Indexed OCR Text

Pages 181-200

كنيته . قال مالك بن أنس : عندنا رجال علماء اسم أحدهم كنيته كأبي
سَلَمَة بنِ عبدِ الرحمن . قال ابن سعد : كان ثقة فقيها كثير الحديث.
ونقل الحاكِمُ أنه أحدُ الفقهاء السبعة . عن أكثر أهل الأخبار : مات
سنة أربع وتسعين ، وقال الفلاس : سنة أربع ومئة . (عن المغيرة بنٍ
شُعبَةَ رضي الله تعالى عنه ) ابن أبي عامر الثقفي أبي محمد ، شهد
الحديبية(١) وأسلم زمن الخندق(٢)، له مئة وثلاثون حديثاً اتفقا على
تسعة وانفرد البخاريّ بحديث ومسلم بحديثين . وعنه ابناه حمزة (٣)
وعروة (٤) والشعبي (٥) وخَلْق . شهد اليمامة (٦) واليرموك (٧)
والقادسية (٨). وكان عاقلا أديباً فَطِناً لبيباً داهياً، قيل : أحصن ألف
(١) كانت الحديبية عام ست للهجرة وقد كتب فيها كتاب صلح بين محمد بن عبد الله
صلى الله عليه وسلم وسهيل بن عمرو من قريش على أن يعود المسلمون الى المدينة
عامهم ذاك ، فإذا أرادوا الحج رجعوا في السنة التي تلي .
(٢) غزوة الخندق بين المسلمين في المدينة المنورة وقريش وأحلافها . وقد جرت في
ذي القعدة من عام (٥) للهجرة ، وعرفت باسم الخندق الذي أشار سلمان الفارسي
بحفره حول المدينة .
(٣) حمزة بن المغيرة بن شعبة تابعي ثقة ، ذكره ابن حبان في الثقات .
(٤) أبو يعفور عروة بن المغيرة بن شعبة الكوفي . ثقة ، روى عن أبيه وعن الشعبي
وغيرهما .
(٥) أبو عمرو عامر بن شراحيل . (ترجمته في ص : ٣١٧).
(٦) معركة اليمامة التي جرت بين المسلمين بقيادة خالد بن الوليد والمرتدين وانتهت
بمقتل مسيلمة الكذاب رأس المرتدين عام (١٢) للهجرة .
(٧) معركة هائلة جرت بين الروم والمسلمين وانتهت بانتصار خالد بن الوليد عام (١٣) هـ
(٨) معركة عظيمة بين المسلمين بقيادة سعد بن أبي وقاص والفرس بقيادة رستم وانتهت
بانتصار المسلمين عام (١٥) هـ
١٨١

امرأة . قال الهيثم(١): توفي سنة خمسين ( أنّ النبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمْ كَانَ إِذَا ذَهَبَ المَذْهَبَ ) قال في النهاية : مَفْعَل من الذهاب موضع
يَتَغَوَّط به(٢) . وقال وليّ الدين العراقي: يحتمل أن يرادَ به مَكانٍ أَي ذَهَبَ
في المذهب إذ تقدير الظروف بـ ((في))، أو مصدرٌ أي ذَهَبَ
مَذْهَباً ، وَعَرَّفه لإِرادة ذهابٍ خاص ( أَبْعَدَ ) فَيُنْدَبِ التباعُدُ لقضاء
الحاجة . وظاهرٌ أن العلة إخفاءُ المستهجَنِ من الخارج فيقاسُ عليه إخفاءُ
الإِخراج لأن الكلّ مستهجن .
( وَرَوَاهُ) أي روى ما يفيد مشروعيّة الإِبعاد أيضاً ( بسنده) من
حديث جابر حيث قال : حدثنا مسدد بن مسرهد ، ثنا عيسى بن
يونس (٣)، أنا اسماعيل بن عبد الملك (٤) عن أبي الزبير(عن جابر ابن
عبد الله رضي الله تعالى عنهما ) قال صفيّ الدين الخزرجي : جابر بن
عبد الله بن عمرو بن حَرَام بفتح المهملة الأنصاري السَّلَميّ بفتحتين
المدني صحابيّ مشهور ، له ألف وخمسمئة حديث وأربعون حديثاً اتفقا
على ثمانية وخمسين وانفرد البخاري بستة وعشرين ومسلم بمئة وستة
وعشرين . وشهد العقبة وغزا تسع عشرة غزوة . روى عنه بنوه
(١) لعله : الهيثم بن خارجة الخراساني أبو أحمد . قال النسائي : ليس به بأس . روی
عنه البخاري وابن ماجه والإِمام أحمد وابنه عبد الله وكثيرون . قال البخاري : مات
(٢٢٧ هـ) .
(٢) النهاية في غريب الحديث (٢ /٥٥).
(٣) عيسى بن يونس الهمداني ، عالم بالحديث ، مجاهد ، يحج عاماً ويغزو الروم
عاماً . توفي عام (١٨٧ هـ) .
(٤) اسماعيل بن عبد الملك بن الصُّفَير كما ذكره ابن حجر في تهذيب التهذيب (١ /
٣١٦ برقم ٥٧٥ ) ( أو ابن الصُّعير كما ذكره صاحب الخلاصة ) . روى عن
الكثيرين وروى عنه الكثيرون . تحدث عنه رجال الحديث .
١٨٢

وطاووس(١) والشعبي وعطاء (٢) وخلق . قال جابر : استغفر لي رسول
الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة خمساً وعشرين مرة . قال
الفلاس : مات بالمدينة عن أربع وسبعين سنة(٣). ( بلفظ أن النبيّ
صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد ) . في
القاموس وشرحه : البراز ككتاب الغائط ، وهو كناية ، لأن أصل البراز
الفضاء الواسع من الأرض البعيد ، والموضع الذي ليس فيه شجر
ولا غيره ، فكنوا به عن قضاء الغائط كما كَنَوا عنه
بالخلاء لأنهم كانوا يتبرزون في الأمكنة الخالية عن
الناس ، وهو من إطلاق المحل وإرادة الحالّ كغيره من
المجازات المرسلة. قال الخطابي في ((معالم السنن)) (٤):
المحدّثون يروونه بالكسر وهو خطأ لأنه بالكسر مصدر من المبارزة في
الحرب . وقال الجوهري(٥) بخلاف هذا ونصّه : البراز المبارزة في
الحرب ، والبراز أيضاً كناية عن ثفل الغذاء وهو الغائط . ثم قال :
والبراز بالفتح : الفضاء الواسع ، وتَبَرّز خرج إلى البراز للحاجة . انتهى
(١) طاووس بن كيسان الهمداني بالولاء أبو عبد الرحمن ، من أكبر التابعين فقهاً وحديثاً
ووعظاً للملوك . (٣٣ - ١٠٦) هـ .
(٢) أبو محمد عطاء بن أبي رباح المزني . ( ترجمته في ص : ٢٥٣ ) .
(٣) في الإصابة (١ / ٢١٣ رقم الترجمة: ١٠٢٦): قال علي بن المديني : مات جابر
بعد أن عُمّر وأوصى ألّ يصلي عليه الحجّاج ... ويقال: إنه عاش أربعاً وتسعين
سنة. وفي الشذرات (١ / ٨٤) أنه توفي عام (٧٨ هـ)، قال ابن العماد : وهو
آخر من مات من أهل العقبة عن أربع وتسعين سنة .
(٤) ((معالم السنن)) (١ /٩) وعبارته: وأكثر الرواة ... (اختلاف يسير في اللفظ )
(٥) اسماعيل بن حماد الجوهري أبو نصر، لغوي من الأئمة . أشهر كتبه الصحاح .
توفي عام ( ٣٩٣) هـ
١٨٣

فكأن المجد قلّده في ذلك ، وهکذا صرّح به النووي في تهذيبه وابن
دريد ، وقد تكرر المكسور في الحديث . انتهى .
أقول : في هذا الحديث تصريح بسنة أخرى غير الإِبعاد وهو
تغييب شخصه عن الناس والاستتار عنهم ، ولما لم يكن الحديث الأول
نصاً في ذلك أتى بالثاني لبيانها والله أعلم .
١٨٤
٠

الكتاب فى الرابع
سُنن الإمَامُ التّمُذيّ
( قال الإِمام أبو عيسى محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرَةَ ) بفتح السين
المهملة وسكون الواو وفتح الراء المهملة مخففة ابنٍ موسى بن الضحاك
السلمي ( الترمذي رضي الله تعالى عنه ) نسبة إلى ترمذ، بتثليث الفوقية
وكسر الميم أو ضمها بعدها ذال معجمة، مدينة عظيمة بخراسان ، وقال
ابن الأثير : ببلخ على طرف جيحون ، وجيحون هو النهر العظيم
الفاصل بين خوارزم وخراسان ، وبين بخارى وسمرقند ، وتلك البلاد
وكل ما كان من تلك الناحية فهو ما وراء النهر ، والمراد بالنهر جيحون
المذكور .
ولد في ذي الحجة سنة (٢٠٩) (١) هكذا في ((جامع الأصول))
و«تذكرة الحفاظ)»، وهو أحد الأعلام الحفاظ ، أخذ عن جمع منهم
(١) في الأصل: ولد في ذي الحجة سنة (٢٧٩) هـ والصحيح أنها سنة وفاته ، ومولده
عام (٢٠٩ هـ) كما ذكره ابن الأثير في جامع الأصول من أحاديث الرسول (ج ١
ص : ١١٤) والذهبي في تذكرة الحفاظ (٦٣٣/٢ الترجمة رقم : ٦٥٨).
١٨٥

البخاري وشاركه في بعض شيوخه . وذكر ابن سيد الناس (١) عن ابن
عساكر أن البخاريّ كتب عنه ، وحسبه بذلك فخراً ، وكان يضرب به
المثل في الحفظ - یروی أنه ولد أکمه(٢)، وأخذ عنه خلق کثیر رحمه
الله تعالى . ( في أوّل سننه) قال ابن الأثير : هو أحسن الكتب وأكثرها
فائدة وأحكمها ترتيباً وأقلّها تكراراً، وفيه ما ليس في غيره من ذكر
المذاهب ووجوه الاستدلال والإشارة إلى ما في الباب من الأحاديث
وتبيين أنواع الحديث من الصحة والحسن والغرابة والضعف ، وفيه
جَرْح وتعديل ، وفي آخره (( كتابُ العلل))(٣) قد جمع فيه فوائد حسنة،
وقال أبو إسماعيل الهَرَوي (٤): كتاب الترمذي عندي أنفع من كتابي
البخاريّ ومسلم لأنهما لا يقف على الفائدة منهما إلا المتبحر العالم وهو
يصل إلى الفائدة منه كلّ أحد من الناس قال النووي في
((التقريب)): وتختلف النسخ من سنن الترمذي في قوله : حسن أو
حسن صحيح ونحوه ، فينبغي أن تعتني بمقابلة أصلك بأصول
معتمدة ، وتعتمد ما اتفقت عليه (٥) . انتهى.
قال الترمذي : صنفت كتابي هذا فعرضته على علماء الحجاز
فَرَضُوا به ، وعرضته على علماء العراق فرضُوا به ، وعرضته على علماءِ
(١) أبو الفتح محمد بن محمد .. بن سيّد الناس (٦٧١ - ٧٣٤ هـ)، كان مؤرخاً
عالماً حافظاً للحديث ، أصله من أشبيلية وولد وتوفي في القاهرة .
(٢) الكَمَه : العمى يولد به الإِنسان أو عام ، وكمِهَ كفَرِحَ : عَمِيَ وصار أعشى .
(٣) هو الكتاب الحادي والخمسون ( ٩ / ٤٣٢ - ٤٦٣)
(٤) هو عبد الله بن محمد الحنبلي الهروي ، شيخ خراسان في عصره . أظهر السنة
وحارب مخالفيها وامتحن في ذلك مرات . توفي عام ( ٤٨١ هـ) .
(٥) في الجزء الأول ص : ١٦٧ من التقريب وشرحه التدريب .
١٨٦

خراسان فرضُوا به ، ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنما في بيته نبي
يتكلم". وقال : ما أخرجت في كتابي هذا إلا حديثاً قد عمل به بعض
الفقهاء . وهذا شرط واسع ، فإنّ على هذا الأصل كل حديث احتج به
محتج أو عمل به عامل أخرجه سواء صحّ طريقه أو لم يصح طريقه ،
وقد أزاح عن نفسه الكلام فإنه شفى في تصنيفه بكتابه ، وتكلّم على
كل حديث بما فيه ، ويسمى كتابه (( الجامع)) قال في أوله : أبواب
الطهارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( باب ما جاء : لَا تُقْبَلُ
صَلَةٌ بِغَيْرِ طُهُور، وبالسند إليه قال : حدثنا قتيبة بن سعيد ) الثقفيّ ،
مولاهم أبو رجاء البغلاني بمعجمة، و ((بَغْلان)) من قرى ((بَلْخ))،
أحد أئمة الحديث ، ومن أقرانه أحمد والحُمَيْدِي ، وثَّقَه ابن معين وأبو
حاتم . توفي سنة أربعين ومئتين(١). (قال: حدثنا أبو عَوَانة ) الوضاح
ابنُ عبدِ اللهِ اليشكُريّ الواسطي أحد الأعلام ، قال عفان: كان صحيح
الكتاب .وقال أبو حاتم: إذا حدّث من حفظه غلط. وقال غيره : إذا حدّث
من كتابه فهو ثقة . قال محمد بن محبوب: مات سنة ست وسبعين ومئة .
( عن سماك بن حرب ) بن أوس البكري الذهلي أبي المغيرة الكوفي
أحد الأعلام التابعين ، قال ابن المديني (٢): له نحو مئتي حديث .
وثقه أبو حاتم وابن معين في رواية ابن أبي خيثمة(٣) وابن أبي مريم .
(١) ورد في الأصل : أُربع ومئتين وهو سهو .
(٢) هو أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر السعدي بالولاء المديني البصري .
محدث ، مؤرخ ، حافظ عصره ، قيل : أعلم من أحمد بن حنبل باختلاف
الحديث . توفي عام (٢٣٤ هـ )
(٣) هو أبو بكر أحمد بن زهير ( أبي خيثمة ) بن حرب النسائي ثم البغدادي الحافظ ابن
الحافظ ، من كبار المؤرخين ورواة الأدب . توفي عام ( ٢٧٩ هـ)
١٨٧

وقال أبو طالب : عن أحمد مضطرب الحديث . قال صفيّ الدين
الخزرجي(١): عن عكرمة (٢) فقط. قال ابن قانع(٣): مات سنة ثلاث
وعشرين ومئة . (ح) (٤) تقدم الكلام عليها(٥)، قال : (وحدثنا هَنّاد)
ابن السَّريّ بنِ مصعبٍ التميميّ الدراميّ أبو السَّريّ الحافظ الصالح ،
وثّقه النسائي . قال السراج(٦): مات سنة (٢٤٣ ) (حدثنا وكيع ) تقدم
ذكره ( عن إسرائيل ) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الهمداني أبي
يوسف الكوفي الإِمام . قال أحمد : ثقة ثبت . قال ابن سعد : مات
سنة (١٦٢) وقيل إحدى (عن سماك) المتقدم (عن مصعب بن
سعد ) بن أبي وقاص الزهري أبي زرارة المدني . قال ابن سعد : ثقة
كثير الحديث ، توفي سنة (١٠٣ ) (عن ) عبد الله ( ابن عمر رضي الله
عنهما)(٧) العدوي أبي عبد الرحمن المكي ، هاجر مع أبيه ، وشهد
الخندق وبيعة الرضوان (٨)، له ألف وستمئة حديث وثلاثون حديثاً ،
اتفقا على مئة وسبعين وانفرد البخاري بأحد وثمانين ومسلم بأحد
(١) أحمد بن عبد الله الخزرجي الأنصاري الساعدي صاحب كتاب: ((خلاصة تذهيب
تهذيب الكمال في أسماء الرجال )) . من رجال القرن العاشر الهجري .
(٢) عكرمة بن عبد الله البربري المدني مولى عبد الله بن عباس تابعيٍ ، من أعلم
الناس . روى عنه زهاء (٣٠٠) رجل منهم أكثر من سبعين تابعياً . توفي عام
(١٠٥ هـ)
(٣) أبو الحسين عبد الباقي بن قانع الأموي بالولاء البغدادي الحافظ . وثقه جماعة ،
قيل : اختلط قبل موته . مات ببغداد عام ( ٣٥١ هـ) وله ست وثمانون سنة .
(٥) ص : ١٥٤ .
(٤) سقط من م : (ح) .
(٦) هو محمد بن إسحاق السراج الثقفي مولاهم أبو العباس ثقة حافظ للحديث ،
مؤرخ. له ((المسند)) و((التاريخ)). توفي عام (٣١٣ هـ). وقد جاءت العبارة في
الأصل : فقال السّرّاج .
(٧) ليس في السنن قوله : رضي الله عنهما .
(٨) معركة الخندق في شوال سنة (٥) هـ، وبيعة الرضوان في السنة السادسة للهجرة .
١٨٨

وثلاثين . في الصحيح : عبدُ الله رجلٌ صالح(١) . قال شمس الدين
الذهبي : كان إماماً متينا واسع العلم كثيرَ الاتّباعِ وافرَ النسك كبيرَ القَدْرِ
متينَ الديانة عظيمَ الحرمة ، ذُكِرَ للخلافة يومَ التحكيم وخوطب في ذلك
فقال : على أن لا يجري فيها دم . قال أبو نُعَيم: مات سنة أربع
وسبعين(٢) بـ (( فخ))(٣) موضع بمكة ، وهو فيما قيل وادي الزاهر ، وبه
دُفِن ، كذا قاله ابن حِبّان وغيره . وقال مُصعَب الزبيري (٤): دُفِنَ بِـ
((ذِي طُوى))(٥) ، يعني بمقبرة المهاجرين . وفي تاريخ الأزرقيّ (٦) أنه
دفن بالمقبرة عند ثنّة أذاخِر(٧). وقال قوم: إنه بالمُحَصَّب(٨). وأما ما
(١) رواه الشيخان في فضائل الصحابة ( ب: رقم ٣٧٣٨ و ٣٧٣٩، م: رقم ٢٤٧٨
و ٢٤٧٩) والترمذي (رقم ٣٨٢٥) بلفظ: ((إن عبد الله رجل صالح)) الحديث ،
وفي رواية، ((نعم الرجل عبد الله لو كان يصلّي من الليل)) الحديث . قال سالم:
فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلا. وفي رواية: ((أرى عبد الله رجلاً
صالحاً)) الحديث
(٢) في سنة وفاته رضي الله عنه خلاف يسير .
(٣) فَخّ بفتح أوله وتشديد ثانيه واد بمكة ، وقد اشتهر في التاريخ يوم فخ وهو الذي قُتل
فيه الحسين بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، وقيل : لم تكن مصيبة بعد
كربلاء أشد وأفجع من فخ . قال ياقوت : وفي هذا الموضع دفن عبد الله بن عمر
ونفر من الصحابة الكرام
(٤) أبو عبد الله مصعب بن عبد الله الزبيري ، علامة بالتاريخ والأنساب ، ثقة في
الحديث . توفي عام (٢٣٦ هـ) .
(٥) ذو طوى ( بضم الطاء) موضع عند مكة .
(٦) أبو الوليد محمد بن عبد الله، مؤرخ يماني الأصل. صنف كتاب: (( أخبار مكة وما
جاء فيها من الآثار)). توفي نحو عام (٢٥٠ هـ) .
(٧) الثنية في الأصل كل عقبة في الجبل مسلوكة، وثنية أذاخر ( بكسر الخاء) اسم
موضع ، قال ياقوت نقلاً عن ابن إسحاق : لما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم
مكة عام الفتح دخل من أذاخر حتى نزل بأعلى مكة .
(٨) المُحصّب موضع بين مكة ومنى، وهو إلى منى أقرب . والمُحصّب أيضاً موضع
رمي الجمار بمنى .
:
١٨٩

قيل إنه بالجبل الذي بالمعلاة(١) فلا يصحّ بوجه ، كما لا يعتد بقول من
قال إنه مات بالمدينة أو في الطريق أو غير ذلك . كذا في تاج العروس
للسيد الزبيدي .
(عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال: لا تُقْبَلُ صَلَةٌ بِغَيْرِ
طهُورٍ ) قال ابن الأثير : الطَّهور بالضم التطهّر ، وبالفتح الماء الذي
يتطهر به كالوضوء والوضوء والسُّحور والسَّحور . وقال سيبويه : الطَّهور
بالفتح يقع على الماء والمصدر معاً ، فعلى هذا يجوز أن يكون
الحديث بفتح الطاء وضمها، والمراد بهما التطهُّر(٧) . وفي
التهذيب (٣) للنووي : الطَّهور بالفتح ما يتطهر به ، وبالضم اسم
للفعل ، هذه اللغة المشهورة ، وفي أخرى بالفتح فيهما واقتصر عليه
جماعات من كبار أئمة اللغة. وحكى صاحب ((مطالع الأنوار)) الضم
فيهما وهو غريب شاذ . انتهى . ( وَلَاَ صَدَقَةٌ من غُلُول ) أصل الغلول
السرقة من مال الغنيمة قبل القسمة ، والمراد الخيانة مطلقا في
الحرام ، أي لا تقبل صَدَقةٌ من حرام . قال ابن الأثير : الغُلُول الخيانة
في المغنم والسرقة ، وكلُّ مَنْ خانَ في شيء خفية فقد غَلَّ، وسميت
غُلُولا لأن الأيدي فيها تُغَل أي يجعل فيها الغُلّ (٤) .
( قال هنّاد في حديثه) لا تُقْبَلُ صلاة ( إلّ بطهور. قال أبو
عيسى ) الترمذي ( هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن )
(١) المَعْلاة موضع بين مكة وبدر .
(٢) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (٣ /٥٤).
أي في كتاب النووي: ((تهذيب الأسماء واللغات )).
(٣)
(٤) من النهاية (١٨٩/٣) بتصرف يسير .
١٩٠
a
.

قال في ((التقريب)) (١) في بحث ((أصح الأسانيد)): الثالثة ، يعني
من الفوائد مما يناسب هذه المسألة : أصح الأحاديث المقيّدة كقولهم :
أصحّ شيء في الباب كذا ، وهذا يوجد في جامع الترمذي كثيرا وفي
تاريخ البخاري وغيرهما (٢) .
وقال المصنف في الأذكار : لا يلزم من هذه العبارة صحة
الحديث فإنهم يقولون : هذا أصح ما جاء في الباب وإن كان ضعيفا ،
ومرادهم : أرجحه أو أقلُّهُ(٣) ضعفا ، ذكر ذلك عقب قول الدارقطني :
أصحّ شيء في فضائل السور فضل ﴿قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَد﴾ ( سورة
الإِخلاص : ١) وأصحّ شيء في فضائل الصلوات فضل صلاة
التسبيح ، ومن ذلك أصح مسلسل انتهى .
(١) العبارة ليست للنووي في ((التقريب)) بل هي للسيوطي في شرحه المسمى
(( تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي)) (١ /٨٧ ).
(٢) والحديث مرويّ من حديث ابن عمر في صحيح مسلم (برقم : ٢٢٤) وكتب
السنن ومسند الإمام أحمد (٢ /٢٠، ٣٩، ٥١)، وروى الإمام أحمد نحوه من
حديث أسامة الهذليّ (٧٤/٥، ٧٥)، وبين الروايات اختلاف يسير في اللفظ .
وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة (رقم : ١٣٥): ((لا تُقبل صلاةُ مَنْ
أحدث حتى يتوضأ .. )) الحديث .
(٣) في الأصل: وأقله ... والتصحيح من التدريب (٨٨/١).
١٩١
٠

الكتاب الخامس
سُنَزّالنَّائِيِ
رَحَهُ اللّه تَعَالى
( قال الإِمام أبو عبد الرحمن أحمدُ بنُ شُعَيب ) بِنِ علي بنٍ بحر
ابن سنان بن دينار ( النِّسَائي ) بفتح النون والمدّ كما جاء في الأصول ،
وبالقصر كما في طبقات الفقهاء نسبة إلى (نَسَاء ) بلدة مشهورة
بخراسان ، وقد يقال في نسبته : نَسويّ بقلب الهمزة واواً . أحد الأئمة
المبرزين والحفّاظ الأعلام . طوّف رضي الله عنه وسمع بخراسان
والعراق والجبال والحجاز ومصر والشام والجزيرة ، وأخذ عنه خلق كثير
منهم أبو بِشْر الدولابي وأبو القاسِم الطبراني وأبو جعفر الطَّحاوي
والعُقَيليّ(١) وابن عدي وابن السني وغيرهم . وكان ورعاً متحرياً ،
اجتمع به جماعة من الحفاظ والشيوخ منهم عبد الله بن الإِمام أحمد(٢)
بطرسوس ، وكتبوا كلهم انتخابه ، وقال أبو علي النيسابوري(٣): حدثنا
١
(١) أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى العقيلي المكي صاحب الجرح والتعديل . قال
أبو الحسن القطّان : أبو جعفر ثقة جليل القدر عالم بالحديث مقدَّم بالحفظ . مات
عام (٣٢٢ هـ) في مكة .
.(٢) انظر ترجمته في ص : ٢٨٧ .
(٣) الحسين بن عليّ النيسابوري شيخ الحاكم ، من كبار حفّاظ الحديث . قال ابن =
١٩٢

النسائي الإِمام في الحديث بلا مدافعة . وكان يحافظ على صوم داود .
وقدم مصر وسكنها وانتشرت بها تصانيفه ، وأخذ عنه الناس . وكان له
أربع زوجات يقسم لهن ولا يخلو مع ذلك من سرية . وكان يكثر أكلَ
الديوك الكبار تُشتَرَى له وتسمّن وتخصی .
قال الحاكم : حسده مشايخ مصر فخرج إلى الرملة ، فسئل عن
فضائل معاوية فأمسك عنه فضربوه في الجامع فقال : أخرجوني إلى
مكة ، فأخرجوه عليلاً فمات بها شهيدا . وروى الحاكم عن مشايخ
مصر أنه خرج منها آخر عمره إلى دمشق فسئل بها عن معاوية وفضائله
فقال : ألا يرضى رأساً برأس حتى يفضل ؟ وكان يتشيع ، فما زالوا
يدفعون في خصیتیه حتى أخرج من المسجد ، ثم حُمل إلى مكة ودفن
بها بين الصفا والمروة . وقال الدارقطني : إن ذلك كان بالرملة ، وكذا
قال العبدريّ(١) انه مات بالرَّمْلَة بمدينة فلسطین(٢) . ویروی أنه دفن
ببيت المقدس . وكان خروجه من مصر في ذي القعدة سنة اثنتين
وثلاثمئة ، ووفاته سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع وثلاثمئة شهيداً
رحمه الله تعالى ورضي عنه عن ثمان وثمانين سنة .
قال الحاكم : سمعت أبا الحسن الدارقطني غير مرة يقول : أبو
عبد الرحمن ، يعني النِّسائي مُقَدَّم على كلّ مَنْ يُذكّرُ بعلم الحديث
العماد في الشذرات (٢ / ٣٨٠): سمع إبراهيم بن أبي طالب وطبقته ، وفي
=
الرحلة من النسائي ... توفي عام: ٣٤٩ هـ .
(١) رَزِينِ بن معاوية العبدريّ السَّرَقسطِيّ أبو الحسن، إمام الحرمين ، جاور بمكة زمناً
طويلاً وتوفي فيها عام (٥٣٥ هـ) له كتب منها: ((التجريد للصحاح الستة)).
(٢) كذا في الأصل .
١٩٣

وبجَرْحِ الرواة وتعديلهِم في زمانه ، وكان في غايةٍ من الورع والتقى ،
ألا ترى أنه يروي في سُنَّتِه عن الحارِثِ بن مسكين(١): هكذا قرىء
عليه وأنا أسمع ، ولا يقول في الرواية عنه حدثنا أو أخبرنا كما يقول في
روايات أخرى عن مشايخه .
( فائدة) كثيراً ما وُصفَ الأئمة بالتشيّع وعُدُّوا من الشيعة ، كما
عَدّ الحافظ ابن حجر في مقدمة (( الفتح)) ممن خرج له البخاريّ منهم
عدداً(٢)، وساق جملةً ممن خرّج لهم الشيخان السيوطي في (( تدريب
الراوي )) أيضاً وقال : هؤلاء رُمُوا بالتشيّع وهو تقديم عليّ رضي الله
عنه على الصحابة(٣). وقد عدّ ابن قتيبة في ((المعارف)) ما أناف على
أربعين إماماً محدّثاً من الشيعة .
والمراد منهم من يتولى عليّاً وأهل بيته رضوان الله عليهم ، قال
الأزهري (٤): (( الشيعة قوم يهوون هوى عترة(٥) النبيّ صلى الله عليه
وسلم ويوالونهم . ولم يُجرَّحِ مَنِ اعتدل في هذا المشرب ، وأما
(١) أبو عمرو، قاضٍ فقيه مالكي، ثقة في الحديث ، كثير الابتعاد عن الأمراء
والملوك . سجن زمن المأمون في فتنة خلق القرآن . توفي عام ( ٢٥٠ هـ)
(٢) (( فتح الباري بشرح صحيح البخاري)) المقدمة (ص : ٤٥٩ - ٤٦٠)
(٣) قال السيوطي في التدريب (١ /٣٢٨): أردت أن أسرد هنا من رمي ببدعته ممن
أخرج لهم البخاريّ ومسلم أو أحدهما .. اهـ. ثم ساق أسماء كثيرين من
المبغضين لعلي رضي الله عنه أو المتشيعين له وغيرهم .
(٤) محمد بن أحمد الهروي أحد الأئمة في الفقه واللغة والأدب . توفي عام ( ٣٧٠هـ)
(٥) قال ابن الأثير في النهاية (٣ /٧٢): عترة الرجل : أخصّ أقاربه ، وعترة النبي
صلى الله عليه وسلم بنو عبد المطلب ، وقيل : أهل بيته الأقربون وهم أولاده وعليّ
وأولاده ، وقيل: عترته الأقربون والأبعدون منهم. اهـ . ثم أورد أقوالاً أخرى
وقال : والمعروف أن عترته أهل بيته الذين حرّمت عليهم الزكاة .
١٩٤
١

غُلَاتُهُم الضُّلَالُ فلم يخرّج لهم المحدّثون في دواوين السنة المشهورة ))
فَلْيُعْلَمِ الفرقُ بين معتدلتهم وغُلاتِهِم ، وأنَّ مَنْ وُصِفَ من الأئمة الثقات
بذلك كان من القسم الأول ؛ وفي هذا المقام كلام بسط في غير هذا
الموضع والله أعلم .
( في أوّل سننه الصغرى المسمّاة بالمجتبى ) ذكر الأئمة أن
النّسائي رحمه الله تعالى صنف في أوّل الأمر كتاباً يقال له ((السنن
الكبرى )) وهو كتاب جليل ضخم الحجم لم يكتب مثله في جمع طُرُق
الحديث وفي بيان مخرجه . قال ابن الأثير : وسأله بعض الأمراء عن
كتابه السنن الكبرى : إن جميع أحاديث كتابك صحيح ، فقال في
جوابه: لا، فأمره الأمير بتجريد الصحاح منه، فصنع ((المجتبى)) من
((السنن الكبرى)) وترك كل حديث أورده في الكبرى مما تكلم في
إسناده بالتعليل ، ويروى أنه سماه ((المجتنى)) بالنون ، والمعنى قريب
والأول أشهر ، فإذا أطلق المحدّثون قولهم : رواه النّسائي ، فمرادهم
هذا المختصر لا الكبرى .
وفي (( البدر المنير)) نقلاً عن الحافظ ابن منده كما أفاده ابن
طاهر : أن شرط النسائي إخراج أحاديث أقوام لم يُجتمَعْ على تركهم ،
وإذا صح الحديث باتصال الإِسناد من غير قَطعْ ولا إرسال . قال ابن
طاهر : سألت أبا القاسم سعيد بن علي الزنجاني عن حال رجلٍ من
الرواة فوثقه ، قلت : إن أبا عبد الرحمن (١) النَّسائي ضعّفه، فقال
لي : لأبي عبد الرحمن في الرجال شرطٌ أشدُّ من شرطِ البخاريّ
(١) في الأصل : عبد الله .
١٩٥

ومسلم . وقال أبو طالب أحمد بن نصر الحافظ(١) : مَنْ يصبرُ على ما
يصبر عليه النّسائي، كان عنده حديث ابنٍ لَهِيعة (٢) ترجمة ترجمة فما
حدث بها. وقال أحمد بن محبوب الرملي : سمعت أبا عبد الرحمنِ النسائي
يقول : لما عزمتُ على جمع كتاب السُّنَن استخرتُ الله تعالى في
الرواية عن شيوخٍ كان في القلبِ منهم بعضُ الشيء فوقعت الخيرة
على تركهم ، فنزلتُ في جملة من الحديث كنت أعلو منها عنهم .
وقال أبو الحسن المغافري الفقيه : إذا التفت إلى ما يخرّجه أهلُ
الحديث فما خرّجه النَّسائي أقربُ إلى الصحيح مما خرّجه غيره ، بل
من الناس من يعدّه من أهل الصحيح ، وقد حدثنا عنه أنه قال : لم
أخرّج في كتابي السنن من يتفق على تركه ؛ فإن أخرجَ منه أحدٌ أُبّنه ،
وهذه رتبة شريفة . وقال الحافظ أبو عبد الله بن منده : الذين أخرجوا
الصحيح ، وميّزوا الثابت من المعلول والخطأ من الصواب أربعة :
البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي . وقال أبو بكر البرقاني الحافظ(٣):
ذكرت لأبي الحسن الدارقطني أبا عبيد بن حربويه (٤)، فذكر من جلالته
وفضله وقال : حدثنا عنه أبو عبد الرحمن النسائي في الصحيح ، ولعله
(١) قال الخزرجي في الخلاصة (ص : ١٣): ((أحمد بن نصر الإِمام ذكرته تمييزاً))
ولم يزد على ذلك. وذكره ابن العماد في وفيات عام (٣٢٣ هـ ) بقوله : وفيها
الحافظ أبو طالب أحمد بن نصر البغدادي ... قال الدار قطني : ثقة مأمون .
(٢) أبو عبد الرحمن عبد الله بن لهيعة ( ترجمته في ص : ٣٧٦).
(٣) أحمد بن محمد المعروف بالبرقاني ، عالم بالحديث من خوارزم ، استوطن بغداد
ومات فيها عام ( ٤٢٥ هـ ) .
(٤) لعله أبو عبيد المذحجي صاحب سليمان بن عبد الملك ، اختلف في اسمه . روى
عن أنس وعمر بن عبد العزيز ، وروى عنه الأوزاعي ومالك ، وأخرج له النسائي .
ذكره ابن حبان في أتباع التابعين. ( تهذيب التهذيب ١٢ /١٥٨ الترجمة ٧٥٥ ).
١٩٦

مات قبله بعشرين سنة . قال ابن طاهر: فالدارقطني سمى كتاب
((السنن)) صحيحاً مع فضله وتحقيقه في هذا الشأن . وقال الحافظ عبد
الغني المقدسي : سمعت أبا علي الحسن بن خضر السيوطي(١)
يقول : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم وبين يديه كتب كثيرة
منها كتاب (( السنن)) لأبي عبد الرحمن فقال لي النبي صلى الله عليه
وسلم : إلى متى وإلى كم؟ هذا يكفي ، وأخذ بيده الجزء الأول من
كتاب الطهارة من السنن لأبي عبد الرحمن ، فوقع في روعي أنه يعني
كتاب السنن لأبي عبد الرحمن . وقال أبو محمد بن حزم : قواعد
الإِسلام أربعة الصحيحان وكتابا أبي داود والنسائي فارجعوا إليها . وقال
الحافظ أبو طاهر السلفي (٢) إنه اتفق على صحته علماء المشرق
والمغرب ولا يخلو من نزاع. انتهى .
وبالجملة فقد نقل التاج السبكي(٣) أن سننه أقلّ السنن بعد
الصحيحين حديثاً ضعيفاً ، قال السخاوي : ولذلك قال ابن رُشَيد (٤):
إنه أبدع الكتب المصنفة في السنن تصنيفا وأحسنها ترصيفا ، وهو جامع
(١) ذكره ابن العماد في وفيات عام: ٣٦١ هـ (٣٩/٣) قال: روى عن النّسائي.
والسيوطي : نسبة الى سيوط في صعيد مصر، يقال : أسيوط ( بضم الهمزة
وكسرها ) وسيوط ( بتثليث السين ) كما ذكره الجلال السيوطي .
(٢) أحمد بن محمد بن سِلَفة ( بكسر السين وفتح اللام ) حافظ مكثر، رحل في طلب
الحديث . توفي عام : ٥٧٦ هـ
(٣) قاضي القضاة عبد الوهاب بن علي أبو نصر، ولد في مصر عام (٧٢٧ هـ) وانتقل
مع أبيه الى دمشق وتولى القضاء فامتحن وسجن مرات فصبر وعفا . من مصنفاته :
((طبقات الشافعية)). توفي عام ( ٧٧١) هـ .
(٤) محمد بن عمر أبو عبد الله الفهريّ السبتي . رحالة عالم بالأدب ، عارف بالتفسير
والتاريخ . له عدة مصنفات في الحديث . توفي عام ( ٧٢١ هـ) .
١٩٧

بين طريقتي البخاريّ ومسلم مع حظٍ كثير من بيان العلل ، بل قال
بعض المكيين من شيوخ ابن الأحمر(١) : إنه أشرف المصنفات كلها
وما وضع في الإِسلام مثله .
( كتاب الطهارة : تأويل قولِه تعالى : ) وفي نسخةٍ عزّ وجلّ ( إذا
قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوْهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلى المَرَافِقِ ) ( المائدة :
٦) أشار النسائي رحمه اللّه تعالى بهذه الآية إلى أن جميع ما خرّجه
في ((كتاب الطهارة )) من الأحاديث فإنّما تُطلَبُ للصلاة لكونِها من
وسائلها، ومعلومٌ أن السنة مُبَيِّنَةٌ لما أُجمل في الكتاب العزيز ، والتأويل
في لفظ السلف كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية له معنيان :
( أحدهما ) تفسير الكلام وبيان معناه سواء وافق ظاهره أو
خالفه ، فيكون التأويل والتفسير عند هؤلاء متقاربين أو مترادفين(٢)،
وهذا ، والله أعلم ، هو الذي عناه مجاهد أن العلماء يعلمون تأويله .
ومحمد بن جرير الطبري(٣) يقول في تفسيره : القول في تأويل قوله كذا
وكذا ، واختلف أهل التأويل في هذه الآية ونحو ذلك ، ومراده
التفسير .
( والمعنى الثاني ) في لفظ السلف هو نفسُ المراد بالكلام ، فإن
الكلام إن كان طلباً كان تأويلُهُ نفسَ الفعلِ المطلوب ، وإن كان خبراً
(١) محمد بن معاوية المعروف بابن الأحمر محدث أندلسي ، رحل الى المشرق وكان
أوّل من أدخل سنن النسائي إلى الأندلس وانتشر عنه. توفي عام (٣٦٥ هـ)
(٢) في الأصل : متقاربا أو مترادفاً
(٣) الإِمام محمد بن جرير الطبري شيخ المفسرين والمؤرخين . ولد في طبرستان
واستوطن بغداد . امتنع عن القضاء . توفي عام (٣١٠ هـ)
١٩٨

كان تأويله نفسَ الشيءِ المخبر به . وبين هذا المعنى والذي قبله بون ،
فإن الذي قبله يكون التأويل فيه من باب العلم والكلام كالتفسير والشرح
والإِيضاح ويكون وجود التأويل في القلب ، واللسان له الوجود الذهني
واللفظي والرسمي ، وأما هذا فالتأويل فيه نفس الأمور الموجودة في
الخارج سواء كانت ماضية أو مستقبلة ، فإذا قيل : طلعت الشمس ،
فتأويل هذا نفس طلوعها ، وهذا الوضع والعرف هو لغة القرآن التي
نزل بها كقوله تعالى: ﴿هذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ(١)﴾ ( سورة يوسف:
١٠٠)، فتأويل الأحاديث التي هي رؤيا منام نفس مدلولها الذي(٢)
تَؤُول إليه ، وقد أطال البحث في ذلك رحمه الله في مصنفه المسمى بـ
((القاعدة في التأويل والمعنى))، إلى أن ذكر أن إدخال أسماء الله
وصفاته - وبعض ذلك في المتشابه الذي استأثر الله بعلم تأويله كما
يقول بذلك طوائف - هو مخالف لمذهب السلف : الإِمام أحمد وغيره،
وتتمة البحث ثمة .
وقوله : ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ أي: أردتم القيام إليها كما في
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ﴾ ( سورة النحل: ٩٨ )
وكقولك : إذَا ضربتَ غلامَكَ فهوّنْ عليه، في أن المراد إرادة
الفعل ، وإنما جاز أن يُعبّر عن إرادة الفعل بالفعل لأن الفعلَ يوجَدُ
بقدرة الفاعِلِ عليه ، وإرادَتُهُ له هو قصدُهُ إليه وميلُهُ وخُلوصُ داعيه ،
فكما عبّر عن القدرة على الفعل بالفعل في قولهم : الإِنسان لا يطير
(١) من قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْه على العرشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدا وَقَالَ: يَا أَبَتِ هذا
تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا .. ) الآية .
(٢) في الأصل : التي .
١٩٩

والأعمى لا يبصر ، أي لا يقدران على الطيران والإِبصار ، ومنه قوله
تعالى ﴿نُعِيْدُهُ وَعْدَاً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَأْعِلِيْنَ﴾(١) (سورة الأنبياء: ١٠٤)
يعني : إنا كنا قادرين على الإِعادة ، كذلك عبّر عن إرادة الفعل بالفعل
وذلك لأن الفعل مسبَّبُ عن القدرة والإِرادة فأقيم المسبَّب مقام السبب
للملابسة بينهما ولإِيجاز الكلام ، ونَحْوُه من إقامةَ المسبّب مقام السبب
قولهم : كما تدين تدان ، عبّر عن الفعل المبتدأ الذي هو سبب الجزاء
بلفظ الجزاء الذي هو مسبب عنه .
وقيل : معنى ﴿قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ قصدتموها، لأنّ من توجّه
إلى شيء وقام إليه كان قاصداً له لا محالة، فعبر عن القصد لها بالقيام
إليها إطلاقاً لاسم أحد لازِمَيْهَا على لازِمِهَا الآخَر . وظاهر الآية الكريمة
يوجب الوضوء على كل قائم إليها وإن لم يكن محدثاً لما أنَّ الأمرَ
للوجوب قطعا ، والإِجماع على خلافه ، وقد صحّ أن النبيّ صلى الله
عليه وسلم صلّى الصلواتِ الخمسَ يومَ الفتح بوضوء واحد ومسح خُفِيه
فقال عمر رضي الله عنه : يا رسولَ الله صنعت شيئاً لم تكن تصنعه ،
فقال صلى الله عليه وسلم: ((عمداً فعلتُهُ يا عمر))(٢) يعني بياناً للجواز.
وحملُ الأمر بالنسبة إلى غير المحدث على الندب مما لا مساغ
(١) من قَوْلِهِ تَعَالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَّاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ، كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ
نُعِيدُهُ ، وَعْدَاً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ الآية .
(٢) رواه مسلم في كتاب الطهارة ( رقم : ٢٧٧ ) والترمذي كذلك ( برقم : ٦١) وأبو
داود والنسائي والإمام أحمد (٥ / ٣٥٠، ٣٥١، ٠٠٣٥٨) من حديث سليمان بن
بريدة عن أبيه مع اختلاف في اللفظ يسير .
٢٠٠