Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
مقدمة المؤلف
رأيت بخطه قائمةً صورتها: البلدانيات لكاتبها، وسَرَدَ أسماء القرى،
والبلاد، والمحال، وهي تسعة وثلاثون. فيذكر المكانَ، والشيخَ الذي سمع
منه فيه، والكتابَ أو الجزء الذي يخرِّجُ منه، أو نحو ذلك. وفيها عن رفقائه
فمن دونهم؛ ولكن لم يتيسَّر له تخريجُ ذلك فيما وقفتُ عليه؛ مع أنني وقفت له
أيضاً على عشرة أماكنَ من نمط ما ذكره؛ سمع فيها أيضاً؛ نعم خرَّج ((الأربعين
المتباينات)) وتوسّع هو وغيره ممن تقدم في أماكن شبيهة بالبلاد في الجملة؛
وإِن لم يكن بها خطبة ولا مستوطن بدون نقلة.
ولعمري إِنَّه نوعٌ شريف، وفرعٌ ينشأ عنه غير معنى لطيف؛ لأنه ربما انفرد
بعضُ أهل ذلك البلد بشيء من السنن، فيكون في الاجتهاد فيه إبرازُه على هذا
الوجه الحسن، وذلك مما يحرصُون عليه، ويصرفون نظرَهم إِليه، ولذا صنّف
أبو داود السِّجستاني ((كتاب التفرد))(١). وأورد فيه - مما تفرد به أهل اليمامة -
حديثَ طَلْقٍ في كون مسِّ الذَّكَر لا ينقض الوضوء للتعبد(٢).
وقد أفرد العلماء ترجمته في مؤلفات مستقلة ومن أجودها ترجمة تلميذه السخاوي الذي
=
سماه ((الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر)» وهو مطبوع في ثلاث مجلدات.
وانظر أيضاً: ((ابن حجر العسقلاني مصنفاته ودراسة في منهجه وموارده في كتاب الإصابة)»
للدكتور شاكر عبد المنعم.
(١) قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي في ((مجالس في تفسير قوله تعالى ﴿لقد منَّ الله على
المؤمنين ... ))) صفحة (٣٤٥) عند ذكره لأقسام التفرد: وتارةً يأتي الحديثُ فیقال مثلاً:
تفرَّد به أهلُ البصرةُ، أو أهلُ الكوفة، أو يقال: هذه سنةٌ تفرَّد بها أهلُ بَلَدِ كذا، ولأبي داود
صاحبٍ ((السنن)) مصنَّفٌ مفردٌ في ذلك سمَّاه ((كتاب التفرد)) وذكر في ((سننه)) شيئاً يسيراً من
ذلك اهـ.
(٢) رواه الطيالسي (١٠٩٦)، وابن أبي شيبة ١٦٥/١، وأحمد ٢٢/٤، ٢٣، وأبو داود (١٨٢)،
والترمذي (٨٥)، والنسائي ١٠٣/١، وابن حبان (١١١٩) (١١٢٠). وغيرهم من طريق
قيس بن طلق، عن أبيه قال: سأل رجلٌ رسول الله وَّهِ: أيتوضأً أحدنا إِذا مسَّ ذكره ؟ قال:
((إِنَّما هو بَضْعَةً منك أو جسدك)).
وصحَّح الحديثَ عمرو بن علي الفلاس وقال: هو عندنا أثبتُ من حديث بُسرة.
وقال علي بن المديني: حديث طَلْقٍ أحسن من حديث بسرة.

٤٢
البلدانیات
وأيضاً فمعرفةُ مخرج الأحاديث النبويات، وهي كونها مكية، مدنية،
شامية، عراقية؛ من الضروريات، فأحببتُ اقتفاء أثرهم فيه، والاكتفاءَ بتقليدهم
فيما أبرزتُ البعضَ من فوائده بالتوجيه، وخرَّجتُ من كلِّ بلد، أو قرية، أو
محلَّة من الأماكن التي دخلتها في الرحلة، مما بلغ بحمد الله بالتعيين؛
الثمانين، عن واحدٍ ممن عنه كتبتُ، ومنه استفدتُ، حديثاً، أو خبراً، أو
حكايةً، أو شعراً، مرتِّباً للأماكن على حروف المعجم، مقرِّباً تعريفَ ما لعلّه
منها يستعجم، آتياً في غضون ذلك بفوائد، راوياً الكثيرَ من عيون الزوائد،
جعلَهُ اللهُ خالصاً لوجهه، بعيداً عن الرياء وشبهه، إِنه قريبٌ مجيب.
وقال الترمذي: هذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب.
وقال الطحاوي : إِسناده مستقیم غيرُ مضطرب بخلاف حديث بسرة.
وصححه أيضاً ابن حبان، والطبراني، وابن حزم. وضعفه الشافعي، وأبو حاتم، وأبو
زرعة، والدارقطني، والبيهقي، وابن الجوزي.
انظر الكلام على هذ الحديث في ((الإمام)) لابن دقيق العيد ٢٦٩/١ فما بعدها، و((نصب
الراية» ٦٠/١-٦١، و((التلخيص الحبير)) ١٢٥/١.
وأما حديث بُسرة فقد أسهب الإمام الدارقطني في الكلام عليه في ((العلل) بما يزيد على
خمس عشرة ورقة، من ج٥/ ق١٩٧/ ب إلى ج٥/ق٢١٢/ أ، وانظر ((الإمام)) ٢٨٠/١ فما
بعدها .

٤٣
البلد الأول: جدة
البلد الأول:
جُدَّةُ(١)
وقُدِّمَت للضرورة. وهي بضمِّ الجيم، وتشديد الدال المهملة، ثم هاء.
بليدةٌ بشاطىء البحر، على مرحلتين من مكة؛ بينهما أربعونَ ميلاً، وهي
مِرْسَاتها وفُرْضَتُها (٢)؛ بل ساحلها الأعظم، ومنها يركب المسافر في البحر إِلى
البلاد، وأول من جعلها ساحلاً عثمان(٣) - رضي الله عنه - بعد استشارته الناسَ
في ذلك، لما سئل فيه في سنة ست وعشرين من الهجرة، وكان ساحلُ مكةً قبل
ذلك: الشُّعَنْيَة.
ويُروى في فضلها - مما لا يصحُ - عن ابن عمر - رضي الله عنهما - مرفوعاً:
((يأتي على النَّاسِ زمانٌ يكونُ أفضلُ الرِّباطِ رباطُ جُدَّة))(٤).
(١) انظر (معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع)) للبكري ٣٧١/١، و((مثير العزم الساكن
إِلى أشرف الأماكن)) لابن الجوزي، و((تاريخ مكة والمدينة)) لابن الضياء، و((معجم البلدان))
لياقوت الحموي ١١٤/٢، و((مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع)) لصفي الدين
البغدادي ٣١٨/١، و((شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام)) للفاسي ١٤٠/١_١٤٢ ومنه استقى
المصنف كلامه هنا، و((منائح الكرم في أخبار مكة والبيت وولاة الحرم)) للسنجاري.
قال البكري: سميت بذلك لأنها حاضرةُ البحر. والجدَّة من البحر والنهر ما وَلي البر،
وأصل الجدَّة الطريقُ الممتدة.
(٢) فُرْضَة البحر: محطّ السفن. انظر ((القاموس المحيط)) مادة: (فرض).
(٣) انظر ((أخبار مكة)) للفاكهي ٣/ ٢٣١، و((شفاء الغرام)) للفاسي ١/ ١٤١.
(٤) رواه ابن عدي في ((الكامل)) ٣٨٢/٧، ومن طريقه ابن الجوزي في ((الموضوعات)) ٣١٠/٢
رقم (٨٧٥) من طريق محمد بن عبد الرحمن البَيْلَماني، عن أبيه، عن ابن عمر - رضي الله
عنهما - به مرفوعاً.
ومحمد هذا قال فيه أبو حاتم، والبخاري، والنسائي، وأبو نعيم: منكر الحديث. وقال
ابن حبان: ((حدَّث عن أبيه شبيهاً بمئتي حديث؛ كُلُّها موضوعة، لا يحل الاحتجاج بها)). اهـ

٤٤
البلدانیات
وعن علي - رضي الله عنه - رفعه أيضاً: ((أربعةُ أبواب من أبواب الجنةِ
مفتحةٌ في الدُّنيا أوَّلهنَّ: الإِسكندرية، وعَسْقَلان، وقزوين، وعبَّادان، وفضل
جُدَّة على هؤلاء كفَضْلٍ بيتِ اللهِ الحرامِ على سائر البيوت))(١).
ذكرهما ابن الجوزي في ((الموضوعات))(٢).
وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رفعه أيضاً: ((مكَّةُ رباطٌ، وجُدَّة
جهاد))(٣) أخرجه الفاكهي، وسنده ضعيف جداً.
وهو عنده(٤) عن ابن جريج من قوله. وقال ابنُ جريج عقبه: إني لأرجو أن
يكون فضلُ المرابط بها على غيرها كفضل مكةَ على سائر البلدان.
وعنده(٥) أيضاً من جهة ابن جريج، عن عطاء قال: إِنَّما جُدَّة خزانةُ مكة،
وأبوه ليَّنه أبو حاتم. وقال ابن حبان: لا يجب أن يُعتبر بشيء من حديثه إِذا كان من رواية
=
ابنه؛ لأن ابنه محمد بن عبد الرحمن يَضَعُ على أبيه العجائب.
(١) رواه ابن حبان في ((المجروحين)) ١٣٣/٢، ومن طريقه ابن الجوزي في ((الموضوعات))
٣١٠/٢ رقم (٨٧٦) من طريق عبد الملك بن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن جدِّه، عن علي
- رضي الله عنه - به مرفوعاً.
وعبد الملك هذا قال فيه أبو حاتم: ((متروك الحديث)). وكذَّبه ابن معين. وقال ابن
حبان: ((كان ممن يضع الحديث)). وقال الحاكم: ((روى عن أبيه أحاديث موضوعة)). وقال
الذهبي في ((الميزان)): ((والسند إليه ظلمة؛ فما أدري من افتعله)). وقال في ((تلخيص
الموضوعات)) رقم (٣٥٣): عبد الملك كذاب.
(٢) ٣١٠/٣ رقم (٨٧٥) (٨٧٦).
(٣) رواه الفاكهي في ((أخبار مكة)) (١٥٧٠) (١٧٨٠) قال: حدثنا عبد الله بن منصور، عن
سليم بن مسلم المكي، عن المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب به.
وعزاه إِليه الفاسي في ((شفاء الغرام)) ١/ ١٤٠ وسليم بن مسلم قال فيه النسائي: ((متروك
الحديث)). وقال أحمد: ((لا يُساوي حديثه شيئاً). وقال ابن معين: ((جهمي خبيث)).
انظر ((الميزان)) ٢٣٢/٢، و((اللسان)) ١١٣/٣. والمثنى بن الصباح قال فيه أحمد: ((لا
يساوي حديث شيئاً، مضطرب الحديث)). وليَّنه أبو حاتم وأبو زرعة .
(٤) رقم (١٧٨٢) قال: حدثنا ابن أبي يوسف، ثنا یحیی بن سُلَیم، عن ابن جريج به .
(٥) رقم (١٧٨١) قال: حدثنا إِبراهيم بن أبي يوسف، ثنا يحيى بن سُلَيم، عن ابن جريج، =

٤٥
البلد الأول: جدة
وإِنَّما يؤتى به إلى مكة ولا يخرج به منها.
ومن جهة ضَوْءٍ بن فجر (١) قال: كنتُ جالساً مع عبَّاد بن كثير في المسجد
الحرام فقلت: الحمدُ لله الذي جعلنا في أفضل المجالس وأشرفها .
قال: وأين أنت عن جُدَّةَ ؟ الصلاةُ فيها سبعةَ عَشَرَ ألف صلاةٍ (٢)، والدرهم
فيها مئةُ ألف، وأعمالها بقدر ذلك، يُغْفَرُ للناظر فيها مذَّ بصره.
قلت: رحمك الله، مما يلي البحرَ ؟ فقال: مما يلي البحر.
ومن جهة عُبيد الله بن سعيد بن قِنديل(٣) قال:
جاءنا فَرْقَدُ السَّبَخي بجُدَّة فقال: إِنِي رجلٌ أقرأ هذه الكتبَ؛ وإني لأجدُ فيما
أنزل الله عزَّ وجلَّ من كُتبه جُدَّةَ أو جُدَيْدَة؛ يكون بها قتلى، وشهداء، لا شهيدَ
يومئذٍ على ظهر الأرض أفضلَ منهم.
وذكر ابنُ جُبَيْرِ(٤) أنه رأى بها أَثَرَ سُورٍ مُحْدِق بها، وأنه كان بها موضعٌ فيه
قُبَّة مشيّدةٌ عتيقةٌ يُذْكَرُ أنها منزلُ حواءَ، أَمِّ البشر، زوج آدم عليهما السلام. فلعلَّهُ
=
سمعت عطاء، فذكره.
(١) رواه الفاكهي (١٧٨٣) حدثنا محمد بن علي الصائغ، ثنا خليل بن رجاء، ثنا مسلم بن
يونس، حدثني محمد بن عمر، عن ضوء بن فجر فذكره.
ومحمد بن عمر هو الواقدي: متروك.
تنبيه: كذا في ((الأصل)): ضوء بن فجر. وفي المطبوع من ((أخبار مكة)): صوبن فخر،
وفي ((شفاء الغرام)) نقلاً عن الفاكهي: حنو بن فجر. ومما يجدر التنبيه عليه في هذا المقام أنه
في الكتابة القديمة كثيراً ما تهمل الهمزة الواقعة في نهاية الكلمات المعدودة وغيرها، مثل
سماء وشيء وضوء فتكتب: سما، وشي، وضو. انظر مبحثاً نفيساً في ذلك للأستاذ
عبد السلام هارون - رحمه الله - في كتابه ((قطوف أدبية)) صفحة (١٦).
(٢) في ((أخبار مكة)) (١٧٨٣): سبع عشرة ألف ألف صلاة. وكذا نقله الفاسي ١٤٠/١ عن
الفاکھي .
(٣) رقم (١٧٨٦) قال: حدثنا إِبراهيم بن أبي يوسف قال: ثنا يحيى بن سليم قال: سمعت
عبيد الله بن سعید بن قِندیل فذكره.
(٤) انظر ((شفاء الغرام)) ١/ ١٤١.

٤٦
البلدانيات
المكانُ الذي يقال له الآن: قبر حواء. وقد قال ابنُ عباس - رضي الله عنهما -
كما عند الفاكهي(١): إِن قبرها بجُدَّة.
ومما ذكره ابن جريج أنَّ بها مسجدين؛ ينسبان لعمر بن الخطاب - رضي الله
عنه - يقال لأحدهما: ((مسجد الأبنُوس)) لساريتين فيه من خشب الأبنوس، وهو
معروف إلى الآن.
وأما الآخر فيمكن أن يكون هو المسجدُ الذي تقام فيه الجمعةُ بها، وهو من
عمارة المظفَّر صاحبِ اليمن فيما قيل.
وهي من البلاد التي سمع بها الطبراني على بعض شيوخه، وأبو حيان على
أحمد بن محمد بن الحسن الحرَّاز، الزبيدي، وكذا شيخنا. وإِليها ينسبُ
جماعةٌ منهم: أحمدُ بن سعيد بن فَرْقَد، وجابر بن مرزوق؛ أبو عبد الرحمن،
وحفصُ بن عمر بن عبد الله، وعبدُ الملك بن إِبراهيم، وعليُّ بن محمد
القطان؛ شيخٌ لأبي محمد الأكفاني.
وفي الصحابة - رضي الله عنهم - من ينتسب: الجَدِّي - بفتح الجيم - لكون
بعض أجداده من اسمه: الجدّ.
وكذا في الألقاب: الجُدَيُّ بضم الجيم، وفتح المهملة، وتثقيل الياء؛
لسعيد بن عبدوس الأندلسي. بل وفي الأسماء عدَّةٌ كذلك، والله الموفق.
١- أخبرني الإِمامُ، أبو الحسن علي بن إبراهيم بن علي اليماني، ثمَّ
المكي، الشافعي، بقراءتي عليه بمنزل الخواجا جمال الدين الدقوقي من بَنْدَرِ
جُدة - حرسه الله - وهو أول حديثٍ قرأته عليه - قلت له: قرأتَ على الإمام
(١) في ((أخبار مكة)) (٢٦٠٠) قال: حدثنا عبد الله بن منصور، عن سعيد بن سالم، عن ابن
جريج، عن عطاء، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قبرُ آدم عليه السلام بمكة أو في
مسجد الخيف، وقبر حواء بجدة.

٤٧
البلد الأول: جدة
الزيني أبي بكر بن الحسين المَرَاغي بالرَّوضة الشريفة من طيبة - وهو أول حديث
قرأتہ علیه- فأقرَّ به (ح).
وأنبأني عالياً الخطيبُ، أبو عبد الله محمد بن أحمد الخليلي؛ وهو أول
حديث رويته عنه قالا: حدثنا الصَّدْرُ، أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم
الميدوميُّ، قال الأول: وهو أول حديث سمعته منه. وقال شيخي: وهو أول
حديث حضرته عنده قال: ثنا النَّجيبُ أبو الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم
الحرانيُّ؛ وهو أول حديث سمعته منه. قال: ثنا الحافظ، أبو الفرج
عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي؛ وهو أول حديث سمعته منه قال: ثنا أبو
سعدٍ إِسماعيلُ بن أبي صالح أحمد بن عبد الملك النيسابوري؛ وهو أول
حديث سمعته منه قال: ثنا والدي أبو صالح المؤذِّن؛ وهو أول حديث سمعته
منه قال: ثنا أبو طاهرٍ محمد بن محمد بن مَحْمِش الزياديُّ؛ وهو أول حديث
سمعته منه قال: ثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن يحيى بن بلال البزَّاز؛ وهو
أول حديث سمعته منه قال: ثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم؛ وهو أول
حديث سمعته منه قال: ثنا سفيان بن عيينة؛ وهو أول حديث سمعته من
سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي قَابُوسٍ؛ مولى عبد الله بن عمرو بن
العاص، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله وَل قال:
((الرَّاحمونَ يَرْحَمُهُمُ الرحمنُ تباركَ وتعالى، ارْحَمُوا مَنْ في الأرضِ يَرْحَمْكُم مَنْ
في السَّماءِ».
هذا حديثٌ حسن (١)؛ بل صحَّحه غيرُ واحد(٢).
(١) وكذا حسنه الحافظ في ((الإِمتاع)) رقم (١)، وفي ((الأمالي السَّفَرية)) (الحلبية) المجلس الثاني
صفحة (٢٧). وصححه في ((الأمالى)) أيضاً صفحة (١٥).
(٢) صححه الترمذي (١٩٢٤)، والحاكم ١٥٩/٤، وأبو الفتح الخرقي في ((فوائده)) والعراقي في
((عشارياته)) كما في ((السلسلة الصحيحة)) (٩٢٥)، والذهبي في ((معجم الشيوخ)) ٢٣/١،
والألباني في ((الصحيحة)) (٩٢٥).

٤٨
البلدانيات
رواه الإمام أحمد (١)، والحميدي(٢) في ((مسنديهما)) عن ابن عيينة.
والبخاري في ((الأدب المفرد))(٣) وغيره من تصانيفه(٤) عن عبد الرحمن بن
بشر بن الحكم. والبيهقي في ((السُّنن))(٥) وغيرها من تصانيفه (٦) عن أبي
طاهر بن مَحْمِش، فوافقناهم في شيوخهم بعلوٍّ.
ورواه أبو داود في الأدب من ((سننه))(٧) عن أبي بكر بن أبي شيبة، ومسدد.
والترمذي في البر من ((جامعه)) (٨) أتمّ من هذا عن العدني.
ثلاثتهم عن ابن عيينة؛ فوقع لنا بدلاً لهما عالياً.
وقال الترمذي: إِنه حسن صحيح(٩).
(١) ١٦٠/٢.
(٢) رقم (٦٠٢) ولفظ أحمد والحميدي: ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض
يرحمكم أهل السماء».
(٣) وكذا عزاه المصنف في ((المقاصد الحسنة))، والمناوي في ((فيض القدير))، والعجلوني في
(كشف الخفا))، والغماري في ((المداوي)) ٥٠٦/١، ولم أقف عليه في المطبوع من ((الأدب
المفرد)»، ولا عزاه مؤلفو ((المسند الجامع)) ١٩٥/١١ له. وعزاه الحافظ في ((الفتح))
٤٤٤/١٣ وفي ((الأمالي الحلبية)) إِلى ((التاريخ الكبير)) فقط. وهو عند البخاري في ((الأدب
المفرد)» باللفظ الذي ساقه المصنف بَعْدُ. والله أعلم.
(٤) رواه في ((الكنى)) صفحة (٦٤).
(٥) ٤١/٩.
في («شعب الإيمان» (١١٠٤٨) وفي «الأسماء والصفات)) (٨٩٣).
(٦)
(٧) (٤٩٤١).
(٨) (١٩٢٤).
(٩) قال الحافظ في ((الإمتاع)) صفحة (٦٤): وكأنه صححه باعتبار المتابعات والشواهد؛ وإلا
فأبو قابوس لم يرو عنه سوى عمرو بن دينار، ولا يعرف اسمه، ولم يوثقه أحد من
المتقدمين. أهـ.
وبنحوه كلام المصنف في ((المقاصد الحسنة)) صفحة (٧١)؛ إِلا أنه قال: ولم يوثقه سوى
ابن حبان

٤٩
البلد الأول: جدة
قلت: وهو مما انفرد به ابن عيينة(١) فمن فوقه أعني: بتمامه؛ وإلا فقد روى
بعضَه: حِبَّان - بكسر المهملة، ثم موحدة - ابنُ زيد الشَّرْعَبي - بالمعجمة
والموحدة - ويقال: إِنه صحابي(٢)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال:
سمعت رسول الله وَ ﴿ يقول: ((ارْحَموا تُرْحَمُوا، واغْفِرُوا يُغْفَر لكم)).
أخرجه أحمد(٣)، وعبدٌ(٤)، وغيرهما(٥). وسنده جيد(٦).
وعن ابن عيينة اشتهر، فرواه عنه جماعة؛ انفرد بتسلسله من بينهم:
عبد الرحمن بن بشر بن الحكم. ومن سَلْسَلَهُ عن أحدٍ ممن فوق سفيان - فضلاً
عن جميعهم - فهو إما مخطىءٌ، أو كذاب(٧).
وهو من أصحِّ المسلسلات إِسناداً(٨)، وإِنما اقتصرتُ في الكلام عليه اكتفاءً
بما يسَّره الله تعالى في أول المتباينات؛ مما لا مزيد عليه(٩) .
(١) وكذا قال الذهبي في ((العلو)) رقم (٢٧).
(٢) قال الحافظ في ((التقريب)): ثقة، أخطأ من زعم أن له صحبة.
(٣) ١٦٥/٢، ٢١٩.
(٤)
«المنتخب» (٣٢٠).
(٥) منهم البخاري في ((الأدب المفرد)) (٣٨٠)، والحسن بن موسى الأشيب في ((حديثه)) (٥٤)،
والطبراني في ((مسند الشاميين)) (١٠٥٥)، والفسوي في ((المعرفة والتاريخ)) ٥٢٢/٢،
والبيهقي في ((الشعب)) (٧٢٣٦) و(١١٠٥٢) والخطيب في ((تاريخ بغداد)) ٢٦٥/٨ .
(٦) وكذا قال الدمياطي في ((المتجر الرابح)) صفحة (٣٨٠)، والمنذري في ((الترغيب والترهيب))
(٣٦٢٨)، والعراقي كما في ((فيض القدير)) ٤٧٥/١، والحافظ في ((الأمالي الحلبية)) صفحة
(٢٨)، وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (٤٨٢).
(٧) في هامش الأصل: كاذب.
وهذا الحديث مثَّل به النووي على الحديث المسلسل الذي ينقطع تسلسله في وسطه فقال
في ((التقريب)): ((كمسلسل أول حديث سمعته، على ما هو الصحيح فيه)) قال السخاوي في
شرحه له: وإلا فقد وصل التسلسل فيه بتمامه غيرُ واحد من الرواة إِما غلطاً أو كذباً اهـ. انظر
((غنية اللبيب في شرح التقريب)) للنووي تأليف السخاوي (ل ١٨٤ / أ) يسَّر الله إِتمامه بخير.
(٨) قال ابن الجزري في ((عواليه)) (ق١٥): هذا الحديث أصح حديث في المسلسلات مطلقاً.
(٩) والكلام على هذا الحديث يطول، وقد اعتنى به جمعٌ من أهل العلم قديماً وحديثاً، ولمحقق=

٥٠
البلدانیات
والعادةُ جاريةٌ في الابتداء به قصداً لاستمرار التسلسل فيه، كما أنه اسْتُحِبَّ
الابتداء بحديث: ((الأعمالُ بالنيات))(١) لعُظْم موقعه وشرفه(٢).
وأُنْشِدُكُم ما أنشدنيه شيخنا أبو الحسن المذكور لفظاً من نظمه:
ألا ليتَ شِعري هل أرى قُبَّةً بها حبيبٌ لربِّ العالمينَ رسولُ
وهل لي إِلى تلكَ الدِّيارِ وصولُ
محمَّدٌ المختارُ من نسلِ هاشمٍ
((المجلس الأول من أمالي ابن ناصر الدين الدمشقي)» جهدٌ مشكور في جمع طرق هذا
=
الحديث والكلام عليه؛ يُرجى له معه الأجرُ والثواب.
وانظر ((مجالس في تفسير قوله تعالى: ﴿لقد منَّ الله على المؤمنين إِذ بعث فيهم رسولاً
من أنفسهم﴾)) لابن ناصر الدين الدمشقي (٣٣، ٣٦، ٤٠، ١٢٤، ١٢٧، ١٣٦، ١٣٨،
٢٠٨، ٢٦٣، ٢٩٩، ٣١٣، ٣٤١، ٣٩٢، ٣٩٤، ٤١٨، ٤٤٨، ٤٥٧).
تنبيه: قوله: ((من في السماء)) ((في)) هنا ليست بالظرفية؛ وإنما هي بمعنى ((على)) ولذلك
نظائرٌ كثيرةٌ في كتاب الله - جلَّ وعلا - كمثل قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيروا في الأَرْضِ﴾ وقوله:
﴿وَلِأُصَلْبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ .
وهو من الأدلة الكثيرة علَى عُلُوَّه تعالى بذاته على خلقه، وأنه فوق سماواته، مستو على
عرشه، بائن من خلقه.
وقد أُلِّفت في ذلك مؤلفاتٌ مستقلة. انظر كتاب ((العلو)) للحافظ الذهبي، و((مختصره))
العلامة الألباني، و((الصواعق المرسلة)) للإِمام ابن القيم ١٢٧٧/٤ فما بعدها.
(١) متفق عليه. رواه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧). من حديث عمر رضي الله عنه.
(٢) وقد بيَّن السيد عبد الحي الكتاني في ((فهرس الفهارس)) ١/ ٩٣ سبب افتتاح الرواة لقاءاتهم به
فقال: ((وتداولته الأمة، واعتنى به أهل الصناعة، فقدموه في الرواية على غيره ليتم لهم بذلك
التسلسل، كما فعلنا، وليقتدي به طالب العلم فيعلم أن مبنى العلم على التراحم والتوادد
والتواصل، لا على التدابر والتقاطع، فإِذا شبَّ الطالب على ذلك شبَّ معه نُعَرة التعارف
والتراحم، فيشتد ساعده بذلك، فلا يشبُّ إِلا وقد تخلق بالرحمة، وعرّف غيره بفوائدها
ونتائجها، فيتأدب الثاني بأدب الأول، وعلى الله في الإخلاص والقبول المعوّل)).

٥١
البلد الثاني: مكة
البلد الثاني:
مَثَّةُ(١)
وهي بلدةٌ شريفةٌ مَسعة، فضائلُها متنوعةٌ، في بطن واد، لِعظَم بركته
يتسارعُ إليه العباد، مُخدِقٌ بها جبال، هي لها كالسُّور العال، وفيها بيت الله
الحرام، الذي تُحَطُّ به عن قاصده الأوزارُ والآثام، ويَأْمَنُ من المخاوفِ داخلُه،
ولا تردُّ مسائلُهُ ووسائلُه، وهو قبلةُ المسلمين أحياءً وأمواتاً، ونحلةُ الملبِين
جمعاً وأشتاتاً، وقد قرأتُ الحديثَ فيه، وفي الحِجْرِ ومقام سيدنا إِبراهيم
الوجيه، وبمقام الحنفية المكرّم، وعلى شفير زمزمَ المعظّم، وبسقايةِ سيدنا
العباس، وعلى جبلِ أبي قُبَيْسٍ بدون إِلْباس، وبالمكان المأثور لمولدٍ
المصطفى، وغيرها من الأماكن الزائدةِ فخراً وشرفاً، يسَّر اللهُ إِلى العَوْدِ إِليها
سبيلاً، ونَشَرَ على أهلها ظلاًّ ظليلاً .
٢- أخبرني الإمام، الثقة، أبو الفتح محمد بن أبي بكر بن الحسين،
المدني، الشهير بالمراغي، فيما قرأت عليه بالمسجد الحرام تجاهَ الكعبة
زادها الله تعالى شرفاً وتعظيماً، وأبو الفتح محمد بن عمر القاهري - إِذناً -
كلاهما عن الإِمام، الحافظ، البهاء، أبي محمد عبد الله بن محمد بن أبي
بكر بن خليل قال الثاني: سماعاً، أنا أبو محمد بيبَرْس العَديمي بقراءتي، أنا أبو
إِسحاق إِبراهيم بن عثمان الكَاشْغَري، أنا الشيخان: أبو الفتح محمد بن
عبد الباقي ابن البطي، وأبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن تاج القراء قالا: أنا
(١) انظر ((أخبار مكة)) للفاكهي، و((شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام)) للفاسي، و((أخبار مكة))
للأزرقي، و((إِتحاف الورى بأخبار أم القرى)) لابن فهد، و((معجم البلدان)) لياقوت الحموي
١٨١/٥، و((مراصد الاطلاع)) لصفي الدين البغدادي ١٣٠٣/٣.

٥٢
البلدانيات
أبو عبد الله مالك بن أحمد البانياسي، أنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن الصلت،
ثنا أبو إسحاق إِبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي. إِملاء، ثنا أبو الوليد محمد بن
عبد الله الأزرقي(١)؛ هو الإمام مؤرخ أخبار مكة، حدثني جدي؛ هو أحمد بن
محمد بن الوليد أحد شيوخ البخاري وأوصياء الشافعي، ثنا سفيان - هو: ابن
عيينة -، عن أبي الزبير، عن عبد الله بن بَابَاه، عن جبير بن مطعم - رضي الله عنه -
قال: قال رسول الله وَلاهى: ((يا بني عبدِ مَنافٍ، إِنْ وَليتُم من هذا الأمْرِ شيئاً؛ فلا
تمنعُوا أحداً طافَ بهذا البيت؛ فصلَّى أيَّ ساعةٍ شاءً من لَيْلِ أو نَهَار)).
هذا حديث حسن.
أخرجه أبو داود في ((سننه))(٢) عن أبي الطاهر بن السَّرْح، والفضل بن
يعقوب .
والترمذي في ((جامعه))(٣)، وابن خزيمة في ((صحيحه)) (٤) عن علي بن
خَشْرَم. زاد الترمذي: وعن أبي عمار الحسين بن حريث. وزاد ابن خزيمة:
وعن أحمد بن منيع، وعبد الجبار بن العلاء.
والنسائي في ((سننه))(٥) عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن
المسور بن مخرمة الزهري، ومحمد بن منصور.
والدارمي في «مسنده)) (٦) عن عمرو بن عون.
وابن ماجة في ((سننه))(٧) عن يحيى بن حكيم.
۔۔
(١) والحديث عنده في ((أخبار مكة)) ١٩/٢.
(٢) (١٨٩٤).
(٣) (٨٦٨).
(٤) (٢٧٤٧) .
(٥) ٢٨٤/١ و٢٢٣/٥.
(٦) (١٨٦١).
(٧) (١٢٥٤).

٥٣
البلد الثاني: مكة
والطحاوي في ((شرح معاني الآثار))(١) له عن يونس بن عبد الأعلى. وأبو
يعلى في مسنده(٢) عن أبي خيثمة زهير بن حرب:
كلُّهم - وهم اثنا عشر - عن ابن عيينة. فوقع لنا بدلاً لهم عالياً.
وقال الترمذي : إِنه حسن صحيح.
وصححه آخرون(٣)؛ منهم الحاكم وقال(٤): ((إِنه على شرط مسلم)) يعني:
دون البخاري؛ لأنه إنما أخرج لأبي الزبير مقروناً. نعم الظاهر أنه أشار إلى هذا
الحديث بقوله(٥): باب الطواف بعد الصبح والعصر.
وهو عند أحمد(٦)، والشافعي(٧)، والحميدي(٨)، وابن منيع، عن ابن عيينة
على الموافقة .
وكذا رواه الحسن بن عرفة (٩)، وهارون بن معروف(١٠)، وغيرهما عن ابن
(١)
١٨٦/٢.
(٢)
(٧٣٩٦).
منهم ابن حبان في «صحيحه)) (١٥٥٤)، والنووي في ((الخلاصة)) رقم (٧٧٢) والألباني في
(٣)
«الإرواء)) (٤٨١).
في ((المستدرك)» ٤٤٨/١، ووافقه الذهبي.
(٤)
كتاب الحج/ باب (٧٣) الطواف بعد الصبح والعصر. قال الحافظ: ويظهر من صنيعه أنه
(٥)
يختار فيه التوسعة .
(٦)
٤ /٨٠.
مسند الشافعي صفحة (١٦٧). ومن طريقه البغوي في ((شرح السنة)) (٧٨٠) وقال: هذا
(٧)
حديث حسن صحيح.
(٥٧١)، ومن طريقه الفسوي في ((المعرفة والتاريخ)) ٢٠٦/٢، والطبراني في ((الكبير))
(٨)
(١٦٠٠)، والحاكم ٤٤٨/١، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) ٢/ ٤٦١.
(٩) روايته عند الدارقطني ٢٦٦/٢. وتصحف فيه إِلى: ((الحصن بن عرفة)) بالصاد المهملة بدل
السين.
(١٠) وروايته عند أبي يعلى (٧٤١٥)، وابن حبان (١٥٥٤).

٥٤
البلدانيات
عيينة؛ بل رواه ابن جريج(١)، وعمرو بن الحارث(٢)، كلاهما عن أبي الزبير.
ووقع في حديث غير واحدٍ تصريحُ أبي الزبير بسماعه له من عبد الله بن
بابَيْه؛ فأمن تدليسه(٣)، مع أنه لم ينفرد به؛ بل تابعه عبد الله بن أبي نجيح، عن
ابن بابَيْه(٤).
لكن رواه أبو العطوف الجراح بن منهال(٥) - وهو ضعيف - عن أبي الزبير
فقال: ((عن نافع بن جبير بن مطعم)) بدل ابن بابَيْه.
وهكذا رُوي عن عطاء بن أبي رباح (٦)، وعكرمة بن خالد(٧)، وعمرو بن
دينار(٨)؛ ثلاثتهم عن نافع.
ثم إِن الجمهور عن أبي الزبير كما تقدم (٩).
ورواه أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب
(١) روايته عند عبد الرزاق (٩٠٠٤)، وأحمد ٨١/٤، ٨٤، والطبراني (١٥٩٩).
(٢) روايته عند الفاكهي في ((أخبار مكة)) (٤٨٨)، وابن حبان (١٥٥٣)، والطبراني (١٦٠١).
(٣) جاء تصريحه عند عبد الرزاق (٩٠٠٤)، وأحمد ٨٤/٤، وابن خزيمة (١٢٨٠) وغيرهم.
(٤) روايته عند أحمد ٨٢/٤، ٨٣، والبزار ((البحر الزخار)) (٣٤٥٢)، والطبراني (١٦٠٢)،
والفسوي في ((المعرفة والتاريخ)) ٢٠٦/٢ ومن طريقه الخطيب في ((موضح أوهام الجمع
والتفريق)) ٣٠٩/١-٣١٠ والبيهقي في ((السنن الكبرى)) ١١٠/٥.
(٥) روايته عند الدار قطني في ((السنن)) ٤٢٤/١.
(٦) روايته عند الدار قطني ١/ ٤٢٥ من طريق عبد الوهاب بن مجاهد عنه. وعبد الوهاب متروك.
وقد کذبه الثوري کما في ((التقریب)».
(٧) روايته عند الدارقطني ٤٢٤/١ و٢٦٦/٢ من طريق عمر بن قيس عنه. وعمر بن قيس أبو
حفص، المعروف بسندل. متروك كما في ((التقريب)).
(٨) روايته عند البزار ((البحر الزخار)) (٣٤٥٠)، والطبراني (١٥٦٧) والدار قطني ٤٢٥/١ من
طريق إِسماعيل بن مسلم عنه. وإِسماعيل هذا هو المكي، قال فيه أحمد: ((منكر الحديث))
وضعفه غير واحد من الأئمة .
(٩) قال الحافظ في ((التلخيص الحبير)) ١٩٠/١ - بعد ذكر الاختلاف في الحديث -: فإن
المحفوظ عن أبي الزبير، عن عبد الله بن باباه، عن جبير.

٥٥
البلد الثاني : مكة
- رضي الله عنهم - عنه بدون واسطة بينه وبين جبير.
ورواه معقل بن عبيد الله(١)، وأيوب السختياني(٢) كلاهما عن أبي الزبير؛
فجعلاه من حديثه عن جابر .
وقيل: عن أيوب مرسلاً .
ورواه ثُمامة بن عَبيدة(٣) - وهو ضعيف -(٤) عن أبي الزبير؛ فجعله عن
علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه.
ورواه إِبراهيم بن إِسماعيل بن مُجَمِّع - وهو ضعيف أيضاً -(٥) عن أبي
(١) روايته عند الدار قطني ٤٢٤/١ من طريق عبد الرحمن بن عمرو عنه.
قال الحافظ: وهو معلول؛ فإِن المحفوظ عن أبي الزبير، عن عبد الله بن باباه، عن جبير
لا عن جابر. «التلخيص الحبير)) ١/ ١٩٠.
(٢) روايته عند البزار (١١١١) ((كشف الأستار)) قال: حدثنا محمد بن المثنى. والدارقطني
٤٢٤/١ من طريق حفص بن عمر الربالي كلاهما عن عبد الوهاب، ثنا أيوب، عن أبي
الزبير، عن جابر به مرفوعاً
قال البزار: هکذا حدثناه أبو موسى في سنة ثمان وأربعين في دار بني عمیر، ثم إنه حدث
به مرة أخرى فقال: حدثنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن أبي الزبير، ولم يقل: عن جابر،
وهو الصواب من حديث أيوب؛ وإنما كان سَبَقَهُ لسانهُ عندنا؛ إنما يعرف عن أبي الزبير، عن
عبد الله بن باباه، عن جبير بن مطعم.
وقال الدارقطني في ((العلل)) ج٤/ ل١٠٤: واختلف عن أيوب؛ فرواه سفيان بن وكيع،
عن عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن [أبي] الزبير، عن جابر، عن النبي ◌َّر. ورواه
محمد بن المثنى، عن الثقفي، عن أيوب، عن أبي الزبير، عن النبي وَ لّ مرسلاً، والصحيح
من حدیث أيوب: المرسل
(٣) روايته عند أبي نعيم في ((تاريخ أصبهان)) ٢٧٣/٢، والخطيب في ((تلخيص المتشابه))
١٢١/١-١٢٢. قال أبو نعيم: تفرد به ثمامة عن أبي الزبير.
(٤) قال فيه أبو حاتم: ((منكر الحديث)). وكذبه ابن المديني. انظر («الميزان)) ٣٧٢/١، و((توضيح
المشتبه)) لابن ناصر الدين الدمشقي ٦/ ١٤٠.
(٥) ضعفه ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم. انظر ((تهذيب الكمال)) ٤٦/٢.

٥٦
البلدانيات
الزبير؛ فجعله عن عبد الرحمن بن سابط، عن جدته عن النبي وَ ل﴾(١). والأول
أصح.
وبالسند المذكور إلى أبي إسحاق الهاشمي، ثنا أبو سعيد الأشجُّ، ثنا ابن
الأجلح هو عبد الله، عن مجاهد قال: طلبنا هذا العلمَ وما لنا فيه كبير نيّةٍ، ثم
رَزَقَ اللهُ تعالى النيةَ بعدُ(٢).
(١) رواية إِبراهيم هذه ذكرها الدارقطني في ((العلل)) ج٤/ ل١٠٤؛ لكن وقع فيه: إِبراهيم بن
إِسماعيل، عن أبي الزبير، عن عبد الرحمن بن سابط، عمن حذَّثه.
(٢) رواه الفسوي في ((المعرفة والتاريخ)) ١/ ٧١٢ قال: حدثني أبو سعيد عبد الله بن سعيد الأشج
به .

٥٧
البلد الثالث: المدينة
البلد الثالث:
------
المَدِينة (١)
وهي التي إِليها هاجر الرسولُ، وبها قبره الشريفُ المشتملُ على كلِّ خيرٍ
منقول، والثابتُ في شريف السنة أن ما بينه(٢) وبين مِنْبَرَه روضةٌ من رياضٍ
الجنة، وفي تربتها وحيطانها وهوائها من الرَّائحةِ الطيبة ما لا يتناهى؛ ولذا كان
طابةُ وطَيْبَةُ والمطيّبةُ من أسمائها؛ ليطابق ذلك مسمَّاها، وهي محروسةٌ عن
الأعور الدجال(٣)، ومأنُوسَّةٌ على ممرِّ الأيام والليال، مَنْ أَحْدَثَ فيها حدثاً أو
(١) انظر ((تاريخ المدينة المنورة)) لابن شبة، و((مثير العزم الساكن إِلى أشرف الأماكن)) لابن
الجوزي، و((الدرة الثمينة في تاريخ المدينة)) لابن النجار، و((تاريخ المدينة)) لقطب الدين
الحنفي، و((تاريخ مكة والمدينة)) لابن الضياء المكي، و((خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى)»
السمهودي، و((معجم البلدان)) لياقوت الحموي ٨٢/٥، و((مراصد الاطلاع على أسماء
الأمكنة والبقاع)) لصفي الدين البغدادي ١٢٤٧/٣، و((الجواهر الثمينة في محاسن المدينة))
للحسيني، و((التاريخ الشامل للمدينة المنورة)) للدكتور عبد الباسط بدر، و((الروض المعطار
في خبر الأقطار)) صفحة (٦١٧)، و((الأحاديث الواردة في فضائل المدينة)) للدكتور صالح
الرفاعي.
(٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية - عليه رحمة الله -: والثابت عنه بَير أنه قال: ((ما بين بيتي ومنبري
روضة من رياض الجنة)) هذا هو الثابت في ((الصحيح))؛ ولكن بعضهم رواه بالمعنى فقال:
(قبري)) وهو ◌َّ حين قال هذا القول لم يكن قد قُبِرَ بعدُ - صلواتُ الله وسلامه عليه - ولهذا لم
يحتج بهذا أحد من الصحابة؛ إِنما تنازعوا في موضع دفنه، ولو كان هذا عندهم لكان نصاً في
محل النزاع، ولكن دفن في حجرة عائشة في الموضع الذي مات فيه، بأبي هو وأمي
صلوات الله عليه وسلامه. اهـ ((التوسل والوسيلة)) صفحة ٨٤.
وبنحو هذا قال العلامة الألباني - رحمه الله تعالى وطيَّب ثراهُ - في ((ظلال الجنة)) صفحة
(٣٢٦). وانظر ((الأحاديث الواردة في فضائل المدينة)) للدكتور صالح الرفاعي صفحة (٤٥٦).
(٣) كما في الحديث الذي رواه البخاري (١٨٨١)، ومسلم (٢٩٤٣) عن أنس مرفوعاً: ((ليس من
بلد إِلا سيطؤه الدجال؛ إِلا مكة والمدينة، وليس نَقْبُ من أنقابها إِلا عليه الملائكة صافَين =

٥٨
البلدانيات
آوى بها مُحْدِثاً فهو ملعونٌ(١)، مستحقٌّ للشديدِ من العذاب الهُون، وبمزيد
البركةِ فيها دعا الشارع(٢)، وشُوهِدَ بها منها ما تَقَرُ به العيون، وتلذُّ بذكره
المسامع. وقد قرأتُ الحديثَ هناك تجاهَ الحُجْرَة المعظّمة، وتشرَّفتُ بذاك
أيضاً في عدَّةٍ من أماكنها المحترمة، حقَّق اللهُ لنا إِليها الرجوع، ووفَّق لسلوك
تلك المعاهد والربوع.
٣- أخبرني الإِمام، البدر، عبد الله بن محمد بن عبد الله اليَعْمُري،
المغربي، المدني، قاضيها المالكي، ويعرف كأسلافه بابن فرحُون؛ بقراءتي
عليه بالمسجد النبوي، تجاه الحجرة الشريفة، على ساكنها أفضلُ الصلاة
والسلام قلت: أخبركَ المسندُ أبو الربيع، سليمان بن أحمد المدني السقاء
سماعاً فأقرَّ به قال: أخبرتنا أم عبد الله فاطمة ابنة العز إِبراهيم بن أبي عمر، أنا
أبو إسحاق إبراهيم بن خليل الأدمي، أنا أبو القاسم عبد الرحمن بن علي
اللخمي، أنا أبو الحسن علي بن الحسن المَوَازيني (ح).
وأخبرني أبو المعالي بن الذهبي الدمشقي، أنا أبو هريرة ابن الحافظ الذهبي
الدمشقي بها، أنا البهاء أبو محمد القاسم بن المظفر بن عساكر الدمشقي، أنا
عم أبي العز النَّسابة أبو عبد الله محمد بن تاج الأُمَنَاء أبي الفضل بن عساكر
الدمشقي، أنا عمّ أبي الحافظ أبو القاسم بن عساكر الدمشقي(٣) إِذناً وأبو طالب
تحرسه، فينزل بالسِّبْخَة، فترجُف المدينة ثلاث رَجَفات، يخرجُ إِليه منها كلُّ كافر ومنافق)) .
=
(١) كما في الحديث الذي رواه البخاري (١٨٧٠) ومسلم (١٣٧٠) واللفظ له عن علي مرفوعاً
((المدينةُ حَرَمٌ ما بين عَيْر إِلى ثَوْر، فمن أحدث فيها حدثاً؛ أو آوى محدثاً، فعليه لعنة الله
والملائكة والناس أجمعين .. )) الحديث.
(٢) كما في الحديث الذي رواه البخاري (٢١٣٠)، ومسلم (١٣٦٨) واللفظ له عن أنس مرفوعاً:
((اللهم، بارك لهم في مكيالهم، وبارك لهم في صاعهم، وبارك لهم في مُدِّهم)). وسيأتي برقم
(٣٨).
(٣) وهو عنده في ((تاريخ دمشق)) ٦١/١. دار الفكر. ومن طريقة النووي في ((الإرشاد)) صفحة
=
(٢٥١) وعن النووي تلميذه برهان الدين الجَعْبَري في ((رسوم التحديث)) صفحة (٢٠٠).

٥٩
البلد الثالث: المدينة
الخضر بن هبة الله بن طاوس سماعاً قالا: أنا الشريف أبو القاسم علي بن
إِبراهيم الحسيني، خطيب دمشق قالا: أنا أبو عبد الله محمد بن علي بن سَلَوان
التميمي، أنا أبو القاسم الفضل بن جعفر التميمي، أنا أبو بكر عبد الرحمن بن
القاسم الهاشمي (ح).
وأخبرني بعلو أم محمد ابنة أبي حفص بن جماعة بقراءتي والعلاء أبو
الحسن علي بن إسماعيل البعلي إِذناً كلاهما عن أبي حفص عمر بن الحسن
المراغي، قال الثاني: سماعاً، أنا الفخر أبو الحسن بن البخاري(١)، عن أبي
عبد الله محمد بن أبي زيد وأبي عبد الله محمد وأم هانىء عفيفة ابني عبد الله بن
أحمد قال الأول: أنا أبو منصور محمود بن إِسماعيل الصيرفي، أنا أبو الحسين
أحمد بن محمد بن فَاذْشَاه(٢). وقال الآخران: أخبرتنا أم إِبراهيم فاطمة ابنة
عبد الله الجُوزْدَانية(٣) قالت: أنا أبو بكر محمد بن عبد الله الضبي قالا: أنا أبو
القاسم الطبراني(٤)، حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة الدمشقي قالا:
أنا أبو مُسْهِر عبد الأعلى بن مُسْهِر الغساني، ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن
ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخَوْلاني، عن عبد الله بن حَوَالة - رضي الله عنه
- عن رسول الله وَ﴿ل قال: ((إِنَّكُم سَتُجَنَّدُونَ أَجْنَاداً؛ فَجُنْداً بالشَّامِ، وجُنْداً
بالعراقِ، وجنداً باليمن)) فقال الحوالي: يا رسول الله، خِرْ لي. قَل ◌َّ:
((عليكَ بالشَّام)) زاد الهاشمي: ((فَمَنْ أبىْ فَلْيَلْحَقِ بَيَمَنِهِ، ولْيَسْقِ مِنْ غُدُرِهِ؛
(١) وهو عنده في ((مشيخته)) ٢٢٤/١.
(٢) بفتح الفاء، وسكون الذال المعجمة، وفتح الشين المنقوطة بثلاث فوقها، وفي آخرها الهاء
بعد الألف. كما في ((الأنساب)) ١١٤/١٠. وجاءت كنيته فيه ((أبو الحسن)) وهو مخالف لما
جاء في مصادر ترجمته. انظر ((تاريخ الإِسلام)) وفيات سنة (٤٣٣) صفحة (٣٧٦)، و ((السير))
١٧/ ٥١٥ مع الحاشية .
(٣) بضم الجيم، وسكون الزاي المنقوطة، وفتح الدال المهملة. انظر ترجمتها في ((تاريخ
الإِسلام)) وفيات سنة (٥٢٤) صفحة (١٠١)، و((السير)) ١٩/ ٥٠٤ مع الحاشية.
(٤) وهو عنده في ((مسند الشاميين)) (٣٣٧) ومن طريقه أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٤٠٨١)،
وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١/ ٦٠ دار الفكر) وله عنده طرق كثيرة.

٦٠
البلدانيات
فإِنَّ الله تعالى قد تكفَّل لي بالشَّامِ وأَهْلِهِ».
فكان أبو إدريس إِذا حدَّث بهذا الحديث التفت إِلى ابن عامر فقال: مَنْ
تكفَّل اللهُ به فلا ضَيْعَةَ علیه.
هذا حديثٌ حَسَنٌ(١) مسلسلٌ من طريقنا الثاني بالدمشقيين في جميع رجاله،
وقد دخلتُها، وكذا نزلها ابنُ حوالةَ رضي الله عنه.
أخرجه الطبراني(٢) أيضاً عن أبي زرعة، عن أبي مسهر على البدلية.
وهو عند ابن حبان في ((صحيحه))(٣) من حديث الوليد بن مَزْيَدٍ، والحاكم في
((مستدركه)) (٤) وقال: صحيح الإسناد من حديث بشر بن بكر. كلاهما عن سعيد بن
عبد العزيز؛ لكنهما قالا: عن ((مكحول)) بدل («ربيعة)) وهكذا رواه عقبةُ بن علقمة عن
سعيد(٥)، والظاهرُ أنه سمعه منهما فقد رواه الوليد بن مسلم (٦)، عن سعيد عنهما
(١) قال ابن أبي حاتم: ((سألت أبي عن حديث رواه إبراهيم بن شيبان، عن يونس بن ميسرة بن
حَلْبَس، عن أبي إدريس، عن عبد الله بن حوالة. عن النبي بَّر قال: ((يجندون أجناداً)) ؟
قال: هو صحيح حسن غريب)) اهـ. ((العلل)) ١/ ٣٣٧ .
وقال النووي والجَعْبَري: ((حديث حسن مشهور» زاد الجَعْبَري: مناسب.
(٢) رقم (٣٣٧).
(٣) (٧٣٠٦).
(٤) ٥١٠/٤ ووافقه الذهبي.
(٥) رواه أبو القاسم الحنائي في ((فوائده)) ١٥/٦ ومن طريقه ابن عساكر من ((تاريخ دمشق)) ١/ ٥٧.
قال الحافظ النخشبي في ((تخريجه لفوائد الحنائي)) بعد أن ذكر الاختلاف على سعيد بن
عبد العزيز: وحديث سعيد بن عبد العزيز أقرب إلى الصواب إن شاء الله تعالى.
(٦) وروايته عند الفسوي في ((المعرفة والتاريخ)) ٣٠٢/٢ قال: حدثني صفوان، حدثنا الوليد، ثنا
سعيد به .
والوليد هذا هو: ابن مسلم الدمشقي. وأما ما ذهب إليه الشيخ شعيب الأرناؤوط في
تعليقه على ((صحيح ابن حبان)) (٧٣٠٦) من أنه ابن مزيد ففيه نظر، وبيان ذلك من وجوه:
١- صفوان هذا هو: ابن صالح الدمشقي، وهو معروف بالرواية عن الوليد بن مسلم
الدمشقي لا الوليد بن مزيد البيروتي؛ أضف إلى هذا أنه قد صرح باسم أبي الوليد في حديث
قبل هذا عند الفسوي نفسِه ٢٩٨/٢ .
=