Indexed OCR Text

Pages 281-300

إلى ما خالَفَهَ ولا مَنْ خالفه كائناً مَنْ كان .
( الثاني ) ما أفتى به الصحابة ، فإنه إذا وجد لبعضهم فتوى لا
يَعرِفُ له مخالفاً منهم فيها لم يَعْدُها إلى غيرها ، ولم يقل إن ذلك
إجماع، بل من ورعه في العبادة يقول : لا أعلم شيئاً يدفَعُهُ أو نحو
هذا .
( الثالث ) إذا اختلفت الصحابة تخيّر من أقوالهم ما كان أقربَهَا
إلى الكتاب والسنة ولم يخرج عن أقوالهم ، فإن لم يتبيّن له موافقة أحد
الأقوال حكى الخلاف فيها ولم يجزم بقول .
( الرابع ) الأخذ بالمرسَل (١) والحديث الضعيف (٢) إذا لم يكن
في الباب شيء يدفعه ، وهو الذي رجّحه على القياس .
( الخامس) القياس استعمله للضرورة . وكان شديد الكراهة
والمنع للإِفتاء بمسألة ليس فيها أثر عن السلف ، أفاده الإِمام ابن القيم
(١) ارجع الى ص : ٩٨ ففيها تعريف موجز بالمرسل وغيره من الأحاديث .
(٢) قال ابن الصلاح (مقدمته ص : ٤٨): كل حديث لم يجتمع فيه صفات الحديث
الصحيح ولا صفات الحديث الحسن فهو حديث ضعيف . وأطنب أبو حاتم بن
حبان البستيّ في تقسيمه فبلغ به خمسين قسماً إلا واحداً ... وذكر ابن الصلاح
منه: الموضوع والمقلوب والشاذ والمعلل والمضطرب والمرسل والمنقطع
والمعضل ... وقال (ص: ١٠٩) : اعلم ان الحديث الموضوع شر الأحاديث
الضعيفة ، ولا تحل روايته لأحد علم حاله في أي معنى كان إلا مقروناً ببيان
وضعه ، بخلاف غيره من الأحاديث الضعيفة التي يحتمل صدقها في الباطن حيث
جاز روايتها في الترغيب والترهيب على ما نبينه قريباً إن شاء الله تعالى . (وانظر
تقريب النواوي وشرحه تدريب الراوي ١٧٩/١ وما بعدها ، وقواعد التحديث
للقاسمي ص : ٨٩ وما بعدها ) .
٢٨١

في ((اعلام الموقعين)).
توفي رضي الله عنه سنة ( ٢٤١ ) في ربيع الأول ببغداد ودفن بمقبرة
باب حرب .
( في أول مسنده) قال التاج السبكي(١): هو أصل من أصول
هذه الأمة . قال الإِمام الحافظ أبو موسى محمد بن أبي بكر المديني (٢)
رضي الله عنه : هذا الكتاب - يعني مسند الإمام أحمد - أصل كبير
ومرجعٌ وثيق لأصحاب الحديث ، أملى فيه أحاديثَ كثيرة ومسموعاتٍ
وافرةً فجُعِلَ إماماً ومعتمدا ، وعند التنازع ملجأ ومستندا ، وقد روينا
بالإِسناد الصحيح عنه أنه قال : عملت هذا الكتاب - يعني المسند -
إماماً إذا اختلف الناس في سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
رُجع إليه . وقال حنبل بن إسحاق(٣): جمعنا عمي - يعني الإِمام
أحمد - أنا وصالح وعبد الله ابناه وقرأ علينا المسند وسمعه منه غيرنا ،
وقال لنا : إن هذا الكتاب قد جمعته وانتقيته(٤) من أكثر من سبعمئة
(١) عبد الوهاب بن علي (ت: ٧٧١) وقد مرّ ذكره مرات .
(٢) أبو موسى محمد بن أبي بكر عمر المديني الأصبهاني من حفاظ الحديث
والمصنفين فيه . مولده ووفاته في أصبهان (٥٠١ - ٥٨١ هـ). قال ابن العماد في
الشذرات (٢٧٣/٤) : وكان مع براعته في الحفظ والرجال صاحب ورع وعبادة
وجلالة وتقى .
(٣) حنبل بن إسحاق الحافظ أبو علي ، ابن عم الإِمام أحمد وتلميذه . كان ثقة ثبتاً
صدوقاً . (ت : ٢٧٣ هـ) .
(٤) جاء في الأصل: وأتقنته، وسقط كلمة: أنا، وفي العبارات خلل وصوابها كما أوردها ابن
العماد في الشذرات ١٦٣/٢: ((جمعنا عمي - يعني الإِمام أحمد - أنا وصالح وعبد
الله - يعني أبناء أحمد - وقرأ علينا المسند، وما سمعه منه، يعني تاماً، غيرنا،
وقال لنا : إن هذا الكتاب قد جمعته وانتقيته من أكثر ... الخ .
٢٨٢

وخمسين ألفاً ، فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله صلى
الله عليه وسلم فارجعوا إليه فإن وجدتموه وإلا فليس بحجة . وفي
((البدر المنير)) قال الحافظ عبد القادر الرهاوي في كتاب ((المادح
والممدوح )): ومن خط المنذري (١) نقلتُ كيف قال الإِمام هذا .
والمسند يشتمل على الصحاح(٢) والغرائب(٣) وأحاديث فيها ضعف .
ثم أجابَ بأنه إنما أراد بقوله : فإن وجدتُمُوهُ فيه وإلا فليس بحجة :
الأحاديث الصحاح التي احتوى عليها مسنده دون الغرائب والضعاف ،
يعني أَنَّ كلَّ حديثٍ يُراد للاحتجاج به والعمل بحكمه وليس في مسنده
فليس بصحيح حكماً منه بأن لم يَبْقَ حديث صحيح خارِجَ مسنده ،
وهذا لسَعَةِ علمه بالأحاديث وإحاطته بها وبطرقها وصحاحها وسقامها .
قال : ومن أمعن في طلب الحديث واستكثر منه ومن الكتب المصنفة
فيه في أنواع علومه ورآها مشحونة بكلامه ، ورأى اعتمادَ المصنّفين
على كلامه وإحالَتَهُمْ عليه من عصره وزمانه إلى .. هلم جرا .. إلى
حيِنَ قَلّ طالبو الحديث وكَسَدَ (٤) سوقه عَرَفَ صحة ما أشرنا إليه .
(١) عبد العظيم بن عبد القوي المنذريّ (ت : ٦٥٦ هـ) .
(٢) قال الشيخ ابن الصلاح (المقدمة: ٨): ((أما الحديث الصحيح فهو الحديث
المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ولا
يكون شاذاً ولا معللاً)) اهـ. والشاذ أن يكون فيه مخالفة لما نقل الجماعة. والمعلل
ما يكون فيه علة فادحة أو ما في روايته جرح ( تفصيل الموضوع في مقدمة ابن
الصلاح ص : ٨ وما بعدها ، التقريب وشرحه التدريب : ١ / ٦٣ وما بعدها،
وقواعد التحديث ص : ٥٦ وما بعدها ) .
(٣) الغريب هو ما رواه راوٍ واحد منفرداً بروايته فلم يروه غيره ، أو انفرد بزيادة في متنه أو
إسناده . وللغريب أقسام فصّل القولَ فيها علماء المصطلح . ( ن قواعد التحديث
ص : ١٠٦ ) .
(٤) كسد كَنَصَرَ وكَرُمُ كساداً وكُسُودًا: لم يَنْفُق. اهـ .
٢٨٣

وقال أبو موسى المديني في خصائصه : ولم يخرّج إلا عمّن ثَبَتَ
عنده صدقُهُ وديانته دون من طُعن في أمانته ، يدلّ على ذلك قول ابنه
عبد الله : سألت أبي عن عبد العزيز بن أبان(١) فقال : لم أخرّج عنه
في المسند شيئا ، قد أخرجت عنه على غير وجه الحديث ، لما حدّث
بحديث المواقيت تركته . قال أبو موسى : ومن الدليل أن ما أودعه
مسنده قد احتاط فيه إسناداً ومتنا ولم يورد فيه إلا ما صحّ عنده ضربه
على ما شذ لفظه من الأحاديث المشاهير مع ثقة رجال إسناده .
وفي (( التدريب)) قال العراقي (٢): لا نسلم بأن الإِمام أحمد
شرط في مسنده الصحيح ، والذي رواه عنه أبو موسى المديني أنه سئل
عن حديث فقال : انظروه فإن كان في المسند وإلا فليس بحجة ، فهذا
ليس بصريح في أن كل ما فيه حجة ، وما (٣) ليس فيه ليس بحجة .
قال : على أن ثمَّ أحاديث صحيحة مخرجة في الصحيحين وليست
فيه ، منها حديث عائشة في قصة أم زرع(٤). قال : وأما وجود
(١) أبو خالد الأموي. فقيه من رجال الحديث اتهم بوضعه. (ت : ٢٠٧ هـ).
(٢) هو أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين الشهير بالحافظ العراقي . وقد مرّ ذكره
مرات .
(٣) وردت العبارة في الأصل وتدريب الراوي: بل ما ليس فيه ... ولم يتبين لي معنى
سائغ لها ، ورأيت حذف (بل ) واستبدال الواو بها أسلم لصحة العبارة
والمعنى .
(٤) رواه البخاري في كتاب النكاح (٢٥٤/٩ برقم: ٥١٨٩) ومسلم في كتاب فضائل
الصحابة ( باب فضل عائشة (١٨٩٦/٤ برقم ٢٤٤٨) وهو حديث طويل أوله :
((جَلَسَ إحدى عَشْرَةَ امرأَةً فَتَعَاهَدْنَ وتعاقَدْنَ أن لا يَكْتُمْنَ من أخبارِ أزواجهنّ شيئا،
قالت الأولى .... )) الحديث . وفي الحديث غريب كثير عني بشرحه ابن حجر في
الفتح (٢٥٥/٩ - ٢٧٨) والنووي في شرح صحيح مسلم (٢١٢/١٥ - ٢٢٢).
٢٨٤

الضعيف فيه فهو محقق ، بل فيه أحاديث موضوعة جمعتها في جزء ،
ولعبد الله ابنه فيه زيادات فيها الضعيف والموضوع(١) انتهى .
وقد ألّف شيخ الإِسلام الحافظ ابن حجر كتاباً في ردّ لك سماه
((القول المسدّد في الذبّ عن المسند)) قال في خطبته : فقد ذكرت في
هذه الأوراق ما حضرني من الكلام على الأحاديث التي زعم بعض أهل
الحديث أنها موضوعة وهي في مسند أحمد ، ذَبًا عن هذا التصنيف
العظيم الذي تلقته الأمة بالقبول والتكريم وجعله إمامهم حجة يرجع
إليه ، ويعوّل عند الاختلاف عليه(٢). ثم سرد الأحاديث التي جمعها
العراقي وهي تسعة ، وأضاف إليها خمسة عشر حديثا أوردها ابن الجوزي
في الموضوعات وهي فيه ، وأجاب عنها حديثاً حديثاً . قال السيوطي :
وقد فاته أحاديث أخر أوردها ابن الجوزي وهي فيه وجمعتها في جزء سميته
((الذيل الممهد )) مع الذب عنها وعدتها أربعة عشر حديثاً (٣).
وقال شيخ الإِسلام في كتابه (( تعجيل المنفعة في رجال
الأربعة )) : ليس في المسند حديث لا أصل له إلا ثلاثة أحاديث أو
أربعة ، منها حديث عبد الرحمن بن عوف أنه يدخل الجنة زحفاً (٤)،
(١) تدريب الراوي (١٧٢/١ ) .
(٢) القول المسدود في الذب عن المسند ص : ٢.
(٣) تدريب الراوي (١٧٢/١).
(٤) قال في حاشية التدريب (١٧٣/١): هذا الحديث رُوي عن عائشة مرفوعاً، وقد
ضعفه الإِمام أحمد نفسه وقال عنه (( كذب منكر)) . وفي المسند زيادات لابنه عبد
الله وزيادات للقطيعي راويه عن عبد الله أيضاً، وفي تلك الزيادات الواهي وشبهه
ولیس من رواية أحمد . اهـ
وقد ذكر ابن حجر الحديث في ص : ٩ من كتابه ((القول المسدد )) وردّ على من قال
بوضعه في ص : ٢٥ .
٢٨٥

قال : والاعتذار عنه أنه مما أَمَرَ أحمدُ بالضرب عليه فتُرِك سهواً أو
ضُرِبَ وكُتِبَ من تحت الضرب .
وقال في كتابه ((تجريد زوائد مسند البزار(١))): إذا كان الحديث
في مسند أحمد لم يُعْزَ إلى غيرِهِ من المسانيد: وقال التيمي في ((زوائد
المسند )): مسند أحمد أصحّ صحيحا من غيره . وقال ابن كثير(٢): لا
يوازي مسند أحمَدَ كتابٌ مسند في كثرته وحسن سياقاته ، وقد فاتَّهُ
أحاديثُ كثيرةٌ جداً ، بل قيل إنه لم يقع له جماعة من الصحابة الذين
في الصحيحين قريباً من مئتين (٣). انتهى .
وقال شيخ الإِسلام تقيّ الدين بن تيمية رضي الله عنه وأرضاه في
((منهاج السنة )): ليس كلّ ما رواه أحمد في المسند وغيره يكون حجة
عنده ، بل يروي ما رواه أهل العلم . وشرطه في المسند أن لا يروي
عن المعروفِ بالكذب عنده وإن كان في ذلك ما هو ضعيف ، وشرطُهُ
في المسند أمثَلُ من شرط أبي داود في سننه . وأما في كتب الفضائل
فروى ما سمعه من شيوخه سواء كان صحيحاً أو ضعيفاً فإنه لم يقصد
أن لا يرويَ في ذلك إلا ما ثبت عنده ، ثم زاد ابنه عبد الله على مسند
أحمد زيادات ، وزاد أبو بكر القطيعي (٤) أحاديث كثيرة موضوعة فظن
(١) البزار هو أحمد بن عمرو البزار العَبكي المتوفي عام (٢٩٢ هـ). وستأتي ترجمته
في ص : ٣٢٠ .
(٢) العماد اسماعيل بن عمر بن كثير (ت: ٧٧٤). سبقت ترجمته في ص : ٢١٥.
(٣) تدريب الراوي: (١٧٣/١).
(٤) أحمد بن جعفر بن حمدان مسند العراق في عصره ، سكن قطيعة الدقيق فنسب
إليها . توفي عام (٣٦٨ هـ) عن خمس وتسعين سنة .
٢٨٦

ذلك الجهال أنه من رواية أحمد وأنه رواها في المسند ، وهذا خطأ
کبیر . انتهى .
(لطيفة) قال الحسين في كتابه (( التذكرة في رجال العشرة)):
عِدّةُ أحاديث المسند أربعون ألفاً بالمكرر ، وكذا قال ابن دحية(١) في
((فوائد المشرقين والمغربين )) إلا أنه قال: بزيادات ابنه عبد الله . وقال
أبو الحسين بن المناوي : إنه ثلاثون ألفاً . وقال صاحب مسند
الفردوس : يقال إنه ضمنه خمسين ألف حديث والله أعلم . وقد علقتُ
على هذا المسند تعليقة لطيفة سميتها (( المسند الأحمد على مسند
الإِمام أحمد)) وصلت فيها إلى حديث عبد الله بن جعفر(٢) في ( ٦)
ذي الحجة سنة (١٣١٣ ) ثم عاق عن إكمالها الاشتغال بغير ذلك ،
أرجو من المولى العون على معاودة إكمالها .
( وهو مسند أبي بكر الصديق (٣) رضي الله عنه من رواية ولده
عبد الله عنه ) وعبد الله هذا كان يكنى به الإِمام ، وكان حافظا ثقة ،
روى عن أبيه المسند والتفسير ، وروى عن يحيى بن عبد ربه وخلف
ابن هشام (٤) وخلائق ، ولم يكتب عن أحد إلا بأمر أبيه . وروى عنه
(١) عمر بن الحسن الشهير بابن دِحْيَةَ الكلبي ، أديب مؤرخ حافظ للحديث من أهل
بلنسية . استقر بمصر بعد ترحال طويل . (ت : ٦٣٣ )
(٢) حديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب في الجزء الأول من المسند ص : ٢٠٣ -
٢٠٦
(٣) مسند أبي بكر الصديق (ج ١ ص ٢ - ١٤ ).
(٤) خلف بن هشام البزار أبو محمد ، أحد القرّاء العشرة . توفي ببغداد مختفياً أيام
الجهمية عام (٢٢٩ هـ)، وقيل (٢٢٧ هـ) كما ذكره في الخلاصة . كان يصوم
الدهر .
٢٨٧

النَّسَائي(١) حديثين. توفي سنة (٢٩٠) عن سبع وسبعين سنة . وكنيته
أبو عبد الرحمن . وللإِمام ولد آخر يسمى صالحاً تقدمت وفاته عن أخيه
المذكور في سنة (٢٦٦) وكان قاضي أصبهان ، وبها مات، ومولده في
سنة (٢٠٣) (بالسند)(٢) المتقدم ( إليه قال حدثني أبي أحمد بن
محمد بن حنبل بن هلال بن أسد من كتابه قال : حدثنا عبد الله بن
نمير ) الهمداني الخارفي أبو هشام الكوفي ، وثّقة ابن معين . مات
سنة (١٩٩) (قال أخبرنا إسماعيل يعني ابن أبي خالد )(٣) البجلي
الأحمسي أبو عبد الله الكوفي أحد الأعلام ، له نحو ثلاثمئة حديث ،
وكان يسمّى الميزان ، قال العجلي : ثقة . مات سنة (١٤٦) (عن
قيس ) بن أبي حازم البجلي الأحمسي أبو عبد الله
الكوفي أحد كبار التابعين وأعيانهم ، مخضرم وثّقه
ابن نعيم وغيره، وردّ الذهبي في ((الميزان)) (٤) على
من تكلم فيه ، وهو الذي يقال إنه اجتمع له أن يروي
عن العشرة ، مات(٥) بعد التسعين أو قبلها بيسير وقد جاوز
(١) أحمد بن شعيب صاحب السنن وقد مرّ ذكره مرات .
(٢) في ط : وبالسند ، وقد روي مسند أبي بكر بإخبار أبي القاسم هبة الله ابن محمد
قال أخبرنا الحسن بن علي ويعرف بابن المُذْهِب قراءةٌ من أصل سماعه قال : أخبرنا
أبو بكر أحمد بن جعفر القطيعي قراءة عليه قال : حدّثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن
أحمد ...
(٣) في ب، م : ابن خالد والصحيح : ابن أبي خالد كما ذكر المصنف ، أما
إسماعيل بن خالد فقد ذكره الذهبي في التذكرة (٢٢٦/١ برقم ٨٦٧) وقال : كوفي
مجهول .
(٤) في الترجمة (٦٩٠٨) ج ٣٩٢/٣ وقال : كاد أن يكون صحابياً .
(٥) ذكر ابن العماد في الشذرات (١١٢/١) أن وفاته كانت عام (٩٧ هـ) أو
(٩٨ هـ) .
٢٨٨

المئة . ( قال : قام أبو بكر رضي الله عنه ) عبد الله بن عثمان بن عامر
ابن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم التيمي بن أبي قحافة الصِّدِّيق، أوّل
الرجال إسلاماً ورفيق سيّد المرسلين في هجرته ، شهد المشاهد كلها ،
وروى مئة واثنين وأربعين حديثاً اتفقا على ستة وانفرد البخاري بأحد
عشر ومسلم بحديث . قال عمر : أبو بكر خيرنا وسيدنا وأحبنا إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم. توفي سنة (١٣ ) عن ثلاث وستين
سنة ودفن بالحجرة النبوية . قال صفي الدين الخزرجي : ترجمته في
تاريخ الشام في مجلد ونصف(١) ( فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : يا
أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ
أَنْفُسَكُم لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلِّ إذَا أَهْتَدَيْتُمْ)) (سورة المائدة: ١٠٥ )
في (( الكشاف)) : عليكم أنفسكم وما كلفتم من إصلاحها والمشي بها
في طرق الهدى ، لا يضركم الضلال عن دينكم إذا كنتم مهتدين كما
قال عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ
حَسَرَاتٍ﴾ (سورة فاطر: ٨) وكذلك مَنْ يتأسف على ما فيه الفَسَقة
من الفجور والمعاصي ولا يزالُ يذكر معايِبَهُمْ ومناكيرهم فهو مخاطَبٌ
به ، وليس المرادُ تركَ الأمر بالمعروف والنهيِ عن المنكر ، فإن مَنْ
تركهما مع القدرة عليهما فليس بمهتد ، وإنما هو بعض الضلال الذين
فصلت الآية بينهم وبينه(٢). ( وإنا سمعنا رسول الله صلى الله عليه )
وآله ( وسلم يقول : إنّ النَّاسَ إِذَا (٣) رَأَوا المُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوْهُ أَوْشَكَ أَنْ
(١) خلاصة تذهيب تهذيب الكمال للخزرجي ص : ٢٠٦ .
(٢) الكشاف للزمخشري ج٦٨٥/١
(٣) في ب : إذ
٢٨٩

يَعُمَّهُمُ اللّهُ بِعِقَابِهِ ) والظاهرُ تقييدُه بالقدرة على التغيير لما في أبي
داود : ((مَا مِنْ قَومٍ يُعْمَلُ فِيْهِمْ بالمعاصِي ثم يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيّروا
ثُمّ لا يُغَيِّرُوْنَ إلّا يُوْشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللّهُ بِعِقَابٍ))(١) (ورواه) عبد الله
ابن الإِمام أحمد ( أيضاً ببعض مغايرة ) لما تقدم ( متنا وسندا قال ) عبد
اللّه ( حدثني أبي قال حدثنا محمد بن جعفر ) الهُذَلي مولاهم البصري
أبو عبد الله الكرابيسي الحافظ ربيب شعبة ، جالسه نحواً من عشرين
سنة ، لقبه غُندَر (٢) ، قال ابن معين : كان من أصح الناس كتابا . مات
سنة (١٩٣) وقال ابن سعد : أربع ( قال : حدثنا شعبة ) بن الحجاج
ابن الورد العتكي ، مولاهم أبو بسطام الحافظ أحد أئمة الإِسلام
الواسطي نزيل البصرة . قال ابن المديني : له نحو ألفي حديث ، وقال
أحمد : شعبةُ أمَّةٌ وحدَه ، وقال ابن معين : إمام المتقين ، وقال
الحكم : شعبة إمام الأئمة ، وهو أول من تكلم في رجال الحديث .
ولد سنة ( ٨٠) ومات سنة (١٦٠). (عن إسماعيل ) يعني ابن أبي
(١) رواه أبو داود في كتاب الملاحم (برقم: ٤٣٣٨) بمثل رواية المسند ، ثم قال : وقال
عمرو عن هُشيم: (( وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما منْ قَومٍ
يُعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا ثم لا يغيّروا (كذا وردت ) إلّ يوشك أنّ
یَعُمَّهِمُ اللهُ منه بعقاب )) الحديث. وروى نحوه من حديث جرير بن عبدالله ( برقم :
٤٣٣٩) والحديث في الترمذي ( الفتن برقم: ٢١٦٩، والتفسير : ٣٠٥٩) وابن ماجه
في الفتن (٤٠٠٥) باب الأمر بالمعروف. قال الترمذي: حديث حسن صحيح (ج
٢٢١/٨ ) .
(٢) الغُنْذَر : الملحّ اللجوج ، وقد لقبه به عبدالملك بن جريج فقيه الحرم المكي (ت:
١٥٠ هـ ) حينما قدم البصرة فحدثهم بحديث عن الحسن البصري فأنكروه عليه وأكثر
محمد بن جعفر من الشغب عليه فقال له: اسكتْ يا غُندر، وفي رواية: ما تريد يا
غُندر؟ فلزمه اللقب. وفي القاموس: غلامٌ غُنْدَر وغْدُر : سمين غليظ ناعم ،
ويقال للمُبرم الملح : يا غُندر .
٢٩٠

خالد(١) المتقدم ( قال : سمعتُ قيسَ بنَ أبي حازم) المتقدم ( يُحَدِّث
عن أبي بكر الصدّيقِ رضي الله عنه أنه خَطَبَ فقال : يا أيّها الناس إنكم
تقرؤون هَذِهِ الآيةَ وتضعونها على غيرِ ما وَضَعَهَا اللّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ
آمَنُوْاَ (٢) عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ سمعت رسول
الله صلى الله عليه ) وآله ( وسلم يقول : إنّ النّاسَ إذَا رَأَوا المنكَرَ بَيْنَهُمْ
فَلَمْ يُنْكِرُوْهُ يُوْشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللّهُ بِعِقَأْبٍ (٣)) قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ
مِنْكُمْ أَمَّةٌ (٤) يَدْعُونَ إِلَى أَلَخَيْرِ وَيَأْمُرُوْنَ بِالمَعْرُوْفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ
وَأُولِئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ( سورة آل عمران: ١٠٤ ) قال شيخ الإِسلام
تقي الدين بن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه (( الحسبة في الإِسلام))
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يجب على كل أحدٍ بعينه بل هو
على الكفاية كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أَمَّةٌ يَدْعونَ إِلَىّ
الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوْفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَأُولِئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾
فإذا لم يقم به من يقوم بواجبه أَئِمَ كلِّ قادر بحسب قدرته إذ هو واجب
على كل إنسان بحسب قدرته كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :
((مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرَاً فَلْيُغَيْرُهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَأْنِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ
فَبِقَلْبِهِ وَذلِكَ أَضْعَفُ الإِيْمَانِ (٥))) وإذا كان هو من أعظم الواجبات
(١) في الأصل هنا : يعني ابن خالد المتقدم .
(٢) في ب : الآية ولم تذكر تتمتها .
(٣) مسند الإمام أحمد (٩/١) وورد الحديث هناك بلفظ: بعقابه.
(٤) في الأصل : ولتكن أمة منكم .
(٥) رواه مسلم في كتاب الإِيمان (رقم ٧٨) والترمذي في الفتن (٢١٧٣ ) قال : هذا
حديث حسن صحيح ، وابن ماجه في الفتن (١٣ - ٤) والنسائي في الإِيمان (١١ - ٥ )
والإِمام احمد (٢٠/٣، ٤٩، ٥٣) وأبو داود فى كتاب الصلاة (١١٤٠ ) من حديث=
٢٩١

والمستَحَبّات ، فالواجباتُ والمستحبّات لا بد أن تكونَ المصْلَحَةُ فيها
راجحةً على المفسدة ، إذ بهذا بُعثت الرسل ونَزَلَتِ الكتب ﴿والله لا
يحب الفساد﴾(١) بل كُلُّ ما أَمَر اللّهُ به فهو صَلَاحٌ، وقد أثنى الله على
الصَّلاَحِ والمصلحِين والذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وذمّ المفسدين
في غير موضع، فحيثُ كانت مَفْسَدَةُ الأمر والنهي أَعْظَمَ من مَصْلَحَتِهِ
لم تكن مما أمر الله به وإن كان قد تُرِك وَاجِبٌ أو فُعِل مُحرَّم ، إذ
المؤمنُ عليه أن يتقي الله في عباده وليس عليه هُدَاهُم ، وهذا معنى
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا
اهْتَدَيْتُمْ﴾ ( سورة المائدة : ١٠٥) والاهتداء إنما يتم بأداء الواجب ،
فإذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
كما قام بغيره من الواجبات لم يضرّه ضَلَالُ الضَّلَّال ، وذلك تارة يكون
بالقلب وتارة باللسان وتارة باليد ، فأما القلب فيجب بكل حال إذ لا
ضرر في فعله ومن لم يفعله فليس هو بمؤمن كما قال النبي صلى الله
عليه وسلم، وذلك أدنى أو أضعف الإِيمان. وقال: (( ليس وراء ذلك
من الإِيمان حبّة خردل))(٢). وقيل لابن مسعود : مَنْ ميت الأحياء ؟
أبي سعيد الخدري . ورواه أبو داود في كتاب الملاحم (٤٣٤٠) وان هناد بن السري
=
رواه من حديث أبي سعيد الى قوله: ((فليغيره بيده)) قال أبو داود : وقطع هناد بقية
الحديث وفاه ابن العلاء ( أي محمد بن العلاء): (( فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم
يستطع بلسانه فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)) ( السنن ٥١١/٤ )
(١) من قوله تعالى: ﴿وإذا تَوَلّى سعى في الأرْض ليُفْسدَ فيها ويُهلك الحَرْثَ والنسل واللهُ لا
يُحبُّ الفساد﴾ سورة البقرة الآية : ٢٠٥ .
(٢) روى الإمام مسلم في كتاب الإِيمان (رقم: ٨٠) من حديث عبدالله بن مسعود أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( ما من نبيّ بعثهُ اللهُ في أُمَّةٍ قبلي إلّ كان له من
أُمته حواريّون وأصحابُ يأخذُونَ بسنّته ويقْتَدُون بأمره، ثم إنها تَخْلُف من بعدهْم خُلُوف =
٢٩٢

فقال : الذي لا يعرِف معروفاً ولا يُنِكرُ منكراً، وهذا هو المفتون
الموصوف فى حديث حذيفة بن اليمان(١).
يُقُولُون ما لا يفْعِلُون ، ويفْعِلُون ما لا يؤمرون، فمن جاهدَهُمْ بيدهِ فَهُوَ مُؤْمن ، ومنَ
=
جاهدهُم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهُم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من
الإِيمان حبّةُ خرْدلٍ )) الحديث (ج ٧٠/١).
الحواريون : هم الأنصار الأصفياء ، وقيل المجاهدون ، وقيل الذين يصلحون للخلافة
بعد الأنبياء . قال الإمام النووي: ((ثم إنها تخلف من بعدهم خُلُوف)) الضمير في إنها
هو الذي يسميه النحويون ضمير القصة والشأن ، ومعنى تخلّف : تحدث وهو بضم
اللام . وأما الخُلوف فبضمّ الخاء وهو جمع خَلْف باسكان اللام وهو الخالف بشر، وأما
بفتح اللام فهو الخالف بخير ، هذا هو الأشهر . وقال جماعة وجماعات من أهل اللغة
منهم أبو زيد : يقال : كل واحد منهما بالفتح والإسكان، ومنهم من جوّز الفتح في الشر
ولم يجوّز الإِسكان في الخير والله أعلم. ( شرح صحيح مسلم ج ٢٨/٢).
(١) حذيفة بن حِسْل بن جابر العبسي ،صحابي جليل، كان صاحب سرّ رسول الله صلى الله
عليه وسلم في المنافقين . شارك في الفتوحات . له (٢٢٥) حديثاً (ت: ٣٦ هـ)
والحديث رواه بطوله الإِمام مسلم في كتاب الايمان (٢٣١ ) من حديث حذيفة ، وفيه
قوله : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تُعرض الفِتَنُ على القلوب
كالحصير عوداً عودا ، فأيُّ قلبٍ أُشربها نُكتَ فيهِنُكتّةٌ سوداءُ، وأيُّ قلب أنكرها نُكتَ فيه
نكتة بيضاء ، حتى تصير على قلبين : على أبيض مثل الصفا فلا تَضُرُّهُ فتنة ما دامت
السموات والأرضُ، والآخر أسودُ مُرْبادًا كالكوز مُجَخِّيا لا يعرف معروفاً ولا يُنكرُ منكراً
إلا ما أشرب من هواه )) الحديث . وقد روى الإمام البخاري بعضه في كتاب المناقب ،
علامات النبوة برقم ٣٥٨٦ (الفتح ٦٠٣/٦) وكتاب الفتن ( الفتح ج ٤٨/١٣ برقم:
٧٠٩٦ ) .
ومعنى نكت فيه نكتة : نقط فيه نقطة . والصفا : الحجر الأملس والمعنى ان هذا القلب
شديد التمسك بالايمان سليم من الخلل لا تلصق به الفتن كالصفا الذي لا يعلق به
شىء. ومرباداً: منصوب على الحال وهو بمعنى الأسود الذي تخالطه كدرة . والكوز
المُجخّي : المقلوب أو المائل الذي لا يثبت فيه الماء . وقد توسع الامام النووي في
شرح الحديث وبيان رواياته المختلفة في الجزء (٢) ص : ١٧٠ وما بعدها من شرحه
لصحيح مسلم .
٢٩٣

وهنا يغلط فريقان من الناس : فريق يترك ما يجب من الأمر
والنهي تأويلا لهذه الآية كما قال أبو بكر الصديق في خطبته : إنكم
تقرؤون هذه الآية ﴿عليكم أنفسكم﴾ وإنكم تضعونها في غير موضعها
الحديث . والفريق الثاني مَنْ يريد أن يأمر وينهى إما بلسانه وإما بيده
مطلقا من غير فقه وحلم وصبر ونظر فيما يصلح من ذلك وما لا يصلح
وما يقدر عليه وما لا يقدر كما في حديث أبي ثعلبة الخشني(١): سألت
عنها(٢) رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((بَلِ أَثْتَمِرُوْا بالمَعْرُوفِ
وَتَنَاهَوْا(٣) عَنِ المُنكَرِ حَتَى إِذَا رَأيْتَ شُحًا مُطَاعَاً وَهَوَى مُتَّبَعَاً وَدُنْيا مؤثرة
وَإعجابَ كُلَّ ذِي رَأيٍ بِرَأْيِهِ، وَرَأيْتَ أمراً لَا يَدَان لَكَ به فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ وَدَعْ
عَنْكَ أمْرَ العَوَامِ فَإِنّ مِنْ وَرَائِكَ أيّامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فيهِنَّ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى
الجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ كَأَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلاً يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ)(٤) فَيَأْتِي
بِالأَمْرِ والنّهي معتقداً أنه مطيع في ذلك لله ورسوله وهو متعدٍ في حدوده.
ثم قال رحمه الله : وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة فيما إذا
تعارضت المصالح والمفاسد فإنه يجب ترجيحُ الراجح منها ، فإن كان
الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأموراً
(١) أبو ثعلبة الخشني ، صحابي ، اختلف في اسمه واسم ابيه . له أربعون حديثا . توفي
وهو ساجد عام ( ٧٥ هـ) وقيل غير ذلك
(٢) أي عن الآية وهو قوله تعالى: ((عليكم أنفسكم)) التي تقدمت
(٣) في الأصل : وانهوا، وما أثبتناه من سنن أبي داود والترمذي .
(٤) رواه أبو داود في كتاب الملاحم ( برقم ٤٣٤١) وفيه زيادة : وزادني غيره قال : يا
رسول الله أجر خمسين منهم ؟ قال : أجر خمسين منكم)) ورواه الترمذي في ابواب
التفسير (ج ٢٢٢/٨ الحديث ٣٠٦٠) بلفظ مقارب وقال : حسن غريب . وابن ماجه
في الفتن ( رقم ٤٠١٤ )
٢٩٤

به ، بل يكون محرماً إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته ؛ لكن اعتبار
مقادير المصالح المفاسد هو بميزان الشريعة ، فمتى قدر الإِنسان على
اتّباع النصوص لم يعدِل عنها ، وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه
والنظائر ، وقل أنْ تُعْوِزَ النصوصُ من يكون خبيراً بها وبدلالتها على
الأحكام(١). وقد أطال في هذا البحث المهم بما لا يُستغنى عن
مراجعته فانظر واشكر .
(١) انظر ذلك في كتاب ((الحسبة في الاسلام)) ص : ٥٣ وما بعدها ، وقد نقل الشارح عنه
بتصرف يسير .
٢٩٥

الكتاب الحادي عشر
مُسْنَد الدّارميّ
رَحَهُ اللهِ تَعَالى
( قال أبو عبد الله محمد)(١) كذا في النسخ التي وقفت
عليها وصوابه أبو محمد عبد الله ( بن عبد الرحمن ) بن فضل بن
بهرام ( الدارمي السمرقندي ) الحافظ ، أحد الأعلام ، وصاحب
المسند والتفسير والجامع ، روى عنه مسلم وأبو داود والترمذي
والبخاري في غير الصحيح . قال أحمد : إمام أهل زمانه ، وقال ابن
حبّان: كان ممن حفظ وجمع وتفقّه وصنَّف وحدَّث وأظهر السنة في
بلده ودعا إليها وذبّ(٢) عن حريمها(٣) وقمع (٤) مخالفيها . ونقل
السيوطي في آخر (( التدريب)) عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال :
قلت لأبي : يا أبت ما الحفّاظ ؟ قال : يا بني شباب كانوا عندنا من
أهل خراسان وقد تفرقوا . قلت : مَنْ هم يا أبت ؟ قال : محمد بن
قال أبو محمد عبدالله بن محمد
(١) في ط :
(٢) ذبَّ يَذِبّ ذبًا وذبيا وذُبُوباً: دفع ومنع .
(٣) الحريم كأمير ما حُرم فلم يُمسّ ، والحريم منك : ما تحميه وتقاتل عنه كالحرم .
(٤) قمعه في أصل اللغة: ضربه بالمقْمعَة وهي عمود من حديد أو ما يشبه ذلك، ثم استعمل
الفعل بمعنى : قهره وذلّلَهُ وصَرَفه عمّا يريد .
٢٩٦

إسماعيل ذاك البخاريّ، وعبيد اللّه بن عبد الكريم ذاك الرازي(١)، وعبد
الله بن عبد الرحمن ذاك السمرقندي يعني الدارمي ، والحسن بن شجاع
ذاك البلخي (٢) . قلت : يا أبت فمن أحفظ هؤلاء ؟ قال : أما أبو زرعة
فأسردهم، وأما محمد بن إسماعيل فأعرفهم ، وأما عبد الله بن عبد
الرحمن فأتقنهم ، وأما الحسن بن شجاع فأجمعهم للأبواب (٣) . وقال
أبو حاتم الرازي (٤): الدارمي أثبتهم (٥).
ولد سنة (١٨١) وتوفي يوم الجمعة من أيام عرفة سنة ( ٢٥٥)
وله من العمر أربع وسبعون سنة ودفن يوم النحر ببلدة مرو، ولما نُعي
إلى البخاري استرجع وبكى وأنشد :
إن عِشتَ تُفجعْ بالأحبّةِ كُلُّهم وَفَنَاءُ نفسك لا أَبَالَكَ أَفْجَعُ
والدارمي نسبة لدارم : أبو حي من تميم فيهم بيتها وشرفها ،
وكان يسمى (( بحرا))، وإنما سمي دَارماً لأن أباه لما أتاه قوم في
(١) ولي الدين الشهير بأبي زرعة
(٢) ابو علي الحسن بن شجاع الحافظ ، كان من أئمة الحديث والمصنفين فيه . (ت :
٢٤٤ هـ) .
(٣) تدريب الراوي ج ٤٠٣/٢ .
(٤) محمد بن إدريس الحنظلي (ت: ٢٧٧ هـ ) وقد مرّ ذكره كثيرا .
(٥) جاء في تدريب الراوي (ج ٢ /٤٠٤) وقال أبو حاتم الرازي : البخاري أعلم من دخل
العراق ، ومحمد بن يحيى أعلم من بخراسان اليوم ، ومحمد بن أسلم أورعهم ،
والدارميّ أثبتهم .
ومحمد بن يحيى هو أبو عبدالله الذهلي النيسابوري أحد الأئمة الأعلام الثقات ، (ت :
٢٥٨ هـ ) قال أبوبكر بن أبي داود : هو أمير المؤمنين في الحديث . ومحمد بن أسلم
الطوسي الزاهد الرحالة في طلب الحديث . ممن روى عنه ابن خزيمة وقال : لم ترَ
عيناي مثله . شبه في وقته بابن المبارك . (ت : ٢٤٢ هـ)
٢٩٧

حمالة (١) فقال له : يا بحر إيتني بخريطة (٢) المال ، فجاءه يحملها
وهو يدرم (٣) تحتها من ثقلها ويقارب الخطو، فقال أبوه : قد جاءكم
يدارم ، فسمي (دارماً) لذلك. والسَّمَرْقْدِيّ نسبة سِمَرْقَّنْد بلدة
معروفة مركبة من ((شَمِر)) و((كَنْد )). في القاموس وشرحه في مادة
((ش م ر )) : وشَمِرُ بن افريقش ككتف أحد تبابعة اليمن غزا مدينة
السُّغد بالضم فقلعها وأباد أهلها فقيل: ((شَمِركَنْد)) ومعناه : مهدوم شَمِر
ومقلوعه، أو بناها بعد ما خَرِبَتْ فقيل: ((شَمِركَنْت)) ومعناه : قرية
شمر، و((كَنْت)) بالتركية القديمة: القرية، فعربت: ((سمرقند)).
وإسكان الميم وفتح الراء لحن وصححه الشهاب في ((شرح الشفاء)).
واستخراجها من القاموس فيه عسر فإنه لم يذكرها في السين مع
الدال وإنما اشار لها عند مادة ((ق ن د )) فقال : وسمرقند في الراء ،
يعني في باب الراء وفصل الشين ، وقد ذكر العبارة السالفة (٤) في
مادة (( ش م ر))، وقد اعترضه شارحه الزبيدي على هذا الصنيع .
(في مسنده) اعتُرض في تسميته بذلك لأنه مرتب على الأبواب، فمثله
يسمى : الجامع والسُّنن، إلا أنه اشتهر بالمسند على خلاف اصطلاح
المحدّثين ، إذ المسند ما تذكر فيه الأحاديث على ترتيب الصحابة على
حروف المعجم أو على السوابق الإِسلامية أو على الفضيلة والمزية ،
وأما المعجم فهو ما تذكر فيه الأحاديث على ترتيب الشيوخ ، والغالب
(١) الحمالة بوزن سحابة : الدية يحملها قوم عن قوم .
(٢) الخريطة : وعاء من أدَمٍ يُشرج على ما فيه ( أي يُشدّ )
(٣) دَرِم يدرِم دَرْماً ودَرِماً ودَرَماً ودَرَمانا ودَرَامةً: قارب الخطو في عجلة .
(٤) العبارة ملفقة من القاموس وشرحه التاج .
٢٩٨
:

هو الترتيب على حروف الهجاء. قال السيوطي في ((التدريب))(١):
وقد سمّى بعضهم مسند الدارمي صحيحاً، قال شيخ الإِسلام ابن
حجر : ولم أر لمغلطاي (٢) سلفاً في تسمية الدارمي صحيحاً إلا قوله إنّه
رآه بخط المنذري (٣)، وكذا قال العلائي (٤)، وقال شيخ الإِسلام:
ليس دون السنن في الرتبة ، بل لو ضُمَّ الى الخمسة لكان أمثل (٥) من
ابن ماجه فإنه أمثل منه بكثير . وقال العراقي : اشتهر تسميته بالمسند
كما سمّى البخاريّ كتابه بالمسند لكون أحاديثه مسندة ، قال : إلا أن
فيه المرسَل والمعضَل والمنقطع والمقطوع كثيرا(٦)، على أنهم ذكروا
في ترجمة الدارمي أن له الجامع والمسند والتفسير وغير ذلك ، فلعل
الموجود الآن هو الجامع والمسند فُقِد. انتهى. [باب (٧) (ما كان عليه
الناس قبل مبعث رسول الله ) وفي أصل صحيح : النبي ( صلى الله
(١) تدريب الراوي (ج ١٧٤/١ )
(٢) علاء الدين مغلطاي بن قليج الحافظ صاحب التصانيف الكثيرة ، لزم الجلال القزويني
فترة ، وتولى تدريس الحديث في الظاهرية فقام كثير من الناس ضده وبالغوا في ذمّه
وهجوه . توفي عام ( ٧٦٢ هـ) .
(٣) عبد العظيم بن عبد القوي المنذري (ت : ٦٥٦ هـ)
(٤) هو خلیل بن کیکلديّ العلائي صلاح الدین (ت : ٧٦١ هـ) وقد مرت ترجمته ( ص :
٢٢٥ ح : ١ ) .
(٥) في الأصل : أولى: والتصحيح من التدريب (ج١٧٤/١ ).
(٦) المعضل ( بفتح الضاد ) : ما سقط من إسناده اثنان فأكثر بشرط التوالي كقول مالك :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقول الشافعي : قال ابن عمر . قال ابن
الصلاح : هو لقب لنوع خاص من المنقطع . ( انظر مقدمة ابن الصلاح : ص ٦٥ وما
بعدها، والتقريب وشرحه التدريب ٢١١/١ ... وقواعد التحديث للقاسمي: ١١١)
وقد تقدم ذكر المرسل (ص: ٩٨ ح: ١) والمقطوع والمنقطع (ص: ٦١ ح: ٣).
(٧) في م، ب، ط : جاءت كلمة باب في المتن .
٢٩٩

عليه ) وآله ( وسلم من الجهل والضلالة . وبالسند إليه قال : أخبرنا
الوليد بن النضر الرملي عن سبرة (١) بن معبد من بني الحارث بن أبي
حرام من (٢) لخم) لم أقف الآن على ترجمة الوليد وشيخه المذكورين
في أسماء الرجال التي بين يدي ( عن الوَضينِ ) بن عطاء بن كنانة
الخزاعي الدمشقي، أصله من بانياس وسكن قرية كفرسوسية، وَثَّقَه أحمد
وابنُ معين ودُحَيم (٣) ، وقال ابن عديّ (٤) : لم أرَ بحديثه بأسا ،
وضعفه ابن سعد والجوزجاني (٥) وابن قانع (٦) ، وقال أبو حاتم :
تعرف وتنكر وكان قدريا (٧) . مات بدمشق في عشر ذي الحجة سنة
(١٤٩) في خلافة أبي جعفر ( أن رجلاً أَتَى النّي صلى الله عليه) وآله
( وسلم فقال : يا رسول الله إنّا كنّا أهل جاهلية وعبادة الأوثان ) وفي
(١) في م، ب ، ط : ميسرة .
(٢) في م ، ب، ط : في لخم .
(٣) دحيم الحافظ الحجة أبو سعيد عبدالرحمن بن إبراهيم الأموي الدمشقي محدث الشام
وقاضي فلسطين والأردن . روى عنه البخاري . توفي عام (٢٤٥ هـ)
(٤) عبدالله بن عدي الحافظ وقد مرّ ذكره مرات .
(٥) ابراهيم بن يعقوب الجوزجاني أبو إسحاق محدث الشام وأحد المصنفين المخرجين
الثقات : (ت : ٢٥٩ هـ) .
(٦) عبدالباقي بن قانع القاضي الحافظ. (ت : ٣٥١ هـ).
(٧) الأصل في ((القدرية)) القول بحرية إرادة الإنسان في كل ما يعمل، وإن قدر الإنسان هو
الذي يصنعه فُيُسأل عنه، وقد اطلق عليهم اسم القدرية لحديث (( القدرية مجوس هذه
الأمة )) وقد ردّ هؤلاء بأن أولى الناس أن يطلق عليهم اسم القدرية هم الذين يقولون بأن
القدر يحكم جميع أعمال الإِنسان من خير وشر ، ولكن الاسم لصق بالطائفة الاولى
وصار لقبا لها ، ومسألة الجبر والاختيار شغلت المفكرين والفلاسفة وعلماء الكلام
وعلماء الاديان منذ الأزمنة السحيقة . وقيل أول من قال بالقدر معبد الجهني وقتله
الحجاج صبراً ، وغيلان الدمشقي وقتله هشام بن عبدالملك أقبح قتلة ، وكثيراً ما يطلق
عليهم : القدرية المعتزلة .
٣٠٠
١