Indexed OCR Text

Pages 321-340

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٢١
١٣ - كتاب الأحكام
صفاته المبينة، له المعربة عنه ، المعرفة للحاكم بما يحكم عند ارتفاعهما إليه. اهـ
وفي قوله تعالى { ممن ترضون من الشهداء } دليل على أنه لا يكتفى بظاهر
الإسلام بالشهادة حتى يقع البحث عن العدالة ، وبه قال الشافعي . وقال أبو
حنيفة : يكتفى بظاهر الإسلام في الأموال دون الحدود. اهـ
(٣٠) باب من لا تجوز شهادته
٢٣٦٦- حَدَّثَنَا أَيُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقِيُّ حَدَّثَنَا مُعَمَّرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ح و حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ
بْنُ يَحْتَى حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَا حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ
عَنْ أَبِهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا
خَائِنَةٍ وَلَا مَحْدُودٍ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ . حسن
٣٦٧ - حَدَّثْنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثْنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ وَهْبِ أَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ
ابْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَّهُ سَمِعَ
رَسُولَ اللَّهِ ل﴿ يَقُولُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوِيٌّ عَلَى صَاحِبٍ قَرْيَةٍ .
صحيع
الغريب :
الغَمْر : العداوة والحقد .
الشرح : دل حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده على أن شهادة
الخائن مردودة ، وهو من حُرب عليه شهادة الزور ، إذ هو غير أمين ، وعدالته
ساقطة .
وكذا من أصاب حداً ، أي أتى ما استوجب إقامة الحد عليه ، ترد شهادته
حتى تصح توبته ، فإذا كان الحد الذي أصابه هو القذف ، فإن شهادته لا تقبل حتى

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٢٢
١٣ - كتاب الأحكام
يُكذب نفسَه ، وهذه هي توبته ، وبعدها تقبل شهادته .
وقد ذهب الجمهور إلى القول بقبول شهادته إذا تاب .
وقال أبو حنيفة يمنع قبولها على التأييد مستدلا بقول الله تعالى {ولا تقبلوا
لهم شهادة أبداً }
يقول العلامة ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين (١٢٦/١): عند شرخ
كتاب عمر لأبي موسى الأشعري في القضاء: وقول أمير المؤمنين الله في كتابه أو
· مجلودا في حد المراد به القاذف إذا حد للقذف لم تقبل شهادته بعد ذلك وهذا متفقى
عليه بين الأمة قبل التوبة والقرآن نص فيه وأما إذا تاب ففي قبول شهادته قولان
· مشهوران للعلماء ، أحدهما : لا تقبل وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وأهل العراق
والثاني : تقبل وهو قول الشافعي وأحمد ومالك .
ثم نقل رحمه الله من حجة الجمهور أن الاستثناء ـ يعني في قول الله تعالى
{ إلا الذين تابوا} - عائد على جميع ما تقدمه سوى الحد، قال: فإن المسلمين
مجمعون على أنه لا يسقط عن القاذف بالتوبة وقد قال أئمة اللغة إن الاستثناء يرجع
إلى ما تقدم كله - يعني قول الله تعالى { ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم
الفاسقون إلا الذين تابوا} - قال أبو عبيد في كتاب القضاء وجماعة أهل الحجاز
ومكة على قبول شهادته. وأما أهل العراق فيأخذون بالقول الأول أن لا تقبل أبدا
وكلا الفريقين إنما تأولوا القرآن فيما نرى والذين لا يقبلونها يذهبون إلى أن المعنى
انقطع من عند قوله {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا } ثم استأنف فقال {وأولئك هم
الفاسقون إلا الذين تابوا} فجعلوا الاستثناء من الفسق خاصة دون الشهادة وأمنا
الآخرون فتأولوا أن الكلام تبع بعضه بعضا على نسق واحد فقال {ولا تقبلوا لهم

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٢٣
١٣ - كتاب الأحكام
شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا }فانتظم الاستثناء كل ما كان قبله.
قال أبو عبيد : وهذا عندي هو القول المعمول به لأن من قال به أكثر وهو
أصح في النظر ولا يكون القول بالشيء أكثر من الفعل وليس يختلف المسلمون في
الزاني المجلود أن شهادته مقبولة إذا تاب .
قالوا وأما ما ذكرتم عن ابن عباس فقد قال الشافعي بلغني عن ابن عباس أنه
كان يجيز شهادة القاذف إذا تاب وقال علي بن أبي طلحة عنه في قوله تعالى {ولا
تقبلوا لهم شهادة أبدا} ثم قال {إلا الذين تابوا} فمن تاب وأصلح فشهادته في
كتاب الله تقبل . وقال شريك عن أبى حصين عن الشعبي : يقبل الله توبته ولا
يقبلون شهادته ! وقال مطرف عنه إذا فرغ من ضربه فأكذب نفسه ورجع عن قوله
قبلت شهادته . اهـ
وقال الحافظ في الفتح (٢٥٥/٥): وقول الله عز وجل ولا تقبلوا لهم
شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا وهذا الاستثناء عمدة من أجاز
شهادته إذا تاب . وقد أخرج البيهقي من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في
قوله تعالى {ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً} ثم قال {إلا الذين تابواً} فمن تاب فشهادته
في كتاب الله تقبل وبهذا قال الجمهور أن شهادة القاذف بعد التوبة تقبل ويزول عنه
اسم الفسق سواء كان بعد إقامة الحد أو قبله وتأولوا قوله تعالى {أبداً} على أن
المراد ما دام مصراً على قذفه ؛ لأن أبد كل شيء على ما يليق به كما لو قيل لا تقبل
شهادة الكافر أبدا فإن المراد ما دام كافراً. اهـ
وعند شرحه لقول البخاري في ترجمة الباب " وكيف تعرف توبته" أي
القاذف قال : وكأنه - أي البخاري _أشار إلى الاختلاف في ذلك فعن أكثر

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٢٤
١٣ - كتاب الأحكام
السلف لا بد أن یکذب نفسه وبه قال الشافعي ، وقد تقدم التصريح به عن الشافعي
وغيره وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس مثله وعن مالك إذا ازداد خيرا كفاه ، ولا
يتوقف على تكذيب نفسه لجواز أن يكون صادقا في نفس الأمر وإلى هذا مال
المصنف.
ثم نقل الحافظ عن ابن المنير قوله : اشتراط توبة القاذف إذا كان عند نفسه
محقا في غاية الإشكال بخلاف ما إذا كان كاذبا في قذفه فاشتراطهما واضح ويمكن
أن يقال إذا المعاين للفاحشة مأمور بأن لا يكشف صاحبها إلا إذا تحقق كمال
النصاب معه. اهـ
وقوله في الحديث " ولا ذي غمر على أخيه" قال البغوي في شرح السنة
(١٢٨/١٠): وانتفاء التهمة شرط في جواز الشهادة حتى لا تقبل شهادة العدو على
العدو ، وإن كان مقبول الشهادة على غيره لأنه متهم في حق عدوه ، ولا يؤمن أن
تحله عداوته على إلحاق ضرر به بشهادته.
وأجاز أبو حنيفة شهادة العدو على العدو إذا كان عدلا والحديث حجة لمن
رده لأن النبي ◌َّ رد شهادة ذي الغمر على أخيه، وذو الغمر الذي بينه وبين
المشهود عليه عداوة ظاهرة ، والغمر الضغْن "اهـ
وأما حديث أبي هريرة ◌ُه فقد عمل به مالك رحمه الله فقال : لا تقبل
شهادة البدوي على القروي وقبلها عامة أهل العلم إذا كان اليدوي عدلا وحملوا
الحديث على ما إذا كان البدوي على ما هو المعهود من أهل البادية والغالب عليهم
من الجهل بأحكام الشريعة وضعف الضبط ، فإن ذلك يؤدي إلى عدم الثقة فيما تحمَّله
من الشهادة .

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٢٥
١٣ - كتاب الأحكام
إما إذا كان البدوي المتحمل للشهادة عدلا فطنا فإنه لا فرق بينه وبين
القروي في قبول الشهادة .
وقال المناوى في فيض القدير (ح٩٧٥٢): وأخذ به مالك وتأوله الشافعية
كالجمهور على ما يعتبر فيه كون الشاهد من أهل الخبرة الباطنة "اهـ
وقال الخطابي في معالم السنن (١٧٠/٤): يشبه أن يكون إنما كره شهادة
أهل البدو لما فيهم من الجفاء في الدين والجهالة بأحكام الشريعة ولأنهم في الغالب لا
يضبطون الشهادة على وجهها ولا يقيمونها على حقها لقصور علمهم عما يحيلها
ويغيرها على جهتها .
وقال مالك : لا تجوز شهادة البدوي على القروي لأن في الحضارة من يغنيه
عن البدوي ، إلا أن يكون في بادية أو قرية والذي يُشهد بدوياً ويدع جيرته من أهل
الحضر عندي مريب .
وقال عامة العلماء : شهادة البدوي إذا كان عدلاً يقيم الشهادة على وجهها
جائزة.اهـ
(٣١) باب القضاء بالشاهد واليمين
٢٣٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَب الْمَدِينِيُّ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّهْرِيُّ وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
الدَّوْرَقِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَتِ
عَنْ سُهَيْلٍ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ .
صبيع
٢٣٦٩- حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ حَدَّثْنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَّنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ
عَنْ جَابِرِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ. صحيح

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٢٦
١٣ - كتاب الأحكام
٢٣٧٠ - حَدَّثْنَا أَبُو إِسْحَقَ الْهَرَوِيُّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَاتِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
: الْحَارِثِ الْمَخْرُومِيُّ حَدَّثْنَا سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَكِّيُّ أَخْبَرَنِي قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ
عَمْرِو بْنِ دِينَارِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشَّاهِدِ
وَالْيَمِينِ .
٢٣٧١ - حَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَثْبَأَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ
حَدَّثْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ عَنْ سُرَّقِ أَنَّ الَّبِيَّ
صبيع
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ أَجَازَ شَهَادَةَ الرَّجُلِ وَيَمِينَ الطّالِب .
الشرح: دلت الأحاديث في الباب على ثبوت جواز القضاء بالشاهد
الواحد ويمين المدعي في الأموال ، وبه قال جماهير أهل العلم من الصحابة والتابعين
فمن بعدهم .
وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم وخالف أبو حنيفة وأصحابه
فقالوا : لا يقضى بالشاهد الواحد مع اليمين ..
وحجة الجمهور حديث الباب وهو حديث صحيح رواه مسلم وأحمد
وأصحاب السنن .
يقول ابن عبد البر في التمهيد (٣٦٠/١١): وممن روي عنه القضاء باليمين.
مع الشاهد منصوصا ، من الصحابة أبو بكر ،وعمر ،وعثمان ، وعلي ، وأبي بن كعب
،وعبد الله بن عمر، وإن كان في الأسانيد عنهم ضعف ،فإنا لم نذكرهم على سبيل
الحجة ، لأن الحجة قد لزمت بالسنة الثابتة ، ولا تحتاج السنة إلى من يتابعها ، لأن من
خالفها محجوج بها ، ولم يأت عن أحد من الصحابة أنه أنكر اليمين مع الشاهد ،بل
. جاء عنهم القول به، وعلى القول به جمهور التابعين بالمدينة ..

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٢٧
١٣ - كتاب الأحكام
ثم قال رحمه الله : وبه قال مالك وأصحابه والشافعي وأتباعه وأحمد بن
حنبل وإسحاق بن راهوية وأبو عبيد وأبو ثور وداود بن علي وجماعة أهل الأثر وهو
الذي لا يجوز عندي خلافه لتواتر الآثار به عن النبي ◌ُ ◌ّ وعمل أهل المدينة به قرنا
بعد قرن .
٠
وقال مالك رحمه الله: يقضي باليمين مع الشاهد في كل البلدان ولم يحتجّ في
موطأه لمسألة غيرها ولم يختلف عنه في القضاء باليمين مع الشاهد ولا عن أحد من
أصحابه بالمدينة ومصر وغيرها ولا يعرف المالكيون في كل بلد غير ذلك من مذهبهم
إلا عندنا بالأندلس فإن يحيى بن يحيى تركه وزعم أنه لم ير الليث بن سعد يفتى به ولا
يذهب إليه وخالف يحيى مالكا في ذلك مع خلافه السنة والعمل بدار الهجرة . أهـ
وما قرره ابن عبد البر يؤكده العلامة ابن القيم في الطرق الحكمية
(ص١٣٢): حيث يقول: الحكم بالشاهد واليمين . وهو مذهب فقهاء الحديث كلهم
.ومذهب فقهاء الأمصار ، ما خلا أبي حنيفة وأصحابه .
وهذا الماوردي في الحاوي (٨٠/٢١) يقول: الحكم بالشاهد واليمين مختص
بالأموال ، وما كان المقصود منه المال ، ولا يحكم بها في غير المال من النكاح ، أو
طلاق ، أو عتاق أو حدّ .
وقال مالك : أحكم بها في جميع الحقوق من الأموال والحدود استدلالا بأن
رسول الله وَ ◌ّ قضي باليمين مع الشاهد، ولم يخص المال من غيره، فكان على
عمومه. اهـ
وقد رد أهل العلم على أصحاب الرأي في ردهم للحديث وزعمهم أنه
منسوخ بقول الله تعالى {فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان } قالوا: ولم يقل فإن

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٢٨
١٣ - کتاب الأحكام
لم يكن رجل وامرأتان فشهادة ويمين، وجعلها النني 3 على المدعى عليه، فلا سبيل
للمدعي إليها .
وأجاب أبو عمر بن عبد البر عن هذه الآراء فقال في التمهيد (٢٦٢/١١):
وفي هذا إغفال شديد وذهاب عن طريق النظر والعلم ، وما في قول الله عز وجل
{واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} وما يرد
به قضاء رسول الله و في اليمين مع الشاهد وإنما في هذا أن الحقوق يتوصل إلي
أخذها بذلك وليس في الآية أنه لا يتوصل إليها ولا تستحق إلا بما ذكر فيها لا غير.
واليمين مع الشاهد زيادة حكم على لسان رسول الله ومس كنهيه عن
نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها مع قول الله {وأجل لكم ما وراء ذلكم}. اهـ
ثم شدد رحمه الله في الاستذكار (٥٤/٢٢) النكير عليهم، فقال: هذا جهل
وعناد، وكيف يكون خلاف القرآن وهو زيادة بیان اهـ
(٣٢) باب شهادة الزور
٢٣٧٢ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الْعُصْفُريّ
عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ النُّعْمَانِ الْأَسَدِيِّ عَنْ خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ الْأَسَدِيِّ قَالَ صَلَّى النَّبيُّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ الصُّبْحَ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَامَ قَائِمًا فَقَالَ عُدِلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ
بِالْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ { وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرُ
ضعيف
مُشْرِكِينَ بِهِ }.
٢٣٧٣ - حَدَّثْنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْغُرَاتِ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنْ
ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَنْ تَزُولَ قَدَمَا شَاهِدِ الزُّورِ حَتَّى
موضوع
يُوجِبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ .

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٢٩
١٣ - كتاب الأحكام.
الشرح : بَّن الحديث الأول أن شهادة الزور من كبائر الذنوب وعظائم
الآثام ، وحسبها قبحا وسوءا أنها عدلت بالإِشراك بالله .
وقد عدّها الذهبي رحمه الله في الكبائر فقال في الكبيرة الثامنة عشرة (ص٧٨) :
قال الله تعالى { والذين لا يشهدون الزور }، وفي الأثر "عدلت شهادة
الزور الشركَ بالله تعالى مرتين" وقال الله تعالى {واجتنبوا قول الزور} .
قال المصنف رحمه الله تعالى : شاهد الزور قد ارتكب عظائم أحدها:
الكذب والافتراء قال الله تعالى { إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب } وفي
الحديث "يُطبع المؤمن على كل شيء ليس الخيانة والكذب" وثانيها: إنه ظلم
الذي شهد عليه حتى أخذ بشهادته ماله وعرضه وروحه . وثالثها : إنه ظلم الذي
شهد له بأن ساق إليه المال الحرام فأخذه بشهادته فوجبت له النار وقال مُ التّ "من
قضيت له من مال أخيه بغير حق فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من نار" ورابعها: أنه
أباح ما حرم الله تعالى وعصمه من المال والدم والعرض قال رسول الله وَ ﴿ "ألا
أنبئكم بأكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين ألا وقول الزور ، فما زال يكررها
حتى قلنا ليته سكت" .اهـ وحديث عدلت شهادة الزور .. " ضعيف
وروى البخاري في صحيحه حديث أنس " سئل النبي ◌ُلّ عن الكبائر،
قال : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين وقتل النفس وشهادة الزور " .
وحديث أبي بكرة قال النبي ◌ُ ◌ّ " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر "ثلاثا" قالوا :
بلى يا رسول الله قال : الإشراك بالله وعقوق الوالدين ، وجلس وكان متكئا فقال :
ألا وقول الزور فما زال یکررها حتى قلنا لیته سكت "
قال الحافظ في الفتح (٢٦٣/٥): في شرح قوله " وجلس وكان متكئا" :

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٣٠
١٣ - كتاب الأحكام
قوله "وجلس وكان متكئا" يشعر بأنه اهتم بذلك حتى جلس بعد أن كان متكفا
ويفيد ذلك تأكيد تحريمه وعظم قبحه وسبب الاهتمام بذلك كون قول الزور أو
شهادة الزور أسهل وقوعا على الناس والتهاون بها أكثر فإن الإشراك ينبو عنه قلب
المسلم والعقوق يصرف عنه الطبع وأما الزور فالحوامل عليه كثيرة كالعداوة والجسد
وغيرهما فاحتيج إلى الاهتمام بتعظيمه وليس ذلك لعظمها بالنسبة إلى ما ذكر معها
من الإشراك قطعا بل لكون مفسدة الزور متعدية إلى غير الشاهد بخلاف الشرك فإن
مفسدته قاصرة غالبا. اهـ
(٣٣) باب شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض
٢٣٧٤ - حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفٍ حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ مُخَالِدٍ عَنْ عَامِرٍ عَنْ
حَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ أَحَازَ شَهَادَةً أَهْلِ الْكِتَابِ
بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ .
ضعيف

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٣١
١٤ - كتاب الهبات
١٤ - كتاب الهبات
(١) باب الرجل ينحل ولده
٢٣٧٥ - حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرِ بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ
عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ انْطَلَقَ بِهِ أَبُوهُ يَحْمِلُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلِّمَ فَقَالَ اشْهَدْ أَنِّي قَدْ نَحَلْتُ النُّعْمَانَ مِنْ مَالِي كَذَا وَكَذَا قَالَ فَكُلْ بَنِيكَ نَحَلْتَ
مِثْلَ الَّذِي نَحَلْتَ النُّعْمَانَ قَالَ لَا قَالَ فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي قَالَ أَلَيْسَ يَسُرُّكَ أَنْ
يَكُونُوا لَكَ فِي الْبِّ سَوَاءٌ قَالَ بَلَى قَالَ فَلَا إِذًا .
صحيح
٢٣٧٦- حَدَّثْنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
وَمُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَخْبَرَاهُ عَنْ الَّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ أَبَاهُ نَحَلَهُ غُلَامًا وَأَنَّهُ
جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ رَّ يُشْهِدُهُ فَقَالَ أَكُلٌّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ قَالَ لَا قَالَ فَارْدُدْهُ.
صجيع
الشرح : في حديث الباب كراهية التفضيل بين الأبناء في العطية ، وأنه
ينبغي على من أحب أن يعطي ولداً له شيئا من المال أن يعطي سائر أبنائه مثله ، لأن
تخصيص واحد من الأبناء بالعطية مضاد لتشريع الله ، ومخالف لما فرض ، مع ما يقع
بسبب تمييز واحد من الأبناء من إيغار صدور إخوانه وأخواته عليه .
وقد اتفق أهل العلم على استحباب التسوية بين الأبناء وكراهية التفضيل
وذهب أحمد إلى القول بوجوب التسوية وحرمة التفضيل . وبه قال ابن حزم .

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٣٢
١٤ - كتاب الهبات
قال ابن المنذر في الإشراف (٢٢٠/٢): وقد اختلف أهل العلم في الرجـل
ينحل بعض ولده دون بعض : فقالت فرقة : ذلك جائز ،هذا قول مالك والشافعي
وأصحاب الرأي،وقد روينا هذا عن شُريح وجابر بن زيد والحسن بن صالح ، وكان
: الحسن البصري يكره ذلك ، ويجيزه في القضاء وكرهت طائفة ذلك، وممن كرهه
طاووس ، وقال لا يجوز ذلك ولا رغيف محترق .
وقال أحمد بن حنبل :- فمن فضل بعض ولده على بعض - بئسما صنع.
إلى أن قال : وقد اختلف أهل العلم في التسوية بين الذكر والأنثى في العطية
فقال أحمد وإسحق : يقسم بينهم في حياته كما يقسم المال بينهم بعد وفاته
: للذكر مثل حظ الأنثيين. وقال شريح لرجل قسم ماله بين ولده: ارددهم إلى
سهام الله وفرائضه .
قال ابن المنذر: وأصح شيء عندي : التسوية بينهم لقول النبي
صَلَالله
--
: "سَوِّ "اهـ
وقال الخرقي في مختصره : وإذا فاضل بين ولده في العطية أمر برده كما أمر
النبي ◌ِّ .
وشرحه الموفق بن قدامة رحمه الله في المغني (٢٦٢/٦): فقال : وجملة ذلك
أنه يجب على الإنسان التسوية بين أولاده في العطية إذا لم يختص أحدهم بمعنى يبيح
التفضيل ، فإن خَص بعضهم بعطية أو فاضل بينهم فيها أثم ، ووجبت عليه التسوية
بأحد أمرين: إما رد ما فضّلُ به البعض ، وإما إتمام نصيب الآخر .

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٣٣
١٤ - كتاب الهبات
ثم قال : وقال مالك والليث والثوري والشافعي وأصحاب الرأي :ذلك جائز
. واحتج الشافعي بقول النبي ◌َّ في حديث النعمان بن بشير" أَشهد على هذا
غيري " فأمره بتأكيدها دون الرجوع فيها .
ولنا ما روى النعمان بن بشير قال "تصدق عليّ أبي ببعض ماله فقالت أمي
عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد عليها رسول الله ﴿ فحاء أبي رسولَ الله
و ◌َّ ليشهده على صدقته فقال أكل ولدك أعطيت مثله قال لا قال فاتقوا الله
واعدلوا بين أولادكم قال فرجع أبي فرد تلك الصدقة" وفي لفظ قال فأرجعه وفي
لفظ قال فأردده وفي لفظ سوِّ بينهم وهو حديث صحيح متفق عليه ، وهو دليل على
التحريم لأنه سماه جَوراً ، وأمر برده وامتنع من الشهادة عليه والجور حرام والأمر
يقتضي الوجوب ولأن تفضيل بعضهم يورث بينهم العداوة والبغضاء وقطيعة الرحم
فمنع منه. اهـ
وقال ابن حزم في المحلى (٩٥/٨): ولا يحل لأحد أن يهب ولا أن يتصدق
على أحد يعطي أو يتصدق على كل واحد منهم بمثل ذلك ولا يحل أن يفضل ذكراً
على أنثى ولا أنثى على ذكر فإن فعل فهو مفسوخ مردود أبداً ولا بد ، وإنما هذا في
التطوع وأما في النفقات الواجبات فلا وكذلك الكسوة الواجبة. اهـ
وقال ابن عبد البر في التمهيد (٣٩١/١٢): فإن العلماء مجمعون على
استحباب التسوية في العطية بين الأبناء إلا ما ذكرنا عن أهل الظاهر من إيجاب ذلك
ومع إجماع الفقهاء على ما ذكرنا من استحبابهم فإنهم اختلفوا في كيفية التسوية بين

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٣٤
١٤ - کتاب الهبات
الأبناء في العطية فقال منهم قائلون : التسوية بينهم أن يعطى الذكر مثل ما يعطى
الأنثى ، وممن قال بذلك سفيان الثوري وابن المبارك ، قال ابن المبارك: ألا تــرى
الحديث يروى عن النبي ◌َّ قال: سووا بين أولادكم فلو كنت مؤثرا أحدا آثرت
النساء على الرجال وقال آخرون التسوية أن يعطى الذكر مثل حظ الأنثيين قياسا
على قسم الله الميراث بينهم فإذا قسم في الحياة قسم بحكم الله رَ وممن قال هذا.
القول عطاء بن أبي رباح رواه ابن جريج عنه وهو قول محمد بن الحسن وإليه ذهب
أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ولا أحفظ لمالك في هذه المسألة قولا. اهـ
وقد بسط ابن القيم في تهذيب السنن (عون المعبود ٤٦١/٩): القول في
المسألة ونصر المشهور من مذهب أحمد ، وهو تحريم التفضيل بين الأبناء، وبين رحمه
الله أن قوله " أشهد على هذا غيري " ليس إذنا قطعا، فإن رسول الله وَ ﴿ لا
يأذن في الجور وفي ما لا يصلح ، وقال : فدل ذلك على أن الذي فعله النعمان: لم
يكن حقا فهو باطل قطعا، فقوله " أشهد على هذا غيري " حجة على التحريم
كقوله تعالى {اعملوا ما شئتم} وقوله: ﴿ "إذا لم تستح فاصنع ما شئت" أي
الشهادة على هذا ليست من شأني ، ولا تنبغي لي ، وإنما هي من شأن من يشهد
على الجور والباطل وما لا يصلح ، وهذا في غاية الوضوح. اهـ
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (٣٠٩/٣١): لا يجوز أن يخص
بعض أولاده دون بعض في وصيته ، ولا مرض موته باتفاق العلماء ، ولا يجوز له
على أصح قولي العلماء أن يخص بعضهم بالعطية في صحته أيضا، بل عليه أن يعدل

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٣٥
١٤ - كتاب الهبات
بينهم ويرد الفضل كما أمر النبي ◌ُّ بشير بن سعيد حيث قال له : اردده فرده
وقال إني لا أشهد على جور وقال له على سبيل التهديد أشهد على هذا غيري ولا
يجوز للولد الذي فضل أن يأخذ الفضل بل عليه أن يرد ذلك في حياة الظالم الجائر
وبعد موته كما يرد في حياته في أصح قولي العلماء. اهـ
(٢) باب من أعطى ولده ثم رجع فيه
٢٣٧٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ حَلَّادِ الْبَاهِلِيُّ قَالَا حَدَّثْنَا ابْنُ أَبِي عَدِيّ
عَنْ حُسَيْنِ الْمُعَلِّمِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسِ وَابْنِ عُمَرَ يَرْفَعَلنِ
الْحَدِيثَ إِلَّى النَِّيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَّ قَالَ لَا يَحِلُّ لِلرَّحُلِّ أَنْ يُعْطِيَ الْعَطِيَّةَ ثُمَّ
٠
يَرْجِعَ فِيهَا إِلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ .
صحيح
٢٣٧٨ - حَدَّثْنَا جَمِيلُ بْنُ الْحَسَنِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ عَامِرِ الْأَحْوَلِ
عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ حَدِّهِ أَنْ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَرْجِعْ
أَحَدُكُمْ فِي هِيَتِهِ إِلَّ الْوَالِدَ مِنْ وَلَدِهِ .
حسن صحيح
الشرح : لا يجوز أن يرجع أحد في عطيته ، فإذا أعطى رجل أحداً عطية
على سبيل الهبة فلا يحل له استرجاعها لحديث النبي ﴿ في الصحيحين "العائد في
هبته کالکلب یقيء ثم يعود في قیئه "
وقال قتادة في هذا الحديث : لا أعلم القىء إلا حراما . وفي بعض روايات
الحديث في البخاري قال النبي ◌ُ * ليس لنا مثَل السوْء، الذي يعود في هبته
کالکلب یرجع في قیته "

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٣٦
.-
١٤ - كتاب الهبات
قال الحافظ في الفتح (٢٣٥/٥): أي لا ينبغي لنا معشر المؤمنين أن نتصف
بصفة ذميمة يشابهنا فيها أحس الحيوانات في أخس أحوالها ، قال الله سبحانه وتعالى
{الذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوْء ولله المثل الأعلى} ولعل هذا أبلغ في الزحر
عن ذلك وأدل على التحريم مما لو قال مثلا لا تعودوا في الهبة وإلى القول بتحريم
الرجوع في الهبة بعد أن تقبض ذهب جمهور العلماء ، إلا هبة الوالد لولده جمعاً بين
هذا الحديث وحديث النعمان. اهـ
وأما رجوع الوالد في هبته لولده فقال ابن المنذر في الأشراف (٢٢١/٢):
قالت طائفة : له أن يرجع فيه : هذا قول الأوازعي والشافعي وأبي ثور .
وقالت طائفة : ليس له أن يرجع بحال ؛ صغيراً كان الولد أو كبيراً ، هذا
قول أصحاب الرأي ، وعبيد الله بن الحسن .
ورجح الحافظ في الفتح (٢١١/٥) جواز الرجوع مستدلا بحديث ابن عباس
وابن عمر في الباب هنا وقال : أخرجه أبو داود وابن ماجة من حديث ابن عباس
وابن عمر ورجاله ثقات: اهـ
وقال النووي في شرح مسلم (٧٨/٦): فيه جواز رجوع الوالد في هبته
للولد. اهـ
وقال ابن قدامة في المغني (٢٧٠/٦) في شرح قول الخرقي " وإذا فاضل بين
ولده في العطية أُمر برده، كما أمر النبي ◌َّ: قوله "أمر برده " يدل على أن للأب.
الرجوع فيما وهب لولده وهو ظاهر مذهب أحمد سواء قصد برجوعه التسوية بين

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٣٧
١٤ - كتاب الهبات
الأولاد أو لم يرد ، وهذا مذهب مالك والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبي ثور،
وعن أحمد رواية أخرى : ليس له الرجوع فيها ، وبها قال أصحاب الرأي. اهـ
وقال المرداوي في الإنصاف (١٤٥/٧) عند شرح قول الموفق بن قدامة في
المقنع "ولا يجوز لواهب أن يرجع في هبته إلا الأب "قال: هذا المذهب ، نص عليه
، وعليه جماهير الأصحاب.اهـ
(٣) باب العُمْرَى
٢٣٧٩ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثْنَا يَحْبَى بْنُ زَكَرِيًّا بْنِ أَبِي زَائِدَةً عَنْ مُحَمَّدٍ
بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَّلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا
عُمْرَى فَمَنْ أُعْمِرَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ.
حسن صبيع
٢٣٨٠ - حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ أَنْبَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ
عَنْ جَابِرٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَّلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ يَقُولُ مَنْ أَعْمَرَ رَجُلًا عُمْوَى
لَهُ وَلِعَقِهِ فَقَدْ قَطَعَ قَوْلُهُ حَقْهُ فِيهَا فَهِيَ لِمَنْ أَعْمِرَ وَلِعَقِبِهِ . صحيح
٢٣٨١- حَدَّثْنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّرِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ
حُخْرِ الْمَدَرِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النََِِّّل﴿ّ جَعَلَ الْعُمْرَى لِلْوَارِثِ. صحيح
(٤) باب الرقْبَى
٢٣٨٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورِ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزْاقِ أَثْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجِ عَنْ عَطَاءِ عَنْ
حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ لَا رُقُبى

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٣٨
١٤ - كتاب الهبات
فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ حَيَّاتَهُ وَمَمَاتَهُ قَالَ وَالرُّقْبَى أَنْ يَقُولَ هُوَ لِلْآَخَرٍ مِنِّي وَمِنْكَ
مَوْتًّا .
صحيح
٢٣٨٣- حَدَّثْنَا عَمْرُو بْنُ رَافِعٍ حَدَّثْنَا هُشَيْمٌ ح وحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو
مُعَاوِيَّةَ قَالَا حَدَّثَنَا دَاوُدُ عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ عَنْ حَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعُمْرَى جَائِزَةٌ لِمَنْ أُعْمِرَهَا وَالرُّقْبَى حَائِزَةٌ لِمَنْ أُرْقِبَهَا.
صحيح
الشرح والغريب:
العمرى : قال أبو عبيد في غريب الحديث (٧٧/٢): وتأويل الحديث أن
يقول الرجل للرجل : إذا متّ قبلي رجعتْ إليّ ، وإن متُّ قبلك فهي لك .
قال أبو عبيد: وأصل العمرى عندنا إنما هو مأخوذ من العمر، ألا تراه
يقول : هو لك عمري أو عمرك ، وأصل الرقى من المراقبة ، فكأن كل واحد منهما
يرقب موت صاحبه ، ألا تراه يقول: إن مت قبلي رجعت إلى ، وإن مت قبلك
فهي لك ، فهذا ينبئك عن المراقبة ، إذا قال الرجل لآخر : أعمرتك هذه الدار أو
جعلتها لك عمرك فقبل وأخذها فهي له ،وصح ملكه التام لها ، ينفذ تصرفه فيها ببيع
أو غيره أي أنها كالهبة ، فإذا مات تورث منه ، سواء قال من أعمره إياها: هي لك
ولعقبك من بعدك أو لم يقل .
وبه قال جمع من السلف وإليه ذهب أصحاب الرأي والشافعي في الجديد
وأحمد وإسحق واستدلوا بالأحاديث الصحيحة الصريحة في هذا المعنى .

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٣٩
١٤ - كتاب الهبات
وذهب جماعة من أهل العلم إلي أن ملكه التام لها لا يحصل إلا إذا صرح به
من أعمره إياها . أي إذا قال: هي لك ولعقبك من بعدك أو لك ولورثتك. إما إذا لم
يقل ذلك وأطلق القول حين أعمره إياها كأن يقول : أعمرتك داري هذه عمرك،
فإنها تكون له عمره ،يمتلك منفعتها دون رقبتها ، فإذا عات عادت إلي الأول .
وقول جابر ظته وبه أخذ مالك رحمه الله واستدل أصحاب هذا القول
بحديث جابر عند مسلم "إنما العمرى التي أجاز رسول الله 3 38 أن يقول: هي لك
ولعقبك ، فأما إذا قال : هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها .
قال القاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي في المعونة (١٦٠٦/٣): وصفتها
: أن يقول رجل لرجل أعمرتك هذه الدار أو أسكنتكها حياتك أو عمرك أو
منحتكها أو أشبه ذلك من الألفاظ التي يفهم منها تمليكه المنافع عمره ، وهذا لم
يملكه رقبة الشيء وإنما ملكه المنافع ، فما دام المعطَى حياً فالمنافع له بقي المالك أو
مات ، وإن مات المعطَى عادت إلى المالك إن كان حيا أو إلى ورثته إن كان ميتا
،ميراثاً كسائر تركاته ، وعند الشافعي أن المعمَر يملك رقبة الدار إذا أعمرها .
وإنما قلنا ذلك لأن المعمر لما شرط للمعطى أن تكون له عمره علمنا أنه أراد
تمليك الانتفاع لأن تمليك الرقبة لا يصح إلا على التأييد دون اشتراط العمر. اهـ
ويقول الموفق بن قدامة في المغني (٣٠٢/٦): العمرى والرقبى نوعان من الهبة
يفتقران إلى ما يفتقر إليه سائر الهبات من الإيجاب والقبول .
قال : وكلاهما جائز في قول أكثر أهل العلم .

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٤٠
١٤ - كتاب الهبات
ثم أورد رحمه الله من الأحاديث ما يدل على أن العمرى تمليك المنافع والرقبة
، وقال : وقد روى مالك حديث العمرى في موطئه وهو صحيح رواه جابر وابن
عمر وابن عباس ومعاوية وزيد بن ثابت وأبو هريرة ، وقول القاسم لا يقبل في
مخالفة من سّينا من الصحابة والتابعين ، فكيف يقبل في مخالفة قول سيد المرسلين ولا
يصح أن يدعي إجماع أهل المدينة لكثرة من قال بها منهم ، وقضى بها طارق بالمدينة
بأمر عبد الملك بن مروان ، وقول ابن الأعرابي إنها عند العرب تمليك المنافع لا يضر
إذا نقلها الشرع إلى تمليك الرقبة كما نقل الصلاة من الدعاء إلى الأفعال المنظومة
ونقل الظهار والإيلاء من الطلاق إلى أحكام مخصوصة ، وقولهم إن التمليك لا يتأقت
، قلنا : فلذلك أبطل الشرع تأقيتها وجعلها تمليكا مطلقا . اهـ
وأما الرقبى فهي كما يقول البغوي رحمه الله في شرح السنة (٢٩٤/٨): أن
يجعلها الرجل على أيهما مات أولا كان للآخر منهما ، فكل واحد منهما يرقب
موت صاحبه ، فاختلف أهل العلم في جوازها ، فذهب جماعة من أصحاب النبي
وَ ◌ّ إلى أنها جائزة كالعمرى، وإذا مات المدفوع إليه يورث عنه ، وشرط الرجوع
باطل وهو قول الشافعي وأحمد وإسحق ،وذهب قوم إلى أن الرقبى غير جائزة ،وهو
قول أصحاب الرأي ،والأول موافق لظاهر الحديث. اهـ :