Indexed OCR Text

Pages 501-520

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٠١
٨- کتاب الزكاة
قال : وظاهر مذهبه أنه لا يجزئه إخراج القيمة في شيء من الزكوات وبه قال مللك
والشافعي وقال الثوري وأبو حنيفة يجوز . اهـ
وقت وجوبها :
لا خلاف في أن زكاة الفطر تجب بالفطر من رمضان ، وحدد الجمهور
الشافعي وأحمد ومالك في إحدى الروايتين وقتها ؛ فقالوا : تجب بغروب الشمس من
آخر يوم من رمضان ، وقال أبو حنيفة : تجب بطلوع الفجر من يوم العيد.
ويُندب أن تَخرج صدقة يوم الفطر قبل صلاة العيد ؛ وهو السنة ، قال ابن
القيم في زاد المعاد (٢١/٢): وكان من هدية ◌َّ إخراج هذه الصدقة قبل صلاة
العيد ، وفي السنن عنه أنه قال "من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها
بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات"
وفي الصحيحين عن ابن عمر قال "أمر رسول الله ﴿ بزكاة الفطر أن تؤدى
قبل خروج الناس إلى الصلاة" .
ومقتضى هذين الحديثين أنه لا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد وأنها تفوت
بالفراغ من الصلاة وهذا هو الصواب فإنه لا معارض لهذين الحديثين ولا ناسخ ولا
إجماع يدفع القول بهما وكان شيخنا يقوي ذلك وينصره. اهـ
وقال ابن دقيق العيد في الأحكام (٢٧٧/٣) والسنة في صدقة الفطر أن
تؤدى قبل الخروج إلى الصلاة ، ليحصل غنى الفقير ، وينقطع تشوفه عن الطلب في
حالة العبادة. اهـ

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٠٢
٨ - كتاب الزكاة
وروى البخاري عن ابن عمر قال "كانوا يعطونها قبل الفطر بيوم أو يومين
وأخرج مالك في الموطأ "أن ابن عمر كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده
قبل الفطر بيومين أو ثلاثة"
وجوز الشافعي إخراجها من أول شهر رمضان ، وعن بعض الحنابلة جوازها
من بعد نصف الشهر.
فيمن تصرف ؟
.. قال ابن القيم في الهدي (٢٢/٢): وكان من هدية وظّ تخصيص المساكين
بهذه الصدقة ولم يكن يقسمها على الأصناف الثمانية قبضة قبضة ولا فعله أحد من
أصحابه ولا من بعدهم بل أحد القولين عندما أنه لا يجوز إخراجها إلا على
المساكين خاصة ، وهذا القول أرجح من القول بوجوب قسمتها على الأصناف
الثمانية . اهـ.
(٢٢) باب العُشْرِ والخِراج
١٨٣١ - حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ جُنَيْدٍ الدَّامَغَانِيُّ حَدَّثْنَا عَتَّابُ بْنُ زِيَادِ الْمُرْوَزِيَّ حَدَّثْنَا أَبُو
حَمْزَةَ قَالَ سَمِعْتُ مُغِيرَةَ الْأَزْدِيِّ يُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ حَّانَ الْأَعْرَجِ عَنْ
الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ قَالَ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْبَحْرَيْنِ أَوْ إِلَى
هَجَرَ فَكُنْتُ آتِي الْحَائِطَ يَكُونُ بَيْنَ الْإِخْوَةِ يُسْلِمُ أَحَدُهُمْ فَآخُذُ مِنْ الْمُسْلِمِ الْعُشْرِ
وَمِنْ الْمُشْرِكِ الْخَرَّاجَ .
ضعيف
الغريب : الحائط : البستان
الشرح : العشر أو نصفه هو ما يدفعه المسلم من غلة الأرض التي يزرعها إذا
بلغ ما أنتجته الأرض النصاب كما تقدم ، والأرض العشرية هي الأرض التي أسلم

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٠٣
٨ - كتاب الزكاة
عليها أهلها ؛ فهم مالكون لرقبتها ، كما هو حال أهل المدينة والطائف واليمن ممن
أسلموا طوعا، وفتحت بلادهم بغير قتال، ومنَّ عليهم رسول الله مِّ فأبقى لهم
ما في أيديهم من أرض ، وتكون الأرض عشرية أيضا إذا فتحت عَنوة أي قتالا لا
صلحا ، ولم ير الإمام جعلها فيئا للمسلمين ، بل قسمها في الغانمين فإنها تكون ملكا
لهم ، يتصرفون فيها بالبيع والهبة ، كما يشاءون وعليهم فيها العشر .
أما الأرض الخراجية فهي الأرض التي فتحت عَنوة أو صلحا ، وصارت فيئا
للمسلمين مملوكة لعامتهم، وينفق ما يأتي من خراجها في مصالح المسلمين ،
ورواتب الجند ونحو ذلك من المصالح العامة ، فهذه لا تملك رقبتها لأحد من
المسلمين ، ولا لأحد من أهل الذمة ، وإنما تكون في يده ويرفع خراجها ، فالخراج
للأرض كالجزية على رؤوس أهل الذمة ، إلا أن الخراج يدفعه المسلم أو الذمي عن
الأرض الخراجية ، كأجر لاستغلالها والانتفاع منها .
قال الخرقي في مختصره : والأرض أرضان : أرض صلح ، وعنوة .
وشرحها الموفق في المغني (٥٧٩/٢): فقال: وجملته أن الأرض قسمان :
صلح و عنوة "
فأما الصلح ، فهو كل أرض صولح أهلها عليها لتكون لهم ويؤدون خراجا
معلوما فهذه الأرض ملك لأربابها ، وهذا الخراج في حكم الجزية متى أسلموا سقط
عنهم ولهم بيعها وهبتها ورهنها لأنها ملك لهم ، وكذلك إن صولحوا على أداء شيء
غير موظف على الأرض ، وكذلك كل أرض أسلم عليها أهلها كأرض المدينة
وشبهها فهذه ملك لأربابها لا خراج عليها ولهم التصرف فيها كيف شاءوا ، وأما
الثاني وهو ما فتح عَنوة فهي ما أجلي عنها بالسيف ، ولم تقسم بين الغانمين ؛ فهذه

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة .
٥٠٤
٨ - كتاب الزكاة
تصير وقفاً للمسلمين يضرب عليها خراج معلوم يؤخذ منها في كل عام يكون أجرة
لها ، وتقر في أيدي أربابها ما داموا يؤدون خراجها ، وسواء كانوا مسلمين أو من
أهل الذمة ولا يسقط خراجها بإسلام أربابها، ولا بانتقالها إلى مسلم لأنه بمنزلة
أجرتها ولم نعلم أن شيئا مما فتح عنوة قسم بين المسلمين إلا خيبر فإن رسول الله
قسم نصفها فصار ذلك لأهله لا خراج عليه ، وسائر ما فتح عنوة مما فتحه عمر
بن الخطاب رضيُتّه ومن بعده كأرض الشام والعراق ومصر وغيرها. اهـ
وإذا كانت الأرض الخراجية في يد المسلم فإن عليه أن يدفع خراجها وأن
يدفع أيضا عشر غلتها كزكاة ، كما هو معلوم وهذا قول الجمهور ، أما الذمي فعليه
أن يدفع خراجها فوق ما يدفعه من جزية فإذا أسلم الذمي فعليه الخراج للأرض
والعشر من غلتها .
وقال ابن القيم في أحكام أهل الذمة (٩١/١): وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا
يجتمع العشر والخراج في أرض بل إن أخذ ممن هي في يده الخراج لم يؤخذ منه العشر
وإن أخذ منه العشر لم يؤخذ منه الخراج .
وروي في ذلك حديث باطل لا أصل له وليس من كلام رسول الله صلى
الله عليه وسلم لا يجتمع العشر والخراج .. اهـ
وهذا الحديث حكم عليه أيضا النووي في شرح المهذب (٥٥١/٥) بأنه
حديث باطل مجمع على ضعفه. اهـ
وقال الإمام البغوي في شرح السنة (١٧٦/١١): شارحا معنى الخراج: إذا
فتح الإمام بلدا صلحًا على أن تكون الأرض لأهلها ، وضرب عليها خراجا معلوما
، فهو جزية ، فإذا أسلم أهلها سقط عنهم ذلك كما تسقط جزية رؤوسهم ، ويجوز

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٠٥
٨ - كتاب الزكاة
لهم بيع تلك الأراضي ، أما إذا صالحهم على أن تكون الأراضي لأهل الإسلام ،
وهم يسكنونها بخراج معلوم وضع عليهم فذلك أجرة الأرض لا تسقط بالإسلام ولا
يجوز لهم بيع شيء من تلك الأراضي لأنها ملك للمسلمين وكذلك إذا فتحوها عنوة
وصارت أراضيها للمسلمين ، فأسكنها المسلمون جماعة من أهل الذمة بخراج معلوم
يؤدونه فذلك لا يسقط بالإسلام. اهـ
(٢٣) باب الوَسْق ستون صاعا
١٨٣٢ - حَدَّثْنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ الطَّنَافِسِيُّ عَنْ
إِدْرِيسَ الْأَوْدِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةً عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْوَسْقُ سِنُونَ صَاعًا .
ضعيف
١٨٣٣ - حَدَّثْنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ
عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَأَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ الْوَسْقُ سِتُونَ صَاعًا .
ضعيف
الشرح : بين الحديثان في الباب قدر الوسق وهو مكيال لأهل الحجاز
معروف ومقداره ستون صاعا ، وفائدة هذا التحديد ضبط نصاب الحبوب والثمار
لمعرفة القدر الواجب من الصدقة فيها .
وقد فسر معناه ابن الأثير في النهاية (١٨٥/٥) فقال: الوَسْق بالفتح سِتُّون
صاعاً وهو ثلاثمائة وعشرون رطلاً عند أهل الحجاز وأربعمائة وثمانون رطلا عند
أهل العراق على اختلافهم في مقدار الصاع والمد. اهـ
وقال القاضي عياض في مشارق الأنوار على صحاح الآثار (٢٩٥/٢):
الوسق بفتح الواو ستون صاعا بصاع النبي ◌َ ﴿ .

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٠٦
٨- كتاب الزكاة
وأما الصاع فقال ابن الأثير في النهاية (٦٠/٣): وهو مِكْيال يَسَع أرْبَعة
أمْدادِ ، والمدُّ مُخْتلَفٌ فيه , فقيل هو رِطْل وثُلُث بالعِرَاقِيِّ , وبه يقولُ الشافعيّ
وفُقهاء الحجاز، وقيل هو رطلان , وبه أخذ أبو حنيفة وفقهاءِ العِراق، فيكونُ
الصاع خمسةَ أرْطال وتُنَاً ( أو ثمانية أرْطال. اهـ
. وقال ابن قدامة في المغني (٦٥١/٢): والأصل فيه الكيل، وإنما قدره العلماء
بالوزن ليحفظ وينقل ، وقد روى جماعة عن أحمد أنه قال : الصاع وزنتُه فوجدته
خمسة أرطال وثلثا ، حنطة .
إلى أن قال ابن قدامة : قال أبو عبد الله- أي أحمد بن حنبل - فأخذنا العدس فعيرنا
به أي كلنا به مقايسين - وهو أصلح ما وقفنا عليه يكال به ، لأنه لا يتجافى عن
موضعه فكلنا به ثم وزناه فإذا هو خمسة أرطال وثلث ، وقال : هذا أصلح ما وقفنا
عليه .اهـ
(٢٤) باب الصدقة على ذي قرابة
١٨٣٤ - حَدَّثْنَا عَلِيُّ بْنُ مُخَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَمْرِو
بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُصْطَلِقِ أَبْنِ أَخِي زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ زَيْتَبَ امْرَأَةٍ عَبْدِ اللّهِ
قَالَتْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَّلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُجْزِئُ عَنِّي مِنْ الصَّدَقَةِ النَّفَقَةُ عَلَى
زَوْجِي وَأَيْتَامِ فِي حِجْرِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ لَهَا أَجْرَان أَجْرُ
الصَّدَقَةِ وَأَجْرُ الْقَرَابَةِ ..
جَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثْنَا الْأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ
عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ابْنِ أَخِي زَيْنَبَ عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَهِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلْمَ نَحْوَهُ .
صحيح

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٠٧
٨ - كتاب الزكاة
١٨٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ حَدَّثَنَا يَحْبَى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَات
عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمَّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ أَمَرَنَا رَسُولُ
اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّدَقَةِ فَقَالَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ أَيُجْزِيِنِي مِنْ الصَّدَقَةِ
أَنْ أَتَصَدَّقَ عَلَى زَوْجِي وَهُوَ فَقِيرٌ وَتِي أَخٍ لِى أَيْتَامٍ وَأَنَا أُتْفِقُ عَلَيْهِمْ هَكَذَا وَهَكَذَا
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ قَالَ نَّعَمْ قَالَ وَكَانَتْ صَنَاعَ الْيَدَيْنِ . صحيح
الغريب : صناع اليدين : أي لها صنعة تكسب منها .
الشرح : الصدقة على ذوي الأرحام أفضل بلا خلاف من الصدقة على
غيرهم ، إذ الإنفاق على ذي القرابة المحتاجين أجره مضاعف ؛ أجر الصدقة ، وأجر
صلة الرحم ، والأدلة على هذا صريحة ظاهرة لا إشكال فيها .
وإنما اختلف العلماء فيما إذا كانت الصدقة هي الصدقة الواجبة أي الزكاة ،
هل يجوز إخراجها للوالد والولد ، وهل يجوز أن تدفعها الزوجة إلى زوجها إن كان
محتاجا .
فذهب أكثر أهل العلم إلى منع إعطاء الزكاة للوالدين وإن علوا ، وللولد
وإن سفل وعلة المنع عندهم أن هؤلاء ممن يلزم المزكي نفقتهم ، فإن أعطاهم زكاته
فكأنه أعطاها لنفسه أو كأنه لم يخرجها .
وقال ابن المنذر فيما نقله الشيخ شمس الدين ابن قدامة في الشرح الكبير
(٧١٠/٢): أجمع أهل العلم على أن الزكاة لا يجوز دفعها إلى الوالدين في الحال التي
يجبر الدافع إليهم على النفقة عليهم ، ولأن دفع زكاته تغنيهم عن نفقته وتسقطها
عنه ، ويعود نفعها إليه ، فكأنه دفعها إلى نفسه ، فلم تجز كما لو قضى بها دينه. اهـ
وقال الموفق بن قدامة في المقنع " ولا إلى الزوجة "

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٠٨
٨ - كتاب الزكاة
قال شمس الدين بن قدامة في الشرح الكبير : وذلك إجماع، قال ابن المنذر
: أجمع أهل العلم على أن الرجل لا يعطي زوجته من الزكاة ؛ لأن نفقتها واجبة عليه
فتستغني بها عن أخذ الزكاة ، فلم يجز دفعها إليها ، كما لو دفعها إليها على سبيل
الإنفاق عليها . اهــ
أما دفع الزوجة زكاتها إلى زوجها الفقير فقد أجازه طائفة من أهل العلم
واستدلوا بما رواه الشيخان وأحمد وغيرهم من حديث زينب امرأة عبد الله بن
مسعود وهو حديث الباب هنا من إقرار النبي ◌ُ ◌ّب بدفع صدقتها إلى زوجها المحتاج
بل أعلمها بأن لها أجرين بذلك ، أجر الصدقة وأجر القرابة ، وقد اعترض بعض أهل
العلم على هذا الاستدلال ووجه اعتراضهم أن الحديث لم يصرح بأن الصدقة التي
سألت عنها كانت صدقة واجبة ليتم لهم الاستدلال، وأجاب المجيزون عن هذا
الاعتراض بأن النبي ◌ّ لم يستفصلها عن نوع الصدقة، وترك الاستفصال ينزل
منزلة العموم ومعناه أن إجازة النبي ◌ُّ لها بالصدقة على زوجها على عمومها
أي سواء كانت الصدقة واجبة أو تطوعا ، وهذا خلاصة ما بحثه الحافظ في الفتح
(٣٣٠/٣).
وأضاف الشوكاني في النيل (١٧٧/٤) إلى قول الحافظ هذا ما أسماه عدم
المانع وقال: ومن قال إنه لا يجوز فعليه الدليل. اهـ
وتبعه صديق حسن خان في الروضة الندية (٥٠٨/١) فأيد القول بجواز دفع
الزوجة زكاتها إلى زوجها المحتاج .
ومنع أبو حنيفة وبعض الفقهاء ذلك فقالوا : لا يجوز للزوجة أن تدفع زكاتها
إلى زوجها الفقير ، قياسا على عدم جواز دفع الزوج زكاته إلى الزوجة

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٠٩
٨- کتاب الزكاة
وبين ابن قدامة أن القياس مع الفارق وذلك أن الزوج لا يجب نفقته على
زوجته فيجوز دفع زكاتها إليه ، أما الزوجة فتجب نفقتها على زوجها فلا يجوز دفع
زكاته إليها. اهـ
(٢٥) باب كراهية المسألة
١٨٣٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللّهِ الْأَوْدِيُّ قَالَا حَدَّثْنَا وَكِيعٌ عَنْ
هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً عَنْ أَبِهِ عَنْ حَدِّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ لَأَنْ يَأْخُذَ
أَحَدُكُمْ أَحْبُلَهُ فَيَأْتِيَ الْحَبَلَ فَيَجِئَ بِحُزْمَةٍ حَطَبٍ عَلَى ظَهْرِهِ فَبِيعَهَا فَيَسْتَغْنِيَ بِثَمَنِهَا
خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ .
صبيع
١٨٣٧ - حَدَّثْنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فَيْسٍ
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ مَنْ
يَتَقَبَّلُ لِي بِوَاحِدَةٍ وَأَقَبَّلُ لَهُ بِالْجَنَّةِ قُلْتُ أَنَّا قَالَ لَا تَسْأَلْ النَّاسَ شَيْئًا قَالَ فَكَانَ ثَوْبَلِنُ
يَقَعُ سَوْطُهُ وَهُوَ رَاكِبٌ فَلَا يَقُولُ لِأَحَدٍ نَاوِلْنِيهِ حَتَّى يَنْزِلَ فَيَأْخُذَهُ. صحيح
الشرح : في حديثي الباب الحض على السعي للتكسب وأن ذلك خير للمرء
من أن يسأل الناس ، ويعرض نفسه لمذلة السؤال ، فقد ذمت الشريعة من يسأل
الناس شيئا من مالهم وهو قادر على العمل والتكسب ، كما حمدت التعفف
والاستغناء بالله عن الناس ، والتصبر والقناعة ، فإن القادر على التكسب لا يحل له
الصدقة وهو ما ذهب إليه الشافعي ، وقال أبو حنيفة يجوز له أخذ الصدقة إذا لم
يملك مئتي درهم فصاعدا .

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥١٠
٨ - كتاب الزكاة
وروى البخاري من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي {﴿ قال" ومن
يستعفف يغفه الله ، ومن يستغن يغنه الله ومن يتصبر يصبره الله وما أعطي أحد عطاء
خيرا وأوسع من الصبر "
قال الحافظ في الفتح (٣٣٦/٣): فيه الحض على التعفف عن المسألة والتتره
عنها ولو امتهن المرء نفسه في طلب الرزق وارتكب المشقة في ذلك. اهـ
وفي بعض حديث حكيم بن حزام في الصحيحين من قوله صل" واليد
العليا خير من اليد السفلى ".
وفي البخاري واليد العليا المنفقة والسفلى السائلة ".
وقال النووي في شرح مسلم (١٣٥/٤) : المنفقة أعلى من السائلة،
والمتعففة أعلى من السائلة ..
إلى أن قال رحمه الله: والمراد بالعلو علو الفضل والمجد ونيل الثواب .
ثم قال رحمه الله : مقصود الباب وأحاديثه النهى عن السؤال، واتفق العلماء
عليه إذا لم تكن ضرورة واختلف أصحابنا في مسألة القادر على الكسب على
وجهين أصحهما أنها حرام . اهـ
قال الشاعر :
إذا كان بابُ الذُّلِّ من جانب الغِنى
سَمَوْتُ إلى العلياء من جانب الفقر

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥١١
٨ - كتاب الزكاة
(٢٦) باب من سأل عن ظهر غنی
١٨٣٨ - حَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَدِعِ
عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ سَأَلَ
النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْأَلُ حَمْرَ جَهَنَّمَ فَلْيَسْتَقِلَّ مِنْهُ أَوْ لِيُكْثِرْ. صحيح
١٨٣٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصََّّاحِ أَثْبَنًا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَّشٍ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ سَلِمٍ
بْنِ أَبِي الْحَعْدِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَحِلُّ
الصَّدَقَةُ لِغَنِيِّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ .
صبيح
١٨٤٠ - حَدَّثْنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْخَلَّالُ حَدَّثَنَا يَحْنَى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ حَكِيمِ
بْنِ حُبَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَّلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ سَأَلَ وَلَهُ مَا يُعْنِهِ حَامَتْ مَسْأَلَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
حُدُوشًا أَوْ حُمُوشًا أَوْ كُدُوحًا فِي وَجْهِهِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا يُغْنِهِ قَالَ حَمْسُونَ
دِرْهَمًا أَوْ قِيمْتُهَا مِنْ الذّهَب .
فَقَالَ رَجُلٌ لِسُفْيَانَ إِنْ شُعْبَةَ لَا يُحَدِّثُ عَنْ حَكِيمٍ بْنِ حُبَيْرٍ فَقَالَ سُفْيَانُ قَدْ حَدَّثْنَاهُ
زُبَيْدٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ .
صبيع
الغريب : المِرَّة : القوة ، وأصلها من شدة فتل الحبل .
الشرح : مقصود الأحاديث في الباب التخويف والترهيب من مغبة سؤال
الناس مع قدرة المرء على الكسب أو وجود ما يكفيه ، وأن من سأل تكثرا ولغير
ضرورة فإنه يعاقب بالنار ، وفي حديث أبي هريرة تحريم الصدقة لغني عنده كفايته
وكفاية من يعول ، وفيه تحريم الصدقة على من كان قوي البنيان ، سالما من العاهات
المعوقة عن العمل والكسب .

٥١٢
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٨ - كتاب الزكاة
قال الخطابي في معالم السنن (٦٣/٢): معنى المرة: القوة وأصلها من شدة:
فتل الحبل ، يقال أمررت الحبل إذا أحكمت فتله ، فمعنى المرة في الحديث شدة أسر
الخَلْق ، وصحة البدن التي يكون معها احتمال الكدّ والتعب.
وقد اختلف الناس في جواز أخذ الصدقة لمن يجد قوة يقدر بها على الكسب
، فقال الشافعي : لا تحل له الصدقة وكذلك ، قال اسحق بن راهوية وأبو عبيد،
وقال أصحاب الرأي يجوز له أخذ الصدقة إذا لم يملك مئتي درهم فصاعدا. اهـ
ونقل عن الأحناف أيضا قولهم الأخذ ليس بحرام ، ولكن عدم الأخذ أولى
لمن له سداد من عيش " ذكره الشيخ القرضاوي عن " مجمع الأنهر " في فقه الزكاة
(٥٥٧/٢) .
وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٨٨/٧): السؤال لا يجوز لمن فيه مُنَّة وقوة
وأدنى حيلة في المعيشة. اهـ
وقال رحمه الله (٢٢٢/٧): ومن أحسن ما رأيت من أجوبة في معاني
السؤال وكراهيته ومذاهب أهل الورع فيه ، ما حكاه الأثرم عن أحمد بن حنبل ،
قال الأثرم : سمعت أبا عبد الله يُسأل عن المسألة : متى تجل ؟ فقال: إذا لم يكن
عنده ما يغديه ويعشيه على حديث سهل بن الحنظلية - وفيه أنه سمع رسول الله ومح طات
يقول : من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من نار جهنم فقالوا يا رسول الله وما
يغنيه ؟ قال : ما يغذيه في أهله وما يعشيهم " ورواه أحمد وأبو داود من حديث علي
- قيل لأبي عبد الله فإن اضطر إلى المسألة قال هي مباحة له إذا اضطر ، قيل له :
فإن تعفف ؟ قال : ذلك خير له ، ثم قال : ما أظن أحدا يموت من الجوع ، الله يأتيه

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥١٣
٨ - كتاب الزكاة
برزقه ، ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدري من استعف أعفه الله وحديث أبي ذر "أن
النبي ◌َ﴿ قال له تعفف".اهـ
وروى أبو داود والنسائي وأحمد من حديث عبيد الله بن عدي بن الخيار قال
: أخبرني رجلان أنهما أتيا رسول الله صلّ في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة
فسألاه منها فرفع فينا بصره وخفضه فرآنا جادين فقال : إن شئتما أعطيتكما، ولا
حظّ فيها لغنى ولا لقوي مكتسب .اهـ
وقال النووي في المجموع (١١٨٩/٦): هذا الحديث صحيح رواه أبو داود
والنسائي وغيرهما بأسانيد صحيحة عن عبد الله بن عدي بن الخيار .
وقال ابن كثير عند ذكر هذا الحديث في تفسير قوله تعالى من سور التوبة
{ إنما الصدقات .... } رواه أحمد وأبو داود والنسائي بإسناد جيد قوي.
وأما حديث عبد الله بن مسعود في الباب فقال الخطابي في معالم السنن
(٥٦/٢): الخموش : هي الخدوش يقال خمشت المرأة وجهها إذا خدشته بظفر أو
حديدة أو نحوها ، والكدوح : الآثار من الخدوش والعض ونحوه ، وإنما قيل للحمار
مكدح لما به من آثار العضاض .
إلى أن قال رحمه الله : وأما تحديد الغنى التي تحرم معه الصدقة بخمسين درهما
فقد ذهب إليه قوم من أهل العلم ، ورأوه حدا في غنى من تحرم عليه الصدقة ، منهم
سفيان الثوري ، وابن المبارك ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبى القول به آخرون وضعفوا
الحديث للعلة التي ذكرها يحيى بن آدم ؛ قالوا : وأما ما رواه سفيان فليس فيه بيان
أنه أسنده وإنما قال : فقد حدثنا زبيد عن محمد بن عبد الرحمن بن بريد حسب ،
قالوا : وليس الحديث أن من ملك خمسين درهما لم تحل له الصدقة ، إنما فيه كره له

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥١٤
٨- كتاب الزكاة
المسألة فقط ، وذلك أن المسألة إنما تكون مع الضرورة ولا ضرورة لمن يجد ما يكفيه
في وقته إلى المسألة ، وقال مالك والشافعي لا حد للغني معلوم توسعة وطاقة ، فإذا
اكتفى بما عنده حرمت عليه الصدقة ، وإذا احتاج حلّت له. اهـ
(٢٧) باب من تحل له الصدقة
١٨٤١ - حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْبَى حَدَّثْنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ
عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا
تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيِّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا أَوْ لِغَارٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ لِغَنِيِّ اشْتَرَاهَا
بِمَالِهِ أَوْ فَقِيرٍ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ فَأَهْدَاهَا لِغَنِيِّ أَوْ غَارِمٍ.
صبيع
الشرح : دل حديث الباب على أن الصدقة لا تحل لغني ، فلا يجوز إعطاؤه
منها، ولا يحل له أن يأخذ إذا أُعطي ، واستثنى من الأغنياء العامل على الصدقة من
قبل الوالي أو الإمام ، والغازي في سبيل الله ، والغني يشتري الصدقة بماله أو فقير
تصدق عليه فأهداها لغني أو غارم كما جاء في الحديث والمراد بالصدقة في الحديث
الصدقة المفروضة .
فأما العامل على الصدقة فإن له أن يأخذ منها عمالته وهي أجر عمله ، غنيا
كان أو فقيرا ، وذلك بنص التنزيل في قوله تعالى في سورة التوبة {إنما الصدقات
للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل
الله وابن السبيل }
وروى البخاري في كتاب الأحكام ومسلم في الزكاة من حديث عبد الله بن
السعدي قال : "استعملني عمر على الصدقة فلما فرغت أمر لي بعمالة - أي الحق

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥١٥
٨- کتاب الزكاة
الذي يجعل للعامل الذي يتولى أخذ الصدقات - فقلت : إنما عملت الله قال خذ ما
أُعطيت؛ فإني قد عملت على عهد رسول الله (﴿ فعمّلني".
وقوله فعمّلني معناه : أعطاني العمالة .
قال الإمام البغوي في شرح السنة (٩٤/٧) : والصنف السابع : سهم سبيل
الله وهم الغزاة عند أكثر أهل العلم ؛ فإنه يعطون إذا أرادوا الخروج إلى الغزو ، وما
يسعينون به على أمر الغزو من الحمولة والسلاح والنفقة والكسوة ، وإن كانوا
أغنياء. اهـ
وتأول أصحاب الرأي قوله في الحديث أو لغاز في سبيل الله أنه منقطع الغزاة
بمعنى ابن السبيل فقال المرغيناني في شرح الهداية (٢٦٨/٢): ولا يصرف إلى أغنياء
الغزاة لأن المصرف هو الفقراء ، وابن السبيل من كان له مال في وطنه ، وهو في
مكان لا شيء له فيه .اهـ
وقال الخطابي في معالم السنن (٦٣/٢): فيه بيان أن الغازي وإن كان غنيا
أن يأخذ الصدقة ويستعين بها في غزوه وهو من سهم سبيل الله وإليه ذهب مالك
والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ، وقال أبو حنيفة وأصحابه لا يجوز
أن يعطى الغازي من الصدقة إلا أن يكون منقطعا به قلت : سهم السبيل غير سهم
ابن السبيل وقد فرق الله بينهما في التسمية وعطف أحدهما على الآخر بالواو الذي
هو حرف الفرق بين المذكورين ، المسبوق أحدهما على الآخر فقال {وفي سبيل الله
وابن السبيل } والمنقطع به هو ابن السبيل ، فهو على عمومه وظاهره في الكتاب
وقد جاء في هذا الحديث ما بينه ووكّد أمره فلا وجه للذهاب عنه .اهـ
وهو كما نرى جواب قوي على رأي أصحاب الرأي .

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥١٦
٨ - كتاب الزكاة
ثم قال رحمه الله: فأما المهدي له الصدقة فهو إذا ملكها فقد خرجت أن
تکون صدقة وهي ملك لمالك تام الملك جائز التصرف في ملكه .
وقد روي أن بريرة أهدت لعائشة لحما تصدق به عليها فقربته لرسول الله
صلىالله
وِّ وأخبرته بشأنها فقال:" هذا أوان بلغت حلها وكان رسول الله وح لول لا تحل له
الصدقة.اهـ
:
وفي رواية الصحيحين قال : " هو لها صدقة ولنا هدية" وقد أو ضح ابن
عبد البر ذلك في التمهيد (٢٤٥/٧): فقال: إن الصدقة إذا تحولت إلى غير معناها
حلت لمن لم تكن تحل له قبل ذلك. اهـ
ويمثله قال الحافظ في الفتح (٣٥/٣).
وهذا معنى ما جاء في الحديث "أو فقير تصدق عليه فأهداها لغني أو غارم""
(٢٨) باب فضل الصدقة
١٨٤٢ - حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادِ الْمِصْرِيُّ أَنْبَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِّي
سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ يَسَارِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُزَيْرَةً يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا تَصَدَّقَ أَخَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّ الطَّيِّبَ إِلَّا أَحْذَهَا
الرَّحْمَنُ بِيَّمِهِ وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةٌ فَرْبُ فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ تَبَارَكَ وَتُعَلَى حَتَّى تَكُونَ
أَعْظَمَ مِنْ الْحَبَلِ وَيُرَبِّيهَا لَهُ كَمَا يُرَِّّي أَحَدُكُمْ فُلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ . صحيح
١٨٤٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَ الْأَعْمَئُِ عَنْ خَيْئَمَةَ عَنْ عَدِيِّ ابْنِ
حَاتِمٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكُلِّمُهُ رَّهُ
لَيْسَ بَيْتَهُ وَبَيْنَهُ ثُرْجُمَانٌ فَيَنْظُرُ أَمَامَهُ فَتَسْتَقْبِلُهُ النَّارُ وَيَنْظُرُ عَنْ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إلّا

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥١٧
٨ - كتاب الزكاة
شَيْئًا قَدَّمَهُ وَيَنْظُرُ عَنْ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا شَيْئًا قَدَّمَهُ فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَّقِيَ
النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةِ فَلْيَفْعَلْ .
صبيع
١٨٤٤ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ
عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ الرَّبَابِ أُمِّ الرَّائِحِ بِنْتِ صُلَيْعٍ عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرِ الضَّبِيِّ
قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَّلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّدَقَّهُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ وَعَلَى ذِي
الْقَرَابَةِ اثْنَتَانِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ .
صبيع
الغريب :
فلوّه أو فصيلة : الفلو هو المُهْر ، سمي بذلك لأنه فلي عن أمه أي فصل
وعزل والفصيل ولد الناقة إذا فصل من إرضاع أمه.
الشرح : مقصود حديث أبي هريرة في الباب بيان أن الله تعالى لا يقبل من
الصدقات إلا ما كان طيباً حلالا ؛ قد حصل عليه صاحبه من كسب طيب ، وأراد
بصدقته وجه الله ، وأن الحرام مردود على صاحبه لا يقبله الله تعالى بخلاف الحلال
فإن الله تعالى ينمي هذه الصدقة لصاحبها ويربيها ، وذلك أن الله سبحانه يتقبل
الصدقة الطيبة بيمينه ، وفي بعض طرق الحديث في الصحيحين إنما يضعها في كف
الرحمن يربيها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى يكون مثل الجبل .
وفي الحديث دلالة على إثبات اليمين لله سبحانه وتعالى على وجه الكمال
وَق عن مشابهة المخلوقين ، وهو الحق الذي دلت عليه الأحاديث
مع تنزيهه
الصحيحة .
قال أبو عيسى الترمذي في سننه في باب "ما جاء في فضل الصدقة" من
كتاب الزكاة بعد إيراده هذا الحديث : قال غير واحد من أهل العلم : تثبت

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥١٨
٨ - كتاب الزكاة
الروايات في هذا، ويؤمن بها ولا يتوهم، ولا يقال كيف هكذا ، روي عن مالك
بن أنس وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث : أمروها
بلا كيف ، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة ، وأما الجهمية فأنكرت
هذه الروايات وقالوا هذا تشبيه .
وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٧٢/٧) : ومعنى هذا الحديث بعضده قول
الله رَات { يمحق الله الربا ويربي الصدقات}. اهـ
وقوله في حديث عدي بن حاتم " فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة
فليفعل " فيه دليل على عظيم فضل الصدقة .
قال النووي في شرح مسلم (١١٢/٤) : فيه الحث على الصدقة وأنه لا يمتنع
منها لقلتها وأن قليلها سبب للنجاة من النار اهب
وأيضا فإن الصدقة مهما صغرت إذا وافقت إخلاصا ونية حسنة فإن الله
تعالى يتقبلها منه ، وقد تنجيه من النار بسببها ، حين تثقل الميزان فترجح حسناته
وقد قالوا : ربّ عمل صغير تعظمه النية ورب عمل كبير تحقره النية والمقصود بالنية
الأولى النية الحسنة والإخلاص التام والمقصود بالثانية عكسها وفي نفس المعنى قالوا :
رب درهم سبق ألف درهم .
وأما حديث سلمان بن عامر الضبي فقد سبق شرحه قبل ثلاثة أبواب

إهداء الديباجة شرح سنن ابن ماجة
٥١٩
٩- كتاب النكاح والطلاق
٩ - كتاب النكاح والطلاق
(١) باب ما جاء في فضل النكاح
١٨٤٥ - حَدَّثْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ
إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ قَالَ كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِمِنَّى فَخَلَا بِهِ عُثْمَانُ
فَحَلَسْتُ قَرِيِّبًا مِنْهُ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ هَلْ لَكَ أَنْ أُزَوْجَكَ حَارِيَةً بِكْرًا تُذَكِّرُكَ مِنْ
نَفْسِكَ بَعْضَ مَا قَدْ مَضَى فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ اللّهِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ سِوَى هَذَا أَشَارَ إِلَىَّ
بِيَدِهِ فَحِنْتُ وَهُوَ يَقُولُ لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ لَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا
مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوْجْ فَإِنّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمٍ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ .
صحيح
١٨٤٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْأَزْهَرِ حَدَّثْنَا آدَمُ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مَيْمُونٍ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ
عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ الِّكَاحُ مِنْ سَُّّتِي فَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ
بِسُتَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي وَتَزَوْجُوا فَإِنِّي مُكَائِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ وَمَنْ كَانَ ذَا طَوْلِ فَلْيَنْكِحْ وَمَنْ لَمْ
يَجِدْ فَعَلَيْهِ بِالصَِّامِ فَإِنْ الصَّوْمَ لَهُ وِجَاءٌ .
حسن
١٨٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْتَى حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِم
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ نَرَ ( يُرَ ) لِلْمُتَحَأَيْنِ مِثْلَ النَّكَّاحِ .
ـيع
الغريب :
الباءة: النكاح والتزوج قاله ابن الأثير ، وقال غيره : القدرة على مؤن النكاح
والوطء

إهداء الديباجة شرح سنن ابن ماجة
٥٢٠
٩ - كتاب النكاح والطلاق
وجاء : دق الأنثيين ، والخصاء نزعهما والمعنى أنه يقطع النكاح .
الشرح: النكاح من سنن الإسلام، وهدي النبي ◌ّ، فقد حث عليه
ورغب فيه ، وأمر به كل قادر عليه، وبين ◌َّ فوائده ومنافعه الدينية والدنيوية،
فالنكاح هو الوسيلة الشرعية التي بها يسكن الرجل إلى المرأة في إطار شرعي كريم
،فإذا تزوج المسلم كان أقدر على غض بصره عن الحرام وأبعد عن الوقوع في
الفاحشة .
ثم أرشد ◌ّ من عجز عن مؤنة النكاح إلى الصيام ، وعلل ذلك بقوله "فإنه
له وجاء " ، أي أنه كاسر لشهوته ، دافع لحدتها، وهذا فوق كون الصيام بنفسه
عبادة تزكي النفس وتطهرها ، وتدنيها من التقوى ، وتبعدها عن مواطن الإثم
والجناح ، والصيام بهذا القصد صحيح ويثاب عليه صاحبه .
حكمه :
النكاح مستحب ،وهو قول أكثر أهل العلم ، وذهب ابن حزم إلى القول
بوجوبه .
قال الإمام البغوي في شرح السنة (٤/٩) : وفي الحديث دليل على استحباب
النكاح لمن تاقت نفسه إليه ، ووجد أهبته ، ويكره له أن لا ينكح ، وذهب بعض أهل
الظاهر إلى أنه يجب أن ينكح ، والعامة على استحبابه. اهـ
ولأحمد رحمه الله قول بوجوبه إذا خاف العنت إلا أن المشهور من مذهبه
عدم الوجوب .
قال الموفق بن قدامة في المقنع: والنكاح سنة . اهـ