.
حياته وسيرته :
نشأ نشأة علمية صالحة، حيث دفعه أبوه إلى كبار محدثي عصره وأولهم زينب
بنت كمال الدين الصالحية التي تفردت بأعلى الأسانيد عن سبط السّلَفي، وسمع من
عيسى المطعِّم (٧١٧هـ)، ومن أبي بكر أحمد بن عبد الدائم الصالحي (٧١٨هـ) -
شيخ ابن تيمية - ومن سعد الدين يحيى بن محمد بن سعد (٧٢١هـ) وغيرهم من
أصحاب الأسانيد العالية، والملاحظ أن وفاتهم كانت وابن عبد الهادي دون ١٥ سنة
وكلهم محدثون مما جعله يتطبع بطبائع أهل الحديث والأثر.
وفي الفقه:
حفظ ((المقنع)) وهو دون العاشرة على القاضي سليمان بن حمزة (٧١٥هـ)
ثم أتم علمه على الإمامين الكبيرين في المذهب الحنبلي؛ محمد بن مسلم
(٧٢٦هـ) وإسماعيل بن محمد الحراني (٧٢٩هـ).

١٣
مؤلفات المصنف
وأخذ القراءات عن شيخ عصره ابن بصخان.
وقرأ النحو على أبي العباس الأندرشي.
ولما اكتملت له آلة العلم بدأ يتردد إلى الإمامين الجليلين شيخ الإسلام ابن
تيمية الحراني (٧٢٨هـ) والإمام المحدث الحافظ المزي (٧٤٢هـ).
فلازمهما ملازمة شديدة، وانطبع علمه بعلمهما، فأخذ عن ابن تيمية فهمه
الدين والعقيدة ومنهجه في العلم والفتوى بل إنه ألف كتاباً في سيرة حياة شيخه
((العقود الدرية في ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية)). وأخذ عن المزي علم
الرجال والعلل، ولازمه أكثر من عشر سنين إذ يقول ابن عبد الهادي: ((هو
شيخي الذي انتفعت به كثيراً في هذا العلم)).
ثم بعد أن اكتملت آلة العلم وفهمه لدى هذا الشاب الهُمام، تصدر للتدريس
عن قوة وجدارة وعلم، وذلك في أكبر المدارس بعصره كالعُمرية التي بلغت
منزلة عالية، وقد ذكرها ابن كثير في البداية والنهاية من حوادث سنة ١٤١هـ،
وكذلك درس بالضيائية، والصبابية، والصدرية، وفيها سمع من الحافظ الذهبي
وكذلك سمع منه الذهبي، والمنصورية والغيائية.
مصنفاته :
بلغت مصنفاته رحمه الله بضعاً وسبعين مؤلفاً لم يصلنا منها إلا القليل وطبع
منها سبعة فقط .
أهم المطبوعات :
١- المحرر في أحاديث الأحكام.
٢- تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق.
٣- الصارم المنكي في الرد على السبكي.

١٤
ثناء العلماء على المصنف
٤ - ترجمة شيخ الإسلام ((العقود الدرية)).
٥ - رسالة في الأحاديث الضعيفة.
ومن المخطوطات :
١- شرح كتاب ((العلل)) على ترتيب الفقه مجلدان ذكرهما البغدادي في
((هدية العارفين)) ٢/ ١٥١.
٢- التفسير المسند لم يكمل ذكره ابن حجر في ((الدرر الكامنة)) ٣٣٢/٣.
وغيرها من المؤلفات النافعة وكثير منها مفقود.
ثناء العلماء علیه :
أثنى عليه كل من عاصره من العلماء، ومن ترجم له من بعده.
١ - ابن كثير: قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: ((الشيخ الإمام العالم العلامة
الناقد البارع في فنون العلم، حصل من العلم ما لا يبلغه الشيوخ الكبار، وتفنن
في الحديث والنحو والتصريف والفقه والتفسير والأصلين والتاريخ، والقراءات
وله مجاميع وتعاليق مفيدة وكثيرة، وكان حافظاً جيداً لأسماء الرجال، وطرق
الحديث عارفاً بالجرح والتعديل بصيراً بعلل الحديث، حسن الفهم جيد
المذاكرة، صحيح الذهن، مستقيماً، على طريقة السلف واتباع الكتاب والسنة،
مثابراً في فعل الخيرات)).
(«البداية والنهاية)) ١٤ / ٢١٠.
٢ - وقال الحافظ المزى - شيخه -: ((ما التقيت به إلا واستفدت منه)) كما فى
((الدرر الكامنة)) ٤٥٨/٣ .
٣- وقال الذهبي: ((كتب عني واستفدت منه)) ((الوفيات)) ٤٥٨/٢.

١٥
ثناء العلماء على المصنف
٤- وكذلك وصفه أبو المحاسن في ((ذيل العبر)) ص٢٣٩ .
٥- الإمام صلاح الدين الصفدي قال بعد أن ذكر صفاته: (لو عُمِّر لكان
أعجوبة في علومه ... رأيته يوافق شيخنا المزي ويرد عليه في أسماء الرجال))
((أعيان العصر)) ورقة (٤).
٦- وقال ابن رجب: ((المقرىء الفقيه المحدث الحافظ الناقد النحوي
المتفنن)) كما في الذيل على طبقات الحنابلة ٢/ ٤٣٦ .
٧- وقال ابن الوردي في (تتمة المختصر)) ٢/ ٤٨٠ ((كان بحراً زاخراً
بالعلم)) .
وتلك هي مصادر ترجمته.
وفاته :
أجمع المترجمون على أنه مات يوم الأربعاء (١٠) جمادى الأولى سنة
(٧٤٤هـ). وله من العمر (٣٩) سنة على إثر مرض وحمى سل، ثم تفاقمت معه
وأفرط به الإسهال إلى أن توفي قبل أذان العصر، وكان آخر كلامه: أشهد أن
لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، اللهم اجعلني من التوابين،
واجعلني من المتطهرين .
وكانت جنازته مشهودة من كبار العلماء والأمراء والأعيان ودفن بمقبرة
الروضة بسفح قاسيون. رحمه الله رحمة واسعة .

١٦
منهج التحقيق
عملنا في الكتاب :
كان هدفنا إخراج الكتاب محققاً مضبوط النص، سالماً من الأخطاء، في
مجلد واحد ليسهل الرجوع إليه وحمله وتدريسه، لذلك توخينا عدم الإطالة
بالتخريج أو التعليق والحواشي إلا ما اضطررنا إليه، وقمنا بما يلي :
١- ضبط النص :
حيث تم مقابلة النص على ثلاث نسخ خطية؛ الأولى ورمزنا لها بـ(ص)،
والثانية بـ (ف)، والثالثة بـ (ح) إضافة إلى الطبعة السابقة التي حققها الدكتور
يوسف المرعشلي بلا اعتماد على أصل خطي ـ ورمزنا لها بـ(م) - وهذا كان
سبباً في كثرة السقط والتصحيف والتحريف الموجود في النسخة تلك، حيث
سقط منها (١٦) حديثاً سقوطاً كاملاً، وجرى إدراج بعض الأحاديث ببعض
على أنها حديث واحد، وحصل فيها أكثر من (٢٥٠) تصحيفاً ما بين نقص أو
سقط أو زيادة تخل بالمعنى، أو تصحيفاً لاسم، أو نصف حديث أو اسماً من
أسماء من أخرج الحديث، أو نسبة كلام لغير قائله هذا فضلاً عن الحروف
والكلمات القصيرة مثل ((عن)) أصبحت ((ابن)) أو العكس، و((ابن)) أصبحت
((أبي)) أو العكس، فهذا كان كثيراً لا يحصى مثل:
مسروق عن عائشة أصبحت: مسروق بن عائشة، ومحمد بن عبد الرحمن
أصبحت: عن عبد الرحمن وهكذا ..
ولكثرة هذه الأخطاء أشرنا إلى الكبير منها فقط وكثير منها صححناها بدون
أن نثبت الاختلاف مع المطبوعة، وإن كان هناك خلاف بين النسخ أشرنا إلى
ذلك، مع إثبات ما نراه صحيحاً وقد اعتمدنا النسخة (ص) أصلاً وذلك لأنها
تامة كاملة.
٢- مقابلة الأحاديث على الأصول والمراجع التي ذكرها المؤلف في تخريج

١٧
منهج التحقيق
الأحاديث، فإذا وجدنا اختلافاً أشرنا إلى ذلك، وإن وجدنا نقصاً عما في
الأصل أضفناه وجعلناه بين معقوفين [] تمييزاً له وخاصة إذا قال: وهذا لفظ
فلان .
٣- ضبط النص بالشكل في أكثر الكلمات.
٤ - تركنا الأبواب التي وضعها المرعشلي في طبعته وهي غير موجودة في
الأصول وجعلناها بين معقوفين [].
٥ - شرح بعض الألفاظ الغريبة.
٦- العزو والتخريج والتعليق.
أما تعليقاتنا على الحديث فجاءت حسب التقسيم الآتي للأحاديث،
فباستقراء ودراسة الكتاب وجدنا أحاديثه على أقسام:
أ - ما كان في الصحيحين أو أحدهما اكتفينا بعزوه إلى الرقم فقط لسهولة
الرجوع إليه فالبخاري حسب الترقيم الموجود في الفتح، ومسلم حسب ترقيم
عبد الباقي. وباقي المراجع حسب ما اشتهرت به فمثلاً الترمذي وابن حبان
بالأرقام ومسند الإمام أحمد بالجزء والصفحة للطبعة الميمنية، والنسائي
بالجزء والصفحة ... وهكذا نعزوها بترتيب عزو المؤلف لها ولم نخرج
الحديث من غير المصادر التي أشار إليها المؤلف اكتفاءً بها. وتوخياً
للاختصار .
ب - أحاديث ليست في الصحيحين يذكرها ولا ينقل فيها شيئاً ولا يتكلم
عليها فهذه نعزوها وغالباً ما نأتي بذكر من صححها أو ضعفها.
جـ ـ أحاديث خرجها وعلق عليها بتصحيح أو تحسين أو يذكر من صححها
أو حسنها فهذه نوثق النقولات ونكتفي بالعزو ونادراً ما نضيف إضافة نراها
مهمة .
د - الأحاديث المعلولة :

١٨
منهج التحقيق
وغالباً ما يذكرها أو يوردها بالإسناد ليشير إلى موضع علتها، فهذه ينقل
فيها كلام أهل العلم تعليقاً أو تضعيفاً أو تصحيحاً وغالباً ما يرجح وبعبارة
موجزة، فهذه اتبعنا فيها الآتي :
١ - توثيق النقولات.
٢- إن وجدنا فائدة تتعلق بالحديث ذكرناها وذلك من كلام الأئمة المعتمد
على قولهم في التصحيح والتضعيف، والجرح والتعديل؛ الذين أرسوا دعائم
هذا العلم، وقعَّدوا أصوله، واطلعوا على أحوال رواته، فكلامهم فيه حجة،
وحكمهم حق، لا ينبغي العدول عنه. واسمع كلام الحافظ الذهبي في ترجمة
يحيى بن معين في ((السير)) ٨٢/١١: ((فإن اتفقوا على تضعيف حديث أو
تصحيحه، أو تعديل أو جرح، فتمسك به، واعضض عليه بناجذيك،
ولا تتجاوزه فتندم، ومن شذ عنهم فلا عبرة به، فخل عنك العناء، وأعط
القوس باريها، فو الله لولا الحفاظ الأكابر، لخطبت الزنادقة على المنابر)).
وأضفنا كثيراً من تصحيح أو تضعيف الحافظ ابن عبد الهادي في كتابه
((التنقيح)).
ولم نحكم على حديث بصحة أو ضعف أبداً ما لم يكن لنا سلف فيه، بل
اكتفينا بإثبات كلام أهل العلم في ذلك من غير اجتهاد منا في شيء من ذلك.
.
٠ .

١٩
وصف المخطوطات
وصف المخطوطات
أولاً: النسخة (ص):
ذكر بركلمان ١٢٨/٣ أن لكتاب ((المحرر)) نسخة خطية وحيدة في بانكبور
بخدابش بالهند. ولم نتمكن من الحصول عليها .
ولكن وفقنا للحصول على صورة لعلها تكون عنها من مكتبة الشيخ إبراهيم
محمد السلیم (١٤١٨) رحمه الله.
كتب على صفحة العنوان: كتاب المحرر في الحديث تأليف الإمام شمس
الدين محمد بن أحمد ... وكتب أيضاً: دخل في ملك الفقير إلى الله ناصر
السليمان سنة (١٣٢٧ هـ)، ثم بملك عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن سليم.
كتبت هذه النسخة في (٢٩) من جمادى سنة (١٣٠٣ هـ) كما ذكر في آخر
صفحة. وهي نسخة مقابلة ومصححة.
كتبت بخط نسخ واضح. ووقعت في (١٢٩) لوحة في كل لوحة صفحتان،
في كل صفحة (٢٥) سطراً غالباً، يحتوي كل سطر وسطياً على (١٢) كلمة.
ثانياً: النسخة (ح) :
وهي من محفوظات المكتبة المحمودية بالمدينة النبوية برقم (٦٢٦) وتقع
في (١٥٥) لوحة في كل لوحة صفحتان، في كل صفحة ما يقارب من (١٧)
سطراً. وقد كتبت بخط نسخي واضح، وقد شُكِّل كثيرٌ من كلماتها، وهي
مصححة ومقابلة كما يظهر من الإلحاقات التي بهامش النسخة .

٢٠
وصف المخطوطات
وقد وقع فيها خرم من أولها بمقدار ورقة ذهب معه مقدمة المؤلف وستة
أحاديث، وخرم من آخرها بمقدار لوحة، وخرم في بعض المواضع أشرنا إليه
في موضعه.
ولم يتبين لنا اسم الناسخ ولا تاريخ النسخ بسبب وجود الخرم في آخرها.
ثالثاً: النسخة (ف) :
وهي من محفوظات مكتبة الملك فهد الوطنية بالرياض، وأصلها من
المكتبة العامة بشقراء وتقع في (٦٦) لوحة في في كل لوحة صفحتان في كل
صفحة ما يقارب من (٢٩) سطراً.
وتبدأ من أول الكتاب إلى كتاب النكاح. وقد كتبت بخط الشيخ عبد الله بن
علي بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كتبها بخط واضح، وهي مقابلة
ومصححة كما يظهر من الإلحاقات التي بهامش النسخة .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم