Indexed OCR Text
Pages 181-200
٩٢١ - ومن حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما عن النبي تليفون: ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار)). ٩٢٢ - وقال البخاري: ((رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل والنهار فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلانٌ فعملت مثل ما يعمل، ورجل آتاه الله مالاً فهو يهلكه في الحق فقال رجل ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل)). ٩٢٣ - أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله وَلاير: ((من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين))(١). ٩٢٤ - وروى أبو أمامة الباهلي عن النبي وَ لقول قال: ((عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى ربكم، وتكفير السيئات، ومنهاة عن الإثم))(٢). وفي رواية: ((مطردةٌ للداء عن الجسد))(٣). ٩٢٥ - ويروى أن النبي ◌ّليل قال لأبي هريرة: ((يا أبا هريرة، أتريد أن تكون رحمة الله عليك حياً وميتاً، ومقبوراً ومبعوثاً، قم من الليل فصل وأنت تريد رضا ربك. يا أبا هريرة صل في زوايا بيتك تكون في نورٌ في بيتك في السماء كنور الكوكب عند أهل الدنيا)). ٩٢٦ - وعن عبد الله بن سلام، قال: لما قدم النبي ◌ّ المدينة انجفل الناس إليه وقيل قدم رسول الله بَير، فجئت أنظر في الناس، فلما تبينت وجه رسول الله وَ له عرفت أنه ليس وجه كذابٍ، فكان أول شيء سمعته أن قال: «أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا جنة ربكم بسلام)). وقد ذكره الترمذي أيضاً (٤). (١) حسن: أخرجه أبو داود برقم (١٣٩٨). (٢) حسن: أخرجه الترمذي (٥٥٣/٥) معلقاً، وقد وصله الحاكم (٣٠٨/١)، وابن أبي الدنيا في (التهجد)) برقم (١ _ بتحقيق مسعد)، وحسنه الحافظ العراقي في ((تخريج الإحياء)) (٣٢١/١). (٣) هذه الزيادة لا تصح، فقد رواها البيهقي في ((السنن)) (٢/ ٥٠٢) من حديث بلال، وفي سنده: يزيد بن ربيعة الدمشقي، متروك. وعنه أبو عبد الله خالد بن أبي خالد، لم أجد من ترجمه. وقد خالفه محمد القرشي، فقد ذكر اسم يزيد هذا فقال: ربيعة بن يزيد، وكذلك قال عبد الله بن صالح في إسناده إلى أبي أمامة. وابن صالح فيه بعض الضعف. أمّا محمد القرشي، فهو محمد بن سعيد الشامي، المصلوب، كذاب، وكان يضع الحديث. (٤) صحيح: أخرجه الترمذي (٢٤٨٥)، وابن ماجه (١٣٣٥، ٣٢٥١)، والدارمي (١٤٦٠، ٢٦٣٢)، = ١٨١ ٩٢٧ - ومثله ما روى أبو هريرة، قال: قلت: يا رسول الله، إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني، فأنبئني بشيء إذا فعلته دخلت الجنة، قال: ((أطعم الطعام، وأَفش السلام، وصل بالليل والناس نيامٌ تدخل الجنة بسلامٍ)) (١). ٩٢٨ _ النسائي عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، قالا: قال رسول الله وَله : ((من استيقظ من الليل وأيقظ امرأته فصليا ركعتين جميعاً كتبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات))(٢). ٩٢٩ - وروى ابن عباس، قال: قال رسول الله وَله: ((أشراف أمتي حملة القرآن وأصحاب الليل)). ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب ((التهجد))(٣). ٩٣٠ - وذكر فيه عن السري بن محمد، قال: قال رسول الله صل﴿ لأبي ذرٍ: ((يا أبا ذر لو أردت سفراً لأعددت له عُدةً، فكيف سفر يوم القيامة؟ ألا أنبئك يا أبا ذرٍ بما ينفعك ذلك اليوم؟)) قال: بلى بأبي وأمي أنت. قال: ((صم يوماً شديداً حره ليوم النشور، وصل ركعتين في ظلمة الليل لوحشة القبور، وحج حجة لعظائم الأمور، وتصدق بصدقة على مسكين، أو كلمة حقٍ تقولها، أو كلمة سوءٍ تسكت عنها))(٤). ٩٣١ _ وذكر أبو بكرٍ في مسنده من حديث خالد بن معدان عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ويليقول: ((من صلى منكم بالليل فليجهر بالقراءة، فإن الملائكة تصلي بصلاته وتتسمع القرآن، وأن مؤمني الجن الذين يكونون في الهواء وجيرانه معه في مسكنه يصلون = وأحمد (٤٥١/٥)، وابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) برقم (٢١٥) وغيرهم. (١) صحيح: أخرجه أحمد (٢٩٥/٢)، والحاكم (١٢٩/٤)، وسنده صحيح كما قالا الحاكم والذهبي. (٢) صحيح: أخرجه الترمذي (١٣٠٩) بسند صحيح. (٣) موضوع: أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبيرا (ج ١٢ برقم ١٢٦٦٢)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) برقم (٢٤٤٧)، وابن عدي في ((الكامل)) (١١٩٤/٣)، والسهمي في ((تاريح جُرْحَان)) (ص٢٢٤)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (١٢٤/٤، ٨/ ٨٠) من طريق سعد بن سعيد الجرجاني، عن نهشل أبي عبد الله عن الضحاك، عن ابن عباس مرفوعاً به. وقال الهيثمي في ((المجمع)) (١٦١/٧): ((فيه سعد بن سعيد الجرجاني، وهو ضعيف)) اهـ. قلنا: وهذا منه تقصير في حق الحكم على السند، فالسند فيه ثلاث علل : ١ - سعد الجرجاني لا يصح حديثه. ٢ - نهشل متروك الحديث، بل كذبه إسحاق بن راهويه. ٣ _ الانقطاع بين الضحاك، وابن عباس رضي الله عنه. (٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في ((التهجد)) برقم (٦)، والسري هذا لم نجد له ذكراً، والله أعلم. ١٨٢ بصلاته ويستمعون لقراءته، وأنه ليطرد بجهر قراءته عن داره وعن الدور التي حوله فساق الجن ومردة الشياطين، وأن البيت الذي يقرأ فيه القرآن عليه خيمة من نورٍ يقتدون بها أهل السماء كما يقتدون بالكوكب الدري في لجج البحر وفي الأرض القفر)» وذكر بقية الحديث(١). ٩٣٢ - وعن شهر بن حوشب، قال: ((إذا قام العبد من الليل تبش له الأرض، واستنار له موضع مصلاه، وفرح به عمار داره من مسلمي الجن واستمعوا لقراءته وأمنوا علی دعائه، فإذا انقضت عليه ليلته أوصت الليل المستأنفة فقالت: كوني عليه خفيفة نبهيه لساعته وارحمي طول سهره إذا نام البطالون. قال: ثم تولي عنه ليلته وتقول له عند فراقه: استودَعْتُكَ للذي استعملك في طاعته وجعلني لك في القيامة شهيداً. قال: ويقول له النهار في آخره مثل ذلك))(٢). ٩٣٣ - وذكر ابن أبي الدنيا عن أبي عمران التمار، قال: ((غدوت يوماً إلى مسجد الحسن البصري رضي الله عنه فإذا باب المسجد مغلقٌ، وإذا الحسن جالس يدعو، وإذا جماعةٌ في المسجد وجماعة يؤمنون على دعائه، فجلست على باب المسجد حتى فرغ من دعائه ثم قام وأذن وفتح باب المسجد، فدخلت فلم أر في المسجد أحداً، فلما أصبح وتفرق الناس من عنده قلت: يا أبا سعيد، إني والله رأيت عجباً، قال: وما رأيت؟ فأخبرته بالذي رأيت وسمعت، فقال: أولئك جنٌّ من نصيبين يحبون يشهدون معي ختم القرآن كل ليلة جمعة ثم ينصرفون)). الذين استمعوا القرآن من النبي عليه السلام ليلة الجن كانوا من نصيبين أيضاً. ٩٣٤ - وكان بصقلية من أيام كانت للمسلمين رجل من العابدين، وكان يصلي من الليل يرفع صوته بالقرآن، فأصابه ضربٌ من الاستسقاء فانقطع عن صلاة الليل، فلما كان ذات ليلة سمع صوت رجل يسلم عليه فرد عليه السلام، وقال له: من أنت؟ قال: أنا من الجن المؤمنين ممن يصلي بصلاتك فقدت صوتك هذه الليالي فاستوحشت من ذلك، وساءني ما نزل بك، فإذا كان يوم الجمعة الآتي ستجد في طاقٍ لك حشيشةً أجعلها لك هنالك، فإذا وجدتها فاشربها فإنك ستبرأ بإذن الله تعالى، فلما كان يوم الجمعة نظر في المكان فلم يجد شيئاً، فقال: هذا هاتفٌ كذابٌ. فلما كان في داخل الجمعة جاءه فسلم عليه (١) ضعيف: أخرجه البزار برقم (٧١٢ - كشف الأستار)، وسنده ضعيف، لأن فيه انقطاع بين خالد بن معدان، ومعاذ بن جبل، فخالد لم يسمع من ابن جبل. وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٢٥٣/٢): ((وفيه من لم أجد من ترجمه)) اهـ. (٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في ((التهجد)) برقم (١٥ - بتحقيق مسعد السعدني). ١٨٣ وقال: أنا الذي وعدتك بالحشيشة ولعلك تظن أني أخلفت وعدك قاصداً لذلك، ما كنت لأفعل ولكن هذه الحشيشة في بلاد الهند فمشيت إليها لأطلبها فوقعت في قومٍ من الجن المؤمنين يقاتلون عدوهم من الجن الكافرين، فلزمني الحضور معهم فأقمت فيهم وقاتلت يقتالهم حتى حكم الله بيننا وبين عدونا فهزمناهم ومنحنا الله ظهورهم، ثم مشيت في طلب الحشيشة وهاهي قد أتيتك بها قد وضعتها في طاق بيتك، قال: فوجدها الرجل في الموضع الذي ذكره فشربها فبرأ. ذكر هذه الحكاية السميطاري رحمه الله تعالى. ٩٣٥ _ وذكر ابن أبي الدنيا - أيضاً - عن مرة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ((فضل صلاة الليل على صلاة النهار كفضل صدقة السر على صدقة العلانية))(١). ٩٣٦ - وعن يعلى، عن عطاءٍ، عن عمته سلمة، قالت: قال لي عمرو بن العاص: ((يا سَّلمة، ركعةٌ بالليل عشرين بالنهار))(٢). ٩٣٧ - وعن المبارك بن فضالة، قال: ((قال رجل للحسن البصري: يا أبا سعيد، ما أفضل ما يتقرب به العبد إلى الله تبارك وتعالى من الأعمال؟ قال: ما أعلم شيئاً يتقرب به المتقربون إلى الله عزّ وجلّ أفضل من قيام العبد من جوف الليل))(٣). ٩٣٨ - وعن الحسن - أيضاً - قال: ((ما نعمل عملاً أشد من مكابدة هذا الليل، ونفقة هذا المال)» (٤). ٩٣٩ - وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: ((شرف الموحدين قيامهم بالليل، وعزهم الاستغناء عما في أيدي الناس))(٥). ٩٤٠ - وقال يزيد الرقاشي: ((قيام الليل نور المؤمنين يوم القيامة يسعى من بين يديهم ومن خلفهم، وصيام العبد يبعده من حر السعير)) (٦). ٩٤١ - وقال عطاء الخراساني: ((كان يقال: قيام الليل محياةٌ للبدن، ونور في القلب، وضياء في البصر، وقوة في الجوارح، وأن الرجل إذا قام يتهجد أصبح فرحاً يجد (١) صحيح: أخرجه عبد الرزاق برقم (٤٧٣٥)، وابن أبي الدنيا في ((التهجد)) برقم (٩)، والطبراني في «الكبير» برقم (٨٩٩٨ - ٨٩٩٩). (٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في ((التهجد)) برقم (١٠). (٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في (التهجد)) برقم (١٢). (٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في السابق برقم (١٣). (٥) السابق برقم (١٦). (٦) السابق برقم (١٨). ١٨٤ لذلك فرحاً في قلبه، وإذا غلبته عيناه ونام عن حزبه أصبح حزيناً منكسر القلب كأنه قد فقد شيئاً، وقد فقد أعظم الأمور له نفعاً))(١). ٩٤٢ - وقال طلحة بن مصرفٍ: ((بلغني أن العبد إذا قام للتهجد من الليل ناداه ملكاه: طوبى لك سلكت منهاج العابدين قبلك))(٢). ٩٤٣ - ويروى عن محمد بن المنكدر، قال: قالت أم سليمان بن داود لسليمان بن داود عليهما السلام: ((يا بني لا تكثر النوم بالليل فإن كثرة النوم بالليل تدع الرجل فقيراً يوم القيامة)) ذكره العقيلي. ٩٤٤ - وقد روي عن يوسف بن محمد بن المنكدر، عن أبيه، عن جده، عن جابر بن عبد الله، عن النبي قلق. ٩٤٥ - وعن وهب بن منبه، قال: «قيام الليل يشرف به الوضيع، ويعز به الذليل، وصيام النهار يقطع عن صاحبه الشهوات، وليس للمؤمن من راحة دون دخول الجنة)) (٣). ٩٤٦ - وقال يزيد الرقاشي: ((بطول التهجد تقر عيون العابدين، وبطول الظمأ تفرح قلوبهم عند لقاء الله عزّ وجلّ))(٤). ٩٤٧ - ويروى عن عبد الله بن سليمان العسقلاني - وكان رجلاً صادقاً صالحاً - قال: حدثنا رجل من العابدين قدم علينا مرابطاً بعسقلان، قال: قمت ذات ليلة للتهجد على بعض السطوح فإذا أنا بهاتفٍ يهتف من البحر: إليكم معشر العابدين أبناء السالفين، قبلكم قسمت العبادة ثلاثة أجزاء: فأولها قيام الليل، وثانيها: صيام النهار، وثالثها: الدعاء والتسبيح. هذا خبر القيامة فخذوا منه بالحظ الأوفر، قال: فسقطت والله على وجهي مما داخلني من ذلك. ٩٤٨ - وقال وهب بن منبه: «ثلاث من روح الدنيا: لقاء الإخوان، وإفطار الصائم، والتهجد من آخر الليل)»(٥). ٩٤٩ - أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثنا سويد بن سعيد، ثنا علي بن مسهر، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، قالت: قال (١) السابق برقم (١٧). (٢) السابق برقم (١٩). (٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في ((التهجد)) برقم (٢٤). (٤) انظر السابق برقم (٢٥). أخرجه ابن أبي الدنيا في ((التهحد)) برقم (٣٣)، وفي ((كتاب الإخوان)) برقم (٩٣). (٥) ١٨٥ رسول الله وَّل: ((إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة نادى منادٍ أين الذين كانوا تتجافى جنوبهم عن المضاجع، فيقومون وهم قليلٌ، ثم يحاسب سائر الناس))(١). باب في الاجتهاد والمجتهدين اعلم رحمك الله أنه لما كانت الدنيا دار اكتساب للآخرة، وسوق متجرٍ لها واستعداد للمسير إليها والقدوم عليها، وكانت التجارات مختلفة، والبضائع متباينة، والأرباح متفاوتة، والمغبون فيها هو المغبون الذي لا يقول سأربح غداً، ولا يهتدي من أمره رشداً، ولا يتجر لسلعة أبداً، وكانت صلاة الليل من أنفقها سوقاً وأكثر بضائعها حقوقاً، وجب على العاقل المنتفع بعقله أن ينظر لنفسه، ويأخذ منها لحظه، فيفرح بهذا الليل إذا أقبل وطال، ويحزن إذا انقلص وزال، وهو موطن تنتعش فيه الأرواح، وتبتهج وترتاح، وتتقلب بين مسراتٍ وأفراحٍ، وتكثر من المساءلة والإلحاح، وتمتاز من خير ربها وتمتاح، وتستمنح من سماح من بيده السماح، ومن يُغدى على فضله ويراح، فهي قائمة بين يدي خالقها عاكفة على مناجاة بارئها، تتنسم من تلك النفحات، وتقتبس من أنوار تلك القربات، وما يرد عليها بتلك المقامات، فتارةً تذكر مماتها وسالف زلاتها وأيام بطالتها، فتجد وتجتهد، وتعد وتستعد، وترغب وتسأل، وتتضرع وتتوسل، وتحار وتبتهل، وعسى ولعل، وما ذلك على الله بعزيزٍ، وإنه عليه ليسيرٌ وهو على كل شيء قديرٌ. وأنشد بعضهم: لما ترجوه من خيرٍ مَظِنَّةُ بهذا الليل فلتفرح فإنه لكل مخافة دريعٌ وجنَّةٌ كأن دموعها سُحبٌ مزنةٌ وقف فيه ولو فوق الأسنة به الأحزان ناراً مستكنة يريك سناه من خلف الأكنة عرى الآمال من أنس وجنة وفيه ما تريد وما تمنه تنيلك فيه نفساً مطمئنة جلاء الصبح ظلماء الدجنة تحار لها العقول المرجحنة وفي جلبابه أن تدرعه فخذه مرسلاً فيه جفوناً وقم فيه ولو تحت المواضي وأنت بقلب محزونٍ أثارت فبات لها بجنبيه شعاعٌ ونادٍ مهيمنا جعلت إليه عسى ولعل والرغبى إليه ينيلك توبة منه نصوحاً وتجلو عنك ظلماء المعاصي فبين يديك لو تدري أموراً (١) حسن: أخرجه ابن أبي الدنيا في ((التهجد)) برقم (٢٠٣)، وإسناده حسن للكلام الذي في ((شهر بن حوشب». ١٨٦ تشيب لذكره سود الأجنة وإلا عطفة منه لكربٍ ورجّه إنه المرجو إنه فخفه إنه أهلٌ لذاكم ٩٥٠ - قال يحيى بن معاذٍ الرازي: ((الدنيا حانوت المؤمن، والليل والنهار رؤوس أموالهم، وصالح الأعمال بضائعهم، وجنة الخلد أرباحهم، ونار الأبد حسراتهم». ٩٥١ - وقال عبد الله بن عمر لرجلٍ: ((اغتنم شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل مرضك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك، فإنك لا تدري يا عبد الله ما اسمك غداً). ٩٥٢ - وخرج يوسف بن أسباط يوماً إلى المسجد وهو مريضٌ يتوكأ على عبد الله ابن خبيق، فقال: ((يا معشر الشباب، بادروا الصحة قبل المرض، فما من شيء أتمناه على الله إلا أن أتم ركوعي وسجودي، وقد حيل بيني وبين ذلك ما أقدر على ذلك)). ٩٥٣ - وقال بعضهم: ((خذ العمر في أوله، واعمل منه في أفضله، وآت من اجتهادك بأتمه وأكمله، واسع سعي من يخاف أن ينقطع عن المنزل ويحبس عنه فلا يصل قبل أن ينعل جلدك، ويفتر جسدك، ويكبو زندك، فيحبسك الكبر، ويغيرك الهَرَم، وتندم وأنى ينفعك الندم، ومن سعى في الشباب وجد ذلك السعي في الكبر أمامه، وكان إلى كل نجاةٍ إمامه)). ٩٥٤ - يروى عن بعض صالحي الشبان قال: رأيتُ في النوم شيخاً يسعى بين يدي وأنا أسعى خلفه، فكنت لا ألحقه، فجعلت أتعجب فالتفت إليَّ، وقال: إني كنت أسعى في الشباب - يريد كنت سريع المبادرة إلى العمل في أيام الشباب. ٩٥٥ - وقال موسى بن علي، مشينا يوماً مع الجُنيد، رحمه الله فلما بلغنا مسجد الشونيزيه التفت إليَّ ووقف، ثم قال: ((يا معشر الشباب خذوا قبل أن تعجزوا، واجتهدوا قبل أن تطلبوا أثراً بعد عينٍ، فإني تذكرت مجاهدات كانت لي في هذا المسجد تقبح اليوم في عيني ما أنا فيه من البطالة)). قال موسى: وكان حين قال هذه المقالة أكثر اجتهاداً من جماعة شبان في أنواع المجاهدات. وقد ذكر الله عزّ وجلّ المجتهدين في كتابه، فقال تبارك وتعالى: ﴿كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحار يستغفرون﴾ [الذاريات: ١٧]. ٩٥٦ - يروى عن الحسن، أنه قال: ((كابدوا الليل ومدوا الصلاة إلى السحر، ثم اجلسوا في الدعاء والاستكانة والاستغفار)». وقال تعالى: ﴿والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً﴾ [الفرقان: ٦٤] وقال عزّ وجلّ: ١٨٧ ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً﴾ [السجدة: ١٦] أي تنبو عن الفُرش فلا تستقر عليها ولا تثبت فيها لخوف الوعيد ورجاء الموعود. ثم قال سبحانه ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ [السجدة: ١٧]، أخبر عزّ وجلّ أنه يؤتيهم قرة أعينهم وغاية أملهم بما تحملوه من سهرهم، وما تركوه من لذيذ نومهم . وقال عزّ وجلّ: ﴿أم هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب﴾ [الزمر: ٩]. المعنى: هل يستوي من هذه صفته مع من نام ليلهُ وضيع نفسه غير عالم بوعد ربه ولا بوعيده. ٩٥٧ - وصلى النبي ﴿ حتى تفطرت قدماه أي تشققت فقيل له أتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: ((أفلا أكون عبداً شكوراً)(١). ولعل قائلاً يقول هذا على طريق المبالغة والتأكيد وليس على طريق الحقيقة، فيقال له: بل هو على الحقيقة، وعلى ظاهره حتى يأتي ما يُمنع به وما ينقصه، وإن قال لم يكن النبي ◌َ ﴿ يصلي الليل كله حتى يصيبه هذا، قيل له: نعم لكن كان ◌َل﴾ يصلي منه كثيراً. قال الله عزّ وجلّ: ﴿يأيها المزمل قم الليل إلّ قليلاً نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً﴾ [المزمل: ١ - ٤]. فهذا وقته الذي كان يقوم فيه رقيقة، وكان يصلي إلى السحر، وإلى قرب الفجر، وكان عليه السلام يطول ويخفف، وقد تقدمت صفة صلاته بالليل و 14. وحتى لو كان على طريق المبالغة لكان الاجتهاد فيه موجوداً، والحمل فيه على اليقين حاصلاً لأن هذا هو الذي يعطيه لفظ المبالغة، والحديث أنه وس لو صلى حتى تفطرت قدماه هو حديثٌ مشهورٌ صحيحٌ ذكره مسلم(٢)، والبخاري، والترمذي، وغيرهم. والذين رووه: عائشة وأبو هريرة، والمغيرة بن شعبة، وأنس. (١) صحيح: أخرجه البخاري (١١٣٠، ٤٨٣٦، ٦٤٧١)، ومسلم (٢٨١٩)، والترمذي (٤١٠)، والنسائي (٢١٩/٣)، وابن ماجه (١٤١٩)، وأحمد (٢٥١/٤، ٢٥٥)، وغيرهم. (٢) من يقرأ هذا الكتاب يعلم أن المؤلف رحمه الله يقدم صحيح الإمام مسلم على صحيح الإمام البخاري، فكما ترى في جملته هذه، يقول: ((ذكره مسلم، والبخاري .... ))، ولعل قائلاً يقول: ولم يفعل ذلك؟ مع أن البخاري شيخ مسلم، وصحيحه أشهر من صحيح مسلم؟ نقول: أن أهل المغرب قد قدموا صحيح مسلم على صحيح البخاري، وذلك لأنهم قالوا: أن مسلماً فاق البخاري في حسن الصناعة. وانظر: ((مقدمة الفتح)) (ص١٢)، و((مقدمة شرح مسلم)) (١١/١)، و((تهذيب التهذيب)) (١٢٧/١٠)، وغير ذلك. ١٨٨ والناس في هذا مختلفون، فمنهم من يؤلمه القليل من القيام ويظهر على قدميه. ومنهم من لا يؤلمه إلا الكثير وقد يؤلمه ولا يظهر في قدميه. فمن قام حتى آلمه القيام فقد جد واجتهد، وسواء طالت مدة القيام أو قصرت، فإن طالت المدة فهو المرغوب، وقد سئل عليه السلام أي الصلاة أفضل؟ قال: ((طول القيام)) ذكره أبو داود وغيره(١)، ولم يجيء ما يعارض هذا إلا قول ابن مسعودٍ: ((أفضل الصلاة الركوع والسجود)) ولا معارضة في هذا ولا حجة فيه لمن احتج له لأن الحجة إنما هي في كلام النبي ◌َّر. وقد دعا الله عزّ وجلّ عباده للمسابقة إليه وحضهم على المنافسة فيما عنده، قال تعالى: ﴿والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم﴾ [الواقعة: ١٠] وقال عزّ وجلّ: ﴿وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ولمثل هذا فليعمل العاملون﴾ [المطففين: ٢٦ ]. ٩٥٨ _ وفي خبر عن النبي ◌َّ: ((إن أهل البيت ليتنافسون في الخير فيدخلون الجنة حتى ما يفقدون خادمهم، وإن أهل البيت ليتنافسون في الشر فيدخلون النار حتى ما يفقدون خادمهم))(٢). ٩٥٩ - ولما مات بكر بن عبد الله المزني وكان مُجاب الدعوة ازدحم الناس على جنازته وتنافسوا في حملها فقال لهم الحسن البصري وكان حاضراً، في مثل عمله فتنافسوا. واعلم أن المنافسة تكون في جميع أعمال الخير، والصلاة من أفضل الأعمال وهي مضمار المسابقة، وميدان المنافسة، وكل ما كان العمل أكره على النفس وعليها أثقل كان في الميزان أثقل، وعند الله تبارك وتعالى أحظى وأجزل وأرفع وأكمل. ٩٦٠ - كتب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز رحمهما الله تعالى: ((أما بعد فإنه من حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر، ومن نظر في العواقب نجا، ومن أطاع هواه ضل، ومن حلم غنم، ومن اعتبر أبصر، ومن أبصر فهم، ومن فهم علم، فإذا زللت فارجع، وإذا ندمت فاقلع، وإذا جهلت فاسأل، وإذا عصيت فامسك)). واعلم أن أفضل الأعمال ما أكرهت النفس عليه، وقد اعترض بعض العلماء بظاهر قول رسول الله ◌َّلهم في الحديث المتقدم بلفظ آخر: ٩٦١ - (إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى)). (١) أخرجه أبو داود برقم (١٣٢٥)، من حديث عبد الله بن حبشي الخثعمي. (٢) لم نقف عليه. ١٨٩ ٩٦٢ - وبقوله عليه السلام: ((أكلفوا من العمل ما تطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا)) (١). ٩٦٣ - وبالحديث الآخر: ((ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر أو كسل فليقعد))(٢). ولم يرد عليه السلام ألا تعمل حتى تنشط نفسك للعمل، وحتى تقبل عليه، وتبادر عليه، فإن النفس كسلانةٌ ثقيلةٌ عن فعل الخير، بطيئة النهوض إلى أعمال البر، فلو لم تُصل مثلاً حتى تدعوك نفسك للصلاة وحتى تنشط إليها وتخفف عليها لما صلت إلا قليلاً، وربما لم يصل معها أبداً ولا قامت لك عن فراشها ولا تركت راحتها، ولا لذيذ نومها، وإنما أمر عليه السلام بالرفق وحذراً من الإفراط في التعب الذي يقطع صاحبه ويقعده. وفي قوله عليه السلام: ((أكلفوا من العمل ما تطيقون)) ما يدل على الاجتهاد ويبيح أخذ النفس بما تكره منه، فإن الإنسان قد يكره الضرب من العمل، ويكسل عنه، فإذا كلفه لطاقةٍ وقام به وتحمل المشقة فيه مع كراهيته له وكسله عنه فلا بد من الحمل على النفس وأخذها بالجهد والكد وتخويفها بأن تسبق إلى الله عزّ وجلّ وتحذيرها من أن يستأثر دونها بما عند الله، وأن يوصل العمل بالعمل، والاجتهاد بالاجتهاد، حتى يوصل إلى الحد الذي حذر منه رسول الله وَ الر وهو الذي يخاف منه الانقطاع والانبتات. وفي الخبر: ((الخير عادة والشر لجاجة))(٣). ٩٦٤ - وقال أبو الدرداء لرجلٍ يقال له صبيح: ((يا صبيح تعود العبادة، فإن لها عادة، وإنه ليس على الأرض أثقل عليها من كافٍ)). وأما قوله عليه السلام: ((ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر أو كسل فليقعد)) أراد والله أعلم ما دمت على نشاطٍ، فإذا خالطك الكسل أن تترك الصلاة، وإنما أراد عليه السلام الذي لا يقدر مع صاحبه على شيء إلا بعد جهد جهید، وحمل علی النفس شدید، حتى لو قيل مثلاً صل وخذ كذا وكذا الثواب حاضرٍ يعرض عليه ويُرغب فيه لم يقدر، فهذا هو الكسل الذي يُنهى صاحبه عن العمل معه مخافة الانقطاع وترك العمل هذا أو نحوه والله أعلم. (١) صحيح: وهو متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها، انظر: ((مشكاة المصابيح)) برقم (١٢٤٣). (٢) صحيح: وهو أيضاً متفق عليه من حديث أنس، انظر: ((مشكاة المصابيح)) برقم (١٢٤٤). (٣) حسن: أخرجه ابن ماجه (٢٢١)، وابن حبان برقم (٨٢)، موارد، والطبراني في ((الكبير)) (ج١٩ برقم ٩٠٤)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٥٢/٥)، وفي ((تاريخ أصبهان)) (٣٤٥/١)، وابن أبي عاصم في ((الأمثال)) (١٠٠)، وأبو الشيخ في ((الأمثال)) (٢٠)، والقضاعي برقم (٢٢) في ((مسند الشهاب))، وغيرهم من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما. ١٩٠ والدليل على هذا القول تكلفه عليه السلام حتى تشققت قدماه، وهذا إنما هو في النافلة، وأما الفريضة: فيصلي على كل حالٍ في الصحة والمرض، يصليها قائماً، وقاعداً، أو نائماً، أو مضطجعاً، أو مكتوفاً، أو كيف كان أو كيفما أمكن، وأما الذي يخاف رحمك الله على من يقوم نصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليلٍ فيقطع كيفية ليله في قيامٍ وركوعٍ، وسجودٍ وجلوسٍ، لتشهد أو لذكرٍ. وأما الذي يتوقع منه إذا استعان على ذلك بنومه من النهار. ٩٦٥ - كما ذكر أبو بكر البزار في مسنده من حديث ابن عباس، قال: قال رسول الله قال: ((استعينوا على قيام الليل بقيلولة النهار، وعلى صيام النهار بأكلة السحور))(١). فقد حضك عليه السلام على ما يعينك وينشطك ويقويك، ويديم عملك، فإن في الاشتغال في النهار عن نوم القايلة إضعاف للبدن، وزيادة في نوم الليل. ٩٦٦ - وكان الحسن البصري إذا دخل السوق فيسمع لغطهم ولغوهم، قال: ((ما أظن ليل هؤلاء إلا ليل سوء أما يقيلون». ٩٦٧ - وكان بعض السلف يقول: كيف ينجو التاجر من سوء الحساب وهو ينام باللیل، ویلھو بالنهار. وقد ينشط كثير من الناس إلى كثير مما وصفت لك، وإلى أكثر منه ولا يجدون له مشقة ولا عظيم كلفةٍ، وقد كان بشرٌ من الصالحين على هذا وعلى أكثر من هذا ممن كان يصلي اللیل کله ممن سیأتی ذکر بعضهم إن شاء الله. وإن كنت ممن لا يتمكن لك نوم بالنهار لكد في المعيشة أو لغير ذلك من أشغال الدنيا ومحنها، وما ابتلي الإنسان به منها، فاجتهد أن تصلي ولو ركعتين خفيفتين قبل الفجر فإن فيها بركة، والقليل من صلاة الليل كثيرٌ، واصبر على ذلك وداوم عليه، فإنما هو الصبر، والمداومة، والتضرع، والسؤال، والرغبة، والابتهال إلى الله تعالى في التثبت والمعونة، ورفع التعب والمؤنة. وقال بعض العلماء وذكر حديث: ((أكلفوا من العمل ما تطيقون)) بين الصبر والانقطاع مرادٌ واسعٌ، ومسرحٌ رحبٌ، وميدانٌ عريضٌ، والذي يلتذ بالعمل إنما هو عاجل ثوابه ناله لقربه من ربه ولأنه قد أدرك الفضلية ودخل في حرمة الولاية فأخذه روحها وهب عليه (١) ضعيف: أخرجه ابن ماجه (١٦٩٣)، والحاكم (٤٢٥/١)، والطبراني في ((الكبير)) برقم (١١٦٢٥)، وفيه زمعة بن صالح، ضعيف الحديث. ١٩١ نسيمها، قال تبارك وتعالى: ﴿من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾ [النحل: ٩٧]. قال بعض المفسرين: الحياة الطيبة هي ما يفتح عليه من لذة العبادة، وطيب المناجاة، وبرد الرضا بقضاء الله تبارك وتعالى إلى غير ذلك مما أراده عزّ وجلّ وهو أعلم بما أراد، وذلك ثواب عجله له، وفضل خصه به، وقلما يكون هذا إلا بعد مشقة، في العبادة، وحمل النفس على ما تكرهه منها. ٩٦٨ - كما يروى عن عتبة الغلام، قال: ((كابدت الصلاة عشرين سنة، وتنعمت بها عشرين سنة)) . وهذا بابٌ من فتح له فيه بشيءٍ يجب عليه أن يلزمه أن يتعلق بالأسباب المثبتة له، ويستعين بالله عزّ وجلّ، ويسأله البأس فيه، ويصبر ويصابر فعسى ولعل، وما ذلك على الله بعزيزٍ، وإنه عليه ليسير . ٩٦٩ - قال أبو محمد الحريري: قصدت الجنيد رحمه الله تعالى فوجدته يصلي فأطال جداً، فلما فرغت قلت له: قد كبرت، ووهن عظمك، ورق جلدك، وضعفت قوتك، فلو اقتصرت على بعض صلاتك، فقال: اسكت، طريقٌ عرفنا به ربنا، إلا ينبغي لنا أن نقتصر منه على بعضه، والنفس ما حملتها تتحمل، والصلاة صلة، والسجود قربة، ولهذا قال تعالى: ﴿واسجد واقترب﴾ [العلق: ١٩]، ومن ترك طريق القرب يوشك أن يسلك به طريق البعد. ثم أنشد: وألزمت نفسي هجرها فاستمرت صبرت عن اللذات حتى تولت فلما رأت صبري على الذل ذلت وكانت على الأيام نفسي عزيزة فإن توقت تاقت وإلا تسلت وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى قال بعض العلماء: سميت الصلاة صلاة لأنها صلة بين الله وعبده، ومواصلة من الله لعبده، ولا تكون المواصلة والمثال إلا لمتقي. واعلم أن الناس في هذا مختلفون، فمنهم من يفتح له في وجوده اللذة في الصلاة ووجود التنعم بها بعد اجتهادٍ قليلٍ في زمنٍ قصيرٍ. ومنهم من يفتح له وجود اللذة في صلاته بعد اجتهادٍ كثيرٍ في زمنٍ طويلٍ، وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء، أعني في التعجيل. وأما وجود الفتح فلا بد منه للمجتهد إن شاء الله تعالى إذا استعان بالله وصبر وصابر فإنه لا ينال . فضيلة عظمى في الدنيا والأخرى إلا بالصبر والمداومة عليه، وكل ما كان من هذا من كثيرٍ أو قلیل، قريب أو بعيدٍ فهو فضل الله ورحمته، ولطفه ومنه. ومما يحض على الا جتهاد ویصح قول من رآه وذهب إليه: ١٩٢ ٩٧٠ - حديث مسلم بن الحجاج عن ربيعة بن كعب الأسلمي، قال: كنت أبيت مع رسول الله وَ ل﴿، فآتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: ((سل))، فقلت: أسأل مرافقتك في الجنة. فقال: ((أو غير ذلك)) فقلت: هو ذاك. فقال: ((فأعني على نفسك بكثرة السجود))(١). فها هو عليه السلام قد أمر بكثرة السجود، ولم يحد له حداً، ولا ذكر له فيه عِدَّةً، إنما أمره بالتكثير منه والازدياد، ورغبه في الجد فيه والاجتهاد. ٩٧١ - وكذلك حديث البخاري عن أبي هريرة، عن النبي ◌ّر عن الله تبارك وتعالى قال: ((ما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ من أداء ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فوعزتي لئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره إساءته))(٢) في غير كتاب البخاري: ((لا بد له منه)). ألا ترى قوله تعالى: ((لا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل)) يقال: ما زال فلان يفعل كذا إذا كان يفعل ذلك مرة بعد مرة، ويواظب عليه، ويكثر منه، وهذا يدل - أيضاً - على أن المجتهد تهب عليه نفحات الرحمة، وتتغشاه أنوار القربة قال تعالى: ﴿فلنحيينه حياة طيبة﴾ [النحل: ٩٧]، يجوز أن تكون هذه الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة. ٩٧٢ - ومما يذكر أنه جاء في التوبة: ((يا ابن آدم لا تعجز أن تقوم بين يدي مصلياً باكياً، فأنا الله الذي اقتربت من قلبك وبالغيب رأيت نوري))(٣). ٩٧٣ - قال أبو طالب: ((كانوا يرون أن تلك الرقة والبكاء، وتلك الفتوحات التي يجدها المصلي إنما هي من دنو الرب تبارك وتعالى من قلب العبد)). ويشهد لهذا - أيضاً - التجرية، وأقوال الصالحين. ٩٧٤ - قال أبو سليمان الداراني: ((لو لم يبك الغافل في عمره إلا على ما فاته من لذة الطاعة فيما مضى من عمره لكان ينبغي أن يبكي على ذلك حتى يخرج من الدنيا)). ٩٧٥ _ ويروى أن عبد الله بن مسروق القيرواني وكان أحد الفقهاء زار أبا جعفر (١) صحيح: أخرجه مسلم (٤٨٩)، وأبو داود (١٣٠٦)، والترمذي (٣٤٧٦)، والنسائي (٢٠٩/٢)، وأحمد (٥٩/٤)، والبيهقي (٤٨٦/٢)، والبغوي في ((شرح السنة)) برقم (٦٥٥، ٩١١)، وغيرهم. (٢) صحيح: أخرجه البخاري برقم (٦٥٠٢). (٣) لم نقف عليه، وعلامات الوضع عليه واضحة لكل ذي عينين، ويبدو أنه من وضع الصوفية، والله أعلم. ١٩٣ كتاب التهجد - م١٣ القمودي وكان أحد العابدين فوجده يصلي، فأطال أبو جعفر الصلاة وأطال الرجل القعود، فلما فرغ قال له: يا أبا جعفر بأقل من هذا التعب وهذا التكلف تصل المقصود وتدرك المطلوب إن شاء الله، فقال: يا مسكين لو عرفت الله أكثر، ثم عاد إلى صلاته يقول: لو ذقت لذتها لما قلت في التعب في الاستكثار منها، وقال: يعظهم: ربما استفزني الطرف في الصلاة [ ....... ](١) ضحكاً ولأهل الليل بليلهم ألذ من أهل اللهو بلهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا، ولو لم يعط الله تعالى أهل الليل في ثواب صلاتهم إلا ما يجدون من اللذة فيها لكان الذي أعطاهم أفضل من صلاتهم. ٩٧٦ - وقال بعضهم: لذة المناجاة ليست من نعيم الدنيا إنما هي من نعيم الجنة عجلها الله لأوليائه وأظهرها لهم فلا يجدها سواهم. ٩٧٧ - وقال بعض العلماء: ليس في الدنيا نعيمٌ يشبه نعيم الجنة إلا ما يجده أهل الليل من طيب الصلاة ولذة المناجاة. وأنشد بعضهم: في ظلمة الليل للعباد أنوار تسرى قلوبهم في ضوئهن إلى يرقون في درجاتٍ کلها قدس فينزلون رياضاً جمة أُنْفاً فيأكلون ويشربون صادحة يا طيب مأكلهم وطيب مشربهم هذا اللذاذ وإن عزت مطالبه فازوا بها ورجال الله فائزة أکرم بهم من رجالٍ لو رأيتهم رأيت أشباح قومٍ ملئت عجباً خمص البطون من الدنيا كأنهم تخالهم ويك موتى لا حراك لهم إن ينطقوا فتلاواتٌ وأذكار وربما بُهت الأقوام من عجبٍ مستيقظين لذي الذكرى فكلهم منها شموس ومنها فيه أقمار ذاك المقام ومولاهم لهم جار طوراً وطوراً وذاك القدس أطوار فيها من العلم أشجارٌ وأنهار عليهم بضروب اللحن أطيار وطيب ما نزلوا وطيب ما ساروا وهي الأماني وإن شطت بها الدار وفي العناية تخصيصٌ وإيثار وللظلام على الأجفان أستار ماءً يفيض وفي ينبوعه نار خيلُ الرهان وهذي الدار مضمار وهم مع الله إقبال وإدبار أو يسكتوا فَعَباراتٌ وأفكار وفي القلوب أعاجيب وأخبار لدى التذكر أسمائعٌ وأبصار (١) بياض بالمخطوط. ١٩٤ ففي حديثهم شربٌ وإسكار حدث حديثهم الله درهم تحت العجاج وجند الله أنصار مروا إلى الله منشوراً لواءهم في جاحم النار لم تقربهم النار مستعصمين بمولاهم فلو قذفوا ٩٧٨ - ومما أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: ((يا داود بي فافرح، وبذكري فتنعم، فما تنعم المتنعمون بمثل ذكري. يا داود، بالنهار أطالبك بقرضي، وبالليل أطالبك بحق حبي. يا داود لو لم تكن لي نارٌ تخشى، ولا جنة ترجى أما كنت أستحق أن أُعبد حتى أُری)». وقيل: السرور بالله هو السرور، والسرور بغير الله هو الغرور. وفي الحكمة: ((يا عبادي الصالحون الصديقون تنعموا بعبادتي فإنها لكم في الدنيا نعيمٌ وفي الآخرة جزاءٌ)). ٩٧٩ - ويروى أن ثوبان العابد وعد أخاً له في الله أن يفطر عنده فلم يفعل، فلقيه أخوه فقال: وعدتني أن تفطر عندي فلم تفعل وأخلفتني، فقال له: لولا ميعادك الذي وعدتك ما أخبرتك بالذي منعني عن الوفاء، لما صليت العتمة أردت المسير إليك فقلت: أوتر فإني لا آمن الموت أن يطرقني فإن جاءني وجدني قد أوترت، فلما كنت في الدعاء من الوتر رفعت لي روضةٌ خضراء فيها أنواع الزهر، فما زلت أنظر إليها حتى أصبحت فأنساني ذلك وعدك الذي وعدتك. ٩٨٠ - وقال مسلم بن يسار: ((ما تلذذ المتلذذون بمثل الخلوة لمناجاة الله)). ٩٨١ - وقال حذيفة المرعشي: ((إذا صدق الرجل في العمل وجد حلاوته قبل أن یعمله)». وقد كان طوائف من الصالحين يستقبلون الليل فيهولهم طوله فيذهب عنهم وما قضوا منه وطراً، ولا نالوا فيه إرباً، وهل كان هذا إلا لما يجدون من نفحات الرحمة، ويتنسمون من نسيم القربة، فلا يتشبهن عليك رحمك الله فتقعد أنت بطالاً بالنهار، جيفة ملقاة بالليل، تقول: لا أصلي حتى أنشط للصلاة، ولا أعمل حتى ألتذ بالعمل، نزاعاً منك إلى أولئك المجتهدين، وانتظاراً منك لنيل منزلتهم، والارتقاء إلى درجتهم بالتمني والرجاء الذي هو الغرور، فإن أولئك لم يصلوا تلك الدرجة إلا بعد قطع قلوبهم، ونهك نفسوهم، وترکھم ما يحبون، ويتحملهم ما يكرهون وما يبغضون، وقد تغلب على الإنسان حالةٌ من رغبةٍ أو رهبةٍ فتمنعه النوم وتمنعه عن الصلاة، وقد یعیا فیعلل نفسه ویمنیها ويعدها ويرجيها. ٩٨٢ - كان بعض الصالحين يأتي فراشه فيضع يده عليه فيقول: والله إنك للينٌ وإنك ١٩٥ لوثيرٌ، وأن الرقاد عليك لشهيٌ، وفراش في الجنة ألين منك وأشهى، ثم يدعه ويقوم إلى صلاته، فإذا أعیا فعل مثل ذلك أيضاً ثم عاد إلى صلاته، فلا يزال كذلك حتى يصبح، كان يعلل بها نفسه إذا کسلت أو فترت. ٩٨٣ - وكان بعض الصالحين يصلي من الليل، فإذا أعيي استلقى وأنشد: طاف به ثم انحول ما كان إلا أن وصل قط ونعمي لم تزل كأنَّ بؤسي لم تكن ثم يقوم إلى الصلاة. وقد قيل: بطول السرى يقصر الطويل ويقرب البعيد، ومن سرى ليلة أحمد رأيه، وانتظر نيله. وأنشد بعضهم : وجد إذ أبصر ما أبصرا شمر للأمر الذي شمرا هذا الذي من بعده قد درا وود لو يدري زمان الصبى وماله اليوم وطعم الكرا وبات عن طعم الكرى صائما دمعته حزناً على ما جرا وظل في محرابه مجريا منقطع الأكباد مستحسراً منذ غروب الشمس حتى إذا حسرته في نفسه لا ترا لاح له فجر الدجى مسفرا وامتد ممتدحاً ليل القذا حط عن الأعضاء ثقل السرى عند الصبح ذاك السرا ومن سرا ليلته كلها أحمد وإذا قوي الباعث وكثرت الرغبة وعظمت الرهبة نشطت النفس وخف الجسد، وذل الصعب وهانت المؤنة . ٩٨٤ - يروى عن الفضيل بن عياض رحمه الله أنه قال: ((إني لأستقبل الليل فيهولني طوله فأفتتح القرآن فيفرغ وما قضيت نهمتي). ٩٨٥ - وقال أبو حازم: ((ما مرت بي ليلة إلا وأنا لم أقض نهمتي)) ... ٩٨٦ - ولما نزل الموت بأبي الشعثاء بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: لم أشتف من قيام الليل. ٩٨٧ - وقيل لبعض الصالحين من أهل الليل: كيف أنت والليل؟ فقال: ما راعيته قط ١٩٦ يريني وجهه ثم ينصرف وما تأملته يقول: ما اشتفيت منه قط فكأنه ساعة لما أقبل. ولا مثله ما قال آخر وقد قيل له كيف الليل عليك؟ فقال: ما أدري ما أنا فيه إلا أني بين نظرةٍ ووقفةٍ فيقبل بظلامه فأتدرعه، ثم يسفر قبل أن أتلبسه. ثم أنشد: لم استتم عناقه لقدومه حتى بدا تسليمه لوداعي ٩٨٨ - وقال آخر: ((أما أنا فإنما يزورني الليل قائماً ثم ينصرف قبل أن يجلس)). ٩٨٩ - وقال رجل لجنيدٍ العابد: يا جنيد، ما أفضل عملك؟ قال: ((ما أتتني صلاةٌ قط إلا وأنا مستعد لها ومشتاق لها، وما انصرفت من صلاةٍ قط إلا كنت إذا انصرفت منها أشوق إليها مني حيث كنت فيها، ولولا أن الفرائض تقطع لأحببت أن أكون ليلي ونهاري قائماً راكعاً ساجداً). ٩٩٠ - وكان عمر بن المنكدر كثير الصلاة والبكاء، فقالت له أمه: يا بني إني لأشتهي أن أراك نائماً، فقال لها: إني لأستقبل الليل فيهولني فيدركني الصبح وما قضيت حاجتي. فاستعانت عليه بأبي حازم ورجلٍ آخر، فدخلا عليه فقالا له: إن قيامك بالليل يشق على أمك، فإن رأيت أن تخفف، فقال لهما: يا هذان، إن الليل إذا دخل عليَّ هالني فأفتتح القرآن فينقضي الليل وما انقضت نهمتي. قالا له: فبكاؤك، قال: أبكتني آية من كتاب الله تعالى. قالا: أي آيةٍ؟ قال: قوله تعالى: ﴿فبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون﴾ [الزمر: ٤٧]، فتركوه وانصرفوا عنه(١). ٩٩١ - وقال علي بن بكار: ((منذ أربعين سنة ما أحزنني شيء إلا طلوع الفجر)). وقد قيل: حرارة الخوف تذيب برودة النوم. ٩٩٢ - وقال رجل لعامر بن عبد قيس وكان من العابدين، ما لي أرى الناس ينامون وأنت لا تنام؟ فقال: ((إن ذكر جهنم لا يدعني أن أنام)). ٩٩٣ - وكان طاوس اليماني يفرش فراشه فيتقلى كما تتقلى الحبة في المقلى، ثم يثور عنه ويقوم إلى الصلاة فيصلي إلى الصبح، ثم يقول: ((إن ذكر جهنم طير نوم العابدين)). ٩٩٤ - وكان بالبصرة غلامٌ اسمه صهيب، وكان يصلي الليل كله، فقالت له سيدته: يا صهيب، إن صلاتك بالليل قد آذتني في شغلك بالنهار، فقال: يا سيدتي إن صهيباً إذا ذكر جهنم لا یأتیه النوم. ٩٩٥ - وكان عامر بن عبد قيس، يقول: ((ما رأيت مثل النار نام هاربها، ولا مثل (١) انظر: ((صفة الصفوة)) لابن الجوزي (٤١٩/١ - ط. دار الصفا). ١٩٧ الجنة نام طالبها)). كلام عامر هذا رواه الترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي وَلَّ(١). ٩٩٦ - وكان عامر هذا إذا جاء الليل، قال: أذهب حر الليل النوم فما ينام، فإذا جاء النهار قال: أذهب حر النهار النوم فما ينام أيضاً. قال: من خاف أدلج بعد الصباح يحمد القوم السرى، وربما أتت عليه الليالي المتوالية ولا ينام فيها، فإذا قام نام بالنهار، وقيل له: كيف صبرك على سهر الليالي وظلماء الهواجر؟ فقال: ما هو إلا أني صرفت نوم الليل إلى النهار، وصرفت طعام النهار إلى الليل، وما في ذلك خطير أمرٍ ولا كثير مشقة. ٩٩٧ - وشكى بعض المريدين لأستاذه سهر الليالي وأن طوله قد أضر به، وأنه لا يقدر أن ينام وسأله في شيء يستجلب به النوم، فقال له أستاذه: إن الله نفحات بالليل والنهار تصيب القلوب المستيقظة، وتخطىء القلوب النائمة، فتعرض يا بني لتلك النفحات. فقال له: يا أستاذ، تركتني حياتي لا أنام بالليل والنهار ما استطعت. ٩٩٨ _ وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب التهجد بإسناده إلى عطاء بن السائب، قال: قال عبدة الثقفي: لله عليَّ أن لا يشهد عليَّ ليل بنوم، ولا نهار بأكل، فأقسم عليه عمر بن الخطاب أن يفطز أيام العيد(٢)، وكانوا يجتنبون الأشياء المذمومة من الفرش والطعام وغير ذلك. ٩٩٩ - يروى أن بعض الصالحين قدم من سفرٍ فوطىء له فراشٌ فوجده وثيراً ليناً، فنام عليه حتى أصبح، وكان له حزبٌ من الليل ففاته، فقال: لا جرم لا أنام على فراشٍ بعد هذا أبداً. (١) حسن: أخرجه ابن المبارك في ((الزهد)) (٢٧)، والترمذي (٢٧٢٨)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٧٨/٨)، وفي ((صفة الجنة)) برقم (٢٥)، والقضاعي في ((مسنده الشهاب)) برقم (٧٩١ - ٧٩٢)، من طريق يحيى بن عبيد الله المدني، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعاً به. وقال الترمذي عقبه: ((هذا حديث إنما نعرفه من حديث يحيى بن عبيد الله، ويحيى بن عبيد الله ضعيف عند أهل الحديث، تكلم فيه شعبة)). قلنا: يحيى هذا متروك الحديث، وأبوه مقبول عند المتابعة، وإلّ فهو ضعيف، ولم نجد له من تابعه. وللحديث شاهدان: الأول: عن أنس، أخرجه الطبراني في ((الأوسط))، وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٤١٢/١٠): ((وفيه محمد بن مصعب القرقساني، وهو ضعيف بغير كذب)). قلنا: قال فيه ابن حجر في ((التقريب)): ((صدوق، كثير الغلط)). الثاني: أخرجه السهمي في ((تاريخ جرجان)) (ص٣٠٢، ٣٣٥ - ٣٣٦)، من حديث عمر بن الخطاب، مرفوعاً به. وحسنه الشيخ الألباني في ((الصحيحة)) برقم (٩٥٣) بمجموع الطريقين. (٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في ((التهجد)) برقم (٥٢). ١٩٨ وأنشد بعضهم: ألا فانزل عن الفرش الوثيرة ووطء من تراب الأرض فرشاً وارسل دمع محزونٍ مصابٍ تغلغل في الذنوب وفي الخطايا وإن بانت تجردها منيرة لوجهك والدجى مرخ ستوره أخي حرق مصيبته كبيرة وأقدم في العيان وفي السريرة وبين شؤونه عين غزيرة فبات بقلبه منها اضطراب فذاكره مؤججة سعيرة وإن يطفىء سعير في فؤادي يبيت له بها عين قريرة ومن تحلل بوادي الذنب أنَّى ١٠٠٠ - ونام تميم الداري ليلةً عن حزبه فلم يقم، فقام سنة لم ينم فيها كفارةً لما صنع. ١٠٠١ - وقال بعضهم: ما رأيت كالليل إن اضطربت تحته غلبك، وإن ثبت له لم يقف لك. يقول: إن تجلدت على سهره مضى عنك وقد نلت منه ما أردت، وإن جزعت لطوله ضرب بك وأنامك. ١٠٠٢ - وكان عطاء السلمي يقوم في ليالي البرد على سطح بيته حتى يجد ألم البرد لئلا يغلبه النوم، ويدخل البيت في أيام الصيف ليجد الحر حتى لا يغلبه النوم. ١٠٠٣ - وكذلك كان يفعل صفوان بن سليم، وكان قد تعقدت ساقاه من طول القيام، وكان قد بلغ من الاجتهاد ما لو قيل له إن القيامة تقوم غداً ما وجد مزيداً، وكان يقول: ((اللهم إني أحب لقائك فأحب لقائي)). ومات حين مات رحمه الله وهو ساجدٌ رحمه الله تعالى. وأما امتناعهم من الشبع وتوقيهم كثرة الأكل فمعروف قديماً وحديثاً: ١٠٠٤ - قال يزيد بن الأسود: ((والله لا أشبعت نفسي من طعامٍ ولا منامٍ حتى ألقى الله عزّ وجلّ)). ١٠٠٥ - ويروى أن إبليس تبدا ليحيى بن زكريا عليهما السلام وعليه معاليق، فقال له يحيى: ما هذه المعاليق؟ فقال: هذه الشهوات التي أتصيد بها بني آدم. فقال له: هل وجدت لي فيها شيئاً؟ قال: نعم، شبعت ليلة فتقلناك عن الصلاة بالليل. فقال يحيى: ولا جرم لا أشبع بعدها أبداً، فقال إبليس: لا جرم ولا نصحت أحداً بعدها أبداً. ١٠٠٦ - وكان أحد عُباد بني إسرائيل يقوم على المتعبدين منهم ببيت المقدس، فينادي يا معشر العُباد لا تأكلوا كثيراً، فتشربوا كثيراً، فتناموا كثيراً، فتخسروا كثيراً. ١٩٩ ١٠٠٧ - وجاء رجل إلى محمد بن سيرين رحمه الله تعالى فقال: علمني العبادة، فقال له ابن سيرين: أخبرني عن نفسك كيف تأكل؟ فقال: آكل حتى أشبع. قال: ذاك أكل البهائم، قال: فكيف تشرب الماء؟ قال: أشرب حتى أروى. قال: ذاك شرب الأنعام، اذهب فتعلم الأكل والشرب، ثم جيء أعلمك العبادة. يريد أن يتعلم تقليل الأكل والشرب لأن العبادة لا تصح إلا بتقليلهما. ١٠٠٨ - ويروى أن يحيى بن زكريا عليهما السلام شبع ليلةً من خبز الشعير، فنام عن صلاته حتى أصبح، فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: يا يحيى، أوجدت داراً خيراً لك من داري، أم وجدت لك جواراً خيراً لك من جواري، فوعزتي لو اطلعت إلى الفردوس اطلاعة لذاب شحمك ولزهقت نفسك اشتياقاً يعني إليها ولو اطلعت إلى النار اطلاعة لبكيت الصدید. بعد الدموع وللبست الحد بعد المسوح. ١٠٠٩ - وقال ابن جهضم في كتابه: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد المسوري، سمعت أبا الحسن بيان بن محمد يقول: كنت بمكة مجاوراً وكان بها إبراهيم الخواص ولم يكن بيني وبينه مجالسةٌ، ولا أنسٌ، ولا محادثةٌ، كنت أهابه فأتى عليَّ بها أيامٌ لم يفتح عليَّ منها بشيء ولا أكلت فيها شيئاً، وكان بمكة رجلٌ مُزين يحب الفقراء والمستورين، وربما كنت أقصده فيأخذ من شعري، و کان من أخلاقه إذا جاءه الفقیر لیحتجم عنده اشترى له لحماً وطبخه وأصلحه وأطعمه، فقصدته يوماً فقلت له: أريد أن أحتجم، فقال: اجلس، فجعل من يشتري لحماً وأمر بإصلاحه وطبخه، ثم أخذ يشتغل بي، فجعلت أقول في نفسي وهو يحجمني: ترى يفرغ طبخ القدر عند فراغه من الحجامة، فاستيقظت من غفلتي وقلت: يا نفس إنما جئت لتحتجمي ما جئت لتطعمي، عاهدت الله أن لا أذوق من طعامه شيئاً، فلما فرغت من الحجامة قمت لأنصرف، فقال لي: سبحان الله وأنت تعرف الرسم والعادة، فقلت: ثم عَقدٌ مع الله تعالى، فسكت فانصرفت فجئت إلى المسجد فلم يقدر لي بشيء آكله، فلما كان من الغد بقيت إلى آخر النهار فلم يتفق لي شيء آكله، فلما قمت إلى صلاة العصر سقطت وغشي عليَّ، واجتمع الناس حولي وحسبوا أني مجنونٌ، فجاء إبراهيم الخواص وفرق الناس عني وجلس عندي يؤانسني ويحدثني، ثم قال: تأكل شيئاً؟ قلت: قد قرب الليل. فقال: أحسنتم معشر المبتدئين اثبتوا على هذا تفلحوا وتنجحوا ثم مضى إبراهيم، فلما صلينا العشاء الآخرة فإذا هو قد جاءني ومعه قصعةٌ فيها عدس ورغيفان، وزورق فيه ماء فوضعه بين يديّ وقال لي: كل بسم الله، فأكلت الرغيفين والعدس، فقال: فيك فضلٌ تأكل شيئاً؟ قلت: نعم. فمضى وجاءني بقصعة عدس ورغيفين آخرين فأكلتهما، ثم قال لي: فيك فضلٌ تأكل شيئاً؟ قلت: نعم. فمضى وجاءني بقصعة عدس ورغيفين آخرين فأكلتهما، ثم ٢٠٠