Indexed OCR Text

Pages 521-540

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٢١
٣٧- كتاب الزهد
وروى الحلم والحياء قال فقلت يا رسول الله شىء من قبل نفسي أو شىء
جبلني الله عليه قال بل شيء جبلك الله عليه قال : فقلت : الحمد الله الذي جبلني
على خلقين برضاهما الله ورسوله . ويقال اسم الأشج: المنذر بن عائذ. اهـ
وروى المنذري في الترغيب والترهيب (٢٨١/٣) طائفة من الأحاديث في
الحلم منها : عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم قال قال رسول
الله وَّ "إذا جمع الله الخلائق نادى مناد أين أهل الفضل قال فيقوم ناس وهم يسير
فينطلقون سراعا إلى الجنة فتلقاهم الملائكة فيقولون إنا نراكم سراعا إلى الجنة فمن
أنتم فيقولون نحن أهل الفضل فيقولون وما فضلكم فيقولون كنا إذا ظلمنا صبرنا وإذا
أسيء إلينا حلمنا فيقال لهم ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين" . رواه الأصبهاني
وروي عن علي بن أبي طالب رضُّه قال قال رسول الله وَّ "إن العبد
ليدرك بالحلم درجة الصائم القائم" . زاد بعض الرواة فيه "وإنه ليكتب جبارا وما
يملك إلا أهل بيته" رواه أبو الشيخ ابن حبان في كتاب الثواب .
وعن أنس ◌َظ ◌ُبه قال "كنت أمشي مع رسول الله مُ طَّ وعليه برد نجراني
غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجذبه بردائه جذبة شديدة فنظرت إلى صفحة عنق
رسول الله وَ ﴾ وقد أثر بها حاشية الرداء من شدة جذبته ثم قال يا محمد مر لي من
مال الله الذي عندك فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء . رواه البخاري ومسلم
وعن ابن مسعود ظُه قال "كأني أنظر إلى رسول الله و ﴿ يحكي نبيا من
الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول "اللهم اغفر لقومي
فإنهم لا يعلمون" . رواه البخاري ومسلم

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٢٢
٣٧ - كتاب الزهد
وعن عائشة رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله وَ لّ يقول "وجبت محبة الله
على من أُغضب فحلم ". رواه الأصبهاني وفي سنده أحمد بن داود بن عبد الغفار
المصري شيخ الحاكم وقد وثقه الحاكم وحده
: وتقدم حديث عبادة بن الصامت قال قال رسول الله (88 ألا أنبئكم بما
يشرف الله به البنيان ويرفع به الدرجات قالوا نعم يا رسول الله "قال تحلم على مسين
جهل عليك وتعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك"، رواه
الطبراني والبزار .
وعن أبي هريرة ظنه أن رسول الله وُلّ قال "ليس الشديد بالصرعة إنما
الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب". رواه البخاري ومسلم
وقال الحافظ في الفتح (٤٥٩/١٠): إن فيك لخصلتين يحبهما الله الحلم
والأناة قال يا رسول الله قديما كانا في أو حديثا؟ قال: قديما، قال: الحمد لله
الذي جبلني على خلقين يحبهما ، فترديده السؤال وتقريره عليه يشعر بأن في الخُلق
ما هو جبليّ وما هو مكتسب. اهـ
وقال أبو جعفر الطبري في تفسير قوله تعالى {والكاظمين
:
:
الغيظ } (٢١٤/٧): وقوله { والكاظمين الغيظ} يعني والجارعين الغيظ عند امتلاء
نفوسهم منه يقال منه كظم فلان غيظه إذا تجرعه فحفظ نفسه من أن تمضي ما هي
قادرة على إمضائه باستمكانها ممن غاظها وانتصارها ممن ظلمها .
وأصل ذلك من كظم القربة يقال منه كظمت القربة إذا ملأتها ماء وفلان
كظيم ومكظوم إذا كان ممتلئا غما وحزنا ومنه قول الله عز وجل {وابيضت عيناه
من الحزن فهو كظيم} يعني ممتلىء من الحزن

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٢٣
٣٧- كتاب الزهد
والغيظ مصدر من قول القائل غاظني فلان فهو يغيظني غيظا وذلك إذا
أحفظه وأغضبه .
وأما قوله {والعافين عن الناس } فإنه يعني والصافحين عن الناس عقوبة ذنوبهم
إليهم وهم على الانتقام منهم قادرون فتاركوها لهم
وأما قوله { والله يحب المحسنين } فإنه يعني فإن الله يحب من عمل بهذه
الأمور التي وصف أنه أعد للعاملين بها الجنة التي عرضها السموات والأرض
والعاملون بها هم المحسنون وإحسانهم هو عملهم بها . اهـ
وحكى القرطبي في تفسيره (١٣٣/٤) قصة طريفة في الحِلم ، قال: وروي
عن ميمون بن مهران أن جاريته جاءت ذات يوم بصحفة فيها مرقة حارة وعنده
أضياف فعثرت فصبت المرقة عليه فأراد ميمون أن يضربها فقالت الجارية : يا مولاي
استعمل قول الله تعالى: {والكاظمين الغيظ} قال لها : قد فعلت فقالت : اعمل بما
بعده { والعافين عن الناس} فقال: قد عفوت عنك فقالت الجارية: {والله يحب
المحسنين} قال ميمون قد أحسنت إليك فأنت حرة لوجه الله تعالى. اهـ
ولأبي العتاهية في فضل الحلم أشعار :
وعزمُ الصبر ينهَضُ بالجليل
وقارُ الحِلمِ يَقرَعُ كلّ جهل
ويقول :
ألم تر أن الحلم للجهل قاطع وأن لسان الرشد للغَيِّ مُسْكِت
ويقول :
ما أزين الحلم لأربابه
وغايةُ الحلم تمامُ التُّقى
والمتنبي :
فما الحداثة من حلم بمانعة قد يوجَد الحِلمُ في الشّان والشيب

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٢٤
٣٧- كتاب الزهد
(١٩) باب الحزن والبكاء
٤١٩٠ - حَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَثْبَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى أَنْبَأَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ
إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ مُوَرِّقِ الْعِجْلِيِّ عَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ.
---
◌َّ إِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ إِنَّ السَّمَاءَ أَطْتْ وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَبِطْ
مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعُ إِلَّا وَمَلَكْ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلْهِ وَاللّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا
أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَمَا تَلَذِّذُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشَاتِ وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى
الصُّعُدَاتٍ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ شَجَرَةٌ تُعْضَدُ .
: حسن
- دون قوله والله لوددت .. " فإنه مدرج
٤١٩١ - حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ
قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ
قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَفِيرًا.
صبيع
٤١٩٢- حَدَّثْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي فَدَيْكٍ عَنْ مُوسَى بْنِ
يَعْتُوبَ الرَّمْعِيِّ عَنْ أَبِى خَازِمٍ أَنْ عَامِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبِيْرِ أَخْبَرَهُ أَنْ أَبَاهُ أَخْبَهُ أَّهُ
لَمْ يَكُنْ بَيْنَ إِسْلَامِهِمْ وَبَيْنَّ أَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ يُعَاتِيُهُمْ اللَّهُ بِهَا إِلَّا أَرْبَعُ سِنِينَ {وَلَّا
يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ
فَاسِقُونَ }.
حسن
٤١٩٣ - حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ الْحَنَفِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَر
عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ لَا تُكْثِرُوا
الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقُلْبَ .
صبيع

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٢٥
٣٧- كتاب الزهد
٤١٩٤- حَدَّثْنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ
عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْرَأُ عَلَيَّ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ
بِسُورَةِ النِّسَاءِ حَتَّى إِذَا بَلَعْتُ {فَكَيْفَ إِذَا حِثْنًا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَحِثْنَا بِكَ عَلَى
هَؤْلَاءٍ شَهِيدًا } فَتَظَرْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَدْمَعَان .
د
٤١٩٥ - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيًّا بْنِ دِينَارٍ حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَلو
الْخُرَاسَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فِي جِنَازَةٍ فَحَلَسَ عَلَى شَغِيرِ الْقَبْرِ فَبَكَى حَتَّى بَلِّ الثّرَى ثُمَّ قَالَ يَا إِخْوَانِي
لِمِثْلِ هَذَا فَأَعِدُّوا .
حسن
٤١٩٦ - حَدَّثْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَشِيرِ بْنِ ذَكْوَانَ الدِّمَشْقِيُّ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ
مُسْلِمٍ حَدَّثْنَا أَبُو رَافِعٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ سَعْدِ بْنِ
أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ه ◌َبْكُوا فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا. ضعيفِ
٤١٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ
أَبِى فُدَيْكٍ حَدَّثَنِي حَمَّدُ بْنُ أَبِي حُمَّيْدِ الزُّرَقِيُّ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنٍ
مَسْعُودٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنٍ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ مَا مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ
يَخْرُجُ مِنْ عَيْنَيْهِ دُمُوعٌ وَإِنْ كَانَ مِثْلَ رَأْسِ الذُّبَابِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ثُمَّ تُصِيبُ شَيْئًا مِنْ
حُرِّ وَجْهِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ. ضعيف
الغريب :
أطْتْ ، قال ابن الأثير في النهاية (٥٤/١): (أطط ) فيه أطّت السماء وحُقَّ
لها أن تئطِّ الأطيطُ صوت الأقتاب. وأطيطُ الأبل: أصْوَاتُها وحَنينُها . أي أنّ كثرة

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٢٦
٣٧- كتاب الزهد
ما فيها من الملائكة قد أنقْلَهَا حتى أطْت. وهذا مَثَل وإيذان بكثرة الملائكة , وإن لم
يكن ثَم أطيط , وإنما هو كلامُ تقريب أريد به تقرير عظمة الله تعالى.اهـ
تجارون : الجوار: زَفْع الصَّوت والاسْتِغاثة, جأر بَحْأر. (النهاية ٢٣٢/١)
الشرح : في أحاديث الباب الترهيب من بأس الله تعالى، والتحذير من
غضبه وعقابه ، وأن الأمر جد خطير، وأن الله تبارك وتعالى قد خضع لعظمته كل
شيء ؛ فالسموات طائعة خائفة ، والملائكة خاضعة ساجدة ، والعذاب الرهيب ينتظر
المجرمين المتمردين الذين أَبَوْا أن يستسلموا لأمر الله ، ويذعنوا لشرعه ، وفيها شفقة
النبي ◌َّ على أمته، وأن الناس لو علموا حقيقة الأمر، كما يعلمه النبي ◌ُّ واطلعوا
على ما ينتظر الأشقياء من العذاب ، لغلب عليهم الحزن والخوف ، فما تراهم إلا
باكين وجلين، متضرعين الله أن يرحمهم ويعافيهم، ومن شفقته ◌َّ بأمته نصحه لهم
:
ألا يكثروا الضحك ، لئلا يقعوا في الغفلة وتقسوَ قلوبهم .
وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى { فليضحكوا قليلاً وليبكوا: كثيراً }
(١٣٨/٨): ومن الناس من كان لا يضحك اهتماما بنفسه وفساد حاله في اعتقاده
من شدة الخوف وإن كان عبدا صالحا قال ◌َّ: "والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم
قليلا ولبكيتم كثيراً ولخرجتم إلى الصعدات تجارون إلى الله تعالى ، لوددت أني كنت
شجرة تُعضد" خرجه الترمذي، وكان الحسن البصري ته ممن قد غلب عليه الحزن
فكان لا يضحك، وكان ابن سيرين يضحك ويحتج على الحسن ويقول : الله
أضحك وأبكى وكان الصحابة يضحكون إلا أن الإكثار منه وملازمته حتى يغلب
على صاحبه مذموم منهي عنه وهو من فعل السفهاء والبطّالة، وفي الخبر: ، أن:
كثرته تميت القلب ، وأما البكاء من خوف الله وعذابه وشدة عقابه فمحمود قال:
عليه السلام : "ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فإن أهل النار بيكون حتى تسيل دموعهم.

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٢٧
٣٧ - كتاب الزهد
في وجوههم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء فتقرع العيون فلو أن
سُفُنَا أُجريتْ فيها لجرت " خرجه ابن المبارك من حديث أنس وابن ماجة أيضا. اهـ
قال الحافظ في الفتح (٥٣١/٢): قوله "لو تعلمون ما أعلم" أي من عظيم
قدرة الله وانتقامه من أهل الإجرام . وقيل : معناه لو دام علمكم كما دام علمي لأن
علمه متواصل بخلاف غيره . وقيل : معناه لو علمتم من سعة رحمة الله وحلمه وغير
ذلك ما أعلم لبكيتم على ما فاتكم من ذلك . قوله "لضحكتم قليلا" قيل: معنى
القلة هنا : العدم ، والتقدير لتركتم الضحك ولم يقع منكم إلا نادرا لغلبة الخوف
واستيلاء الحزن. اهـ
وقال في (٥٢٧/١١): قوله "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم
كثيرا" دلالة على اختصاصه بمعارف بصرية وقلبية وقد يُطْلِع الله عليها غيره من
المخلصين من أمته لكن بطريق الإجمال وأما تفاصيلها فاختص بها النبي وَطّ فقد
جمع الله له بين علم اليقين وعين اليقين مع الخشية القلبية واستحضار العظمة الإلهية
على وجه لم يجتمع لغيره ويشير إلى ذلك قوله في الحديث الماضي في كتاب الإيمان
من حديث عائشة "إن أتقاكم وأعلمكم بالله لأنا". اهـ
وقال الطبري في تفسير قوله تعالى { ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم
لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل .. }: وقوله
ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد يقول تعالى ذكره : ألم
يأن لهم أن ولا يكونوا يعني الذين آمنوا من أمة محمد ﴿ كالذين أوتوا الكتاب من
قبل يعني من بني إسرائيل ويعني بالكتاب الذي أوتوه من قبلهم التوراة والإنجيل. اهـ
ونقل القرطبي في تفسيرها (١٦١/١٧): قول الخليل: العتاب مخاطبة
الإدلال ومذاكرة الموجدة تقول عاتبته معاتبة. {أن تخشع } أي تذل وتلين.

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٢٨
٣٧- كتاب الزهد
ثم ذكر رحمه الله أن هذه الآية كانت سبب توبة الفضيل بن عياض وابن
المبارك رحمهما الله. اهـ
وقال في تفسير قوله تعالى { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد .. }
(١٢٩/٥): قال علماؤنا: بكاء النبي ◌َّ إنما كان لعظيم ما تضمنته هذه الآية من
هول المطلع وشدة الأمر إذا يؤتى بالأنبياء شهداء على أممهم بالتصديق والتكذيب
ويؤتى به من يوم القيامة شهيدا والإشارة بقوله على هؤلاء إلى كفار قريش
وغيرهم من الكفار وإنما خص كفار قريش بالذكر لأن وظيفة العذاب أشد عليهم
منها على غيرهم لعنادهم عند رؤية المعجزات وما أظهره الله على يديه من خوارق
العادات والمعنى فكيف يكون حال هؤلاء الكفار يوم القيامة إذا جئنا من كل أمة
بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا أمعذبين أم منعمين ؟ وهذا استفهام معناه
التوبيخ وقيل : الإشارة إلى جميع أمته اهـ
(٢٠) باب التوقي على العمل
٤١٩٨ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثْنَا وَكِيعٌ عَنْ مَالِكِ بْنِ مِعْوَلٍ عَنْ عَبْدٍ
الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيِّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ { وَالَّذِينَ يُؤْنُونَ مَا
آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } أَهُوَ الَّذِي يَزْنِي وَيَسْرِقُ وَيَشْرَبُ الْحَمْرَ قَالَ لَا يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ
أَوْ يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ وَلَكِنَّهُ الزَّجُلُ يَصُومُ وَيَتَصَدَّقُ وَيُصَلِّي وَهُوَ يَخَافُ أَنْ لَا يُتَقَبَّلَ مِنْهُ
حسن
٤١٩٩٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ إِسْمَعِيلَ بْنِ عِمْرَانَ الدِّمَشْقِيُّ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ رَبُّ قَالَ سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْسْنَ أَبِي

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٢٩
٣٧- كتاب الزهد
سُفْيَانَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ ﴿ يَقُولُ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ كَالْوِعَاءِ إِذَا طَابَ أَسْفَلُهُ
طَابَ أَعْلَاهُ وَإِذَا فَسَدَ أَسْفَلُهُ فَسَدَ أَعْلَاهُ .
صبيع
٤٢٠٠ - حَدَّثْنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ الْحِمْصِيُّ حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ عَنْ وَرْقَاءَ بْنِ عُمَرَ حَدَّثْنَا عَبْدُ اللّهِ
بْنُ ذَكْوَانَ أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ إِنَّ الْعَبْدَ
إِذَا صَلَّى فِي الْعَلَانِيَةِ فَأَحْسَنَ وَصَلّى فِي السِّرِّ فَأَحْسَنَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذَا عَبْدِي
حَقًّا .
ضعيف
٤٢٠١ - حَدَّثْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةً وَإِسْمَعِيلُ بْنُ مُوسَى قَالَا حَدَّثَنَا شَرِيكُ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ لْمَ
قَارِبُوا وَسَدِّدُوا فَإِنْهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِمُنْجِيهِ عَمَلُهُ قَالُوا وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ
وَلَا أَنَّا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ .
صبيع
الشرح : في أحاديث الباب بيان أن مظنة الفوز في الآخرة ، والنجاة من
العذاب ، إنما هو لمن عمل الصالحات ، واستقام على طاعة الله ، وتعلق قلبه بالله
تعالى رجاء قبول أعماله الصالحة ، وخوفاً من أن ترد عليه ، وفيها أن دخول العبد
الصالح الجنة ، إنما هو بفضل الله ورحمته ، ليس بعمله فحسب ، ووجه ذلك أن
صلاح العبد وطاعته لله ، إنما هو من فضل الله وتوفيقه ، ورحمته ، ولو وكله لنفسه
، ومنع عنه توفيقَه وحفظَه لضلّ وانحرف ، فبفضل الله ورحمته عمل الصالحات ،
وبفضل الله ورحمته ، جَبر نقصه، وعفى عن زلاته ، وتقبل عمله الصالح ، ومنّ عليه
فأدخله الجنة ، إذ أعمال العبد وحدها غير كافية لدخوله الجنة، فيدخله الله برحمته
وفضله .

إهداء الدیباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٣٠
٣٧- كتاب الزهد
وقال الحسن : لقد أدركنا أقواما كانوا من حسناتهم أن ترد عليهم أشفق
منكم على سيئاتكم أن تعذبوا عليها .
· ونقل ابن الجوزي في زاد المسير (٤٨٠/٥): قال الزجاج فمعنى: يؤتون :
يعطون ما أعطوا وهم يخافون أن لا يتقبل منهم أنهم إلى ربهم راجعون أي لأنهم
يوقنون أنهم يرجعون ومعنى يأتون يعملون الخيرات وقلوبهم خائفة أن يكونوا مع
اجتهادهم مقصرين أولئك يسارعون في الخيرات. اهـ
وقال الشوكاني في فتح القدير (٢٠٦/٢): قوله {ونودوا أن تلكم الجنة
أورثتموها بما كنتم تعملون} أي وقع النداء لهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات
فقيل لهم تلكم الجنة أورثتموها أي ورثتم منازلها بعملكم قال في الكشاف بسبب
أعمالكم لا بالتفضل كما تقوله المبطلة . انتهى
أقول: يا مسكين! هذا قاله رسول الله وُ لّ فيما صح عنه " سدِّدوا
وقاربوا واعلموا أنه لن يدخل أحد الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا
أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" والتصريح بسبب لا يستلزم نفي سبب آخر ولولا
التفضل من الله سبحانه وتعالى على العامل بإقداره على العمل لم يكن عمل أصلا
فلو لم يكن التفضل إلا بهذا الإقدار لكان القائلون به محقة لا مبطلة وفى التنزيل.
{ذلك الفضل من الله}، وفيه {فسيدخلهم في رحمة منه وفضل}.اهـ
وقال رحمه الله في تفسير قوله تعالى من سورة النمل {وأدخلني برحمتك في
عبادك الصالحين } (١٣١/٤): ثم دعا أن يجعله الله سبحانه في الآخرة داخلا في
زمرة الصالحين فإن ذلك هو الغاية التي يتعلق الطلب بها فقال وأدخلني برحمتك في
عبادك الصالحين والمعنى أدخلني في جملتهم وأثبت اسمي في أسمائهم واحشرني في
زمرتهم إلى دار الصالحين وهي الجنة اللهم وإني أدعوك بما دعاك به هذا النبي الكريم

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٣١
٣٧- كتاب الزهد
فتقبل ذلك مني وتفضل عليّ به فإني وإن كنت مقصراً في العمل ففضلك هو سبب
الفوز بالخير فهذه الآية منادية بأعلى صوت وأوضح بيان بأن دخول الجنة التي هي
دار المؤمنين بالتفضل منك لا بالعمل منهم كما قال رسولك الصادق المصدوق فيما
ثبت عنه في الصحيح سددوا وقاربوا واعلموا أن لن يَدخل أحد الجنة بعمله قالوا ولا
أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته فإذا لم يكن إلا تفضلك
الواسع فترك طلبه منك عجز والتفريط في التوسل إليك بالإيصال إليه تضييع. اهـ
(٢١) باب الرياء والسمعة
٤٢٠٢ - حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ الْعُثْمَانِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدٍ
الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً أَنْ رَسُولَ اللَّهِ وَّ قَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَا أَغْنَى
الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ فَمَنْ عَمِلَ لِي عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ وَهُوَ لِلْذِي
أَشْرَكَ .
صبيع
٤٢٠٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَمَّلُ وَإِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ الْبُرْسَانِيُّ أَثْبَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ زِيَادِ بْنِ
مِينَاءَ عَنْ أَبِي سَعْدِ بْنِ أَبِي فَضَالَةَ الْأَنْصَارِيِّ وَكَانَ مِنْ الصَّحَابَةِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ
﴿ إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأَوْلِينَ وَالْآخِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ نَادَى مُنَادِ مَنْ
كَانَ أَشْرَكَ فِي عَمَلٍ عَمِلَهُ لِلَّهِ فَلْيَطْلُبْ ثَوَابَهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ أَغْنَى الشُّرَكَاءِ
عَنْ الشِّرْكِ .
حسن
٤٢٠٤ - حَدَّثْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبُو حَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ رُبَيْحِ
بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا
رَسُولُ اللهِ ﴿ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّلَ فَقَالَ أَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَحْوَفُ

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٣٢
٣٧- كتاب الزهد
عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنْ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ قَالَ قُلْنَا بَلَى فَقَالَ الشِّرْكُ الْخَفِيُّ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ
يُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَىُّ مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ.
حسن
٤٢٠٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْعَسْقَلَانِيُّ حَدَّثَنَا رَوْادُ بْنُ الْجَرَّاحِ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدٍ
اللّهِ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ ذَكْوَانَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ بُسَيِّ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وِّ إِنْ أَخْوَفَ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ أَمَا إِنِّي لَسْتُ أَقُولُ يَعْبُدُونَ
شَمْسًا وَلَا قَمَرًّا وَلَا وَثَنَّا وَلَكِنْ أَعْمَالًا لِغَيْرِ اللَّهِ وَشَهْوَةً خَفِيَّةٌ. ضعيف
٤٢٠٦ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
خَدَّثْنَا عِيسَى بْنُ الْمُخْتَارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَطِيّةَ الْعَوْفِيِّ عَنْ أَبِي سَّعِيدٍ
الْخُدْرِيِّ عَنْ النَِّّ لَ﴿ قَالَ مَنْ يُسَمِّعْ يُسَمِّعْ اللَّهُ بِهِ وَمَنْ يُرَاءِ يُرَاءِ اللَّهُ ◌ِهِ
صحیع
٤٢٠٧ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَقَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ
سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ حُنْدَبِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَّلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يُرَاءِ يُرَاءِ
اللَّهُ بِهِ وَمَنْ يُسَمِّعْ يُسَمِّعْ اللَّهُ بِهِ ..
صبيع
الشرح : في أحاديث هذا الباب بيان أن الله تعالى لا يقبل من الأعمال ما
خالطه شرك، ولا يقبل منها إلا ما كان خالصاً أريد به وجهه سبحانه وتعالى ،
فمن راءى بعمله أي أراد به غير الله حبط عمله .
قال ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم (٤٥/١): واعلم أن العمل
لغير الله أقسام : فتارة يكون رياء محضا بحيث لا يراد به سوى مرئيات المخلوقين
لغرض دنيوي كحال المنافقين في صلاتهم قال الله عز وجل { وإذا قاموا إلى الصلاة
قاموا كسالى يراءون الناس} وقال تعالى {فويل للمصلين} وكذلك وصف الله تعالى
۔۔

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٣٣
٣٧- كتاب الزهد
الكفار بالرياء المحض في قوله ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورثاء
الناس الأنفال وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر عن مؤمن في فرض الصلاة والصيام
وقد يصدر في الصدقة الواجبة والحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة والتي يتعدى
نفعها فإن الإخلاص فيها عزيز وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط وأن صاحبه
يستحق المقت من الله والعقوبة وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء فإن شاركه من
أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه أيضا وحبوطه
وأما إن كان أصل العمل لله ثم طرأت عليه نية الرياء فلا يضره فإن كان
خاطرا ودفعه فلا يضره بغير خلاف فإن استرسل معه فهل يحبط عمله أم لا يضره
ذلك ويجازى على أصل نيته في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف قد حكاه
الإمام أحمد وابن جرير الطبري وأرجو أن عمله لا يبطل بذلك وأنه يجازى بنيته
الأولي وهو مروي عن الحسن البصري وغيره. اهـ
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٦١٣/١١) : فالسالك
طريق الزهادة والعبادة إذا كان متبعا للشريعة في الظاهر وقصد الرياء والسمعة
وتعظيم الناس له كان عمله باطلا لا يقبله الله كما ثبت في الصحيح أن الله يقول "أنا
أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء وهو كله
للذي أشرك" وفى الصحيح عنه أنه قال "من سمع سمع الله به ومن راءى راءى الله
به" .اهـ
وقال الفضيل بن عياض : أخلصه وأصوبه ، قالوا يا أبا على ما أخلصه
وأصوبه ؟ قال : إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا
ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص أن يكون الله والصواب

إهداء الدیباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٣٤
٣٧- كتاب الزهد
أن يكون على السنة وذلك تحقيق قوله تعالى {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا
صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا }.اهـ
قال النووي في شرح مسلم (٣٤٣/٩): ومعناه : أنا غني عن المشاركة
وغيرها , فمن عمل شيئا لي ولغيري لم أقبله , بل أتركه لذلك الغير. والمراد أن
عمل المرائي باطل لا ثواب فيه , ويأثم به. اهـ
وقال رحمه الله: قوله وَلَّ: (من سمّع سمع الله به , ومن رايا رايا الله به)
قال العلماء : معناه من رايا بعمله , وسمعه الناس ليكرموه ويعظموه ويعتقدوا خيره
:
سمع الله به يوم القيامة الناس , وفضحه . وقيل: معناه من سمع بعيوبه , وأذاعها.
أظهر الله عيوبه , وقيل: أسمعه المكروه , وقيل: أراه الله ثواب ذلك من غير أن
يعطيه إياه ليكون حسرة عليه , وقيل: معناه من أراد بعمله الناس أسمعه الله الناس,
و كان ذلك حظه منه .
وفي مواهب الجليل - من كتب المالكية -للحطاب (٥٣٣/٢): اعلم أن
الرياء شرك وتشريك مع الله تعالى في طاعته وهو موجب للمعصية والإثم والبطلان
في تلك العبادات كما نص عليه المحاسبي وغيره ويعضده ما في الحديث الصحيح
خرجه مسلم وغيره أن الله تعالى يقول: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل
عملا أشرك فيه غيري تركته له أو تركته لشريكي" ، فهذا ظاهر في عدم الاعتداد
1
بذلك العمل عند الله تعالى وكذلك قوله تعالى { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصین له
الدين} يدل على أن غير المخلص لله تعالى غير مأمور به وما هو غير مأمور لا
يجزىء عن المأمور به فلا يعتد بهذه العبادة وهو المطلوب. اهـ.

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٣٥
٣٧- كتاب الزهد
(٢٢) باب الحسد
٤٢٠٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ ثُمَيْرِ حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ ابْنُ بِشْرِ قَالَا حَدَّثْنَا
إِسْمَعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ
ے
اللَّهِ وَ﴿لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَيْنِ رَجُلٌّ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ
وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةٌ فَهُوَ يَغْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا. صحيح
٤٢٠٩- حَدَّثْنَا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ قَالَا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ
الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا حَسَدَ إِلَّا فِي
اثْتَيْنِ رَجُلٌ آَتَاهُ اللّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آَاءَ اللَّيْلِ وَآتَاءَ النَّهَارِ وَرَجُلٌ آَتَاهُ اللَّهُ مَالًا
فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَنَاءَ النَّهَارِ .
صبيع
٤٢١٠ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَمَّلُ وَأَحْمَدُ بْنُ الْأَزْهَرِ قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ أَبي
قُدَيْكٍ عَنْ عِيسَى بْنِ أَبِي عِيسَى الْحَّطِ عَنْ أَبِي الرِّنَادِ عَنْ أَنَسٍ أَنْ رَسُولَ اللَّهِ لَّ
قَالَ الْحَسَدُ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا
يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ وَالصَّلَةُ نُورُ الْمُؤْمِنٍ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ مِنْ النَّارِ .
ضعيف
الشرح : في أحاديث هذا الباب بيان ذمّ الحسد ، وأنه منهي عنه ، وهو تمني
المرء زوال النعمة عن أخيه المسلم ، وانتقالها إليه ، والحسد لا يصدر إلا عن نفس
ضعف إيمانُ صاحبها وعقلُه ، وقلّ خيره ، وغلب عليه الشر، وذلك أن النعمة التي
رآها عند أخيه ، إنما هي فضل من الله المنعم ؛ قسمها له بحكمته تعالى ، فالحاسد
حين كره النعمة لأخيه قد بغى عليه ، واعترض على قسم الله وقدره ، وأوقع نفسه
في الآثام، وحمَّلها من الأوزار ، فالحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب،

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٣٦
٣٧ - كتاب الزهد
فهو خلق ذميم ، ينبغي على المسلم أن يستعيذ بالله من شر الحاسدين ، كما يستعيذ
منه سبحانه من أن يكون أحدَ الحاسدين .
أما الحسد المذكور في حديثي ابن مسعود وابن عمر فهو الغبطة ، ومعناها:
تمني مثل تلك النعمة التي رآها عند غيره ، من غير أن تزول عن صاحبها ، وهي
محمودة هنا، ولهذا استثناها الحديث من الحسد المذموم ؛ المنهي عنه ، فالمعنى لا حسد
جائز إلا الغبطة في هذين الحالين ، رجل آتاه الله القرآن ، ويسَّر له حفظه وفهمه ،
ووفقه للعمل به، وأعانه على تلاوته في النهار وعلى التهجد به في الليل ، فهي نعمة
عظيمة يستحق صاحبها أن يغبطه عليها كل عاقل ، ، ورجل آتاه الله مالاً، فهو
يتصدق منه وينفق في سبيل الله سراً وعلانية، فيحصل له من الحسنات ، وعلو
الدرجات ، ما يغبط به
قال ابن الجوزي في زاد المسير (١٣١/١): أما الحسد فهو تمني زوال النعمة
عن المجسود وإن لم يصر للحاسد مثلها وتفارقه الغبطة فإنها تمني مثلها من غير حب
زوالها عن المغبوط، وحد بعضهم الحسد فقال هو أذى يلحق بسبب العلم بحبين
حال الأخيار ولا يجوز أن يكون الفاضل حسودا لأن الفاضل يجري على ما هو
الجميل.اهـ
قال النووي في شرح مسلم (٣٥٩/٣): قوله : (فسلطه على هلكته
:
في الحق) أي إنفاقه في الطاعات. قوله ﴿: (ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي
بها يعلمها ) معناه : يعمل بها ويعلمها احتسابا, والحكمة كل ما منع من الجهل
وزجر عن القبيح اهـ
وقال رحمه الله: قوله م ®: (لا حسد إلا في اثنتين ) قال العلماء: الحسد
قسمان : حقيقي ومجازي , فالحقيقي : تمني زوال النعمة عن صاحبها , وهذا حرام

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٣٧
٣٧- كتاب الزهد
بإجماع الأمة مع النصوص الصحيحة . وأما المجازي فهو الغبطة وهو أن يتمنى مثل
النعمة التي على غيره من غير زوالها عن صاحبها , فإن كانت من أمور الدنيا کانت
مباحة , وإن كانت طاعة فهي مستحبة , والمراد بالحديث لا غبطة محبوبة إلا في
هاتين الخصلتين وما في معناهما. اهـ
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (١٦٧/١) :. ومعنى الغبطة تمني المرء أن
يكون له نظير ما للآخر من غير أن يزول عنه , وهو المراد بالحسد الذي أطلق في
الخبر .
قوله : ( لا حسد ) الحسد تمني زوال النعمة عن المنعم عليه , وخصه بعضهم
بأن يتمنى ذلك لنفسه , والحق أنه أعم , وسببه أن الطباع مجبولة على حب الترفع
على الجنس , فإذا رأى لغيره ما ليس له أحب أن يزول ذلك عنه له ليرتفع عليه , أو
مطلقا ليساويه . وصاحبه مذموم إذا عمل بمقتضى ذلك من تصميم أو قول أو فعل .
وينبغي لمن خطر له ذلك أن يكرهه كما يكره ما وضع في طبعه من حب المنهيات .
واستثنوا من ذلك ما إذا كانت النعمة لكافر أو فاسق يستعين بها على معاصي الله
تعالى . فهذا حكم الحسد بحسب حقيقته , وأما الحسد المذكور في الحديث فهو
الغبطة , وأطلق الحسد عليها مجازا , وهي أن يتمنى أن يكون له مثل ما لغيره من غير
أن يزول عنه , والحرص على هذا يسمى منافسة, فإن كان في الطاعة فهو محمود,
ومنه - ( فليتنافس المتنافسون ) . وإن كان في المعصية فهو مذموم , ومنه : " ولا
تنافسوا ". وإن كان في الجائزات فهو مباح, فكأنه قال في الحديث : لا غبطة
أعظم - أو أفضل - من الغبطة في هذين الأمرين - ووجه الحصر أن الطاعات إما
بدنية أو مالية أو كائنة عنهما , وقد أشار إلى البدنية بإتيان الحكمة والقضاء بها
وتعليمها , ولفظ حديث ابن عمر: " رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٣٨
٣٧ - كتاب الزهد
وآناء النهار " والمراد بالقيام به العمل به مطلقاً , أعم من تلاوته داخل الصلاة أو
خارجها ومن تعليمه , والحكم والفتوى بمقتضاه , فلا تخالف بين لفظي الحديثين
وقال القرطبي في تفسير سورة الفلق (١٧٧/٢٠) : والحسد أول ذنب عُصي
"الله به في السماء وأول ذنب عصي به في الأرض فحسد إبليسُ آدَمَ ، وحسد قابيلُ
هابيلَ ، والحاسد ممقوت مبغوض مطرود ملعون ، ولقد أحسن من قال :أ
قل للحسود إذا تنفس طعنة يا ظالما وكأنه مظلوم
قال : والحاسد عدو نعمة الله ، قال بعض الحكماء: بارز الحاسدُ ربَّه من
خمسة أوجه : أحدها : أنه أبغض كل نعمة ظهرت على غيره، وثانيها: أنه ساخط
لقسمة ربه كأنه يقول: لم قسمتَ هذه القسمة ، وثالثها: أنه ضادّ فعل الله أي إن
فضل الله يؤتيه من يشاء وهو يبخل بفضل الله ، ورابعها : أنه خذل أولياء الله أو يريد
خذلانهم وزوال النعمة عنهم ، وخامسها : أنه أعان عدوه إبليس .
وقيل : الحاسد لا ينال في المجالس إلا ندامة ولا ينال عند الملائكة إلا لعنة
وبغضاء ولا ينال في الخلوة إلا جزعا وغما ولا ينال في الآخرة إلا حزناً واحتراقا ولا
ينال من الله إلا بعدا ومقتا وروى أن النبي ◌ُّ قال: "ثلاثة لا يستجاب دعاؤهم:
أكل الحرام ومكثر الغيبة ومن كان في قلبه غلّ أو حسد للمسلمين. اهـ
وقال المناوي في فيض القدير (٥٤٨/٣): والصدقة تطفىء الخطيئة كما
يطفى ء الماء النار والصلاة نور المؤمن أي ثوابها يكون نوراً للمصلي في ظلمة القبر أو
على الصراط أو فيهما والصيام جُنة من النار بضم الجيم أي وقاية من نار جهنم "فلا
يدخل صاحبه النار إلا تحلة القسم" ولعل المراد الإيمان الكامل. اهـ.

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٣٩
٣٧ - كتاب الزهد
(٢٣) باب البغي
٤٢١١ - حَدَّثْنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ أَثْبَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَابْنُ عُلَّةً
عَنْ عُبَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بَكْرَةً قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى لَّ مَا
مِنْ ذَنْبِ أَحْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ
مِنْ الْبَغْىِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ .
صبيع
٤٢١٢ - حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثْنَا صَالِحُ بْنُ مُوسَى عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ إِسْحَقَ عَنْ
عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ أَسْرَعُ الْخَيْرِ
تَوَابًا الْبِرُّ وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَأَسْرَعُ الشَّرِّ عُقُوبَةٌ الْبَغْيُ وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ. ضعيف جداً
٤٢١٣ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدٍ الْمَدَنِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ
قَيْسٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي عَامِرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً أَنْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ حَسْبُ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ .
صبيع
٤٢١٤ - حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَنْبَأَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ
عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ سِتَانِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
﴿ إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا وَلَا يَبْغِي بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ.
صـيع
الغريب :
البغّي: قال ابن الأثير في النهاية (١٤٣/١) أصل البَغْيِ مجاوزةُ الحد.اهـ
الشرح : في أحاديث هذا الباب التنبيه على جملة من الأخلاق المرذولة
والتحذير من التخلق بها ، وأولها ، البغي ، ومعناه الظلم والاعتداء ، ومجاوزة الحد ،
وقد بين حديث أبي بكرة وحديث عائشة أن الله تعالى لا يحب البغي ولا يرضى عن

إهداء الدیباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٤٠
: ٣٧ - كتاب الزهد
الباغي ، وأنه سبحانه يعجل العقوبة للمعتدي الظالم في الدنيا ، ويدخر له عقوبة
أخرى في الآخرة .
ومن هذه الخصال المرذولة التي توعد الله تعالى فاعلها بالعقوبة في الدنيا
والآخرة قطيعة الرحم، وإنها لصفة ذميمة يبغضها الله، وقد قرنت في التْزيل
بالإِفساد في الأرض في قول الله تعالى { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض
وتُقَطعوا أرحامكم } وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك تصبه قال سمعت
رسول الله . يقول "من سره أن يبسط له في رزقه أو ينسأ له في أثره فليصل
رحمه" فصلة الأرحام، وبذل الندى لهم، والسؤال عنهم، وتفقد أحوالهم، والصبر
عليهم إذا أساؤوا ، كل ذلك من خصال المؤمن ، أما قطيعة الرحم ، والبغي ، فهما
من خصال الأشرار ، ولهذا أسرع الله إليهم بالعقوبة جزاء بغيهم ، وقطيعتهم
الأرحامهم .
وقد أفاد حديث أنس " إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا ولا يبغي بعضكم على
بعض" بأن سبب البغي الذي يقع هو الكبر ، حيث يرى الباغي نفسه أفضل من غيره
، وأن له عليهم مزيةً من مال أو جاه أو سلطان ، أو نحو ذلك ، فيرتفع بنفسه على
الخلق ويتكبر ويتيه ، فيبغي ويظلم ، ولو أنه عرف قدر نفسه ، وتواضع ، لما وقع منه
البغي ، ولكنه الكبر .
قال الصنعاني في سبل السلام (٢٠٨/٤): وعدم التواضع يؤدي إلى البغي
لأنه یری لنفسه مزیة علی الغیر فیبغي عليه بقوله أو فعله ویفخر عليه ویزدريه والبغي
والفخر مذمومان. اهـ
وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى { والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون
} : قال ابن العربي : ذكر الله الانتصار في البغي في معرض المدح وذكر العفو على