Indexed OCR Text

Pages 121-140

بهم فتك وحذق في أمور الدنيا، وهو نحو الحديث الآخر ((أكثر أهل الجنة
=
البله )) قال القاضي : معناه سواد الناس وعامتهم من أهل الإِيمان الذين لا
يفطنون للسنه فيدخل عليهم الفتنة أو يدخلهم في البدعة أو غيرها فهم ثابتو
الإِيمان وصحيحو العقائد ، وهم أكثر المؤمنين وهم أكثر أهل الجنة ، وأما
العارفون والعلماء العاملون والصالحون المتعبدون فهم قليلون وهم أصحاب
الدرجات .
قال: وقيل معنى الضعفاء هنا وفي الحديث الآخر (( أهل الجنة كل
ضعيف متضعف )» أنه الخاضع لله تعالى المذل نفسه له سبحانه وتعالى ضد
المتجبر المستكبر .
وقال الحافظ ابن حجر ( فتح الباري ٥٩٧/٨) قوله: ((بالمتكبرين
والمتجبرين)) قيل : هما بمعنى، وقيل المتكبر المتعاظم بما ليس فيه والمتجبر
الممنوع الذي لا يوصل إليه وقيل الذي لا يكترث بأمر .
قوله: ((ضعفاء الناس وسقطهم)) بفتحتين أي المحتقرون بينهم
الساقطون من أعينهم هذا بالنسبة إلى ما عند الأكثر من الناس وبالنسبة إلى
ما عند الله هم عظماء رفعاء الدرجات ، لكنهم بالنسبة إلى ما عند أنفسهم
لعظمة الله عندهم وخضوعهم له في غاية التواضع لله والذلة في عباده
فوصفهم بالضعف والسقط بهذا المعنى صحيح أو المراد بالحصر في قول
الجنة (( إلا ضعفاء الناس)) الأغلب . والله أعلم .
- ١٢١ -

نِعِيمُ الدُّنْيَا وَبُؤْسُهَا فِى الْآخِرَةِ
٧٧ - قال الإِمام أحمد رحمه الله (٢٥٣/٣):
حدثنا عفان ثنا حماد قال أنا ثابت عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال:
.(( يؤتى بأشد الناس كان بلاء في الدنيا من أهل الجنة فيقول : اصبغوه صبغة
في الجنة فيصبغونه فيها صبغة فيقول الله عز وجل : يا ابن آدم هل رأيتَ بؤساً
قط أو شيئاً تكرهه؟ فيقولُ : لا وعزتك ما رأيتُ شيئاً أكرهه قط ثم يؤتى
بأنعم الناس كان في الدنيا من أهل النار فيقول : اصبغوه فيها صبغة فيقول :
يا ابن آدم هل رأيت خيراً قط قرة عين قط فيقول: لا وعزَّتك(١) ما رأيتُ
خيراً قط ولا قُرَّةَ عينٍ قط )).
( حديث صحيح )
[ وأخرجه أحمد أيضا (٢٠٣/٣) ومسلم (٢٨٠٧) ونحوه عند ابن ماجة (٤٣٢١) ].
(١) فيه دليل على جواز الحلف بعزة الله، وقد بوب البيهقي كذلك في السنن
الكبرى (٤١/١٠) باب ما جاء في الحلف بصفات الله تعالى كالعزة والقدرة
والجلال والكبرياء والعظمة والكلام والسمع ونحو ذلك .
- ١٢٢ -

مِنْ مَشَاهِدِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ
٧٨ - قال الإِمام البخاري (٣٣٤٨):
حدثنا إسحاق بن نصر حدثنا أبو أسامة عن الأعمش حدثنا أبوصالح عن أبي سعيد الخدري
رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال :
((يقولُ الله تعالى: (١)يا آدم فيقول: لبيك وسعديك والخيرُ في يديك
فيقول : أَخْرِجْ بعثَ النارِ قال : وما بعثُ النارِ ؟ قال : من كل ألفٍ تسعمائة
وتسعة وتسعين فعنده يشيبُ الصغير ، ﴿ وتضع كلَّ ذاتٍ حمل حملها ، وترى
الناسَ سُكارى وما هم بسكارى ولكن عذابَ الله شديد ﴾ قالوا : يا رسول الله
وأيّنا ذلك الواحد؟ قال: ((أبشروا فإن منكم رجلا ومن يأجوج ومأجوج
ألف )) ثم قال: ((والذي نفسي بيده إني أرجو أن تكونوا رُبُعَ أهل الجنة))
فكبَّرنا فقال: ((أرجو أن تكونوا ثُلُثَ أهل الجنة)) فكبرنا فقال: ((أرجو أن
تكونوا نصف أهل الجنة)) فكبرنا فقال: (( ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء
في جلد ثور أيض أو كشعرة بيضاء في جلد ثورٍ أُسْود )) .
[ وأخرجه البخاري في عدة مواضع من صحيحه، ومسلم (٢٢٢) وعزاه المزي للنسائي ] .
(١) ورد في بعض الروايات أن ذلك يوم القيامة وهو صحيح .
- ١٢٣ -

شَهَادَةُ جَوَارِحِ الْإِنْسَانِ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
٧٩ - قال الإِمام مسلم رحمه الله (٢٩٦٨) :
حدثنا محمد بن أبي عمر حدثنا سفيان عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال :
قالوا : يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ قال :.
((هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحابة؟ )) قالوا:
لا قال: ((فهل تُضَارُّون في رؤيةِ القمرِ ليلةَ البَذْرِ ليس في سَحَابة ؟)) قالوا :
لا قال: «فوالذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في
رؤية أحدهما)) قال:((فَيَلقى العبدَ فيقول: أي فل (١) لم أُكْرِمْكَ
وأُسَوَّذِكُ(٢) وأزوَّجكَ وأَسخّر لك الحيلَ والإِبلَ. وأُذَرْكَ
ترأسُ وتَرْبَعُ (٤) فيقول: بلى)) قال ((فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول :
لا فيقول : فإني أنساك كما نسِيتني ثم يَلْقَى الثاني فيقول: أى قُل ألم أكْرِمْكَ
وأُسوِّذْك وأُزَوَّجك وأسخِر لك الخيلَّ وَالإِبلَ وأُذَرْك ترأسُ وتَرْبَعُ ؟ فيقول: بلى أي
رب ! فيقول : أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول : لا فيقول: فإني أنساك كما نسعي ثم
يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك فيقول : يارب آمنتُ بك وبكتابك وبرسلك
وصليتُ وصمتُ وتصدقتُ ويثنى بخير ما استطاع فيقول ههنا إذاً(٥)) قال:
(١) معناه يا فلان وهو تزخيم على خلاف القياس .
(٢) أسودك أي أجعلك سيدا على غيرك .
(٣) ترأس أي تكون رئيسا للقوم .
(٤) تربع بفتح التاء والباء الموحدة تأخذ المرباع الذي كانت ملوك الجاهلية
تأخذه من الغنيمة وهو ربعها يقال ربعتهم أي أخذت ربع أموالهم ومعناه
ألم أجعلك رئيسا مطاعا ، وفيها أقوال أخر .
(٥) معناه قف ههنا حتى يشهد عليك جوارحك إذ قد صرت منكرا .
١٢٤ _
-

ثم يقالُ له : الآن نبعثُ شاهدنا عليك ويتفگَّر في نفسه من ذا الذي يشهد
علَّى فيُختم على فِيهِ ويُقالُ لِفَخِذِهِ ولحمهِ وعظامِه : انطقي فتنطق فَخِذُهُ ولحمه
وعظامه بعمله (١) وذلك ليُعْذِرَ من نفسه . وذلك المنافق وذلك الذي
( حديث صحيح )
يَسْخِطُ الله عَلَيهِ )) .
[ وأخرجه أبو داود (٤٧٣٠) ] .
٨٠ - قال الإِمام مسلم رحمه الله (٢٩٦٩) :
حدثنا أبو بكر بن النضر بن أبي النضر حدثنى أبو النضر هاشم بن القاسم حدثنا عبد الله
الأشجعي عن سفيان الثوري عن عبيد المكتب عن فضيل عن الشعبي عن أنس بن مالك قال :
كنا عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فضحك فقال :
((هل تدرون مما أضحك؟)) قال: قلنا: الله ورسوله أعلم قال: ((من
مُخاطبةِ العبدِ رَبَّه يقول: ياربِ ألم تُجِرْني من الظُّلم؟)) قال: ((يقول : بلى
قال: ((فيقول: فإني لا أجيزُ على نفسي إلا شاهداً مني)) قال: ((فيقول:
كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام الكاتبين شهوداً)) قال: ((فَيُحْتَمُ على
فِيهِ فيقالُ لأركانِهِ(٢) انطقي)) قال: ((فتنطق بأعمالِه)) قال ((ثم يُخلَّى بينه وبين
(١) وشاهد هذا الحديث من التنزيل قوله تعالى: ﴿حتى إذا ما جاءوها شهد
عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون ، وقالوا لجلودهم :
لم شهدتم علينا قالوا : أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول
مرة وإليه ترجعون ، وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا
أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون ، وذلكم
ظنكم الذي ظنتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين ﴾
[ فصلت : ٢٠- ٢٣ ] .
(٢) أركانه : أي جوارحه .
- ١٢٥ -

الكلام)) قال ((فيقول: بُعداً لكُنَّ وسحقاً فعنكن كنتُ أُنَاضِل))(١).
( حديث صحيح )
[ وعزاه المزي للنسائي ]
(١) أناضل : أجادل وأدافع .
- ١٢٦ _

قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى :
وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
[ الزمر : ٦٧ ]
٨١ - قال الإِمام البخاري رحمه الله (٤٨١٢) :
حدثنا سعيد بن عفير قال حدثنى الليث قال حدثنى عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن ابن
شهاب عن أبي سلمة أن أبا هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول :
((يَقْبِضُ الله الأرضَ ويطوي السماواتِ بيمينهِ ثم يقول: أنا الملِكُ أين مُلوكُ
( حديث صحيح )
الأرضِ )) .
[ وأخرجه مسلم (٢٧٨٧) وابن ماجة (١٩٢) ] .
٨٢ - قال الإِمام البخاري رحمه الله (٧٤١٢) :
حدثنا مقدم بن محمد قال حدثنى عمي القاسم بن يحيى عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر
رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال :
(( إنَّ الله يقبضُ يوم القيامةِ الأرضَ ، وتكونُ السماواتُ بيمينه ثم يقولُ :
( حديث صحيح )
أنا الملك)).
[ رواه سعيد عن مالك ] .
٨٣ - قال الإِمام مسلم رحمه الله ( ص ٢١٤٨ ):
حدثنا سعيد بن منصور حدثنا يعقوب (يعني ابن عبد الرحمن) حدثنى أبو حازم عن عبيد الله بن مقسم
أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال :
((يأخذُ الله عزَّ وجلَّ سماواتِهِ وأَرْضيْهِ بيديه فيقول أنا الله (ويقبض أصابعه
- ١٢٧ -

ويبسطها ) أنا الملكُ)) حتى نظرتُ إلى المنبر يتحرك من أسفل شيءٍ منه حتى
إني لأقول أساقطٌ هو برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلّم))(١).
( حديث صحيح )
[ وأخرجه ابن ماجة (١٩٨) وعزاه المزي في الأطراف للنسائي].
٨٤ - قال الإِمام البخاري رحمه الله (٧٤١٤) :
حدثنا مسدد سمع يحيى بن سعيد عن سفيان حدثنى منصور وسليمان عن إبراهيم عن عبيدة
عن عبد الله أن يهوديا جاء إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال:
((يا محمد إن الله يمسك السماوات على إصبع والأرضين على إصبع والجبال
على إصبع والشجر على إصبع والخلائق على إصبع ثم يقول : أنا الملك فضحك
رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى بدت نواجذه ثم قرأ : ﴿ وما
قدروا الله حق قدره ﴾ .
( حديث صحيح )
قال يحيى بن سعيد: وزاد فيه فضيل بن عياض عن منصور عن إبراهيم عن
عبيدة عن عبد الله فضحك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تعجبا
وتصديقا له .
[ وأخرجه مسلم (٢٧٨٦) والترمذي (٣٢٣٨) وقال هذا حديث حسن صحيح وغزاه المزي
النسائي ] .
(١) في بعض روايات مسلم من طريق عمر بن حمزة عن سالم بن عبد الله
أخبرني عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله
وسلم : (( يطوي الله عز وجل السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده
اليمنى ثم يقول : أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون ؟ ثم يطوي الأرضين
بشماله ثم يقول : أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون))، وعمر بن حمزة
ضعيف فذِكرُ الشمال ضعيف .
- ١٢٨ -

،
مُرُوجُ بَعْضٍ مَنْ يَدْخُلُونَ النَّارَ مِنْهَا
٨٥ - قال الإِمام أحمد رحمه الله (٢٢١/٣) :
حدثنا حسن ثنا حماد عن ثابت البناني وأبي عمران الجونى عن أنس بن مالك أن رسول الله
صلى الله عليه وعلى آله وسلم قالٍ :
(( يَخْرُجُ من النَّار أربعةٌ يُعرضون على الله عزَّ وجلَّ فيأمُر بِهِم إلى النَّار
فيلتفتُ أَحَدُهُم فيقولُ : أي ربِّ قد كنتُ أَرْجُو إن أُخْرَجتني منها أن لا تُعيدني
فيها فيقولُ : فلا تُعيدكَ فيها))(١).
( حديث صحيح )
وفي حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم (١٨٢٧) قال : قال
=
رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((إن المقسطين عند الله على
منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل ، وكلتا يديه يمين )) .
(١) هذا محمول على أن هذا الرجل من أهل التوحيد، وقد وردت جملة أحاديث
في خروج أهل التوحيد من النار تقدم بعضها قريبا .
- ١٢٩ -

السُّؤَالُ عَنِ النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
٨٦ - قال الترمذي رحمه الله (٣٣٥٨) :
حدثنا عبد بن حميد حدثنا شبابة عن عبد الله بن العلاء عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عزرم
الأشعري قال : سمعت أبا هريرة يقول: قال رسولُ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
((إِن أوَّلَ ما يُسئل عنه يوم القيامة - يعني العبدَ - من النعيمِ أَن يُقال
له : ألم نُصح لكَ جِسْمَكَ ونَرْوُيِكَ من الماءِ الباردِ )) (١). (حديث صحيح)
قال الترمذي هذا حديث غريب .
[ قلت: وأخرجه ابن حبان ( ٢٥٨٥ موارد الظمآن) والحاكم (١٣٨/٤) وقال هذا حديث
صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وقال الذهبي صحيح ] .
(١) أخرج مسلم (٢٠٣٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : خرج
رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذات يوم أو ليلة فإذا هو بأبي
بكر وعمر فقال: (( ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة)) قالا: الجوع
يا رسول الله ! قال: ((وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما
قوموا)) فقاموا معه فأتى رجلا من الأنصار فإذا هو ليس في بيته فلما رأته
المرأة قالت : مرحبا وأهلا! فقال لها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله
وسلم: ((أين فلان)) قالت : ذهب يستعذب لنا من الماء إذ جاء الأنصاري
فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصاحبيه ثم قال الحمد
لله ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني قال فانطلق فجاءهم بعذق فيه بشر وتمر
ورطب فقال : كلوا من هذه ، وأخذ المدية فقال له رسول الله صلى الله
عليه وعلى آله وسلم: (( إياك والحلوب)) فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن
ذلك العذق وشربوا فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله صلى الله عليه :-
٠ ١٣٠ -
1

وعلى آله وسلم (( والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة .
=
أخرجكم من بيوتكم الجوع ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم)).
...
- ١٣١ -

تَحْذِيرُ مَنْ تَهَاوَنَ فِى الْعَمَلِ لِلْآخِرَةِ
٨٧ - قال الترمذي رحمه الله (٢٤٢٨):
حدثنا عبد الله بن محمد الزهري البصري حدثنا مالك بن سعيد أبو محمد التميمي الکوفي حدثنا
الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
« يُؤْثَى بالعبدِ يومَ القيامةِ فيقولُ الله له: أَلَمْ أَجْعَلْ لك سمعاً وبصراً ومالاً
وولداً وسخّرتُ لك الأنعامَ والحرثَ وتركتُك تَرْأَسُ(١) وتَرْبَعُ (٢) فكنتَ تظنَّ
أنك مُلاقى يومك هذا؟)) قال ((: فيقول لا فيقول له : اليوم أنساكَ كما
(٣)
( حديث حسن )
نسيتي ))(٢) . .
قال الترمذي : هذا حديث صحيح غريب ، ومعنى قوله اليوم أنساك يقول اليوم أتركك في
العذاب هكذا فسروه .
قال أبو عيسى : وقد فسر بعض أهل العلم هذه الآية ﴿ فاليوم ننساهم﴾ قالوا إنما معناه اليوم
نتركهم في العذاب .
(١) قال المباركفوري في شرحه للترمذي ( تحفة الأحوذي ١١٥/٧) : قوله
ترأس : بوزن تفتح: رأس القوم يرأسهم إذا صار رئيسهم ومقدمهم.
(٢) تربع : أي تأخذ ربع الغنيمة يقال ربعت القوم إذا أخذت ربع أموالهم أي
ألم أجعلك رئيسا مطاعا لأن الملك كان يأخذ ربع الغنيمة في الجاهلية دون
أصحابه ويسمى ذلك الربع المرباع .
(٣) وتفسير من فسر النسيان بأنه الترك له وجه قوي وهو أحد أقوال أهل
التفسير ، فالله عز وجل لا ينسى كما قال سبحانه : ﴿في كتاب لا =
- ١٣٢ -

يضل ربي ولا ينسى﴾ [طه: ٥٢]، وقال تعالى: ﴿ وما كان ربك
نسيا﴾ [مريم: ٦٤ ]، أما النسيان الوارد في هذا الحديث وفي قوله تعالى :
﴿ فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا﴾ [الأعراف: ٥١ ]، وقوله
تعالى : ﴿ كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ﴾
[ طه : ١٢٦] فهو محمول على أحد محامل :
الأول : الترك كما نقل الترمذي عن بعض أهل العلم .
الثاني : نسيهم الله من الخير ولم ينسهم من الشر وهي كقول من قال *
نتركهم من الرحمة كما تركوا أن يعملوا للقاء يومهم ..
الثالث : يعاملهم معاملة من نسيهم لأنه تعالى لا يشذ عن علمه شيء ولا
ينساه .
فالنسيان في حق الرب لابد وأن يصرف عن ظاهره لاستحالته في
حق الله تبارك وتعالى .
وكذلك النسيان في حق بني آدم مصروف عن ظاهره لأن الله عز وجل
تجاوز لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان كما قال المعصوم صلى الله عليه وعلى
آله وسلم والله تعالى أعلم .
- ١٣٣ -

رُؤيَةُ الْمُؤْمِنِينَ رَبَّهُمْ عَزَّ وَجَلَّ فِى الْآخِرَةِ
٨٨ - قال الإِمام البخاري رحمه الله (٧٤٣٩) :
حدثنا يحيى بن بکیر حدثنا الليث بن سعد عن خالد بن زيد عن سعيد بن أبي هلال عن زيد
عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال : قلنا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ قال:
(( هل تضارُّون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صَحواً؟)) قلنا: لا.
قال: ( فإنكم لا تضارون في رؤیة ربکم يومئذ إلا کما تضارون في رؤيتهما)
ثم قال: (( يُنادي مُناد ؛ ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون فيذهب أصحاب
الصليب مع صليبهم وأصحاب الأوثانِ مع أوثانهم وأصحابُ كلٍ آلهةٍ مع آلهتهم
حتى يبقى من كان يعبد الله من بَّرِّ أو فاجر وغَُرات من أهلِ الكتابِ ثم يُؤثّى
بجهنَّم تعرضُ كأنها سَرابٌ فيقالُ لليهود : ما كنتم تعبدون ؟ قالوا كنا نعبدُ عزيراً
ابن الله فيقال: كذبتم لم يكن لله صاحبةٌ ولا ولدٌ فما تريدون ؟ قالوا : نريد
أن تسقينا فيقال : اشربوا فيتساقطون في جهنم ثم يقال: للنصارى ما كنتم
تعبدون؟ فيقولون : كنا نعبد المسيح ابن الله فيقال : كذبتم لم يكن الله صاحبةٌ ولا
ولد فما تريدون ؟ فيقولون : نريد أن تسقينا فيقال : اشربوا فيتساقطون حتى يبقى
من كان يعبد الله من برِّ أو فاجرٍ فيقال لهم : ما يحبسكم وقد ذهب الناس فيقولون
فارقناهم ونحن أحوج منا إليه اليوم ، وإنا سمعنا مناديًا يُنادي ليلحق كلُ قومٍ بما
كانوا يعبدون ، وإنما ننتظر ربَّنا قال: فيأتيهم الجبارُ في صورة غير صورته التي رأوه
فيها أوَّل مرة فيقول : أنا ربكم فيقولون : أنت ربنا فلا يكلمه إلا الأنبياء فيقول :
هل بينكم وبينه آيةٌ تعرفونه ؟ فيقولون : الساق فيكثفُ عن ساقه فيسجد له كل
مؤمن ، ويبقى من كان يسجد لله رياءً وسمعةً فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقاً
واحداً ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهرى جهنم)). قلنا يا رسول الله
١٣٤ ~
-

وما الجسر ؟ قال: ((مدخَضَةٌ مَزِلَةٌ عليه خطاطيف وكلاليبُ وحسكةٌ مُفْلطَحَةٌ
لها شوكة عُقيفاء تكون بنجدٍ يُقال لها : السعدانُ ، المؤمن عليها كالطرف
وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والرِّكاب فناجٍ مُسَلَّم وناج مخدُوشٌّ
ومكدوسٌ في نارٍ جهنّم حتى يمر آخرهم يُسحب سحبا فما أنتم بأشد لي مناشدة
في الحقّ قد تبينَ لكم من المؤمن يومئذٍ للجبار ، وإذا رأوا أنهم قد نجوا في
إخوانِهم يقولون : ربَّنا إخواننا الذين كانوا يصلون معنا ويصومون معنا
ويعملون معنا فيقول الله تعالى : اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من
إيمان فأَخْرِ جُوه ويحرِّم الله صورَهم على النار فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النار
إلى قدمه وإلى أنصاف ساقيه فيخرجون من عرفوا ثم يعودون فيقول : اذهبوا.
فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه فيخرجون من عرفوا ثم
يعودون فيقول : اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه
فيُخْرِجون من عرفوا)) قال أبو سعيد فإن لم تصدقوني فاقرءوا ﴿ إن الله لا يظلم
مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها﴾ ((فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون
فيقول الجبارُ بقيت شفاعتي فيقبض قبضته من النار فيخرج أقواماً قد امتحشوا
فيلقون في نهر بأفواه الجنة يقال له ماء الحياة فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبَّةُ
في حميل السيل قد رأيتموها إلى جانب الصخرة وإلى جانب الشجرة فما كان
إلى الشمس منها كان أخضر ، وما كان منها إلى الظل كان أبيض ، فيخرجون
كأنهم اللؤلؤ فيجعل في رقابهم الخواتيم فيدخلون الجنة فيقول أهل الجنة : هؤلاء
عتقاءُ الرحمنِ أَدْخَلَهم الجنةَ بغير عملي عَمِلوه ولا خير قدَّموه فيقال لهم لكم
( حديث صحيح )
ما رأيتم ومثله معه » .
[ وأخرجه مسلم (١٨٣) ] .
٨٩ - قال الإِمام مسلم رحمه الله (١٩١) :
حدثنى عبيد الله بن سعيد وإسحاق بن منصور كلاهما عن روح قال عبيد الله حدثنا روح
- ١٣٥ -

ابن عبادة القيسى حدثنا ابن جريج قال أخبرنى أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن الورود
فقال :
(( نجىء نحن يوم القيامة عن كذا وكذا انظر أي ذلك فوق الناس (١) قال:
فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد الأول فالأول ثم يأتينا ربُّنا بعد ذلك فيقول
من تَنْظُرُون ؟ فيقولون: ننظر ربَّنا فيقول : أنا ربكم فيقولون : حتى ننظر إليك
فيتجلى لهم يَضْحكِ. )) قال (: فينطلقُ بهم ويتبعونه ويُعطى كلّ إنسانٍ منهم
منافق أو مؤمنٌ نوراً ثم يتبعونه وعلى جسر جهنم كلاليب وحَسَكٌ (٢) تأخذ من
شاء الله ثم يُطْفَأَ نُورُ المنافقين ثم ينجو المؤمنون فتنجو أولُ زمرة وجوههم كالقمر
ليلةً البدر سبعون ألفا لا يحاسبون ثم الذين يلونهم كأضوإ نجم في السماء ثم كذلك
ثم تحلُّ الشفاعةُ ويشفعون حتى يخرج من النار من قال لا إله إلا الله
(١) قال النووي رحمه الله (٤٥٤/١) هكذا وقع هذا اللفظ في جميع الأصول
من صحيح مسلم واتفق المتقدمون والمتأخرون على أنه تصحيف وتغيير
واختلاط في اللفظ قال الحافظ عبد الحق في كتابه ( الجمع بين الصحيحين )
هذا الذي وقع في كتاب مسلم تخليط من أحد الناسخين أو كيف كان ،
وقال القاضي عياض هذه صورة الحديث في جميع النسخ وفيه تغيير كثير
وتصحيف قال وضوابه (( نجىء يوم القيامة على كوم)) هكذا رواه بعض
أهل الحديث وفي كتاب ابن أبي خيثمة من طريق كعب بن مالك ((يحشر
الناس يوم القيامة على تل وأمتي على تل )) وذكر الطبري في التفسير من
حديث ابن عمر فيرقى هو - يعني محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم -
وأمته على كوم فوق الناس .
(٢) في اللسان الحسك نبات له ثمرة خشنة تعلق بأصواف الغنم ، وكل ثمرة
تشبهها نحو القطب والسعدان والهراس وما أشبهه حسك .
- ١٣٦ -

وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة فيجعلون بفناء الجنَّةِ ويجعل أهل الجنة يرشُون
عليهم الماء حتى ينبتوا نبات الشيء في السيل ويذهب حُرَافُهُ ثم يَسْأَلُ حتى تُجْعَلَ
له الدنيا وعشرةُ أمثالِها معها )).
( حديث موقوف صحيح )(١)
[ وأخرجه أحمد ( ج ٣ / ٣٨٣) وانظر شاهدا فى السلسلة الصحيحة ( ٧٥٥ )]
(١) ولهذا الحديث حكم الرفع، ولكثير من ألفاظه شواهد .
- ١٣٧ -

مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى نِّهِ مُحَمَّدٍ
صَلىالله
٩٠ - قال الطبراني رحمه الله ( المعجم الكبير ١٢٢٨٩ ):
حدثنا علي بن عبد العزيز ثنا عارم أبو النعمان ثنا حماد بن زيد عن عطاء بن السائب؛ قال
حماد بن زيد أظنه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم
ح . وحدثنا الحسين بن إسحاق التسترى ثنا أبو الربيع الزهراني ثنا حماد بن زيد عن عطاء بن
السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى
آله وسلم :
(( سألتُ ربي مسألةٌ وددت أني لم أَسْأَله، قلت : يارب كانت قبلي رُسِلٌ
منهم من سخرت لهم الرياح ومنهم من كان يُحيى الموتى . قال : ألم أجدك يتيما
فآويتُك؟ ألم أَجْدك ضالاً فهديتُكِ ؟ ألم أجدك عائلا فأغنيتُك؟ ألم أشرح لك
صدرك؟ ووضعت عنك وزرك؟)) قال (( قلت بلى يارب)).
(٢)
( حديث حسن
(١) وعطاء - وإن كان قد اختلط - إلا أن الراوي عنه حماد بن زيد وقد روى
عنه قبل الاختلاط .
(٢) وعزاه الحافظ ابن كثير (٥٢٥/٤) إلى ابن أبى حاتم أيضا .
- ١٣٨

صَلى الله
حَوضُ النَّبِى
٩١ - قال الإِمام البخاري رحمه الله (٦٥٨٢) :
حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا وهيب حدثنا عبد العزيز عن أنس عن النبي صلى الله عليه وعلى
. آله وسلم قالٍ :
(( لَيْرِ دَنَّ علَّ ناسٌ مِن أُصيحابي الحوضَ حتى إذا عَرَفْتَهم اختلجوا(١) دُوني
فأقولُ: أصحابي فيقولُ: لا تدرِي ما أَحْدثُوا بَعْدَك))(٢). ( حديث صحيح)
"[ وأخرجه مسلم (٢٣:٤)] .
(١) اختلجوا : أي اجتذبوا واقتطعوا .
(٢) في جملة من أحاديث الصحيحين ((فأقول سحقا سحقا لمن بدَّل بعدي))
وفي رواية (( لمن غيَّر بعدي)).
وأحاديث الحوض من الأحاديث المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه
وعلى آله وسلم رواها عنه - عليه السلام - جمّ غفير من أصحابه
رضوان الله عليهم ، ورد في وصفه جملة أحاديث عن رسول الله صلى الله
عليه وعلى آله وسلم نذكر منها :
● ما أخرجه البخاري (٦٥٧٩) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله
عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((حوضي مسيرة
شهر ، ماؤه أبيض من اللبن ، وريحه أطيب من المسك ، وكيزانه كنجوم
السماء ، من شرب منه فلا يظمأ أبدا)).
* وأخرج البخاري (٦٥٨٠) ومسلم (٢٣٠٥) من حديث أنس بن مالك =
- ١٣٩ -

٩٢ - قال الإمام البخاري رحمه الله (٦٥٨٦) :
حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب عن ابن المسيب أنه
كان يحدث عن أصحاب النبي (١) صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن النبيّ صلى الله عليه وعلى آله
= أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((إن قدر حوضي كما
بين أيلة وصنعاء من اليمن)) ( وفي رواية ((كما بين المدينة وصنعاء)) ) ،
(( وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء )» .. ونحوه عند مسلم (٢٣٠٥)
من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه مرفوعا ، ونحوه عند البخاري
(٦٥٩١) من حديث حارثة بن وهب رضي الله عنه مرفوعاً ..
« وأخرج مسلم (٢٣٠٠) من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت
يا رسول الله ما آنية الحوض؟ قال: (( والذي نفس محمد بيده لآنيته أكثر من
عدد نجوم السماء وكواكبها . ألا في الليلة المظلمة المصحية ، آنية الجنة من شرب
منها لم يظمأ آخر ما عليه يشخب فيه ميزابان من الجنة ، من شرب منه لم يظمأ
عرضه مثل طوله ما بين عمان إلى أيلة ، ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من
العسل )) .
* وأخرج مسلم (٢٣٠١) من حديث ثوبان رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله
عليه وعلى آله وسلم قال: ((إني لَبِعُقْرٍ حوضي أذود الناس لأهل اليمن أضرب
بعصاي حتى يَرْفَضَّ عليهم)) فسئل عن عرضه فقال: ((من مقامي إلى عمان )»
وسئل عن شرابه فقال: (( أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل يغت فيه
ميزابان بمدانه من الجنة أحدهما من ذهب والآخر من وَرِق )) .
والمراد الذين يُبعدون عن الحوض المرتدين كالذين حاربهم أبو بكر رضي الله
عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
(١) في رواية البخاري (٦٥٨٥) تسمية الصحابي أبا هريرة وهي معلقة عند
البخاري وموصولة عند الإسماعيلي وأبي نعيم .
١٤٠ _
-