Indexed OCR Text
Pages 321-340
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٢١
٣٦ - كتاب الفتن
معناها , أي لا يثبتها بفكره ولا يتأملها حتى يتثبت فيها فلا يقولها إلا إن ظهرت
المصلحة في القول .
قال ابن عبد البر : الكلمة التي يهوي صاحبها بسببها في النار هي التي يقولها
عند السلطان الجائر , وزاد ابن بطال : بالبغي أو بالسعي على المسلم فتكون سببا
لهلاكه وإن لم يرد القائل ذلك لكنها ربما أدت إلى ذلك فيكتب على القائل إلها ,
والكلمة التي ترفع بها الدرجات ويكتب بها الرضوان هي التي يَدفع بها عن المسلم
مظلمة أو يفرج بها عنه كربة أو يَنصر بها مظلوما . وقال غيره في الأولى : هي
الكلمة عند ذي السلطان يرضيه بها فيما يسخط الله .
قال ابن التين : هذا هو الغالب , وربما كانت عند غير ذي السلطان ممن
يأتي منه ذلك . ونقل عن ابن وهب أن المراد بها التلفظ بالسوء والفحش ما لم يرد
بذلك الججد لأمر الله في الدين .
وقال القاضي عياض : يحتمل أن تكون تلك الكلمة من الخنى والرفث , وأن
تكون في التعريض بالمسلم بكبيرة أو بمجون , أو استخفاف بحق النبوة والشريعة وإن
لم يعتقد ذلك . وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام : هي الكلمة التي لا يعرف
القائل حسنها من قبحها , قال : فيحرم على الإنسان أن يتكلم بما لا يعرف حسنه
من قبحه . قلت : وهذا الذي يجري على قاعدة مقدمة الواجب. اهـ
وقال المباركفوري في تحفة الأحوذي (٣٦٤/٧):، وإنما أخذ عليه الصلاة
والسلام بلسانه وأشار إليه من غير اكتفاء بالقول , تنبيها على أن أمر اللسان صعب
. والمعنى لا تكلم بما لا يعنيك , فإن من كثر كلامه كثر سقطه ومن كثر سقطه
كثرت ذنوبه ولكثرة الكلام مفاسد لا تحصى .
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٢٢
٣٦ - كتاب الفتن
قوله : ( وإنا لمؤاخذون ), أي هل يؤاخذنا ويعاقبنا أو يحاسبنا ربنا ( بما نتكلم به)
يعني بجميعه إذ لا يخفى على معاذ المؤاخذة ببعض الكلام.
( وهل یگُبُّ ) من کبَّه إذا صرعه على وجهه .
أي يلقيهم ويسقطهم ويصرعهم ( على وجوههم أو على مناخرهم
( إلا حصائد ألسنتهم) أي محصوداتها , شبه ما يتكلم به الإنسان بالزرع
المحصود بالمنجل وهو من بلاغة النبوة , فكما أن المنجل يقطع ولا يميز بين الرطب
واليابس والجيد والرديء, فكذلك لسان بعض الناس يتكلم بكل نوع من الكلام
حسنا وقبيحا . والمعنى لا يكب الناس في النار إلا حصائد ألسنتهم من الكفر
والقذف والشتم والغيبة والنميمة والبهتان ونحوها والاستثناء مفرغ, وهذا الحكم
وارد على الأغلب أي على الأكثر لأنك إذا جربت لم تجد أحداً حفظ لسانه عن
السوء ولا يصدر عنه شيء يوجب دخول النار إلا نادرا. أهد
وقال ابن عبد البر في التمهيد: لا أعلم خلافا في قوله: 3 في هذا
الحديث "إن الرجل ليتكلم بالكلمة" أنها الكلمة عند السلطان الجائر الظالم ليرضيه بها
فيما يسخط الله عز وجلّ ويزين له باطلا يريده من إراقة دم أو ظلم مسلم ونحو
ذلك مما ينخط به في جبل هواه فيبعد من الله وينال سخطه وكذلك الكلمة التي
يرضي بها الله عز وجل عند السلطان ليصرفه عن هواه ويكفه عن معصية يريدها يبلغ
بها أيضا من الله رضوانا لا يحسبه . اهـ
(١٣) باب العزلة
٣٩٧٧- حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ
بَعَجَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ الْحُهَنِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ قَِلَلَ
خَيْرُ مَعَابِشِ النَّاسِ لَهُمْ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَيَطِيرُ عَلَى مَثْنِهِ كُلِّمَا
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٢٣
٣٦ - كتاب الفتن
سَمِعَ هَيْعَةٌ أَوْ فَزْعَةٌ طَارَ عَلَيْهِ إِلَيْهَا يَبْتَغِي الْمَوْتَ أَوْ الْقَتْلَ مَظَأَنَّهُ وَرَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ فِي
رَأْسِ شَعَفَةٍ مِنْ هَذِهِ الشِّعَافِ أَوْ بَطْنِ وَادٍ مِنْ هَذِهِ الْأَوْدِيَةِ يُقِيمُ الصَّلَاةَ وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ
وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْيَقِينُ لَيْسَ مِنْ النَّاسِ إِلَّا فِي خَيْرٍ .
صبيع
٣٩٧٨ - حَدَّثْنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارِ حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ حَمْزَةَ حَدَّثَنَا الزَّبِيدِيُّ حَدَّثَّني
مے
الرُّهْرِيُّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ الَّشِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ أَنْ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى
الّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ قَالَ رَجُلٌ مُحَاهِدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ
قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ امْرُؤٌ فِي شِعْبٍ مِنْ الشِّعَابِ يَعْبُدُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلْ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ
شَرِّه .
صبيع
٣٩٧٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ
بْنِ حَابِرٍ حَدَّثَنِي يُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ حَدَّثَنِي أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ حُذَيْفَةَ بْنَ
الْيَمَانِ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكُونُ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ
أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا قَالَ هُمْ قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا
يَتَكَلِّمُونَ بِأَلْسِنِنَا قُلْتُ فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ قَالَ فَالْزَمْ حَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ
وَإِمَامَهُمْ فَإِنْ لَّمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ
بِأَصْلِ شَخْرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ كَذَلِكَ.
صحيح
٣٩٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثُمَيْرٍ عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمْ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ
وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ .
صبيع
٣٩٨١ - حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ الْمُقَدِّمِيُّ حَدَّثْنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ حَدَّثَنَا أَبو
عَامِرٍ الْخَزَّارُ عَنْ حُمَّيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قُرْطٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْمَانِ قَالَ
٣٢٤
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٦- کتاب الفتن
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكُونُ فِتَنٌ عَلَى أَبْوَابِهَا دُعَاةٌ إِلَى النَّارِ فَأَنْ
تَمُوتَ وَأَنْتَ عَاضٌّ عَلَى حِذْلِ شَحَرَةٍ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَتْبَعَ أَحَدًا مِنْهُمْ. صحيح
٣٩٨٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ الْمِصْرِيُّ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَّنِي عُقَيْلٌ عَنْ
ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنْ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرِ مَرَّتَيْنِ .
صبيع
٣٩٨٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيَةً قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الرُّبْرِيُّ قَالَ خَدَّثَنَا زَمْعَةُ بْنُ
صَالِحٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرِ مَرَّتَيْنِ .
صبيع
الغريب :
من أهل جلدتنا ؛ أي من أنفسنا وعشيرتنا .
شَعَف الجبال : أي رؤوسها .
جذل شجرة : أي أصلها .
الشرح : في هذه الأحاديث بيان فضيلة الجهاد في سبيل الله، وفضل النية
الحسنة ، وأن تمني الشهادة من العمل الصالح ، وفيها أن اعتزال الناس في الفتنة خير
من مخالطتهم ،وذلك حين يكون الغالب على الناس الفساد والشر، ويخشى المسلم
على دينه من مخالطتهم، وفيها صدق خبره ◌ّ بمجيء أئمة مضلين ، فقد وقع ما
أخبر به ، ففي زماننا ، وأزمان خلت ، أئمة من جلدتنا يولون ظهورهم للإسلام
وشرعه وأخلاقه، ويدعون إلى الضلالة، وقد أوصى رسول الله وَ ﴿ يلزوم جماعة
المسلمين وإمامهم إن كان لهم إمام ، فإن لم يكن جماعة ولا إمام ، فيجب اعتزال
الفرق الضالة كلها ، والاعتصام بالكتاب والسنة مهما كلف ذلك من مشقة
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٢٥
٣٦ - كتاب الفتن
قال النووي في شرح مسلم (٤٢/٧): قوله وله: (من خير معاش الناس
لهم رجل يمسك عنان فرسه) ( المعاش ): هو العيش, وهو الحياة , وتقديره والله
أعلم : من خير أحوال عيشهم رجل ممسك .
قوله وَّ: " يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار على متنه يبتغي
القتل والموت مظانه " معناه: يسارع على ظهره, وهو: متنه, كلما سمع هَيْعة,
وهي الصوت عند حضور العدو ,.
و ( الفزْعة ) هي : النهوض إلى العدو .
ومعنى ( يبتغي القتل مظانه ) : يطلبه في مواطنه التي يرجى فيها لشدة رغبته
في الشهادة .
وفي الحديث: فضيلة الجهاد والحرص على الشهادة. قوله رَظّ: أو رجل
في غنيمة في رأس شعفة) (الغُنَيْمة) أي: قطعة منها, و (الشَّعَفة): أعلى
الجبل. اهـ
قال شمس الحق أبادي في عون المعبود (١٦٣/٧): ( في شِعْب): هو ما
انفرج بين جبلين , وقيل الطريق فيه , والمراد الاعتزال في أي مكان. قاله في المجمع
( قد كفى الناس شره ) : أي وقاهم شره . قال القسطلاني : الشِّعاب وهو ما انفرج
بين الجبلين , وليس بقيد، بل على سبيل المثال , والغالب على الشعاب الخلو عن
الناس , فلذا مثل بها للعزلة . وفيه فضل العزلة لما فيها من السلامة من الغيبة واللغو
ونحوهما وهو مقيد بوقوع الفتنة , أما عند عدم الفتنة فمذهب الجمهور أن الاختلاط
أفضل لحديث الترمذي اهـ
ونقل الحافظ ابن حجر في الفتح عن الخطابي قوله : لو لم يكن في العزلة إلا
السلامة من الغيبة ومن رؤية المنكر الذي لا يقدر على إزالته لكان ذلك خيرا كثيرا.
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٢٦
٣٦٠ - كتاب الفتن
وعن عمر ◌ُله : خذوا حظكم من العزلة . وعن الجنيد : مكابدة العزلة أيسر من
مداراة الخلطة. أهـ
ونقل أيضاً عن الخطابي في " كتاب العزلة" أن العزلة والاختلاط يختلف.
باختلاف متعلقاتهما فتحمل الأدلة الواردة في الحض على الاجتماع على ما يتعلق
بطاعة الأئمة وأمور الدين وعكسها في عكسه , وأما الاجتماع والافتراق بالأبدان
فمن عرف الاكتفاء بنفسه في حق معاشه ومحافظة دينه فالأولى له الانكفاف عبن
مخالطة الناس بشرط أن يحافظ على الجماعة والسلام والرد وحقوق المسلمين من
العيادة وشهود الجنازة ونحو ذلك , والمطلوب إنما هو ترك فضول الصحبة لما في ذلك
من شغل البال وتضييع الوقت عن المهمات , ويجعل الاجتماع بمنزلة الإحتياج إلى
الغداء والعشاء فيقتصر منه على ما لا بد له منه فهو أروح للبدن والقلب. والله أعلم .
وقال القشيري في " الرسالة": طريق من أثر العزلة أن يعتقد سلامة الناس
من شره لا العكس . فإن الأول ينتجه استصغاره نفسه وهي صفة المتواضع , والثاني
شهوده مَزِّيَّة له على غيره وهذه صفة المتكبر . اهـ
وترجم البخاري في كتاب الرقاق من صحيحه " باب العزلة خير من خُلاط
السوء" .
وقال ابن حجر: وفي معنى الترجمة ما أخرجه الحاكم من حديث أبي ذر
مرفوعا بلفظ " الوحدة خير من جليس السوء" وسنده حسن , لكن المحفوظ: أنه
موقوف عن أبي ذر أو عن أبي الدرداء . وأخرجه ابن أبي عاصم .
وقال ابن رجب الحنبلي في شرح البخاري (١٠٠/١): وقوله صل" يفر
بدينه من الفتن " يعني : يهرب خشية على دينه من الوقوع في الفتن ، فإن من خالط
الفتن وأهل القتال على الملك، لم يسلم دينه من الإثم، إما يقتل معصوم ، أو أخذ
٣٢٧
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٦ - كتاب الفتن
مال معصوم ، أو المساعدة على ذلك بقول أو نحوه ، وكذلك لو غلب على الناس
من يدعوهم إلى الدخول كفر ، أو معصية ، حسُن الفرار منه
وقد مدح الله من فرّ بدينه خشية الفتنة عليه ، فقال : حكاية عن أصحاب الكهف
{ وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف } .
قال : وقد اعتزل جماعة من الصحابة في الفتن في البوادي .
وقال الإِمام أحمد : إذا كانت الفتنة فلا بأس أن يعتزل الرجل حيث شاء ،
فأما إذا لم تكن فتنة ، فالأمصار خير .
فأما سكنى البوادي على وجه العبادة وطلب السياحة والعزلة فمنهي عنه
كما في الترمذي والحاكم عن أبي هريرة قال مر رجل من أصحاب رسول الله
بشعب فيه عيينة من ماء عذب فأعجبه طيبه وحسنه ، فقال لو اعتزلت الناس فأقمت
في هذا الشعب ولا أفعل حتى أستأمر رسول الله وَ لا فاستأمره فقال : " لا تفعل ،
فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في أهله ستين عاما " .
قال : وكان في زمن ابن مسعود جماعة من المتعبدين ، خرجوا إلى ظاهر
الكوفة ، وبنوا مسجداً يتعبدون فيه ، منهم : عمرو بن عتبة ، ومفضل العجلي ،
فخرج إليهم ابن مسعود ، وردّهم إلى الكوفة ، وهدم مسجدهم ، وقال : إما أن
تكونوا أهدى من أصحاب محمد ، أو تكونوا متمسكين بذَنَب ضلالة .
وإسناد هذا صحيح عن الشعبي ، أنه حكى ذلك .
قال : وقد رأى عبد الله بن غالب الحداني رجلاً في فلاة ، يأتيه رزقه ، لا
يدري من أين يأتيه ، فقال له : إن هذه الأُمة لم تؤمر بهذا ؛ إنما أمرت بالجمعة
والجماعة وعيادة المرضى وتشييع الجنائز ، فقبل منه ، وانتقل من ساعته إلى قرية فيها
هذا كله . اهـ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٢٨
٣٦ - كتاب الفتن
وقال ابن كثير في تفسير سورة الكهف (٧٩/٣) : وهذا هو المشروع عند
وقوع الفتن في الناس أن يفر العبد منهم خوفاً على دينه كما جاء في الحديث "
يوشك أن يكون خير مال أحدكم غثم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه
من الفتن ، ففي هذه الحال تشرع العزلة عن الناس ولا تشرع فيما عداها لما يفوت
بها من ترك الجماعات والجمع فلما وقع عزمهم على الذهاب والهرب من قومهم
واختار الله تعالى لهم ذلك وأخبر عنهم بذلك في قوله {وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون
إلا الله } أي وإذ فارقتموهم وخالفتموهم بأديانكم في عبادتهم غير الله، ففلوقوهم
أيضا بأبدانكم { فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته } أي يبسط عليكم
رحمة يستركم بها من قومكم {ويهيئ لكم من أمركم} الذي أنتم فيه {مرفقا}
أي أمرا ترتفقون به . اهـ
وقال القرطبي في تفسير قول الله تعالى من سورة الكهف { فأووا إلى
الكهف } (٢٣٤/١٠): وهذه الآية صريحة في الفرار بالدين وهجرة الأهل والبنين
والقرابات والأصدقاء والأوطان والأموال خوف الفتنة وما يلقاه الإنسان من المحنة
وقد خرج النبي {َ﴾ّ فاراً بدينه و كذلك أصحابه.
ثم قال : وهجروا أوطانهم وتركوا أرضهم وديارهم وأهاليهم وأولادهم
وقراباتهم وإخوانهم رجاء السلامة بالدين والنجاة من فتنة الكافرين ، فسكنى الجبال
ودخول الغيران والعزلة عن الخلق والانفراد بالخالق وجواز الفرار من الظالم هي سنة
الأنبياء صلوات الله عليهم والأولياء وقد فضل رسول الله وَّ العزلة وفضلها جماعة
العلماء لاسيما عند ظهور الفتن وفساد الناس وقد نص الله تعالى عليها في كتابه فقال
: {فأووا إلى الكهف }
٣٢٩
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٦ - كتاب الفتن
قال العلماء : الاعتزال عن الناس يكون مرة في الجبال والشعاب ومرة في
السواحل والرباط ومرة في البيوت وقد جاء في الخبر: إذا كانت الفتنة فأخفف
مكانك وكف لسانك ، ولم يخص موضعا من موضع وقد جعلت طائفة من العلماء
· العزلة اعتزال الشر وأهله بقلبك وعملك إن كنت بين أظهرهم ، وقال ابن المبارك في
تفسير العزلة : أن تكون مع القوم فإذا خاضوا في ذكر الله فخض معهم وإن خاضوا
في غير ذلك فاسكت .
وروى البغوي عن ابن عمر عن النبي ◌َّ قال: "المؤمن الذي يخالط الناس
ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم
وقال عقبة بن عامر لرسول الله ◌َر : ما النجاة يا رسول الله فقال: "يا
عقبة أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك" وقال :
"يأتي على الناس زمان خير مال الرجل المسلم الغنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع
القطر يفر بدينه من الفتن" خرجه البخاري
وفي فتاوى ابن الصلاح (١٩٧/١): مسألة: رجل طلب العلم وهاجر إليه
من وطنه فسمع داعيا إلى الزهد في الدنيا وله نفس جموح وخاف أن لا ينجو من
آفات الدنيا مع النفس الأمارة بالسوء فما الحيلة في نجاته وبم يكون علاج النفس
الجموح وماذا يقربه من الله الزهد أم العلم أو السياحة أو العزلة ؟
أجاب رضي الله عنه: سبيله ، والله الموفق الهادي ، أن يزهد في الدنيا ،
ولكن زهد الراشدين العالمين ؛ لا زهد الجاهلين ؛ فيطلب العلم مخلصا لله تعالى
متقربا به إليه ؛ ولا يترك التسبب الذي يغنيه عن الحاجة إلى الناس ، ولا يعتزل الناس
؛ بل يقيم بينهم صابراً عليهم مصححاً نيته في ذلك ، فإن هذه طريقة الأنبياء عليهم
السلام والخلفاء وأئمة المتقين، ويجاهد نفسه بالعلم وآدابه وتسديده وتقويمه ، وليس
٣٣٠
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٦ - كتاب الفتن:
الطريق إلى السلامة من الآفات الهرب من الناس ، ولا متابعة القوم الذين تظاهروا
بالفقر والزهد غير ملتفتين إلى الشريعة وآدابها ، معرضين عن ذلك وعن ما شرحناه ،
معتمدين على خواطرهم متمسكين برسوم لا أصل لها في الشريعة ، معتضدين
بأحوال لم يأت بها كتاب ولا سنة زاعمين أنهم مع الحقيقة وليس عليهم الوقوف مع
الشريعة فإن هذا سبيل المغرورين المفتونين وطريق المضلين الدجالين ، والسالك
لسبيلهم قارع باب الإلحاد وهو والج فيه عن قريب ، شهد بما ذكرته أعلام العلوم
والمعارف وبراهينها . والله أعلم.
وقال ابن عبد البر في التمهيد (٣٨٦/٢): قال بعض الحكماء: الحكمة
عشرة أجزاء ؛ تسعة منها في الصمت ، والعاشرة عزلة الناس . قال : وعالجت نفسي
على الصمت فلم أظفر به فرأيت أن العاشرة خير الأجزاء وهي عزلة الناس .
قال: وقد جعلت طائفة من العلماء العزلة اعتزال الشر وأهله بقلبك وعملك
:
وإن كنت بين ظهرانيهم . ذكر ابن المبارك قال حدثنا وهيب بن الورد قال : جاء.
رجل إلى وهب بن منبه فقال : إن الناس قد وقعوا فيما فيه وقعوا ، وقد حدثت
نفسي أن لا أخالطهم ، فقال : لا تفعل إنه لا بد لك من الناس ولا بد لهم منك،
ولك إليهم حوائج ولهم إليك حوائج ، ولكن كن فيهم أصم سميعاً أعمى بصيراً
سكوتاً نطوقاً وقال : ابن المبارك في تفسير العزلة : أن تكون مع القوم ، فإذا خاضوا :
في ذكر الله فخض معهم ، وإن خاضوا في غير ذلك فاسكت . قال أبو عمر: يشبه
أن يكون من ذهب هذا المذهب من حجته ما رواه ابن عمر عن النبي صَلّ "قال
المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالطهم ولا
يصبر على أذاهم " وروينا عن الأحنف بن قيس أنه قال : الكلام بالخير أفضل من
السكوت والسكوت خير من الكلام باللغو والباطل والجليس الصالح خير من الوحدة
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٣١
٣٦ - كتاب الفتن
، والوحدة خير من جليس السوء ، وهذا باب يتسع بالآثار والحكايات عن العلماء
والحكماء .
وفي حديث أبي سعيد الخدري في الباب " يوشك أن يكون خير مال
المسلم .. " قال ابن عبد البر: والحديث المذكور في هذا الباب من أحسن حديث في
العزلة والفرار من الفتنة والبعد عن مواضعها من الحواضر وغيرها والفتنة المذكورة في
هذا الحديث تحتمل أن تكون فتنة الأهل والمال وفتنة النظر إلى أهل الدنيا وفتنة
الدخول إلى السلطان وغير ذلك من أنواع الفتن ، ولم يُرِد الفتنة النازلة بين المسلمين
الحاملة على القتال في طلب الإمارة دون غيرها من الفتن ، بل أراد بقوله "يفر بدينه
من الفتن" جميع أنواع الفتن والله أعلم وفي ذلك دليل على فضل العزلة والانفراد في
آخر الزمان كزماننا هذا . اهـ
وقال الصنعاني في سبل السلام (١٦١٦/٤): وعن ابن عمر رضي الله عنهما
قال: قال رسول الله وُّ "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من
المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم" أخرجه ابن ماجه بإسناد حسن
وهو عند الترمذي إلا أنه لم يسم الصحابي .
وفيه أفضلية من يخالط الناس مخالطة يأمرهم فيها بالمعروف وينهاهم عن
المنكر ويحسن معاملتهم فإنه أفضل من الذي يعتزلهم ولا يصبر على المخالطة
والأحوال تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان ، ولكل حال مقال ، ومن رجح
العزلة فله على فضلها أدلة
وقد استوفاها الغزالي في الإحياء وغيرها. اهـ
وقال النووي في شرح مسلم (٤٨٢/٦): قوله ◌َّ (دعاة على أبواب جهنم
من أجابهم إليها قذفوه فيها ) قال العلماء : هؤلاء من كان من الأمراء يدعو إلى
٣٣٢
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٦- كتاب الفتن
بدعة أو ضلال آخر كالخوارج والقرامطة وأصحاب المحنة . وفي حديث حذيفة هذا
: لزوم جماعة المسلمين وإمامهم ، ووجوب طاعته , وإن فسق وعمل المعاصي من
أخذ الأموال وغير ذلك ، فتجب طاعته في غير معصية . وفيه : معجزات لرسول الله
صَلَالله
ـثّ وهي هذه الأمور التي أخبر بها وقد وقعت كلها. اهـ
وفي قوله ◌ُّ" لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين" قال النووي في
شرح مسلم (٣٥٢/٩): ومعناه المؤمن الممدوح , وهو الكيس الحازم الذي لا
يستغفل , فيخدع مرة بعد أخرى , ولا يفطن لذلك وقيل: إن المراد الخداع في
أمور الآخرة دون الدنيا . والوجه الثاني بكسر الغين على النهي أن يؤتى من جهة
الغفلة. قال: وسبب الحديث معروف , وهو أن النبي ◌َّ أسر أبا غرة الشاعر يوم
بدر , فمنَّ عليه , وعاهده ألا يحرض عليه ولا يهجوه , وأطلقه فلحق بقومه، ثم
رجع إلى التحريض والهجاء , ثم أسره يوم أحد , فسأله المنّ , فقال النبي
E
اللـ
المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين " وهذا السبب يضعف الوجه الثاني . وفيه أنه ينبغي
لمن ناله الضرر من جهة أن يتجنبها لئلا يقع فيها ثانية. اهـ
ويتناول الشيخُ سلمان بن فهد العودة ؛ العالم الداعيةُ الموفَّقُ في كتابه " العزلة
والخلطة" (ص٦٣) : الحالات العامة التي تشرع فيها العزلة ، والتي يكون سبب
مشروعيتها فيها تغيرٌ عام يقع في المجتمع ، فيقول : أما العزلة التي تشرع بسبب
خاص فقد مضت الإشارة إليها ؛ وهي التي تكون بسبب الفرد ذاته ، إما لعدم قدرته
على احتمال رؤية المعاصي والمفاسد ، أو لخوفه على نفسه من الوقوع فيها خوفاً
ظاهراً قوياً، وإما بتميزه بطبائع وخلائق سيئة ، من الحدة والشدة ، أو التعجل
والهوج ، أو غيرها مما يلحق الضرر بالآخرين ، دون تحصيل فائدة تذكر، ولا يملك
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٣٣
٣٦ - كتاب الفتن
الخلاص منها ، أو تخفيفها وتهذيبها ، إلى أسباب أخرى يكون متعلقها الفرد ذاته
وليس الحال العام .
الحالة الأولى : عند فساد الزمان :
فقد أشار النبي ◌ُّ إلى الزمان الذي يتعذر فيه إصلاح العامة، لاختلاف
الناس وتناحرهم وتطاحنهم ، وخفة أحلامهم وأماناتهم ، ومروج عهودهم ونذورهم
، ووصف ﴿ أهل ذلك الزمان بأنهم حثالة من الناس ، والحثالة من كل شيء هي
رديئه وسقطه ، وحثالة الناس أراذلهم .
قال : فهو إشارة إلى استقرار الانحراف العام ،والغربة الشاملة ،وغلبة الشر
والفساد ؛ غلبة لا يطمع معها في إصلاح العامة .
وقد بيّن و﴿ أنه يشرع للمرء حينئذ أن يقبل على خاصته، ويذر أمر
العامة.
الحالة الثانية : عند الفتنة :
والمقصود بها هنا ما يعرض للفرد والجماعة من آثار الشبهات والشهوات من
انحراف واختلاف وتقاتل . وقد جاءت السنة كثيراً بإطلاقها على الاختلاف
والتفرق الواقع بين المسلمين ، وما يترتب عليه من تحزب وقتال وقتل ، وشاع
استعمالها بهذا المعنى .
قال الحافظ ابن حجر : والمراد بالفتنة ما ينشأ من الاختلاف في طلب الملك
حيث لا يعلم المحق من المبطل . وقد وردت أحاديث في التحذير من الفتن عموماً ،
والحث على الفار منها ، واعتزالها بالكلية .
ثم ذكر طائفة من الأحاديث بعضها مروي في الباب هنا .
الحالة الثالثة : اعتزال السلطان عند فساده :
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٣٤
٣٦ - كتاب الفتن
والفتنة التي تعرض لملازم أبواب السلطان هي فتنة الدين والدنيا،فإنه إن
وافقه فيما يأتي وما يذر فقد خاطر بدينه ، وإن خالفه خاطر بروحه ، وهي فتنة
السراء بتعرضه الدنيا وزينتها ، وفتنة الضراء بتعرضه للإهانة والضرب والقتل وسائر
المخاطر. اهـ
(١٤) باب الوقوف عند الشبهات
٣٩٨٤ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زَافِعٍ حَدَّتْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ زَكَرِيًّا بْنِ أَبِي زَائِدَةً
عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَهْوَى بِإِصْبَغَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَيَبْنَهُمَا
مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ.
وَقَعَ فِي الشِّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَاءِ كَالرَّاعِ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ أَلَدٍ وَإِنْ
لِكُلِّ مَلِكٍ حِمَى أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ أَنَا وَإِنَّ فِي الْحَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلُّحَتْ
صَلُحَ الْحَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَّدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَنَا وَهِيَ الْقَلْبُ. صحيح
٣٩٨٥- حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ الْمُعَلَّى بْنِ زِيَادِ عَنْ.
مُعَاوِيَّةَ بْنِ فُرَّةً عَنْ مَعْقِلٍ بْنٍ يَسَارٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِبَادَةُ
فِي الْهَرْجِ كَهِخْرَةٍ إِلَىَّ .
صبيع
الغريب : الهرْج : معناه : قتال واختلاط ، كما يقول ابن الأثير في
النهاية (٢٥٧/٥)
الشرح : معنى حديث النعمان بن بشير أن الحلال بيِّن واضح جليّ لا يخفى
حلَّه ، وكذا الحرام لا تخفى حرمته ، على أن هناك أموراً يشتبه حكمها بالخلال
والحرام ، فلا يكون واضحاً لعامة المسلمين ، وإنما يعرفه أهل العلم ، ولما كان
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٣٥
٣٦ - كتاب الفتن
العلماء في كل زمان قلة ، كان أكثر الناس لا يعرفون هذا النوع ، فيلتبس عليهم
الأمر ؛ أهو من الحلال أم من الحرام؟
وفي الحديث حث على ترك هذا المتشابه ، مخافة الوقوع في الحرام ، وأن
الذي يجتنب المتشابهات هو التقي الورع ، سليم القلب ، أما من كان في قلبه زيغ
وفساد ، فإنه لا يتورع عن الشبهات ، في مطعم أو مكسب أو منكح أو غيرها ،
وفيه أن من تعوّد تعاطي الشبهات كان حرياً أن يقع في الحرام .
وفي حديث معقل بن يسار بيان فضل العبادة في أوقات الفتن وكثرة الاقتتال
؛لأن فيها آنذاك صدق اللجء إلى الله والعياذ به حال ذهول معظم الناس عن ضرورة
الفرار إلى الله تعالى والاحتماء بجنابه .
قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٢٩١/٤): قوله : ( الحلال بين والحرام بين
إلخ ) فيه تقسيم الأحكام إلى ثلاثة أشياء , وهو صحيح لأن الشيء إما أن ينص على
طلبه مع الوعيد على تركه , أو ينص على تركه مع الوعيد على فعله , أو لا ينص
على واحد منهما . فالأول الحلال البين , والثاني الحرام البين . فمعنى قوله " الحلال
بين " أي لا يحتاج إلى بيانه ويشترك في معرفته كل أحد, والثالث مشتبه لخفائه فلا
يدرى هل هو حلال أو حرام , وما كان هذا سبيله ينبغي اجتنابه لأنه إن كان في
نفس الأمر حراما فقد برئ من تبعتها وإن كان حلالا فقد أجر على تركها بهذا
القصد لأن الأصل في الأشياء مختلف فيه حظراً وإباحة . اهـ
وترجم البخاري في كتاب الإيمان من صحيحه " باب فضل من استبرأ لدينه
" وقال ابن حجر (١٢٦/١): كأنه أراد أن يبين أن الورع من مكملات الإيمان,
فلهذا أورد حديث الباب في أبواب الإيمان .
قوله : ( الحلال بين والحرام بين ) أي في عينهما ووصفهما بأدلتهما الظاهرة .
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٣٦
٣٦ - كتاب الفتن
قوله: ( وبينهما مشَبَّهات ), أي شبهت بغيرها مما لم يتبين به حكمها على
التعيين.
والمعنى أنها موحدة اكتسبت الشبه من وجهين متعارضين .
قوله : ( لا يعلمها كثير من الناس ) أي لا يعلم حكمها , وجاء واضحد في
رواية الترمذي بلفظ " لا يدري كثير من الناس أمن الخلال هي أم من الحرام "
ومفهوم قوله " كثير" أن معرفة حكمها ممكن لكن القليل من الناس وهم المجتهدون.
, فالشبهات على هذا في جق غيرهم , وقد تقع لهم حيث لا يظهر لهم ترجيح أحد
الدليلين .
قوله : ( فمن اتقى المشبهات ) أي حذر منها .
قوله: ( استبرأ ) بالهمز بوزن استفعل من البراءة , أي برأ دينه من النقص وعرضه
من الطعن فيه , لأن من لم يعرف باجتناب الشبهات لم يسلم لقول من يطعن فيه ,
وفيه دليل على أن من لم يتوق الشبهة في كسبه ومعاشه فقد عرض نفسه للطعن فيه
, وفي هذا إشارة إلى المحافظة على أمور الدين ومراعاة المروءة.
وقوله ( ومن وقع في الشبهات ) اختلف في حكم الشبهات فقيل التحريم ,
وهو مردود . وقيل الكراهة , وقيل الوقف. وهو كالخلاف فيما قبل الشرع.
وحاصل ما فسر به العلماء الشبهات أربعة أشياء : أحدها تعارض الأدلة كما تقدم .
ثانيها اختلاف العلماء وهي منتزعة من الأولى , ثالثها أن المراد بها مسمى المكروه
لأنه يجتذبه جانبا الفعل والترك , رابعها أن المراد بها المباح.
وقال : وقد عظم العلماء أمر هذا الحديث فعدوه رابع أربعة تدور عليها
الأحكام كما نقل عن أبى داود ، وفيه البيتان المشهوران وهما :
مسندات من قول خير البرية
عمدة الدين عندنا كلمات
٣٣٧
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٦- كتاب الفتن
ليس يعنيك ، واعملنْ بنية
اترك المشبهات وازهد ودع ما
وأشار ابن العربي المالكي إلى أنه يمكن أن ينتزع منه وحده جميع الأحكام ,
قال القرطبي : لأنه اشتمل على التفصيل بين الحلال وغيره , وعلى تعلق جميع
الأعمال بالقلب , فمن هنا يمكن أن ترد جميع الأحكام إليه . والله المستعان. اهـ
وقال الخطابي في معالم السنن (٥٦/٣): أي أنها تشتبه على بعض الناس دون
بعض , وليس أنها في ذوات أنفسها مشتبهة لا بيان لها في جملة أصول الشريعة, فإن
الله سبحانه لم يترك شيئا يجب له فيه حكم إلا وقد جعل فيه له بيانا ونصب عليه
دليلا , ولكن البيان ضربان : بيان جلي يعرفه عامة الناس كافة ، وبيان خفي لا يعرفه
إلا الخاص من العلماء الذين عنوا بعلم الأصول ، فاستدركوا معاني النصوص ،
وعرفوا طريق القياس ، والاستنباط ، ورد الشيء إلى المثل والنظير . ودليل صحة ما
قلناه وهو أن هذه الأمور ليست في أنفسها مشتبهة قوله " لا يعرفها كثير من الناس
" وقد عقل ببيان فحواه أن بعض الناس يعرفونها وإن كانوا قليلي العدد ، فإذا صار
معلوماً عند بعضهم ، فليس بمشتبه في نفسه ، ولكن الواجب على من اشتبه عليه ،
أن يتوقف ويستبرىء الشك ، ولا يقدم إلا على بصيرة ، فإنه إن أقدم على الشيء
قبل التثبت والتبين لم يأمن أن يقع في المحرم عليه ، وذلك معنى الحمى ، وضربه المثل
به . اهـ
وقوله " استبرأ لدينه وعرضه " قال الخطابي أيضاً : هو أصل في باب الجوح
والتعديل ، وفيه دلالة على أن من لم يتوق الشبهات في كسبه ومعاشه فقد عرّض
دينه وعرضه للطعن، وأهدفهما للقول. اهـ
وقد بسط الشاطبي رحمه الله في الموافقات (٨٥/٣) البحث في هذه القاعدة
فأجاد فراجعه إن شئت هناك .
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٣٨
٣٦ - كتاب الفتن
(١٥) باب بدأ الإسلام غريبا
: ٣٩٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنَّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَيَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ وَسُوَيْدُ بْنُ
سَعِيدٍ قَالُوا حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ حَدَّثْنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَـازِمٍ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَبِيَعُوذُ
غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ.
صحيح
٣٩٨٧ - حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيِى حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبِ أَثْبَأَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ
وَأَبْنُ لَهِعَةً عَنْ يَزِيْدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ سِنَانِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ
اللّهِ وَ لَّ قَالَ إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ. حسن صحيح
٣٩٨٨ - حَدَّثْنَا سُفِيَانُ بْنُ وَكِعٍ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ
عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﴿ّ إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا
وَسَيَعُودُ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ قَالَ قِيلَ وَمَنْ الْعُرَبَاءُ قَالَ النُّزَّاعُ مِنْ الْقَبَائِلِ
سجيع دون قال : " قيل .
الغريب :
النُّزَّاع من القبائل: قال في النهاية (٤١/٥) : هم جمع نازع ونزيع، وهو
الغريب الذي نزع عن أهله وعشيرته ، أي بعد وغاب ، وقيل لأنه ينزع إلى وظنه :
"أي ينجذب ويميل، والمراد الأول، أي طوبى للمهاجرين الذين هجروا أو طانهم في
الله تعالى اه
الشرح : في أحاديث الباب بيان أن الإسلام بدأ غريباً ، وذلك لقلة من آمن
به من المستضعفين ، وكثرة من عاداه وصدّ عنه آنذاك من الوجهاء والمتخبرين ، ثم
كتب الله تعالى له الظهور والتمكين حتى أضاء نور الإسلام معظم جنبات الأرض ،
ثم استدار الزمان ، فعادت الغربة شيئاً ، وسيعود الإسلام غريباً كما بدأ، وذلك
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٣٩
٣٦ - كتاب الفتن
صَلى الله
حين يكون المتمسكون بدينهم ،الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنة النبي
بالكذب والتحريف ، فيبينون للناس السنة من البدعة ، والهدى من الضلال ،
فيجدون من الطغاة والجهال والمنحرفين ، وأهل الشبهات والشهوات ، النكال
والتضييق ، فهؤلاء هم الغرباء ؛ الفارون بدينهم من أوجه الفتن ، المهاجرون إلى الله
، من أرض إلى أرض ليتمكنوا من عبادة ربهم ، فسيعود الإسلام غريباً كما بدأ
؛ حين يكون هؤلاء المؤمنين قلةً مستضعفين وسط أمواج الكفر والشرك والجاهلية.
وفيها إشارة إلى حسن عاقبة هؤلاء الغرباء ، حين يجدون عند ربهم التنعيم
والتكريم ، في جنة لا ينتهي فيها السرور والحبور .
والحديث رواه الترمذي عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف بن زيد بن
ملحة عن أبيه عن جده بزيادة "فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من
بعدي من سنتي " قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح.
قال ابن الأثير في النهاية (٣٤٨/٣): أي أنه كان في أول أمره كالغريب
الوحيد الذي لا أهل له عنده ، لقلة المسلمين يومئذ ، وسيعود غريباً كما كان ، أي
يقل المسلمون في آخر الزمان ، فيصيرون كالغرباء ، فطوبى للغرباء ، أي الجنة
لأولئك المسلمين الذين كانوا في أول الإسلام ، ويكونون في آخره ، وإنما خصهم بها
لصبرهم على أذى الكفار أولاً وآخراً، ولزومهم دين الإسلام. اهـ
قال النووي في شرح مسلم (٤٥٤/١): وأما معنى الحديث فقال القاضي
عياض رحمه الله: في قوله ( غريبا) روى ابن أبي أويس عن مالك رحمه الله أن معناه
في المدينة وأن الإسلام بدأ بها غريبا وسيعود إليها . قال القاضي: وظاهر الحديث
العموم وأن الإسلام بدأ في آحاد من الناس وقلة ثم انتشر وظهر ثم سيلحقه النقص
والإخلال حتى لا يبقى إلا في آحاد وقلة أيضا كما بدأ . وجاء في الحديث تفسير
إهداء الدیباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٤٠
٣٦ - كتاب الفتن
"الغرباء" وهم التراع من القبائل . قال الهروي : أراد بذلك المهاجرين الذين هجروا
أوطانهم إلى الله تعالى .
قال ابن رجب الحنبلي في رسالته المشهورة كشف الكربة في وصف حال
أهل الغربة : فهؤلاء الغرباء الممدوحون المغبوطون ، ولقلتهم في الناس جدا سموا
(غرباء) فإن أكثر الناس على غير هذه الصفات فأهل الإسلام في الناس غرباء،
والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء ، وأهل العلم في المؤمنين غرباء ، والداعون إليها
الصابرون على أذى المخالفين هم أشد هؤلاء غربة ، ولكن هؤلاء هم أهل الله حقا
فلا غربة عليهم ، وإنما غربتهم بين الأكثرين، الذين قال الله ريات فيهم {وإن تطع
أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله } فأولئك هم الغرباء من الله ورسوله
ودينه وغربتهم هي الغربة الموحشة ، وإن كانوا هم المعروفين المشار إليهم .
وهذه الغربة قد تكون في مکان دون مکان ،ووقت دون وقت ،وبين قوم
دون قوم ولكن أهل هذه (الغربة) هم أهل الله حقا فإنهم لم يأووا إلى غير الله، ولم
ينتسبوا إلى غير رسوله ◌ّ ولم يدعوا إلى غير ما جاء به، وهم الذين فارقوا الناس
أحوج ما كانوا إليهم ، فإذا انطلق الناس يوم القيامة مع آلهتهم بقوا في مكانهم ،
فيقال لهم: "ألا تنطلقون حيث انطلق الناس؟ فيقولون: فارقنا الناس ونحن أحوج
إليهم منا اليوم ، وإنا ننتظر ربنا الذي كنا نعبد ".
فهذه الغربة لا وحشة على صاحبها بل هو آنس ما يكون إذا استوحش
الناس وأشد ما تكون وحشته إذا استأنسوه فوليه الله ورسوله والذين آمنوا ، وإن
عاداه أکثر الناس وجفوه . أ
ومن صفات هؤلاء الغرباء الذين غبطهم النبي ◌ُّ - التمسك بالسنة إذا
رغب عنها الناس وترك ما أحدثوه وان كان هو المعروف عندهم ، وتجريد التوحيد